تحميل رواية «فات اوان الندم» PDF
بقلم اماني سيد
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
يا بابا اللي بتعمله ده غلط، أنت كده بتخلي ولاد مراتك يركبوا علينا ويدلدلوا. إزاي عملت حاجة زي دي؟ أنت كده ماسكهم كل حاجة واحنا شغالين عندهم. أنت هتعلمني شغلي ولا إيه؟ أنا أدرى باللي بعمله وعارف أنا بعمل إيه. لأ مش عارف، لما أبقى أنا وأخويا شايلين الشغل كله وهما مش بيعملوا حاجة، وفي الآخر تديهم هما كل الصلاحيات واحنا مالناش لازمة بعد التعب ده كله، يبقى مش عارف. أخرس، أنا حر وطول ما أنا عايش أعمل اللي أنا عايزه. أنت كده بتخسرني أنا وأخويا. أنتوا مالكوش مكان تاني تشتغلوا فيه غير هنا، مش عاجبك سيب ا...
رواية فات اوان الندم الفصل الحادي عشر 11 - بقلم اماني سيد
لاحظت نسرين نظرات باباها لسميحة للحظات، شعرت بالغيرة. ولكن بعد ذلك، شعرت بخوف أن يكون منصور أو فارس قد أخذا بالهما ويفكرا فيه بطريقة وحشة.
كانت سميحة واقفة وسط الزغاريد والفرحة، قلبها يرقص من السعادة، وكل شوية عينيها تدمع من كتر التأثر.
بصّت على أولادها وهما فرحانين، ولحظة ما قال المأذون: "بارك الله لكما وبارك عليكما وجمعا بينكم في خير"، كانت عيونها تبكي من غير توقف، وفي نفس اللحظة الضحكة مالية وشها وهي تهمس لنفسها:
"الحمد لله يا رب… قدرت أكون لهم الأب والأم."
افتكرت ليالي التعب، والوجع، والسهر عشان ما يحسوش بالنقص.
سنين كانت تكتم وجعها وتضحك، عشان هما بس يعيشوا مرتاحين.
دلوقتي وهي شايفاهم واقفين كده، حسّت إن كل اللي مرت بيه كان يستاهل.
عنيها كانت تتنقل ما بين وشوشهم، تدمع كل ما تشوف فيهم لمحة من نفسها… تعبها، خوفها، وحنيتها.
ضحكت بخفة وقالت جواها:
"أهو ده عزاي في الدنيا… ولادي اللي كبرت بيهم وشلتهم على كتافي."
بعد انتهاء كتب الكتاب، وقف منصور يسلم على عبد الظاهر، وبعدها أخد نسرين من إيدها وراح لمامته اللي كانت واقفة جنبها فجر بنت خاله صالح. وفارس كان ماشي وراهم وهو بيضحك وعيونه متعلقة بفجر.
أول ما وصل منصور لأمه، حضنها جامد وباس رأسها وإيديها.
"جميلك ووقفتك جمبي في حياتي عمري ما هنساه طول ما أنا عايش. لو في حد ليه يد في اللي أنا فيه بعد ربنا تبقى إنتي."
حضنته سميحة جامد وكانت بتعيط، ونسرين عينيها دمعت. فهي سمعت منها ومن فجر قد إيه عانت وتعبت واستحملت عشان خاطرهم.
حاول فارس إنه يغير الموقف لأن الكل قدامه بيدمع، وهو كمان ابتدى يدمع.
"بقولك إيه يا ماما هو إنتي هتخلصي العياط كله في كتب الكتاب؟ لأ استني شوية ده لسه فيه يوم الزفاف ولسه فيه أنا كمان."
وبعدها بص لفجر:
"ولا إيه يا فجر مش لازم تسبلي حبة دموع؟ ده أنا حتى أحلى من منصور في البدلة مش كده؟"
ضحكوا كلهم على كلام فارس.
وحضنته سميحة وهي بتضحك، وفي عينيها أثر للدموع.
"بإذن الله أفرحك بيك قريب، بس أخلص من منصور الأول."
انضم ليهم عبد الظاهر.
"ضحكتوا مسمعة في القاعة كلها، مش تضحكوني معاكم ولا أنا ماليش نصيب؟"
"إزاي يا عمي ده إنت الخير والبركة، وجودك لوحده بيكفينا، ده إحنا اللي من غيرك ما نساويش حاجة."
ضحك عبد الظاهر بخفة وقال وهو بيطبطب على كتف منصور:
"ربنا يخليك يا منصور، يا ابني… دايمًا كده بتضحك."
"بقولك يا عمي ينفع آخد نسرين ونروح مشوار؟"
"خلاص بقت مراتك مش محتاج تستأذن، بس بلاش تأخير سامع؟"
"حاضر، ماتقلقش. هوصلها للبيت بنفسي. وإنت يا فارس ماما خليها معاك وروحها، ماتسبهاش لوحدها وتسهر مع صحابك."
"ماتقلقش يا منصور، هروحها هي وفجر."
"فجر معاها أبوها وأمها، ركز إنت في أمك."
قاطع كلامهم عبد الظاهر.
"ماتقلقش يا منصور، أنا هوصلهم بعربيتي."
"مش عايزين نتعبك يا عمي."
"لأ مافيش تعب بين الأهل، مش إحنا بقينا أهل ولا إيه؟"
"عندك حق يا عمي، خلاص يا فارس عمي هيوصلكم."
منصور ساق عربية فارس لحد ما خرجوا برا الزحمة. الطريق كان فاضي والليل ساكت كإنه بيستناهم.
وقف في مكان عالي، ومن فوق كانوا شايفين القاهرة كلها منورة قدامهم. الأضواء عاملة زي نجوم بتترص على الأرض.
نسرين كانت ساكتة، عينيها تايهة في المنظر، ووشها منور بنور المدينة.
بصّ لها منصور، وساعتها حس إن الكلام ملوش لازمة، النظرة لوحدها كفاية تقول كل اللي جواه.
قرب منها وبدون أي مقدمات، قام بتقبيلها.
في البداية، مقدرتش نسرين تستوعب المفاجأة. حاولت تبعده، ماقدرتش. اتجمدت نسرين مكانها من الخضة.
كأن الوقت وقف، وصوت أنفاسه بقى أقرب من اللازم…
قلبها اتخبط مرة واحدة، خبطة وجع وشوق في نفس اللحظة.
حاولت تقنع نفسها تبعد، بس كل خلية فيها كانت بتشتاق له.
نَفَسُه الدافي وهو بيقرب خلاها ترتجف، مش خوف… لأ، ارتجافة ليها طعم مختلف، طعم أول مرة تحس بيه.
كانت بتحس بدقاته قبل ما تسمعها، كأن قلبه بينادي قلبها بعد سنين خصام.
عينيه كانت بتتكلم بلُغة هي الوحيدة اللي تفهمها، فيها عتاب، فيها وجع، بس كمان فيها حُب عمره ما خلص.
حست إن المسافة اللي بينهم مهما كانت كبيرة، ضاعت كلها في لحظة، في نَظرة.
قالت لنفسها "ابعدي يا نسرين"، بس قلبها رد "لأ، بحبه".
انتهى منصور من قبلته وسند مرة أخرى على ضهر الكرسي وبصلها بحب وبص قدامه.
قال بهدوء:
"أول مرة أحس إن الدنيا كلها صغيرة كده… وإن كل اللي أنا عايزه فيها واقف جنبي دلوقتي."
بصّت له بخجل، قلبها دق بسرعة، والهوا بقى تقيل كإنه بيحاوطهم هما بس.
قرب منها شوية، سكتوا الاتنين، لا هو عارف يقول إيه ولا هي.
كل اللي بينهم كان إحساس واضح، صادق، ساكت… بس مليان حب.
فضلوا ساكتين، والأنوار من تحت بتلمع كأنها بتشاركهم اللحظة.
مد منصور إيده ومسك نسرين من إيديها وقبلها ببطء وهو بيبص لها.
كانت نسرين مش مصدقة اللي شايفاه… مش عارفة تعمل إيه. كانت مشاعرها مستسلمة لرومانسيته اللي غرقت فيها مرة واحدة.
ده منصور!
منصور اللي عمره ما كان بيبص في عينيها، اللي دايمًا بيهرب منها.
حست كأنها بتشوف حد تاني.
بصّ لها منصور وهو لسه ماسك إيديها.
"إيدك ساقعة ليه؟"
قالها بصوت واطي، فيه قلق وحنية ما كانتش متعودة عليهم.
ضم كفوفها بين إيديه، وبدأ يفركهم بلُطف كأنه بيحاول يرجع فيهم الدم.
كل لمسة منه كانت بتهزّها.
حاسة بحرارة إيده بتدفّيها من بره، بس اللي كان بيدفيها بجد هو إحساس الأمان والمشاعر الجديدة اللي عصفت بيها.
بصّتله بعيون مرتبكة.
"إنت إيه اللي جرى لك يا منصور؟"
ابتسم بخفة وهو لسه ماسك إيديها.
"ماحصلش حاجة، بعمل اللي كان نفسي أعمله من أول يوم شوفتك فيه."
حاولت نسرين تخرج الكلام، بس صوتها كان بيتقطع بين الدهشة والفرحة، مش عارفة تعبر.
"يعني إيه اللي نفسك تعمله؟"
ضحك بخفة وهو لسه ماسك إيديها بين إيديه.
"نفسي أقولك إني بحبك من زمان… بس مكنش ينفع.
كنت عايز أي حاجة أعملها معاكي تكون بالحلال،
كنت خايف أبصلك بصّة أغضب بيها ربنا،
كنت بخاف من نفسي عليكي… علشان كده كنت ببعد، مش قلة حب ولا تجاهل.
كنت بحاول أحافظ عليكي، حتى مني."
الكلام دخل قلبها زي النسمة… دافي وصادق.
عنيها دمعت غصب عنها.
"يعني كل البُعد ده كان خوف؟"
"أيوه… كنت بخاف أضعف، بخاف أظلمك، بس النهارده… لما بقيتي ليا بالحلال، مش هسيب لحظة تعدي من غير ما أعيّشك فيها كل اللي كنت بكتمه جوايا وكل اللي بحلم بيه."
قرب منها خطوة، صوته بقى أهدى وأقرب.
"كنت كل يوم بدعي أشوفك وأنا مطمن، مش خايف من نظرة ولا كلمة، ودلوقتي ربنا كرمني."
نسرين بصّت له، قلبها يرقص جواها.
الكلام اللي كانت طول عمرها نفسها تسمعه من الشخص اللي بتحبه اتقالها.
وبصدق… وبإحساس رجولة ناعمة لكنها قوية.
مد إيده بلُطف، صوابعه عدّت على خدها كأنه بيطمنها.
صوته نزل واطي، فيه حنية راجل بيحب بصدق.
"بصيلي كده تاني يا حبيبتي… أنا مش غريب عنك، أنا منك وليكي.
أنا مش عايز أشوف الكسوف ده في عينيك تاني، ما تخافيش مني."
رفع دقنها بإيده، عينيه غرقت في عينيها وقال بهدوء.
"من النهارده، أنا ضهرك وسندك، واللي يوجعك يبقى وجعني."
هي همست بخجل، صوتها مهزوز.
"بس أنا مش متعودة على كده…"
قاطعها وهو بيقرب منها، أنفاسه كانت سخنة وهي بتحس بيها على خدها.
"خلاص، اتعودي عليا… اتعودي إن في حضني أمان، وإني مش هسيبك حتى لو الدنيا كلها قامت علينا."
حست بقلبها بيدق بسرعة، ملامحه كانت قريبة منها لدرجة إنها سمعت دقات قلبه.
مدّ إيده وقرّبها منه، عينيه كانت فيها حنية مالهاش آخر، وقال بصوت واطي لكنه مليان رجولة وثقة.
"من النهارده يا نسرين… أنا جوزك، وحبيبك، وسندك.
يعني لو تعبتي، هتسندي عليا… ولو خوّفك العالم، أنا اللي هحميكي منه."
كانت واقفة قدامه، عينيها بتلمع ما بين الخجل والحب والمشاعر اللي بتختبرها لأول مرة.
بص منصور في ساعته. لقى الوقت اتأخر.
"الساعة ١ للأسف الوقت جرى بسرعة، هوصلك البيت وقريب أوي هاجي أزوركم تاني."
دور منصور العربية ووصلها البيت، وبعدها وصل بيته لقى مامته وفارس قاعدين بيتكلموا عن فجر.
"ياترى فارس ناوي على إيه؟"
في بيت حسين، كان قاعد في أوضته بيشرب سيجارة. وفرحة أولاده وسميحة واللي تم في كتب الكتاب بيتعاد قصاد عينيه.
"هل أولاده ممكن يسامحوه في يوم؟"
دخلت مشيرة لقيته قاعد سرحان والطفاية مليانة عقاب سجاير.
"هتفضل قاعدلنا كده كتير؟ لا شغلة ولا مشغلة."
"عايزة إيه؟"
"عايزاك تنزل تشوفلك شغلة، كفاية كده. الولاد قرفوا من قعدتك في البيت."
"ابعدي عني يا مشيرة دلوقتي."
"مالك يا حسين ملوّي كده؟ عشان سميحة؟ إيه حنتلها ولا إيه؟"
"مش دي سميحة اللي مكنتش بطيقها ولا بحب أبص في وشها؟ دلوقتي بتفكر فيها؟ وأنا؟ أنا إيه؟ خلاص نسيت؟ ما بقتش أعجب ولا بقيت تقرب مني؟"
"ناسي؟ ناسي أيام زمان؟ كنت بتبوس إيدي ورجلي عشان أرضى عنك وأتجوزك، دلوقتي خلاص بقيت وحشة."
"اتعدل يا حسين وانزل شوفلك شغلة عشان أنا قربت أجيب آخري، واللي هيحصل مش هيعجبك."
سكت حسين ومقدرش يرد عليها. كلامها كله صح.
بكرة لازم ياخد خطوة في موضوع سميحة ويحاول يراضيها ويطلق مشيرة ويخلص منها.
"ياترى سميحة اكتفت ولا لسه؟"
رواية فات اوان الندم الفصل الثاني عشر 12 - بقلم اماني سيد
مرت الأيام، والتقارب بين منصور ونسرين بقى يزيد يوم ورا التاني.
حتى العلاقة بين نسرين وسميحة كمان اتغيرت، بقوا قريبين من بعض جدًا، كأنهم عيلة مش مجرد بنت وحماتها.
سميحة كانت بتحس إن نسرين بقت بنتها وقربت منها وبقت تساعدها في اختيار عفشها وجهازها.
ونسرين اعتبرتها زي مامتها وكانت حريصة إنها تاخد رأيها في أغلب الجهاز اللي جابته ليها.
كانت نسرين بتشتري بعض الملايات وكانت سميحة بتساعدها كالعادة في اختيار الألوان.
جه مكالمة لنسرين وبعدها نسرين قفلت الموبايل والدموع اتجمعت في عنيها وجسمها بدأ يتنفض.
سميحة لاحظت الارتباك في ملامح نسرين وسألتها:
ماله باباكي يا بنتي؟ حصل إيه؟ ومين كان بيكلمك؟
نسرين (صوتها بيرتعش):
واحد من العمال عند بابا… بيقول إن بابا تعب فجأة، وودّوه البيت، وكانوا بيحاولوا يبلغوني عشان لما راحوا ملقوش حد هناك.
أنا خايفة قوي يا طنط…
سميحة:
اهدي يا نسرين، اهدي يا حبيبتي، متخافيش. أنا هكلم منصور حالًا، يخليه يسبقنا هناك ويكلم الدكتور.
إن شاء الله هيبقى كويس.
نسرين اترمت في حضنها وبتعيط بحرقة، وسميحة تحضنها وتطبطب عليها:
خلاص يا حبيبتي، متخافيش، كله هيعدي.
خرجت سميحة الموبايل واتصلت بمنصور:
ألو يا منصور، تعال بسرعة يا ابني، أبو نسرين تعب… الحق شوفه واتصل بالدكتور، وأنا ونسرين جايين في الطريق.
منصور:
حاضر اقفلي وأنا هروحله حالا.
قفل منصور مع مامته وبعدها ذهب لإحدى العيادات وقدر يتواصل مع دكتور وأخده وراحوا بيت عبد الظاهر.
في نفس وقت وصول منصور وصلت نسرين وسميحة.
فتحت سميحة الباب وجريت على أوضة باباها ودخلوا كلهم معاها.
كان عبد الظاهر نايم على السرير وجمبه قاعد واحد من العمال.
دخل الدكتور واستأذن العامل ومشي، ووقف منصور مع الدكتور وقت الكشف.
وكانت نسرين قاعدة في الصالة مع سميحة منتظرة خروج الدكتور.
بعد فترة خرج الدكتور وطمنهم على حال عبد الظاهر.
جريت نسرين اتجاه الدكتور عشان تطمن على حال والدها:
لو سمحت يا دكتور طمني ماله بابا.
الدكتور:
السكر كان عالي وأنا اديته أدوية ماتقلقيش شوية ويبقى كويس.
بس أهم حاجة خدوا بالكم من علاجه.
أنا لاحظت إنه مش منتظم على الحقن وده ماينفعش.
عموما زي ما فهمتك ظبطي الأكل وياخد الحقن في معادها هيبقى زي الفل.
خرج الدكتور ومعاه منصور كان بيوصله وفي إيديه روشتة طبقها وحطها في جيبه.
جلست نسرين ورجعت تعيط مرة تانية.
جذبها منصور ناحيته بقوة لحد ما بقت جوه حضنه، صوته ناعم وهو بيهمس جنب ودنها:
خلاص يا حبيبتي، ما تعيطيش كده… والله قلبي بيتوجع لما بشوف دموعك.
رفعت وشها تبصله، ودموعها لسه على خدها، فمسحها بإيده وقال بهدوء:
الدموع دي ما تليقش بوشّك، انتي اتخلقتي عشان تضحكي، مش تبكي.
نسرين بنبرة متكسرة:
غصب عني يا منصور، لما بشوفه تعبان كده بحس إني بنهار.
منصور قرب منها أكتر، عيونه دافية وصوته حنين:
وأنا من جوايا بحس بوحدة لما بشوفك كده و متخافيش، أنا جمبك، ومش هسيبك أبداً.
ابتسمت نسرين على حنية منصور معاها وقاطعت كلامهم صوت سميحة:
طيب إيه انتوا ناسيني ولا إيه.
بصولها الاتنين بحرج وبعدوا عن بعض.
سميحة:
يلا يا ختي انتي وهو ندخل نطمن على أبوكي ماتقلقيش هيبقى كويس يلا نطمن عليه.
دخلوا كلهم الأوضة وجريت نسرين على باباها تطمن عليه:
بابا… بابا انت كويس كده تقلقني عليك؟ انت ليه بتعمل فيه كده أنا عملالك الأكل دايما وسيباه في المطبخ ليه مش بتاكل منه وبتاكل من بره.
عبد الظاهر:
كان نفسي أكل حتة كنافة بالقشطة بعت الواد حمص جابلي كيلو أنا قولت هاخد حتة والحته جرت حتة.
نسرين:
ده كلام برضو يا بابا كنافة أنت عارف فيها سكر أد إيه.
عبد الظاهر:
مهو أنا يابنتي زهقت من الأكل بتاع البيت حبيت أجرب أكل مختلف.
سميحة اتدخلت في الكلام:
خلاص يا معلم عملتها مرة من نفسك وماتعملهاش تاني وأنا هحضر معاكي الغدا يا نسرين وبالمرة تجرب أكل جديد غير اللي متعود عليه من نسرين وأهو بالمرة أنا كمان أتعلم منها.
ابتسم عبد الظاهر ابتسامة عريضة لما سميحة اتكلمت خرجت لا إرادياً منه:
تسلم إيدك يا ست سميحة مافيش داعي تتعبوا نفسكم انتوا اقعدوا معزين مكرمين وأنا هبعت أجبلكم غدا.
سميحة:
ولا تعب ولا حاجة هو الأكل مابياخدش وقت.
يلا يا نسرين.
خرجت سميحة ونسرين يجهزوا الغدا وبدأت سميحة.
وقفت سميحة تحضر الأكل وتحط بصماتها وكانت نسرين بتتفرج عليها وبتتعلم منها.
وأعجبت نسرين بطريقة طبخ سميحة، توازنها للتوابل والملح والبهارات خلى الأكل طعمه بقى أفضل.
رغم شطارة نسرين في المطبخ إلا أن خبرة سميحة خلت الأكل طعمه بقى أجمل وأقوى.
الأكل كان خفيف وصحي وفي نفس الوقت شهي وطعمه غني.
في نفس الوقت كان قاعد منصور مع عبد الظاهر وكان عبد الظاهر بيقنعه إنه يشاركه:
يا منصور أنا عايزك تشاركني حتى بالمجهود أنا في لحظة والتانية ممكن يحصلي حاجة.
منصور:
ربنا يديك طوله العمر أولاً انت كويس يا معلم المشكلة إنك بتاكل حاجات لو الإنسان الطبيعي أكلها أكيد هيتعب.
عبد الظاهر:
طيب أعمل إيه شور عليا.
منصور:
بص يا معلم اكتب جزء من أملاكك بيع وشرا لنسرين وخليها تعملك توكيل عام.
لو جالك حاجة نسرين هتبقى ضامنة حقها وعشان شرع ربنا برضه سيب جزء من ممتلكاتك مشاع وأنا ربنا يقدرني وأحافظلها عليه وأساعدها تكبره.
أنما أنا مش هقبل إنك تعملي توكيل محدش عارف الزمن فيه إيه أفرض أنا اتغيرت؟؟
عبد الظاهر:
فكرة كويسة يا منصور خلاص أنا هكلم المحامي يمشي في الإجراءات.
دخلت نسرين الأوضة وهما بيتكلموا:
يلا يا بابا الغدا خلص هتقدر تاكل معانا ولا نجيبلك الأكل هنا.
عبد الظاهر:
لأ أنا كويس هقوم أكل معاكم بره.
خرجوا كلهم واتجمعوا على السفرة وبدأ ياكل عبد الظاهر باستمتاع فواضح إن ده مش طعم أكل نسرين لأ ده طعم مختلف أكيد سميحة.
أخيراً جه اليوم اللي أكلت من إيدها فيه.
يعني هي مسكت الخيارة والطماطم اللي في السلطة بإيدها وقطعتها.
حط عبد الظاهر المعلقة في طبق السلطة وأكلها ببط وهو بيتخيل لمسات سميحة على الخضار.
انتهى وقت الغدا وقرر منصور وسميحة إنهم يروحوا.
بعد الغدا وقف منصور وهو بيشاور لمامته:
نسيبكم ترتاحوا بقى يا معلم ونروح إحنا.
عبد الظاهر:
خليكم لسه بدري.
سميحة:
بدري من عمرك يارب يلا سلام.
نزل منصور وافتكر روشتة العلاج فقرر إنه يجيب العلاج ويوصله ليهم وبعدها يروح.
ركب منصور العربية ومامته معاه واشترى العلاج وطلب منها تستناه على مايطلعه ليهم ويرجع لها تاني.
وافقت سميحة وانتظرته في العربية.
أخد منصور العلاج وطلع لمنزل عبد الظاهر وكان وقتها باب الشقة موارب.
لسه هيرن الجرس سمع نسرين وهي بتكلم والدها عن سميحة:
يا بابا انت ليه بتخبى عليه أنا حاسة إن جواك مشاعر تجاه طنط سميحة.
عبد الظاهر:
عيب يا نسرين الست سميحة ست محترمة.
نسرين:
وده إيه علاقته بمشاعرك.
عبد الظاهر:
ما يصحش إني أبصلها بصة كده أو كده ده لو مش عشانها فكفاية عشان ولادها وأبوها وأخوها صراحة ناس محترمة.
نسرين:
طيب انت زمان كنت عايز تتجوزها.
عبد الظاهر:
الست سميحة كان أي شاب يحلم يتجوزها بس للأسف كانت من نصيب اللي مايستهالهاش.
نسرين:
اعترفت أهو يعم عندك مشاعر من زمان.
عبد الظاهر:
برضه لا ينفع أتكلم في كده ولا ألمح بكده يا نسرين واقفلي بقى على الموضوع ده.
انتظر منصور شوية وقت وبعدها رن الجرس ونسرين فتحتله.
اداها منصور العلاج وقالها ده لباباكي وسبها ونزل بسرعة.
ركب العربية وساق من غير ما يتكلم لحد ما وصل البيت.
حاولت سميحة تفتح معاه كلام لكن منصور كان بيرد على قد الإجابة.
شعور الغضب بيزيد داخل منصور، هل فعلاً عبد الظاهر بيحبها وبيفكر فيها زي ما هو كان بيفكر في نسرين؟
فضلت الأفكار والتخيلات مسيطرة على تفكير منصور لحد ما وصل منصور البيت قابل فارس كان قاعد بياكل.
دخل منصور وقعد جمب فارس وأداله مفتاح العربية:
اتفضل يا فارس العربية أهي سليمة ومونتهالك بنزين كمان.
فارس:
تشكر يا سيدي تعالى اقعد اتغدى معايا.
منصور:
أنت بتاكل إيه؟ فشه وكرشة وكبدة وسجق وحلويات مشكلة بقى ممبار وكوارع واللي منه.
فارس:
إيه العك ده؟ انت ضامن المكان اللي جايب منه الأكل ده.
منصور:
سيبك من جايبه منين تعالى دوق بس.
فارس:
لا إحنا اتغدينا من شوية.
منصور:
إيه الخيانة دي اتغديتوا فين؟
فارس:
المعلم عبد الظاهر تعب وروحناله وأمك ونسرين عملوا الأكل واتغدينا هنا.
سَاب فارس الأكل من إيده وبص لمنصور:
مالك يا فارس سبت الأكل ليه؟ مش معقول لحقت تشبع.
فارس:
لأ بقولك إيه هسيب الأكل ونبقى نتكلم بعدين ماشي.
منصور:
هدخل أغير وآخد دوش وبعدها نتكلم وأعرف شكلك اتغير ليه كده.
فارس:
ماشي.
دخل منصور للحمام ووقف تحت الدش وبدأ يفتكر كلام عبد الظاهر عن والدته.
رغم كلام عبد الظاهر إلا أنه ما قالش حاجة تغضبه أو تؤخذ عليه وما يقدرش يحكمه على مشاعره.
ونسرين هل نسرين ممكن ترحب بارتباط ماما من أبوها؟
وهو أصلاً الموضوع ممكن يعدي مشاعر داخلية جواه.
وهل ممكن يكون في مشاعر جوه ماما هي كمان؟
فضلت الأفكار تعصف بعقل منصور وبعدها خرج منصور من المرحاض وقابل فارس قاعد مستنيه:
مالك يا فارس قالب وشك ليه.
فارس:
مش عارف يا منصور بس مش حابب ماما تتعامل مع عبد الظاهر.
منصور:
ليه هو عمل حاجة ضايقتها ولا بصّلها كده ولا كده.
فارس:
لأ بس لما كل ما ماما تتكلم بتلاقيه فتح بوقه (فمه) على الآخر كده بضحكة غريبة.
منصور:
طيب إيه المشكلة الراجل دمه خفيف.
فارس:
لأ ضحكته غريبة كده زي ما يكون بيستناها تتكلم عشان يضحك بص أنا مش مرتاحله.
منصور:
طيب وأمك برضه بتضحك عليه.
فارس:
مش عارف أنت عارف ماما بطبعها ودودة.
منصور:
بقولك يا فارس افرض فرض يعني عبد الظاهر حب يتجوز ماما هتعمل إيه.
اتنطر فارس من مكانه بعصبية:
نعم يا أخويا؟
رواية فات اوان الندم الفصل الثالث عشر 13 - بقلم اماني سيد
نسيبكم ترتاحوا بقى يا معلم ونروح احنا
ـ خليكم لسه بدرى
ـ بدرى من عمرك يارب يلا سلام
نزل منصور وافتكر روشتة العلاج فقرر إنه يجيب العلاج ويوصله ليهم وبعدها يروح.
ركب منصور العربية ومامته معاه واشترى العلاج وطلب منها تستناه على مايطلعه ليهم ويرجعها تاني.
وافقت سميحة وانتظرته في العربية.
ـ اخد منصور العلاج وطلع لمنزل عبد الظاهر وكان وقتها باب الشقة موارب.
لسه هيرن الجرس سمع نسرين وهي بتكلم والدها عن سميحة.
ـ يا بابا انت ليه بتخبى عليا؟ أنا حاسة إن جواك مشاعر تجاه طنط سميحة.
ـ عيب يا نسرين، الست سميحة ست محترمة.
ـ وده إيه علاقته بمشاعرك؟
ـ ما يصحش إني أبص لها بصة كده أو كده، ده لو مش عشانها فكفاية عشان ولادها وأبوها وأخوها. صراحة ناس محترمة.
ـ طيب انت زمان كنت عايز تتجوزها.
ـ الست سميحة كان أي شاب يحلم يتجوزها، بس للأسف كانت من نصيب اللي مايستاهلهاش.
ـ اعترفت أهو، يعمي عندك مشاعر من زمان.
ـ برضو لا ينفع أتكلم في كده ولا ألمح بكده يا نسرين، واقفلي بقى على الموضوع ده.
انتظر منصور شوية وقت وبعدها رن الجرس ونسرين فتحتله.
اداها منصور العلاج وقالها: "ده لباباكي".
وسبها ونزل بسرعة.
ركب العربية وساق من غير ما يتكلم لحد ما وصل البيت.
حاولت سميحة تفتح معاه كلام، لكن منصور كان بيرد على قد الإجابة.
شعور الغضب بيزيد داخل منصور. هل فعلاً عبد الظاهر بيحبها وبيفكر فيها زي ما هو كان بيفكر في نسرين؟
فضلت الأفكار والتخيلات مسيطرة على تفكير منصور لحد ما وصل البيت.
قابل فارس كان قاعد بياكل.
دخل منصور وقعد جمب فارس وأداله مفتاح العربية.
ـ اتفضل يا فارس، العربية أهي سليمة ومونتهالك بنزين كمان.
ـ تشكر يا سيدي، تعالى اقعد اتغدى معايا.
ـ أنت بتاكل إيه؟
ـ فشة وكرشة وكبدة وسجق وحلويات، مشكلة بقى ممبار وكوارع واللذيذ منه.
ـ إيه العك ده؟ أنت ضامن المكان اللي جايب منه الأكل ده؟
ـ سيبك من جايبه منين، تعالى دوق بس.
ـ لا، إحنا اتغدينا من شوية.
ـ إيه الخيانة دي؟ اتغديتوا فين؟
ـ المعلم عبد الظاهر تعب وروحناله، وأمك ونسرين عملوا الأكل واتغدينا هنا.
ساب فارس الأكل من إيده وبص لمنصور.
ـ مالك يا فارس؟ سبت الأكل ليه؟ مش معقول لحقت تشبع.
ـ لأ، بقولك إيه، هخاص أكل ونبقى نتكلم بعدين، ماشي؟
ـ هدخل أغير وأخد دش وبعدها نتكلم، وأعرف شكلك اتغير ليه كده.
ـ ماشي.
دخل منصور الحمام ووقف تحت الدش وبدأ يفتكر كلام عبد الظاهر عن والدته.
رغم كلام عبد الظاهر إلا أنه ما قالش حاجة تغضب أو تؤخذ عليه، ومايقدرش يحكمه على مشاعره.
ونسرين، هل نسرين ممكن ترحب بارتباط ماما من أبوها؟
وهو أصلاً الموضوع ممكن يعدي مشاعر داخلية جواه؟
وهل ممكن يكون في مشاعر جوه ماما هي كمان؟
فضلت الأفكار تعصف بعقل منصور، وبعدها خرج منصور من المرحاض وقابل فارس قاعد مستنيه.
ـ مالك يا فارس؟ قالب وشك ليه؟
ـ مش عارف يا منصور، بس مش حابب ماما تتعامل مع عبد الظاهر.
ـ ليه؟ هو عمل حاجة ضايقتها ولا بص لها كده ولا كده؟
ـ لأ، بس لما كل ما ماما تتكلم بتلاقيه فتح بوقه على الآخر كده بضحكة غريبة.
ـ طيب إيه المشكلة؟ الراجل دمه خفيف.
ـ لأ، ضحكته غريبة كده زي ما يكون بيستناها تتكلم عشان يضحك. بص أنا مش مرتاحله.
ـ طيب وأمك برضو بتضحك عليه؟
ـ مش عارف، أنت عارف ماما بطبعها ودودة.
ـ بقولك يا فارس، افرض فرض يعنى عبد الظاهر حب يتجوز ماما هتعمل إيه؟
اتنطر فارس من مكانه بعصبية.
ـ نعم يا أخويا؟
رواية فات اوان الندم الفصل الرابع عشر 14 - بقلم اماني سيد
سميحة ما ردّتش على نسرين، بس جواها حاجة اتحركت.
كلام نسرين كان بالنسبالها شبه الهزار، أو يمكن جنون… بس الغريب إن قلبها ما خدوش هزار.
حست بحرارة غريبة جريت في جسمها، كأن الكلام صحّاها من نوم طويل.
سنين وهى شايفة نفسها "أم" وبس، ست خلص عمرها فى تربية ولادها ومراعاة بيتها، نسيِت إنها لسه ست ليها إحساس وليها قلب ممكن يدق تانى.
اتسندت على الكرسى، وبصّت فى الفراغ، ابتسامة صغيرة طلعت على وشها من غير ما تحس، ابتسامة فيها خجل ودفا، كأنها بتفكر: "هو لسه فى حد ممكن يشوفنى كده؟"
قلبها خبط خبطة خفيفة، مش من خوف… لأ، دى كانت خبطة حياة.
حاجة جوه منها قالتلها إنها لسه عايشة، لسه ممكن تتحب، ولسه جواها أنوثة كانت مستخبية سنين.
رجعت بسرعة لعقلها وقالت لنفسها: "عيب يا سميحة، كفاية أوهام!"
بس رغم العتاب، ملامحها ما قدرتش تخبى الفرحة الصغيرة اللى نورتها.
بصت لنسرين بابتسامه كانت بتحاول تدارى فيها صراعها الداخلى وحاولت تبين أنها مش بتفكر فى ارتباط ولا إن كلام نسرين اثر فيها.
"بصى يا نسرين يا حبيبتي أنا مش زعلانه منك ولا من كلامك لأنى عارفه انك بتفكرى كده من حبك فيه وأنا كمان بحبك وبعتبرك بنتى. إنما موضوع الارتباط ده صعب ومستحيل أنا خلاص كبرت وولادى بقوا رجاله إزاى عايزانى افكر بعد العمر ده اتجوز واجيب جوز أب لولادى دانا معملتهاش وأنا صغيره هعملها بعمرى ده."
"بس إنتى مش كبيره يا طنط انتى لسه صغيره."
"ده مايمنعش إن ولادى رجاله وكلها كام اسبوع وتتجوزا وبعدها بكام شهر هبقى جده."
حست نسرين بإحباط من كلام سميحه وأن موضوع ارتباطها من باباها شئ مستحيل وحتى لو هى وافقت منصور وفارس ممكن مايقبلوش.
"خلاص يا طنط على راحتك أهم حاجة انك تكونى مبسوطه وراضيه."
"أنا راضيه ومبسوطه الحمد لله وهتبسط اكتر لما افرح بيكى انتى ومنصور وبعدها فارس."
استأذنت نسرين وروحت بيتها وقررت أنها تنسى موضوع سميحه وباباها ومش هتكلم باباها تانى فى الموضوع ده.
عند حسين قفل المحل والمخزن ونزل يشتغل عامل فى معرض بس بعيد عن البيت والمكان بتاعه عشان محدش يعرفه فيهاشتغل حسين باليومين وكان بيعتمد على مراضيه الزباين اللى بيساعدهم فى شرا مستلزماتهم.
وعلاقته بمشيره وبولادها بقت متوتره فاروق كان بيعامله بتجاهل وسعيد اخو فاروق الصغير كان دايما بيعامله باستهزاء.
شغل حسين وعدمه بالنسباله مكنش فارق معاه هو من الأول مكنش بيحبه.
حاول حسين كتير يكلم سميحه لكن سميحه كانت بترفض.
جه يوم فضل حسين يتصل بسميحه اكتر من مره لحد ما ردت عليه.
"خير يا حسين عمال تتصل كتير ليه كده."
"وأنتى مش بتردى ليه."
"وأرد عليك ليه ؟؟ انت ماتحلليش عشان اكلمك وارد عليك الاول كنت بكلمك عشان كنت فى العده إنما دلوقتي لأ."
"أنا متعلق بيكى يا سميحه لا أنا طايل سما ولا أرض معاكى لو تبلى ريقى هتريحينى انا كان ممكن أبيع المخزن والمحل واشترى فى مكان تانى واشغلهم زى ما مشيره طلبت منى كذا مره بس انا بحبك يا سميحه وعايزك انتى ومستعد أتنازل عنهم أول ماتطلبى منى انا مابقتش عايز غير أنى اقرب منك واعيش معاكى بس وأن ولادى يسامحونى."
"بص يا حسين علاقتك بولادك أنا ماليش دخل فيها وم هتكلم فيها والفترة دى انا مشغوله مع نسرين خطيبه منصور فى تجهيزاتها عشان كده مش فاضيه اتكلم معاك. ولو أنت بعت محل ابويا ولا المخزن وقتها يا حسين تنسانى نهائى من هنا لحد ما ابنك يتجوز ده اختبار ليك هشوفك هتصبر ولا هتفضل معتمد عليا زى زمان."
"حاضر يا سميحه هصبر ومش هبيع حاجه."
قفل حسين مع سميحه.
وسرحت سميحه لامته هتفضل تعلقه كده مش يمكن يزهق.
لو مان بيزهق مكنش فضل مستنى سميره بعد ما اتجوزت وخلفت ٢ كمان.
حسين من النوع اللى بيحب اللى بيعذ*به.
خليه كده متعلق لاهو طايل سما ولا طايل ارض.
رفعت سميحه دماغها مره واحده وبصت ادامها وفكرت فى كلام نسرين تانى.
لو انا اتجوزت عبد الظاهر حسين وقتها هيتوجع زى ما اتوجع وقت جواز مشيره ؟؟
الفكره خلت سميحه تضحك لكن بالنسبالها الموضوع صعب لكن ده مايمنعش إنها مش معترضه من جواها.
وإن عبد الظاهر ليه مكانه.
كلامه معاها حنيته اللى طول عمرها نفسها تجربها خلت مشاعرها تتحرك وخصوصاً كلام نسرين.
فى منزل صالح كان فارس قاعد بيتغدى مع خاله بعد ما انتهوا من الغدا بدأ فارس فى الكلام معاه.
"مجبتش أمك معاك ليه يا فارس."
"مشغوله مع منصور عقبال ما تنشغل معايا."
ضحك صالح عليه بسخريه هو عارف فارس بيلمح لايه وبيتمنى ده لكن فارس مابيتكلمش.
بالنسبه لصالح فارس ومنصور زى أولاده وخصوصا فارس اللى متعود دايما يوده.
"صحيح يا خالى منصور هتجوز."
"منا عارف يا فارس."
"وأنا كمان عايز احصله."
"طيب ومين بنت الحلال."
"موجوده بس نفسى أهلها يوافقوا."
"هى مين وأنا اجى معاك اطلبهالك."
"فجر يا خالى."
تغيرت ملامح صالح للغض*ب وده خلى فارس يحس إنه اتسرع والقلق بدأ يتسرب جواه.
"أنت قولت مين."
سكت فارس وبعدين قال اسم فجر ببطء وبصوت واطى.
"فجر يا خالو ينت حضرتك."
"وأمك عارفه الكلام ده."
فضلت عين فارس تلف فى كل الاتجاهات مش عارف يعمل إيه وأول مره يشوف خاله بيكلمه كده.
"منا هقولها يا خالو بس عايز موافقتك الأول."
سكت صالح وهو بيضحك من جواه على شكل فارس.
اللى مش فاهم ايه بيحصل ومن جواه نفسه الأرض تتشق وتبلغه.
"خالو أنا قولتلك حاجه تزعلك." قالها فارس بقلق ليكون خاله رافضه وده باين من ملامح صالح.
مره واحده ابتسم صالح وبعدها ضحك بصوت عالى على شكل فارس.
اللى العرق ظهر على وشه.
"بكره تجيب أمك واخوك وتيجوا تتقدموا."
سند فارس ضهره على الكرسى وحس براحه بعد ما كان ضربات قلبه قربت تجيب الشارع اللى وراهم.
"خضتنى يا خالو حرام عليك."
"انشف ياد كده وبعدين يا فارس انت ابنى وأنا عارف إن بنتى هتكون معاك فى أمان."
"صدقنى يا خالو هشيلها جوه عنيه."
"وهتسكن فين مع سميحه."
"لأ هأجر شقه قريبه من المعرض."
"طيب بقولك ايه انت عارف إن البيت ده بتاعى وفى دور فوق لسه ماكملش ابنيه واتجوز فيه."
"لأ يا خالوا شكرا انا عايز اتجوز بره وبعدين منصور متجوز مع حماه انا كمان اتجوز معاك الناس هتقول ايه."
"طيب ماتسكن مع أمك عشان ماتكنش لواحدها."
"لأ انا عايز اخد راحتى وامى مش هسيبها كل يوم والتانى هروحلها وبعدين افرض منصور حب يروح يبات معاها هو زمراته بعد الجواز وقتها هيكون فى حرج ومش هينفع عشان كده ماما تبقى براحتها واحنا كمان براحتنا."
"طيب جبت الشقه يعنى."
"أه شقه قصاد المعرض ومتوضبه سوبر لوكس على العفش بس وأنا جاهز وكل طلباتها موافق عليها."
"على خيره الله يا بنى خلاص هات أمك واخوك ونتكلم ونقرا فاتحه."
قام فارس وباس خاله وحضنه.
"تسلم يا خالى ربنا مايحرمنا منك يارب."
فى بيت سميحه
كانت قاعدة هى ومنصور بيشربوا شاى و الجو هادى.
لحد ما دخل فارس بابتسامته اللى دايمًا بتسبق كلامه.
"منورين يا جماعه."
بصّتله سميحه بخفة دمها المعتادة:
"إيه ده؟ هو المعرض قفل بدري النهارده ولا إنت واخد أجازة ؟"
"لأ، ده أنا جاي ومعايا خبر كده يستاهل اكله صنيه بشاميل وكوفته."
بصله منصور وقال وهو بيضحك:
"خير يا فارس ربنا يستر من مفاجآتك."
"فعلاً يا أخويا، مفاجأة من العيار التقيل... أنا اتقدّمت لفجر."
اتسمرت سميحه فى مكانها، والكوباية وقفت فى الهوا قبل ما توصل لبوقها.
"فجر بنت خالك؟!"
"أيوه يا ماما."
"وخالك وافق؟!"
ضحك فارس وقال:
"اه يا ست الكل، خالى وافق بنفسه، وقالى كمان "هات أمك واخوك وتعالوا نقرا الفاتحة"."
منصور بصله وابتسم.
"مبروك يا فارس، والله تستاهل كل خير. وفجر بنت حلال خد بالك منها."
"تسلم يا أخويا."
سميحه بصت له بود وقالت:
"ربنا يتمملك على خير يا ابنى، فجر بنت طيبة، بس أوعى تزعلها أنت عارف معزتها من معزه صالح وأنا مش عايزه اخسرهم يعنى أعمل حسابك يوم ماتزعلها انا اللى هقفلك."
"هو انتى ليه بتحبى تجيبى الزعل قبل الفرح ماتقلقيش يا ستى أنا بحبها ومش هزعلها."
ضحك فارس وهو بيقرب منها وبيلمس إيدها وباسها.
"ماتقلقيش يا ست الكل خالى صالح غالى عندى أوى ولو مكنتش اد الجواز مكنتش عملتها."
ابتسمت سميحه من قلبها، بس فى نفس الوقت كان فيه لمحة حنين فى عينيها... يمكن علشان ولادها كبروا، ويمكن علشان فكرة الجواز رجعت تدق جواها تانى.
مد فارس إيده وخد كوباية الشاى من ايد فارس.
"ومش بس كده بكره معادنا معاه عشان نقرا الفاتحه."
وبعدها بص على كوبايه الشاى اللى ماسكها.
"على فكرة الشاى ده طعمه حلو النهارده... يمكن علشان الخبر حلو."
ضحكوا التلاتة، والجو امتلَى دفء، بس جوا سميحه كان فيه إحساس صغير بيكبر... إن البيت بعد جواز فارس ومنصور هيبقى فاضى عليها أكتر.
مرت الأسابيع واتقدم فارس لفجر هو واهله وحددوا معاد الخطوبه وكتب الكتاب بعد فرح فارس وكان باقى شويه أيام على فرح منصور.
البيت بقى فاضى على سميحه الكل مشغول بجوازه آمال بعد الجواز هيحصل ايه.
شعور الفراغ بيزيد جواها وبتحاول بكل الطرق انها تشغل نفسها عشان تلغى الشعور ده.
قرر منصور إنه يتصل بحسين ويعزمه فى فرحه ومجرد ما شاف حسين رقم منصور رد عليه.
"منصور ازيك يا ابنى عامل ايه."
"الحمد لله يا بابا أنا فرحى فاضل عليه ٣ أيام وكنت عايزك تحضر."
دمعت عين حسين إن ابنه افتكره هو كان فاكر إنه هيعمل زى وقت كتب الكتاب ومايعزموش.
"حاضر يا منصور هحضر وهشرفك بإذن الله."
قعد منصور كان بيراجع الحسابات بس سرح فى مامته هل مامته هتزعل عشان عزم أبوه.
هو فى الآخر أبوه وكان لازم يعزمه.
"ياترى ايه هيحصل فى الفرح ؟؟"
"وهل حسين هياخد باله من نظرات عبد الظاهر ؟؟"
"وهل الوحدة اللى هتحس بيها سميحه ممكن تخليها تفكر فى عبد الظاهر ؟؟"
رواية فات اوان الندم الفصل الخامس عشر 15 - بقلم اماني سيد
خرجت سميحة من الباب، قلبها كان يدق بسرعة وهي تحاول تلم نفسها.
لكن أول ما رفعت عينيها… اتجمدت في مكانها.
حسين واقف قصادها، ملامحه مشدودة ونظراته كلها غيرة مكتومة كأنها نار تحت الرماد.
وراه، عبد الظاهر متصلب مكانه، بيبص لنفس الاتجاه، عينه هي كمان فيها نفس اللهيب المكبوت.
اتلخبطت سميحة، مش عارفة تبص لمين فيهم ولا تقول إيه.
مدت إيدها تمسك مقبض الباب كأنها بتدور على مهرب.
بس حسين بدأ بالكلام:
"عايز أتكلم معاكي يا سميحة."
"مش هينفع دلوقتي يا حسين."
"لأ لازم دلوقتي يا سميحة."
"قولتلك مش هينفع، هو بالعافية يا أخي."
استغل عبد الظاهر رفض سميحة أنها تكلم حسين واتدخل بينهم:
"في حاجة يا ست سميحة؟"
"لأ، كتر خيرك يا معلم."
بص حسين بعصبية لعبد الظاهر:
"وأنت مالك بتتحشر ليه أصلاً؟ وايه اللي جابك هنا؟"
"وأنت مالك؟ أروح مكان ما أروح، ده فرح بنتي يعني أقف مكان ما يعجبني."
"وأنا أبو العريس يعني أعمل اللي أنا عايزه."
"أنت مالكش تتكلم ولا ليك صفة، أنا كلامي واتفاقي مع منصور مش معاك أنت. وأنت جاي هنا ضيف زيك زي الغريب، ولو قربت تاني من ست سميحة ولا ضايقتها أنا هتصرف معاك."
"بصفتك إيه بقى إن شاء الله؟"
لسه عبد الظاهر هيتكلم قاطعه صوت صالح:
"إيه اللي بيحصل هنا؟"
اتسمرت سميحة في النص بين الاتنين، مكنتش عارفة تعمل إيه. وحمدت ربنا إن أخوها وصل في الوقت المناسب.
اتكلمت سميحة عشان تنهي الموقف:
"مافيش حاجة يا صالح، يلا بينا، يلا يلا."
"حد ضايقك هنا؟"
"لأ، مافيش، يلا ونتكلم بعدين."
شدته سميحة ودخلت على القاعة.
وقف عبد الظاهر قصاد حسين ونظرات الحقد والكره متبادلة بينهم.
"ابعد عن سميحة يا عبد الظاهر."
"اللي بعمله ما يخصكش يا حسين، كانت في إيدك… وإنت اللي رميتها."
قالها عبد الظاهر، وبعدين سابه ومشي ودخل القاعة.
قعد جنب صالح، بيتكلم معاه كأن ما حصلش حاجة.
وسميحة كانت بتتحرك في القاعة بحذر، بتلف على المعازيم، تتابع البوفيه، توزع ابتسامات مصطنعة.
بس الحقيقة إنها كانت بتحاول تهرب… تهرب من نظرات حسين، ومن حضور عبد الظاهر، ومن أسئلة صالح اللي بدأت تلمح قلق في عينيه.
الفرح خلص أخيرًا.
منصور خد نسرين وراحوا على الفندق اللي حاجزين فيه.
عبد الظاهر رجع شقته وهو لسه مش قادر يهدى من اللي حصل.
فارس أخد أمه ومشي.
وصالح أخد بنته ومراته وخرجوا سوا.
في غرفة الفندق.
دخل منصور غرفه الفندق وهو ماسك بإيد نسرين، لم يتركها.
وبعدها قفل الباب وراه.
ومرة واحدة شالها وفضل يدور بيها داخل الغرفة.
ويميل لقدام كأنه هيوقعها وتمسك فيه نسرين أكتر.
"نزلني يا منصور هقع."
"احضنيني أوي وانتي مش هتقعي."
"طيب براحة، أنا خايفة."
"تصدقي عيب في حقي."
وراح لافف بيها أسرع وهو شايلها.
وبعد كده قعد مرة واحدة على كرسي في الأوضة وهي قعدت على رجله.
حست نسرين إنها مكسوفة وجت تقوم.
شدها منصور أكتر عليه وقال بصوت واطي وهو بيبص في عينيها:
"ليه مستعجلة؟ ده أنا لسه ما شبعتش من ضحكتك."
نسرين حاولت تبص في اتجاه تاني وقالت بخجل:
"كفاية هزار بقى يا منصور."
"هزار؟ ده أنا لو أقدر أعيش اللحظة دي على طول كنت عملت كده."
سكت لحظة، وبعدها رفع إيده ولمس خدها بلطف، وقال وهو بيبتسم:
"عارف يا نسرين... كنت دايماً بحلم أشوفك كده وعايز دلوقتي أحقق كل حاجة اتخيلتها وحلمت بيها."
مسك منصور إيديها وباسها بحب.
"بحبك أوي يا نسرين، عايزك تقولي إنك إنتي كمان بتحبيني."
ميلت نسرين راسها على صدره وقالت بصوت واطي:
"أنا بحبك أوي يا منصور ومش بكون متطمنة غير وأنت جنبي."
سكتوا هما الاتنين، وصوت أنفاسهم اختلط بدق قلبهم، والمكان بقى ساكن إلا من دفا اللحظة اللي جمعتهم سوا.
تاني يوم اتصل صالح بعبد الظاهر وطلب يقابله.
وعبد الظاهر وافق من غير يتردد، رغم إنه كان حاسس في قرارة نفسه بموضوع المكالمة.
وقت العصر وصل عبد الظاهر لبيت صالح، استقبله صالح بترحاب:
"والله زمان يا عبد الظاهر."
ابتسم عبد الظاهر وقال بهدوء:
"الدنيا مشاغل يا صالح، بس اللي في القلب لسه في القلب."
قعدوا سوا شوية، وبعدها صالح قال:
"أنت عارف يا عبد الظاهر، أنا بعتبرك أخ، واللي بينا مش قليل... عشان كده عايز أسألك سؤال وترد عليا بصراحة."
ابتسم عبد الظاهر وقال قبل ما يكمل صالح كلامه:
"من غير ما تسأل، أنا عارف هتسألني في إيه... بس خليني أجاوبك من دلوقتي."
تنهد وقال وهو بيبص في الأرض:
"آه يا صالح... قلبي ميّال للست سميحة. جوايا مشاعر ليها حاولت أدفنها من زمان، بس أول ما سمعت إنها اتطلقت... المشاعر دي رجعت تاني، رجعت زي زمان ويمكن أكتر."
رفع عينه وبص لصالح وقال بصدق:
"والله يا صالح، عمري ما كانت في نيتي حاجة وحشة، ولا عمري بصيت لها بنظرة عيب، بس المشاعر اللي جوايا مش بإيدي... غصب عني."
سكت صالح لحظة، وفضل يفكر.
هو من زمان حاسس بده، ودايماً كان بيتمنى إن يكون عبد الظاهر نصيب أخته، بس النصيب كان ليه رأي تاني.
"ولأمتى يا عبد الظاهر هتفضل كده؟"
"مش عارف يا صالح، صدقني مش عارف. جوايا حاجة بتحركني من غير ما أشعر... وأنا لسه عند كلمتي، عايز أتوز أختك يا صالح."
صالح قال بابتسامة خفيفة فيها شجن:
"والله يا عبد الظاهر، أنا أتمنى اليوم ده. بس ولادها... دول رجالة دلوقتي."
"كل واحد منهم هيتجوز ويتلهي في حياته، ليه مايسبوهاش تعيش اللي ما عاشتوش زمان؟"
سكت لحظة وبص له بثبات:
"قولي يا صالح... إنت عجبك وضع أختك كده؟"
صالح ما عرفش يرد، الكلام فعلاً وجعه.
هو عارف إن سميحة عاشت عمرها بين وجع وإهمال، ومن حقها تكون مبسوطة.
"مش عارف أقولك إيه، يا عبد الظاهر... وفي نفس الوقت خايف أكلمهم ياخدوا منك موقف."
"كلمهم يا صالح، يمكن ربنا يسهلها وأنا هكون راضي بأي حاجة."
صالح قال بعد تفكير:
"طيب، الأول ناخد رأي سميحة. يمكن اللي حصلها مع حسين مخليها مش عايزة تتجوز تاني."
"طيب، خليني أنا اللي أكلمها الأول يا صالح، ممكن؟"
"ماشي يا عبد الظاهر، هكلمها تيجي هنا، وإنت تتكلم معاها. ولو وافقت، ساعتها نكلم منصور وفارس."
خرج عبد الظاهر من عنده، وقلبه مليان أمل وقلق في نفس الوقت، مستني مكالمة صالح تحدد له معاد يقابل سميحة.
يمكن المرة دي النصيب ينصفه بعد سنين.
في بيت سميحة، كانت قاعدة لوحدها في الصالة، التليفزيون شغال على صوت واطي وهي سارحة، بتقلب في ذكرياتها.
رنّ التليفون قدامها، شافت اسم "صالح" على الشاشة وابتسمت بخفة.
ردّت وهي بتحاول تبين صوتها عادي:
"أيوه يا صالح، إزيك يا خويا؟"
"الحمد لله يا سميحة، عاملة إيه؟ صوتك فيه حاجة؟"
"لأ يا صالح، مافيش... يمكن بس تعبانة شوية."
ضحك بخفة وقال:
"تعبانة ولا زهقانة؟"
"الاتنين."
"طب ما هو دا اللي خلاني أكلمك، قلت أطمن عليكي، وبالمرة نفسي أشوفك."
"تشوفني؟ خير يا صالح، في حاجة؟"
"خير إن شاء الله، بس وحشتيني بجد يا سميحة، ماعادش بنقعد زي زمان، كلنا بقينا في دوامة."
سكتت لحظة وقالت بهدوء:
"والله يا صالح وأنت كمان وحشني."
"خلاص، يبقى تيجي بكرة بعد الضهر، أنا عايزك ضروري."
حست سميحة إن فيه حاجة وراه، نبرته كانت فيها حاجة مش طبيعية.
"في إيه يا صالح؟ حصل حاجة؟"
"لأ يا ستي، مافيش غير كل خير... بس عايز أقعد معاك كلمتين كده."
"كلمتين؟ عن مين بقى؟"
"مافيش عن مين ولا عن إيه... هتعرفي لما تيجي."
ضحكت بخفة وقالت:
"يعني لازم تقلقني الأول؟"
"لأ أبداً، هو بالعكس، الكلام هيعجبك إن شاء الله."
"طيب خلاص، أبقى أعدي عليك بكرة بعد العصر كده."
"تمام، هستناكي يا سميحة... وربنا يجعلها ساعة خير."
قفلت سميحة الموبايل وبصّت قدامها بشرود.
حسّت إن قلبها بدأ يدق أسرع من الطبيعي.
ممكن يكون هيكلمني بخصوص حسين أو عبد الظاهر؟
مش عارفة ليه حست إن صالح وراه موضوع كبير.
وقالت بين نفسها:
"يا ترى عايزني في إيه يا صالح؟"
تاني يوم وصلت سميحة عند صالح، طرقت الباب، وفتح لها صالح بنفسه بابتسامة.
"نورتِ يا أختي."
"الله يخليك يا صالح... كنت فاكراك لوحدك."
"لأ، فيه حد كنت عايزك تشوفيه."
دخلت سميحة بخطوات مترددة، ولما عينيها وقعت على عبد الظاهر وهو واقف، اتجمدت مكانها.
"عبد الظاهر!"
"إزيك يا ست سميحة..."
"الحمد لله..." (ببحة خفيفة) "أنا... ماكنتش أعرف إنك هنا."
"عارف... وكنت متأكد إنك اتفاجئتي."
سكتوا لحظة، وصالح قال بابتسامة وهو بيحاول يخفف الجو:
"أنا هسيبكم شوية تتكلموا، عندي مكالمة ضروري."
وسابهم ومشي، والجو سكت تمام.
حتى صوت عقارب الساعة بقى مسموع.
بصّ عبد الظاهر على سميحة وهو بيحاول يجمع شجاعته.
"سامحيني يا سميحة لو وجودي فاجئك... بس فيه كلام لازم يتقال، وإنتي لازم تسمعيه."
"كلام إيه يا عبد الظاهر؟"
"كلام متأخر... بس جوه قلبي من زمان."
قعد على الكرسي المقابل ليها، وصوته بدأ يهدى أكتر:
"يمكن متعرفيش إنك كنتي دايماً حاجة غالية في حياتي... من زمان وأنا شايفك الست اللي كان نفسي تشاركني عمري."
بصت له باستغراب وقالت بخجل:
"بعد كل السنين دي يا عبد الظاهر؟"
"أيوه... بعد كل السنين. يمكن كنت بكابر، يمكن خفت أقول، بس لما سمعت إنك اتطلقت، كل حاجة جوايا قامت من تاني."
"بس أنا اتأذيت كفاية، ومش ناقصة وجع تاني."
"وأنا مش جاي أوجعك، بالعكس... أنا جاي أكونلك السند والأمان."
قرب منها شوية، صوته بقى أهدى كأنه بيحكي سر:
"سميحة... أنا بحبك من زمان، حب راجل عمره ما عرف يبوح بيه، بس فضل ساكنه جواه سنين."
اتنفس بعمق وقال:
"وصدقيني، مشاعري ليكي مش لحظة حنين، دي حياة كاملة أنا مستني أعيشها معاكي لو رضيتي."
سكتت سميحة ودموعها بدأت تلمع في عينيها، مش قادرة ترد، مش مصدقة الكلام اللي بتسمعه.
"عبد الظاهر... أنت بتتكلم جد؟"
"أكتر جد من أي مرة في حياتي."
"طب وولادي؟"
"ولادك رجالة محترمين، وأنا ناوي أقف جنبهم زي أبوهم، بس قبلهم... أنا عايز أقف جنبك إنتي."
قعدت سميحة بهدوء، ودموعها نزلت من غير ما تتكلم.
عبد الظاهر مد إيده على الطاولة وقال بصوت فيه رجاء:
"عشان خاطري يا سميحة ماترفضيش."
سكتت سميحة شوية، مسحت دموعها بطرف الإيشارب، وقالت بصوت خافت:
"يا عبد الظاهر… أنا خلاص كبرت. اللي راح من العمر أكتر من اللي فاضل، وهقولك إيه… مش فاضل فيّ حيل لحكايات ولا وجع جديد."
قاطعها بهدوء وهو بيبصلها بحنية:
"وأنا مش جاي أوجعك يا سميحة… أنا جاي أريحك."
"ترتاح إزاي؟ واللّي حواليَّ هيقولوا إيه؟ وولادي هيسكتوا؟"
"محدش ليه عندنا حاجة، ولادك هيهمهم إنك تكوني مبسوطة، والناس مالهاش دعوة، محدش هينفعك لو عيشتي وحيدة."
سكت لحظة، قرب منها شوية وقال بصوت هادي يشبه الهمس:
"أنا مش جاي أطلب حب، أنا جاي أطلب عمر نعيشه في راحة، من غير خوف."
"بس أنا خايفة..."
"خايفة من إيه؟"
"من ولادي، من الناس."
"متخافيش يا سميحة أنا مش هسيبك لوحدك."
ابتسمت سميحة بخجل وقالت:
"يعني لو قلتلك لأ؟"
"هقول ربنا يسامحني إني ما عرفتش أطمنك كفاية."
"ولو قلتلك آه؟"
ابتسم وهو بيهمس:
"هقول الحمد لله اللي رجّع لقلبي الحياة بعد سنين موت."
نزلت دمعة من عينيها، ومسحتها بسرعة وقالت:
"سيبني أفكر يا عبد الظاهر، قلبي بيقول حاجة، وعقلي بيقول حاجة تانية."
"وأنا هسيبك تفكري براحتك، بس أوعي تسيبى الخوف يغلب اللي جواكي."
وقف، وبصّ لها آخر بصّة كلها شوق وقال:
"لو اتأخرتي في الرد، هأفضل مستنياك... زي ما استنيتك طول السنين."
دخل صالح وقت انتهاء عبد الظاهر لكلامه:
"ها خلصتوا كلام؟"
اتكلم عبد الظاهر بأمل:
"قولتلها اللي عندي يا صالح وهستنى ردك قريب. أستأذن دلوقتي وهكلمك أعرف الرد بعدين."
خرج عبد الظاهر وساب سميحة وصالح لوحدهم.
بصّ صالح لأخته وشاف وشها متغير، ملامحها فيها ارتباك ودمعة معلقة في عينها.
"باين عليكي محتارة يا سميحة."
"أيوه يا صالح، محتارة ومش عارفة أعمل إيه."
"قالك إيه؟"
"قال كلام... وجع قلبي قبل ما يفرحه."
"هو الراجل ده من زمان بيحبني يا صالح؟"
"من زمان أوي، بس عمره ما اتكلم، ولا حاول يضايقك بكلمة. دايماً كان بيحترمك من بعيد، وكنت أنا شايف بعيني كل مرة كان بيحاول يخفي مشاعره."
سكتت لحظة وهي تمسح دمعة نزلت على خدها:
"وأنا... مش عارفه، يمكن قلبي وجعني عشانه النهارده، كلامه صدقني حسّيته طالع من جواه."
"وده لأن عبد الظاهر راجل يا سميحة، راجل يعرف يحب صح."
"بس يا صالح... أنا عندي ولاد كبار، والناس ما بترحم."
"يا سميحة، الناس ما بترحم أصلاً، سواء اتجوزتي أو قعدتي لوحدك."
قرب منها وحط إيده على كتفها وقال بلطف:
"سميحة، إنتي عشت عمرك كله تفكري في الناس، فكري المرة دي في نفسك؟"
"نفسي... نفسي أصدق إني لسه أستحق أعيش، بس الخوف ماسكني."
"عبد الظاهر يستاهلك يا سميحة، وأنا عارفه كويس. راجل شريف، وبيحبك وهيعيشك مبسوطة، ولادك كبروا والحياة هتلهيهم."
سكتت سميحة وهي بتبص في الأرض، كأنها بتحاول تلاقي إجابة بين خيوط السجادة.
"طيب يا صالح... اديني يومين أفكر، لو القلب غلبني، هردّ."
"خدي وقتك يا أختي، بس افتكري كلامي: مفيش سن للفرحة، واللي يحبك بجد، ما يتعوضش."
سكتت سميحة، وبصت على الباب اللي خرج منه عبد الظاهر، كأنها بتكلم نفسها بهمس:
"يا ترى القدر هيديني فرصة تانية... ولا فات الأوان فعلاً؟"
رواية فات اوان الندم الفصل السادس عشر 16 - بقلم اماني سيد
خرجت سميحه من الباب، قلبها كان بيدق بسرعه وهي بتحاول تلم نفسها،
لكن أول ما رفعت عينيها… اتجمدت في مكانها.
حسين واقف قصادها، ملامحه مشدودة ونظراته كلها غيره مكتومة كأنها ن*ار تحت الرماد.
ورا منه، عبد الظاهر متصلب مكانه، بيبص لنفس الاتجاه، عينه هي كمان فيها نفس اللهيب المكبوت.
اتلخبطت سميحه، مش عارفه تبص لمين فيهم ولا تقول إيه،
مدت إيدها تمسك مقبض الباب كأنها بتدور على مهرب،
بس حسين بدأ بالكلام
ـ عايز اتكلم معاكي يا سميحه
ـ مش هينفع دلوقتي يا حسين
ـ لأ لازم دلوقتي يا سميحه
ـ قولتلك مش هينفع هو بالعافيه يا اخى
استغل عبد الظاهر رفض سميحه أنها تكلم حسين واتدخل بينهم
ـ فى حاجة يا ست سميحه
ـ لأ كتر خيرك يا معلم
بص حسين بعصبيه لعبد الظاهر
ـ وأنت مالك بتتحشر ليه أصلا وايه اللى جابك هنا
ـ وانت مالك اروح مكان ما اروح ده فرح بنتى يعنى أقف مكان ما يعجبنى
ـ وأنا أبو العريس يعنى أعمل اللى انا عايزه
ـ أنت مالكش تتكلم ولا ليك صفه انا كلامى واتفاقى مع منصور مش معاك انت وانت جاى هنا ضيف زيك زى الغريب ولو قربت تانى من ست سميحه ولا ضايقتها انا هتصرف معاك
ـ بصفتك ايه بقى إن شاء الله
لسه عبد الظاهر هيتكلم قاطع كلامه صوت صالح
ايه اللى بيحصل هنا
اتسمرت سميحه في النص بين الاتنين، مكنتش عارفه تعمل ايه وحمدت ربنا إن أخوها وصل فى الوقت المناسب
اتكلمت سميحه عشان تنهى الموقف
ـ مافيش حاجه يا صالح يلا بينا يلا يلا
ـ حد ضايقك هنا
ـ لأ مافيش يلا ونتكلم بعدين
شدته سميحه ودخلت على القاعه ووقف عبد الظاهر قصاد حسين ونظرات الحقد والكر*ه متبادلة بينهم
ـ ابعد عن سميحه يا عبد الظاهر
ـ اللي بعمله مايخصكش يا حسين، كانت في إيدك… وإنت اللي رميتها.
قالها عبد الظاهر ، وبعدين سابه ومشي ودخل القاعة.
قعد جنب صالح، بيتكلم معاه كأن ما حصلش حاجة،
وسميحة كانت بتتحرك في القاعة بحذر، بتلف على المعازيم، تتابع البوفيه، توزع ابتسامات مصطنعة،
بس الحقيقة إنها كانت بتحاول تهرب… تهرب من نظرات حسين، ومن حضور عبد الظاهر، ومن أسئلة صالح اللي بدأت تلمح قلق في عينيه.
الفرح خلص أخيرًا،
ومنصور خد نسرين وراحوا على الفندق اللي حاجزين فيه،
عبد الظاهر رجع شقته وهو لسه مش قادر يهدى من اللي حصل،
فارس أخد أمه ومشي،
وصالح اخد بنته ومراته وخرجوا سوا.
فى غرفه الفندق
دخل منصور غرفه الفندق وهو ماسك بإيد نسرين لم يتركها وبعدها قفل الباب وراه ومره واحده شالها وفضل يدور بيها بها داخل الغرفه ويميل لقدام كانه هيوقعها وتمسك فيه نسرين اكتر
ـ نزلنى يا منصور هقع
ـ احضنينى أوى وانتى مش هتقعى
ـ طيب براحه أنا خايفه
ـ تصدقى عيب فى حقى وراح لافف بيها اسرع وهو شايلها وبعد كده قعد مره واحده على كرسى فى الاوضه وهى قعدت على رجله
هنتظر متابعتكم على صفحتى قصص وروايات أمانى سيد
حست نسرين إنها مكسوفه وجت تقوم، شدها منصور أكتر عليه وقال بصوت واطي وهو بيبص في عينيها:
ـ ليه مستعجله؟ ده أنا لسه ما شبعتش من ضحكتك.
نسرين حاولت تبص في اتجاه تاني وقالت بخجل:
ـ كفاية هزار بقى يا منصور.
ـ هزار؟ ده أنا لو أقدر أعيش اللحظه دى على طول كنت عملت كده.
سكت لحظه، وبعدها رفع إيده ولمس خدها بلُطف، وقال وهو بيبتسم:
ـ عارف يا نسرين... كنت دايمًا بحلم أشوفك كده وعايز دلوقتي احقق كل حاجه اتخيلتها وحلمت بيها .
مسك منصور اديها وباسها بحب
ـ بحبك أوى يا نسرين عايزك تقولى انك انتى كمان بتحبينى
ميلت نسرين راسها على صدره وقالت بصوت واطى :
ـ أنا بحبك أوى يا منصور ومش بكون متطمنه غير وانت جمبى .
سكتوا هما الاتنين، وصوت أنفاسهم اختلط بدق قلبهم، والمكان بقى ساكن إلا من دفا اللحظه اللى جمعتهم سوا.
تاني يوم اتصل صالح بعبد الظاهر وطلب يقابله، وعبد الظاهر وافق من غير يتردد، رغم إنه كان حاسس في قرارة نفسه بموضوع المكالمة.
وقت العصر وصل عبد الظاهر لبيت صالح، استقبله صالح بترحاب:
ـ والله زمان يا عبد الظاهر.
ابتسم عبد الظاهر وقال بهدوء:
ـ الدنيا مشاغل يا صالح، بس اللى في القلب لسه في القلب.
قعدوا سوا شوية، وبعدها صالح قال:
ـ أنت عارف يا عبد الظاهر، أنا بعتبرك أخ، واللى بينا مش قليل... عشان كده عايز أسألك سؤال وترد عليا بصراحة.
ابتسم عبد الظاهر وقال قبل ما يكمل صالح كلامه:
ـ من غير ما تسأل، أنا عارف هتسألني في إيه... بس خلينى أجاوبك من دلوقتي.
تنهد وقال وهو بيبص في الأرض:
ـ آه يا صالح... قلبي ميّال للست سميحة. جوايا مشاعر ليها حاولت أدفنها من زمان، بس أول ما سمعت إنها اتطلقت... المشاعر دى رجعت تانى رجعت زى زمان ويمكن أكتر
رفع عينه وبص لصالح وقال بصدق:
ـ والله يا صالح، عمري ما كانت في نيتى حاجه وحشه، ولا عمري بصيت لها بنظرة عيب، بس المشاعر اللى جوايا مش بإيدي... غصب عنى.
سكت صالح لحظه، وفضل يفكر... هو من زمان حاسس بده، ودايمًا كان بيتمنى إن يكون عبد الظاهر نصيب أخته، بس النصيب كان ليه رأي تاني.
ـ ولامتى يا عبد الظاهر هتفضل كده؟
ـ مش عارف يا صالح، صدقنى مش عارف. جوايا حاجه بتحركني من غير ما أشعر... وأنا لسه عند كلمتي عايز أتجوز أختك يا صالح.
صالح قال بابتسامة خفيفة فيها شجن:
ـ والله يا عبد الظاهر، أنا أتمنى اليوم ده. بس ولادها... دول رجالة دلوقتي.
ـ كل واحد منهم هيتجوز ويتلهي في حياته، ليه مايسبوهاش تعيش اللى ماعاشتوش زمان؟
سكت لحظة وبص له بثبات:
ـ قولى يا صالح... إنت عجبك وضع أختك كده؟
صالح ماعرفش يرد، الكلام فعلاً وجعه... هو عارف إن سميحة عاشت عمرها بين وجع وإهمال، ومن حقها تكون مبسوطة.
ـ مش عارف أقولك إيه، يا عبد الظاهر... وفي نفس الوقت خايف أكلمهم ياخدوا منك موقف.
ـ كلمهم يا صالح، يمكن ربنا يسهلها وانا هكون راضى بأى حاجه
صالح قال بعد تفكير:
ـ طيب، الأول ناخد رأي سميحة. يمكن اللى حصلها مع حسين مخليها مش عايزه تتجوز تانى.
ـ طيب، خلينى أنا اللى أكلمها الأول يا صالح، ممكن؟
ـ ماشي يا عبد الظاهر، هكلمها تيجى هنا، وإنت تتكلم معاها. ولو وافقت، ساعتها نكلم منصور وفارس.
خرج عبد الظاهر من عنده، وقلبه مليان أمل وقلق في نفس الوقت، مستني مكالمة صالح تحدد له معاد يقابل سميحة... يمكن المره دى النصيب ينصفه بعد سنين
في بيت سميحة، كانت قاعدة لوحدها في الصالة، التلفزيون شغال على صوت واطي وهي سارحة، بتقلب في ذكرياتها
رنّ التليفون قدامها، شافت اسم " صالح" على الشاشة وابتسمت بخفة
ردّت وهي بتحاول تبين صوتها عادي:
ـ أيوه يا صالح، إزيك يا خويا؟
ـ الحمد لله يا سميحة، عامله إيه؟ صوتك فيه حاجه؟
ـ لأ يا صالح، مافيش... يمكن بس تعبانه شويه.
ضحك بخفه وقال:
ـ تعبانه ولا زهقانه؟
ـ الاتنين .
ـ طب ما هو دا اللى خلانى أكلمك، قلت أطمن عليكي، وبالمرة نفسي أشوفك.
ـ تشوفني؟ خير يا صالح، فى حاجه؟
ـ خير إن شاء الله، بس وحشتيني بجد يا سميحة، ماعادش بنقعد زى زمان، كلنا بقينا فى دوامة.
سكتت لحظه وقالت بهدوء:
ـ والله يا صالح وأنت كمان وحشني
ـ خلاص، يبقى تيجى بكرة بعد الضهر، أنا عايزك ضروري.
حست سميحة إن فى حاجه وراه، نبرته كانت فيها حاجة مش طبيعية.
ـ فى إيه يا صالح؟ حصل حاجه؟
ـ لأ يا ستي، مافيش غير كل خير... بس عايز أقعد معاك كلمتين كده.
ـ كلمتين؟ عن مين بقى؟
ـ مافيش عن مين ولا عن إيه... هتعرفي لما تيجى.
ضحكت بخفه وقالت:
ـ يعنى لازم تقلقني الأول؟
ـ لأ أبداً، هو بالعكس، الكلام هيعجبك إن شاء الله.
ـ طيب خلاص، أبقى أعدى عليك بكرة بعد العصر كده.
ـ تمام، هستناكي يا سميحه... وربنا يجعلها ساعة خير.
قفلت سميحة الموبايل وبصّت قدامها بشرود، حسّت إن قلبها بدأ يدق أسرع من الطبيعي... ممكن يكون هيكلمنى بخصوص حسين أو عبد الظاهر ؟؟
مش عارفه ليه حست إن صالح وراه موضوع كبير.
وقالت بين نفسها:
ـ يا ترى عايزنى فى ايه يا صالح؟
تاني يوم وصلت سميحة عند صالح، طرقت الباب ، وفتح لها صالح بنفسه بابتسامة.
ـ نورتِ يا أختي.
ـ الله يخليك يا صالح... كنت فاكراك لوحدك.
ـ لأ، فى حد كنت عايزك تشوفيه.
دخلت سميحة بخطوات مترددة، ولما عينيها وقعت على عبد الظاهر وهو واقف، اتجمدت مكانها.
ـ عبد الظاهر!
ـ إزيك يا ست سميحة...
ـ الحمد لله... (ببُحّة خفيفة) أنا... ماكنتش أعرف إنك هنا.
ـ عارف... وكنت متأكد إنك اتفاجئتي.
سكتوا لحظة، وصالح قال بابتسامة وهو بيحاول يخفف الجو:
ـ أنا هسيبكم شوية تتكلموا، عندي مكالمة ضروري.
وسابهم ومشي، والجو سكت تمام... حتى صوت عقارب الساعة بقى مسموع .
بصّ عبد الظاهر على سميحة وهو بيحاول يجمع شجاعته.
ـ سامحينى يا سميحة لو وجودي فاجئك... بس فى كلام لازم يتقال ،وانتى لازم تسمعيه
ـ كلام إيه يا عبد الظاهر؟
ـ كلام متأخر... بس جوه قلبي من زمان.
قعد على الكرسي المقابل ليها، وصوته بدأ يهدى أكتر:
ـ يمكن متعرفيش إنك كنتى دايمًا حاجة غالية فى حياتي... من زمان وأنا شايفك الست اللى كان نفسي تشاركني عمري.
بصت له باستغراب وقالت بخجل:
ـ بعد كل السنين دى يا عبد الظاهر؟
ـ أيوه... بعد كل السنين. يمكن كنت بكابر، يمكن خفت أقول، بس لما سمعت إنك اتطلقت، كل حاجه جوايا قامت من تاني.
ـ بس أنا اتأذيت كفاية، ومش ناقصه وجع تاني.
ـ وأنا مش جاي أوجعك، بالعكس... أنا جاي أكونلك السند والأمان
قرب منها شويه، صوته بقى أهدى كأنه بيحكي سر:
ـ سميحة... أنا بحبك من زمان، حب راجل عمره ما عرف يبوح بيه، بس فضل ساكنه جواه سنين.
اتنفس بعمق وقال:
ـ وصدقيني، مشاعري ليكي مش لحظة حنين، دى حياة كاملة أنا مستني أعيشها معاكي لو رضيتِى .
سكتت سميحة ودموعها بدأت تلمع فى عينيها، مش قادرة ترد، مش مصدقة الكلام اللى بتسمعه.
ـ عبد الظاهر... أنت بتتكلم جد؟
ـ أكتر جد من أى مرة فى حياتى.
ـ طب وولادي؟
ـ ولادك رجالة محترمين، وأنا ناوي أقف جنبهم زي أبوهم، بس قبلهم... أنا عايز أقف جنبك إنتي.
قعدت سميحة بهدوء، ودموعها نزلت من غير ما تتكلم.
عبد الظاهر مد إيده على الطاولة وقال بصوت فيه رجاء
ـ عشان خاطرى يا سميحه ماترفضيش
سكتت سميحة شوية، مسحت دموعها بطرف الإيشارب، وقالت بصوت خافت:
ـ يا عبد الظاهر… أنا خلاص كبرت. اللى راح من العمر أكتر من اللى فاضل، وهقولك إيه… مش فاضل فىّ حيل لحكايات ولا وجع جديد.
قاطعها بهدوء وهو بيبصلها بحنية:
ـ وأنا مش جاي أوجعك يا سميحة… أنا جاي أريحك.
ـ ترتاح إزاى؟ واللى حواليَّ هيقولوا إيه؟ وولادى هيسكتوا؟
ـ محدش ليه عندنا حاجه ولادك هيهمهم إنك تكونى مبسوطه والناس مالهاش دعوه محدش هينفعك لو عشتى وحيده
سكت لحظه، قرب منها شوية وقال بصوت هادي يشبه الهمس:
ـ أنا مش جاى أطلب حب، أنا جاى أطلب عمر نعيشه فى راحة، من غير خوف و
ـ بس أنا خايفه...
ـ خايفه من إيه؟
ـ من ولادى من الناس
ـ متخافيش يا سميحه أنا مش هسيبك لواحدك .
ابتسمت سميحة بخجل وقالت:
ـ يعنى لو قلتلك لأ؟
ـ هقول ربنا يسامحنى إنى ماعرفتش أطمنك كفاية.
ـ ولو قلتلك آه؟
ابتسم وهو بيهمس:
ـ هقول الحمد لله اللى رجّع لقلبي الحياة بعد سنين موت.
نزلت دمعة من عينيها، ومسحتها بسرعة وقالت:
ـ سيبنى أفكر يا عبد الظاهر، قلبي بيقول حاجه، وعقلى بيقول حاجه تانية.
ـ وأنا هسيبك تفكرى براحتك، بس أوعى تسيبى الخوف يغلب اللى جواكي.
وقف، وبصّ لها آخر بصّة كلها شوق وقال:
ـ لو اتأخرتى فى الرد، هافضل مستنيك... زى ما استنيتك طول السنين.
دخل صالح وقت انتهاء عبد الظاهر لكلامه
ـ ها خلصتوا كلام
اتكلم عبد الظاهر بأمل
ـ قولتلها اللى عندى يا صالح وهستنى ردك قريب استأذن دلوقتي وهكلمك اعرف الرد بعدين
خرج عبد الظاهر وساب سميحه وصالح لوحدهم
بصّ صالح لأخته وشاف وشها متغير، ملامحها فيها ارتباك ودمعة معلقة في عينها.
ـ باين عليكي محتارة يا سميحة.
ـ أيوه يا صالح، محتارة ومش عارفه أعمل إيه.
ـ قالك إيه؟
ـ قال كلام... وجع قلبي قبل ما يفرحه.
ـ هو الراجل ده من زمان بيحبني يا صالح؟
ـ من زمان أوي، بس عمره ما اتكلم، ولا حاول يضايقك بكلمة. دايماً كان بيحترمك من بعيد، وكنت أنا شايف بعيني كل مرة كان بيحاول يخفي مشاعره.
سكتت لحظة وهي تمسح دمعة نزلت على خدها:
ـ وأنا... مش عارفه، يمكن قلبي وجعني عشانه النهارده، كلامه صدقني حسّيته طالع من جواه
ـ وده لأن عبد الظاهر راجل يا سميحة، راجل يعرف يحب صح.
ـ بس يا صالح... أنا عندي ولاد كبار، والناس ما بترحمش.
ـ يا سميحه، الناس ما بترحمش أصلاً، سواء اتجوزتي أو قعدتي لوحدك.
قرب منها وحط إيده على كتفها وقال بلُطف:
ـ سميحة، إنتي عشت عمرك كله تفكّري في الناس فكرى المرة دي في نفسك؟
ـ نفسي... نفسي أصدق إني لسه أستحق أعيش، بس الخوف ماسكني.
ـ عبد الظاهر يستاهلك يا سميحة، وأنا عارفه كويس. راجل شريف، وبيحبك وهيعيشك مبسوطه ولادك كبروا والحياه هتلهيههم
سكتت سميحة وهي بتبص في الأرض، كأنها بتحاول تلاقى إجابة بين خيوط السجادة.
ـ طيب يا صالح... إدينى يومين أفكر، لو القلب غلبنى، هردّ.
ـ خدى وقتك يا أختى، بس افتكري كلامى: مفيش سنّ للفرحة، واللى يحبك بجد، ما يتعوضش.
سكتت سميحة، وبصت على الباب اللى خرج منه عبد الظاهر، كأنها بتكلم نفسها بهمس:
ـ يا ترى القدر هيديني فرصة تانيه... ولا فات الأوان فعلاً؟
تفتكروا سميحه هتوافق ولو وافقت هتبلغ ازاى حسين وهل حسين هيسكت ؟؟
رواية فات اوان الندم الفصل السابع عشر 17 - بقلم اماني سيد
سكتت سميحة، وبصت على الباب اللي خرج منه عبد الظاهر، كأنها بتكلم نفسها بهمس:
ـ هو أنا لسه ينفع أبدأ من جديد يا صالح؟
قاطعها صالح وهو بيقرب منها بحنية:
ـ ينفع يا سميحة، طول ما القلب بيحس، يبقى لسه عايش.
نزلت سميحة عينيها وقالت بتردد:
ـ بس أنا مش لوحدي يا صالح... عندي ولادي، منصور وفارس، لازم يعرفوا...
ـ يا أختي ما هو علشان ولادك لازم تعيشي ليكي إنتي كمان، مش بس ليهم.
ـ عارفة، بس برضه رأيهم مهم، ماقدرش أخد خطوة من وراهم.
ابتسم صالح وقال بهدوء:
ـ خلاص، سيبي الحتة دي عليّا أنا. أنا اللي هكلمهم.
ـ لا يا صالح، همّ ما يتقبلوش الكلام ده بسهولة.
ـ ما تقلقيش، أنا هعرف أوصلهم، وهفهمهم إن أمهم من حقها تفرح زي أي حد.
سكتت لحظة وهي تبصله بامتنان:
ـ ربنا يخليك ليا يا صالح... دايمًا سندي.
ـ وإنتِ دايمًا غالية يا سميحة، متنسيش ده أبداً.
وبين الحيرة اللي في قلبها والدفا اللي في كلامه، حسّت سميحة إنها لأول مرة من سنين، ممكن فعلاً تسيب باب الأمل يتفتح شوية.
خلصت سميحة كلامها مع صالح، وقرر إنه يوصلها بنفسه.
في الطريق، كانت ساكتة، وكل شوية تبص من الشباك كأنها بتحاول تستخبى من أفكارها.
وصالح كل ما يبصلها يقول لنفسه: يا رب تطلع الخطوة دي خير ليها.
بعد ما وصلها، قالها وهو بينزل من العربية:
ـ ارتاحي يا سميحه، وأنا هظبط كل حاجة على مهلي.
ـ خلاص يا صالح، أسبوع واحد بس، ومنصور يكون رجع من السفر.
ساق صالح عربيته وهو بيتمتم.
وفي نص الطريق، شاف فارس واقف عند ورشة النجارة اللي جنب البيت، نزل يسلم عليه بابتسامة ودّ:
ـ يا فارس! يا عريس عامل ايه ؟!
ـ بخير يا خالى، امت اخبارك ايه؟
ضحك صالح وقال:
ـ أنا في الدنيا، بس أنت شكلك خلاص قربت تدخل القفص.
ـ أهو يا خالي، قربت أخلص كل حاجة. بعد ما منصور يرجع من شهر العسل بشهر كده، هنتجوز أنا وفجر إن شاء الله.
ضحك صالح وهو يربّت على كتفه:
ـ الله يتمملك على خير يا ابني، فجر بنتي غالية، وانت عارف قد إيه أنا باعْتَبرَك زي ابني.
ـ طبعًا يا خالي، دي نعمة من ربنا إننا هنرتبط.
ـ أهم حاجة، خليك راجل معاها وراعِ ربنا فيها، فجر طيبة قوي ومحتاجة حد يصونها.
ـ إن شاء الله يا خالي، تطمن.
بص له صالح نظرة فيها فخر وقال:
ـ طيب، سلّملي على أمك، وأنا هشوفكم قريب إن شاء الله.
ـ أكيد يا خالي، ما تغبش عننا.
ركب صالح عربيته تاني، وقلبه متقلّب ما بين فرح لفجر، وقلق على سميحة...
مرّ الأسبوع بهدوء، وسميحة كل يوم كانت تفكر أكتر من اللي قبله، بتقعد قدام الشباك وتفتكر كلام صالح وعبد الظاهر، وتلاقي نفسها ما بين خوف وحنين، مش قادرة تميل على ناحية وتسيب التانية.
في صباح يوم الجمعة، راح صالح يطمن عليها، لقاها قاعدة في الصالة، وشها باين عليه السهر.
ـ صباح الخير يا سميحه، عاملة إيه النهارده؟
ـ الحمد لله يا صالح... كنت مستنياك.
قعد قصادها وقال بابتسامة خفيفة:
ـ خير يا سميحة، شكلك خدت قرار.
سكتت شوية وبعدين قالت بهدوء:
ـ آه... فكرت في كل حاجة. بس عايزاك تعمللي طلب.
ـ قولي يا سميحه سامعك.
ـ ما تتكلمش مع الولاد دلوقتي، لا منصور ولا فارس.
رفع صالح حاجبه باستغراب:
ـ ليه؟ مش إحنا اتفقنا نستناهم؟
ـ أيوه، بس استني كمان شوية... لما فارس يتجوز وأطمن عليه، ساعتها يبقى نتكلم في أي حاجة.
ـ خايفة رد فعلهم يبقى صعب؟
ـ أيوه يا صالح، أنت عارفهم... فارس مش هيقبل بسهولة، ومنصور كمان خايفه جوازه يتأثر.
وغير كده فاضل على فرح فارس أقل من شهر.
ـ طيب يا سميحة، زي ما تحبي. أنا وعد مني مش هفتح الموضوع غير لما تطلبي.
ابتسمت له وقالت بشكر:
ـ ربنا يخليك ليا يا صالح، وجودك جنبي مطمنّي.
ـ وأنا عمري ما هسيبك يا أختي، اللي يهمني بس إنك تكوني مرتاحة.
خرج صالح من بيت سميحة وبمجرد ما ركب عربيته لقى تليفونه بيرن.
بصّ على الشاشة، لقى اسم عبد الظاهر.
تنهد صالح وقال لنفسه:
ـ مش صابر يا عبد الظاهر.
رد عليه وهو بيبتسم بخفة:
ـ أيوه يا عبد الظاهر، صباح الخير.
ـ صباح النور يا صالح، طمني... كلمتها؟
ـ كلمتها.
سكت عبد الظاهر لحظة وقال بصوت متردد فيه رجفة أمل:
ـ وقالت إيه؟
ابتسم صالح وقال بهدوء وهو يسند راسه على الكرسي:
ـ قالت إنها موافقة.
سمع عبد الظاهر صوت نفس طويل من الناحية التانية، وبعدها ضحكة صغيرة خرجت منه غصب عنه:
ـ والله العظيم كنت حاسس... كنت حاسس إن قلبها مش هيقفل في وشي.
ضحك صالح وقال:
ـ بس استنى، هي حطت شرط.
ـ شرط؟ قول يا صالح، أي حاجة.
ـ قالت مش عايزة نفتح الكلام ده قبل ما فارس يتجوز، عايزة تطمن عليه الأول.
رد عبد الظاهر بسرعة وبدون تردد:
ـ خلاص، أستنى، أستنى قدّ عمرى كله لو لازم الأمر.
ـ يا راجل ما تقولش كده، كلها شهر والفرح يتم، وكل حاجة تمشي زي ما ربنا كاتب.
سكتوا ثواني، وبعدين عبد الظاهر قال بصوت مليان امتنان:
ـ تسلم يا صالح، أنت عملتلي معروف ما يتنساش.
ـ معروف إيه؟ دي أختي، وأنا مش هسيبها لوحدها.
ضحك عبد الظاهر وقال بنغمة فيها راحة:
ـ خلاص، أنا هسيبها تاخد وقتها، بس بلّغها إن أنا...
ـ عارف، مستنيها.
ـ بالضبط كده، مستنيها.
قفل صالح الخط، ولسه ماسك الموبايل، ابتسم وقال لنفسه بهدوء:
ـ ربنا يكمّل بخير.
فى منزل سميحه كانت تجلس في غرفتها.
رنّ الموبايل، وسميحة رفعت السماعة مترددة.
ـ ألو...
ـ سميحة... ازيك وحشتيني اوى.
سكتت سميحة شوية، وهو كمل بسرعة:
ـ سامحيني يا سميحه سامحيني وأنا أوعدك هرجعلك حقوقك كلها وكل اللي تؤمرى بيه أنا هنفذه.
والله يا سميحة، من غيرك حياتي ولا طعم لها ولا لون. ارجعيلي، خلينا نبدأ من جديد، أنا هكون زى ما انتى عايزة وهعملك كل اللي تطلبيه.
ـ حسين... أنا خلاص موافقة، بس بعد جواز فارس.
سكت حسين وشعور الفرحه والأمل ظهر جواه.
ـ بجد يا سميحه وفارس هيتجوز امته؟
ـ اخر الشهر يا حسين.
ـ يعني... هتستني شهر؟
ـ أيوه، محتاجة أطمن على فارس الأول، وبعدها هارجعلك.
ـ حاضر يا سميحه هصبر وهسمع كلامك انا اللي غلطان من الأول وصدقينى الندم كل يوم بيموتني.
ـ لما نشوف يا حسين أنا هقفل معاك وهكلمك لو فى جديد.
قفل الخط، وسميحة فضلت ماسكة السماعة، بتفكر لو عرف موضوع عبد الظاهر ممكن يقلب ويرفض يديها ورثها وورث أخوها اللي اكله عليها.
فكرت سميحه فى خطه وقررت تنفذها.
عدى شهر على جميع الأحداث ورجع منصور ونسرين من شهر العسل وكانوا كل اسبوع بيروحوا يزوروها وأوقات نسرين كانت بتزورها فى وسط الاسبوع.
انشغل فارس فى شغله وجهازه وكان عايز يفتح فرع جديد مع منصور زي ما وعده وخصوصاً إن المعرض شغال كويس لأنهم مستحوذين على السوق.
واقترحت عليهم سميحه انهم يستنوا شويه لحد ما يتجوز ووافق فارس.
مرّ شهر على كل الأحداث، وجه يوم زفاف فارس.
فارس قرر يكون الفرح بسيط وعائلي جدًا، على عكس فرح منصور الكبير، عشان يحس بالدفا والراحة وسط أهله وأصحابه المقربين. كان عايز اليوم ده يكون هادي، وفى نفس الوقت يقدر يوفر من فلوس الفرح عشان يسافر ومايصرفش كل فلوسه عشان يقدر يشارك منصور وكمان يخلي الفرحة مركزة على الناس اللي بيحبهم فعلًا. قرر كمان إنه بعد الفرح يسافر هو وفجر في شهر عسل هادي، زي ما اتفقوا.
سميحة كانت مشغولة طول الوقت بالمعازيم، تتأكد إن كل حاجة ماشية تمام، عشان مايحصلش أي غلط ، ومايحصلش زي ما حصل فى فرح منصور وقررت انها تتجنب حسين وعبد الظاهر بحجة انشغالها فى الفرح.
الفرح حضره حسين وعبد الظاهر، وكل واحد فيهم كان شايل جواه شعور مختلف. حسين كان مطمئن لأن سميحة أخبرته بموافقتها قبل كده، وعبد الظاهر كمان كان عارف إن سميحة موافقة عليه ومستنية اللحظة المناسبة.
عشان كده، كل واحد فضل يتجنب التاني بشكل طبيعي.
كل واحد كان عارف إن قلب سميحة ميال ليه.
القاعة كانت مليانة ضحك وتهاني، والموسيقى هادية، والجو كله دفا وفرحة عائلية. فارس كان مركز مع فجر والرقص مع صحابه وهى كانت مشغولة مع صحابها.
عدى يومين على فرح فارس، وسميحة قاعدة في البيت لوحدها.
الهدوء حواليها كان مختلف... مبقاش فيه صوت ولادها حواليها، ولا ضحك فارس اللي كان دايمًا يملأ البيت. فجأة حست بوحدة كبيرة، كأن البيت كله بقى فاضي ومشغول بس بصدى ذكرياتهم.
قعدت على الكنبة، ضامة اديها لصدرها ، وبصت حواليها على كل حاجة كانت جزء من أيامهم: صورهم على الرفوف، ألعاب صغيرة فضلت موجودة، حجات بسيطة كانت بتفكرها بيهم.
تنهدت بصوت خافت وقالت لنفسها:
ـ يا رب... نفسي يكونوا مبسوطين، بس إيه اللي حصل؟ حاسّة إني لوحدي خالص دلوقتي.
قلبها خبط بسرعة، وعيونها بدأت تلمع بشوية دموع، بس حاولت تهدي نفسها.
قطع سرحانها صوت التليفون وكان حسين بيرن عليها.
ردت عليه ببرود.
ـ الو يا حسين.
ـ ازيك يا سميحه عامله ايه؟
ـ الحمد لله بخير.
ـ أكيد قاعده لواحدك طبعاً.
ـ أه.
ـ طيب مش ناويه بقى تنفذي وعدك؟
ـ طبعاً يا حسين ابنك جاي اخر الاسبوع من شهر العسل وهكلمهم.
ـ بجد يا سميحه خلاص؟
ـ بجد يا حسين عايزاك تبدأ بقى تجهز الورق بتاع البيع والشرا وأنا هبعتلك صورة من بطاقتي عشان تخلص كل حاجة.
ـ وايه اللي يضمنلي إنك مش هترجعي فى رأيك؟
ـ يوم كتب الكتاب الصبح هنروح مع بعض الشهر العقاري استلم حقوقي وبليل المأذون هيكون جاهز نكتب الكتاب.
ـ والولاد؟
ـ أنا هكلمهم واعتقد هما عزموك فى فرحهم يعني بدأوو يحنولك ومافتكرش إنهم هيعترضوا خصوصاً أني قاعده لوحدى طول الوقت.
ـ طيب تحبى اكلمهم أنا كمان؟
ـ أوعى تعمل كده يا حسين ممكن يعاندوا إنما انا هجبهالهم بطريقتي وبعدين مش انت قولت هتسمع كلامي؟
ـ أوامرك يا سميحه هعملك اللي يريحك .... دلوقتي كده خلاص احجز مع المأذون واجهز كل حاجه.
ـ ظبط كل حاجه والمعاد ده سبنى أنا هحدده.
مرت الايام وجه فارس من السفر.
واتفقت سميحه مع صالح إنه هيكلمهم.
وبالفعل عزمهم صالح عنده فى البيت.
فى غرفه الصالون كان قاعد صالح وفارس ومنصور.
ـ ازيكم يا شباب عاملين ايه واخبار الجواز معاكم ايه؟
ـ بخير يا خالو ربنا يخليك لينا.
ـ انا مجمعكم النهارده عشان عايز اتكلم معاكم في موضوع مهم جدا المعلم عبد الظاهر كلمني بخصوص انه عايز يتجوز امكم.
اول ما سمع فارس الكلام اتعصب وخبط رجليه في الارض بعصبيه.
ـ ايه اللي بتقوله ده يا خالو ازاي يفكر كده؟
وبعدها بص لمنصور وانت يا منصور ازاي ساكت على كده وانه يفكر يتجوز امك؟
ـ ايه ده يا فارس الراجل ما طلبش حاجه عيب وهو جه كلمني انا في الاول عشان انا اتوسطله واكلمكم.
ـ الموضوع ده مرفوض يا خالو.
ـ ليه مرفوض يا فارس انت اتجوزت واخوك اتجوز وامك لسه صغيرة وضيعت عمرها وشبابها عشانكم ما تبقاش اناني وسيبها تشوف حياتها اللي ضيعتها عليكم.
بص فارس لمنصور اللي ملتزم الصمت.
ـ ويا ترى يا منصور انت كمان كنت تعرف بالموضوع ده؟
ـ لا لسه عارف دلوقتي وبعدين اهدى يا فارس الكلام ما بيكونش بالطريقة دي والراجل ما قالش حاجة غلط.
ـ طبعا هو حماك ولازم تدافع عنه.
وبعدها بص لخاله واتكلم بعصبيه اكتر.
ـ ويا ترى بقى هي كمان موافقة وعايزاه؟
ـ اه يا فارس انا سالتها وهي ما عندهاش اي اعتراض لكن موقفها موافقتها على موافقتكم انتم وعشان كده انا جمعكم النهارده وبتكلم معاكم.
ـ خلاص يا خالو يبقى يبلغها ان احنا مش موافقين.
وقف منصور وقعد فارس.
ـ ايه ده يا فارس الكلام ما بيكونش في الطريقة دي وبعدين مامتك موافقة وانا بصراحة شايف ان ده حقها.
ـ احنا ظلمناها زمان لما ضغطنا عليها تفضل على ذمة بابا عشان خاطرنا دلوقتي من حقها تعيش حياتها مع اللي هي عايزاه.
ـ نعمل متابعة على صفحه الكاتبه قصص وروايات أمانى سيد.
ـ برافو عليك يا منصور هو ده الكلام الصح ما يبقاش جزاتها يا فارس اللي انت بتعمله واللي انت بتقوله انت اتجوزت واخوك اتجوز وهي عايشة لوحدها بين اربع حيطان لو هي تعبت ولا جرالها حاجة مين هيلحقها من حقها ترتاح وتعيش مع ونس.
ـ تيجي تعيش معايا او احنا نعيش معاها.
ـ مش ده الحل يا فارس كل واحد فيكم عايز يعيش حياته وهي كمان من حقها تعيش حياتها.
سكت فارس مع ضغط منصور وخاله رضخ اخيرا للامر الواقع.
خرج منصور وفارس من عند خالهم وكان فارس من جواه معترض بس رضخ ليهم عشان محدش يزعل.
ـ شكلك لسه مش مقتنع يا فارس.
ـ بصراحة اه يا منصور.
ـ أمك تعبت كتير فى حياتها يا فارس .. انا الاول كنت زيك معترض لكن لما فكرت براحه لقيت إن ده حقها.
أولا يا فارس هى معاشتش زي أي زوجه .. مجربتش مشاعر كتير اتحرمت منها بسببنا.
من حقها يا فارس حد يطبطب عليها يقولها كلمة حلوة ... من حقها تعيش لنفسها بعيد عن أي ضغط او تعب.
اتنهد فارس واقتنع أخيرا بكلام صالح.
فى بيت صالح اتصل بسميحه بلغها بموافقة أولادها وبعد كده اتصل بعبد الظاهر بلغه بموافقتهم.
لما اتصل صالح بعبد الظاهر وأبلغه بموافقة سميحة وأولادها على جوازه، حس عبد الظاهر إن الدنيا كلها ضحكت له فجأة.
قلبه بدأ يدق بسرعة غير طبيعية، إحساسه بالغمة والانتظار اللي كان شايله طوال الفترة دي اتبدد كله. ابتسامة كبيرة ارتسمت على وشه، وعينه لمعت من الفرحة، كأن كل التعب والانتظار اتبدلوا بلحظة واحدة بس.
رفع راسه للسماء، وقال بصوت داخلي مليان امتنان:
ـ الحمد لله... الحمد لله على كل حاجة.
إيده رجفت شويه وهو ماسك التليفون، واتكلم وصوته مليان بالفرحة:
ـ يعني ده رسمي؟ فعلاً؟
لما وصل له التأكيد أكتر، كاد يقفز من مكانه من شدّة السعادة، كل خلية في جسده كانت بترقص فرح، وابتسامته ما قدرش يسيطر عليها.
حس عبد براحه وفرحه، وكل القلق والخوف، كل لحظة شك إن ولادها ممكن يرفضوا ، اتنسيت دلوقتي. حتى صوته اتملأ بالفرحة لما رد بصوت مرتجف لكنه مليان سعادة:
ـ شكرًا يا رب... شكرًا يا رب!
كانت اللحظة بالنسبة له مش بس موافقة على جوازه، لكنها انتصار لقلبه، وأمل طويل، وحياة جديدة كان نفسه يعيشها مع سميحة أخيرًا.
ـ ياترى سميحه ناويه على ايه ؟؟؟
ـ وهيكون ايه شعور حسين لما يطلع سابع سما ويقع في سابع ارض؟
رواية فات اوان الندم الفصل الثامن عشر 18 - بقلم اماني سيد
كانت قاعدة قدام التلفزيون بتتفرج من غير تركيز، لحد ما سمعت صوت الباب بيتفتح.
دخل منصور وورا منه فارس، وكل واحد فيهم باين عليه إنه جاي وراه كلام مهم.
"خير يا ولاد؟ وشكم فيه إيه كده؟"
"لا مفيش يا ست الكل، جايين نقولك كلمتين كده." منصور وهو بيحاول يمسك ضحكته.
"آه، كلمتين بس ما تخافيشش." فارس.
"يا ربي استر… قولوا بسرعة بقى، أنا قلبي مش ناقص مفاجآت."
"بصي يا أمى… إحنا فكرنا كويس في موضوع عبد الظاهر."
"ومفيش عندنا مانع."
وهي بتبص لهم بعد لحظة صمت.
"يعني موافقين يا أمى، تتجوزي لو إنتي مرتاحة."
"بجد؟ مش بتضحكوا عليا أو بتقولوا كده من ورا قلبكم؟ أنا كل اللي يهمني انتوا ولو حد فيكم مش موافق أنا استحالة أوافق."
"هو إحنا نقدر نضحك على العروسة؟" فارس وهو بيضحك.
"عروسة مرة واحدة! طب ده أنا نسيت شكل فستان الفرح."
"يبقى نفكرك بيه بقى ونجبلك أجمل فستان فرح."
"ربنا يخليكوا ليا يا ولادي… كنت خايفة أوي من ردت فعلكم."
"متخافيش يا ست الكل، أي حاجة تسعدك إحنا استحالة نعترض عليها والمعلم عبد الظاهر محترم وهيبسطك وده اللي يهمنا."
ضحكت سميحة وقالت بخفة دمها المعتادة:
"خلاص بقى يا أولاد، بس أوعى تعملولي زفة ولا طبلة، أنا عروسة هادية."
"أحلى عروسة دي ولا إيه."
"وفيه حاجة كمان أنا مش عايزة أي حد يعرف حاجة غير بعد كتب الكتاب."
"ليه يا ماما؟"
"معلش مش حابة حد يقول حاجة، افرض الموضوع ماتمش."
"اللي يريحك يا ست الكل، مش هنجيب سيرة لأي حد."
"ولا أبوكم؟"
"حاضر."
ضحكوا التلاتة مع بعض، والجو بقى خفيف كده ومليان دفء.
مر أسبوع.
في البيت القديم اللي كان شاهد على وجع سنين… بقى النهارده شاهد على فرحة جديدة.
في الوقت اللي كان حسين بيجري يخلص إجراءات جوازه من سميحة.
كانت سميحة قاعدة وسط أهلها، ووشها منور بطريقة ما شوفتهاش من زمان.
في بيت سميحة.
القعدة بسيطة، بس كلها دفء وود ومحبة.
دخل عبد الظاهر بخطوات واثقة، ونسرين وراه. وكان لابس جلابية رمادية نظيفة وعليها بشت أسود مطرّز خفيف. وشه منور بالوقار، وصوته لما سلّم كان هادي بس مليان رجولة.
"السلام عليكم يا جماعة الخير."
"وعليكم السلام ورحمة الله، نورت يا عبد الظاهر… البيت بيتك."
قعد عبد الظاهر بهدوء وقال بصوت ثابت:
"أنا جاي النهارده في طلب راجل… جاي أطلب إيد ست الكل سميحة، ست محترمة، وأصيلة، واللي زيها يتشرف بيه أي راجل."
سميحة كانت قاعدة ورا الستارة، بتسمع كل كلمة. قلبها بيخبط من الفرح، بس وشها فيه حياء وسترة.
"وإحنا كمان متشرفين بيك يا عم عبد الظاهر… وإحنا موافقين." منصور قال وهو بيبتسم.
"بس أوعى تزعلها، أصل اللي يزعل أمي بيزعلنا كلنا." فارس أضاف بخفة دم.
ضحك عبد الظاهر وقال:
"لا يا ابني، دي تتشال على الراس من فوق."
"خلاص، على بركة الله نقول الفاتحة." صالح قال بصوت فيه دفء.
اتجمعوا كلهم وقالوا الفاتحة.
وبعد الفاتحة كمل عبد الظاهر كلامه:
"أنت عارف يا منصور إن عندي عمارة في نفس الشارع اللي إحنا ساكنين فيه وعندي كمان شقة جاهزة ومتوضبة. أنا بصراحة كنت مجهزها عشان من وقت للتاني أبقى أروح أقعد فيها وأسيبكم إنت ونسرين براحتكم. دلوقتي طبعًا هي جاهزة على السكن، ممكن تيجوا تشوفوها ولو الست سميحة حبت تغير أي حاجة فيها أنا تحت أمرها."
بص صالح لسميحة وسألها:
"ها يا سميحة موافقة؟"
"اللي تشوفه يا صالح."
"خلاص بكره بإذن الله تعالى نروح نشوف الشقة ولو ليكي طلبات كلنا عينينا ليكي."
انتهت الزيارة وكانت سميحة مبسوطة من جواها، حاسة إن عمرها ما راح هدر وأنها تقدر تكمل حياتها من غير ما تبدأ من جديد. هتكمل حياتها مع أولادها وأحفادها وربنا هينعم عليها بزوج يحبها ويحتويها.
تاني يوم عدى صالح على سميحة واخدها وراحوا يقابلوا عبد الظاهر عشان يشوفوا شقته.
وفي الوقت ده كان عبد الظاهر معاه نسرين ومنصور أخذهم للعماره وطلعوا عشان يشوفوا الشقة.
واتفاجئت سميحة من جمال الشقة كأنها عروسة جديدة.
دخلت سميحة غرفة النوم لقيتها جديدة، وفيه غرفتين زيادة في الشقة مفروشين برضو ومقفولين. الشقة مساحتها كبيرة ومفروشة بتأني وجاهزة للسكن.
دخلت المطبخ وكان مفتوح على الصالة وفيه جميع مستلزمات الطبخ. تقريبًا الشقة مش محتاجة حاجة. زي ما يكون كان حريص إنها ما تكونش ناقصة.
بص عبد الظاهر لسميحة وسألها بحنية وبصوت واطي:
"ها يا ست الكل، فيه حاجة ناقصة أو محتاجة تتغير؟"
"تسلم يا معلم، بس دي شقة عروسة جديدة."
"ما إنتي عروسة فعلاً يا ست الكل، وكل ده قليل عليكي. ولو مش عاجبك أي حاجة نغيرها فوراً."
"لأ يا معلم، أنت بتقول إيه؟ ده البيت ما شاء الله واسع وجميل وكل الأجهزة والفرش جديد. أنت لسه حتى ما استعملتهاش."
"هبقى أقولك قصتهم إيه بعدين." وغمزلها.
اتحرجت سميحة ووقفت جمب أخوها.
قرب منها منصور وشدها عليه من كتفها وباسها من راسها:
"ها ماما مبسوطة؟"
"الحمد لله يا حبيبي، وجودكم في حياتي أكبر نعمة."
كانت نسرين واقفة ووشها لونه بقى أصفر وحست إنها دايخة وقعدت على أقرب كرسي.
بص منصور ليها ولاحظ تغيرها المفاجئ وجرى عليها وقعد قدامها على الأرض:
"مالك يا نسرين؟ إنتي تعبانة وشك مصفر أوي. يلا نروح المستشفى."
"أنا كويسة بس ريحة الدوكو والدهان قلبت معدتي. أنا هخرج بره."
"ما فيش روايح يا نسرين، شكلك تعبانة. يلا نروح للدكتور."
قربت منها سميحة وهي بتطمن عليها:
"تعالي يا نسرين نروح للدكتور نطمن وبإذن الله خير يا حبيبتي. يلا بينا."
وفعلاً سند منصور نسرين لحد العربية ووصلوا للمستشفى وكشفوا عليها والدكتورة بلغتهم إنها حامل.
اتبدل الخوف والقلق على نسرين بفرحة كبيرة وقرر المعلم يدبح عجل بسبب الأخبار الحلوة دي وعشان ربنا يتممله على خير. واتفقوا يعملوا كتب الكتاب يوم الخميس اللي بعد اللي جاي تكون سميحة جهزت شنطها وحاجتها وظبطت أمورها. وبعدها هيكتبوا الكتاب في شقة سميحة وتروح بعدها لشقة المعلم. وهيكون كتب الكتاب ضيق ومش هيحضره غير المقربين من العيلتين. حاول المعلم إنه يخلي الموضوع أكبر لكن سميحة صممت بحجة إنها هتكون مكسوفة وهو وافق على طلبها ومارضيش يزعلها.
أخد المعلم رقم تليفون سميحة عشان يكلمها ووافقت سميحة وادتله الرقم.
بليل لما روحوا اتصل المعلم على سميحة يطمن عليها:
"وصلتي يا ست الكل؟"
"آه، وانت؟"
"حمد الله على سلامتك، أنا كمان وصلت."
"نسرين عاملة إيه؟"
"دخلت نامت ومنصور نزل يتابع شغله."
"ربنا يكرمه ويقوم نسرين بالسلامة يارب."
"سيبك منهم، أنا مكلمك عشان عايز أسألك في حاجة في الشقة مش عاجباكي أو عايزة تغيرها."
"أغير إيه يا معلم؟ ده أنا حاسة إني عروسة لأول مرة ولسه بفرش شقتي. أنا هنزل بكرة أجيب ملايات وفوط وحاجات كده."
"ولا تتعبى نفسك، الحاجة اللي إنتي عايزاها هتكون تحت أمرك."
"أنا عايزة أنزل أجيب بنفسي."
"طيب طالما ده هيبسطك يبقى خلاص. بكرة الصبح هبعتلك واحد من صبياني معاه أمانة كده، خديها منه قبل ما تنزلي."
"أمانة إيه؟"
"بكرة تعرفي."
في اليوم التالي صحيت سميحة على خبط على الباب وكان واحد من العمال اللي عند المعلم واداها ظرف. فتحت سميحة الظرف وكان واضح إنه مبلغ كبير.
اتصلت سميحة بعدها بعبد الظاهر:
"إيه يا معلم اللي انت عملته ده؟ ينفع كده؟"
"عملت إيه يا ست الكل؟ دي أقل حاجة ولو احتاجتي تاني شاوري انتي بس."
"لأ ده كتير كده يا معلم."
"ما فيش حاجة تكتر عليكي يا سميحة، أنا لو أطول أحط العالم تحت رجلك مش هتردد."
سكتت سميحة ووشها أحمر من الكسوف وقررت تهرب من الحوار:
"طيب يا معلم أنا هقفل دلوقتي عشان ورايا مشوار."
"اهربي براحتك، بس هانت خلاص."
قفلت سميحة مع عبد الظاهر ولقت تليفونها بيرن كانت نسرين اللي قررت إنها تروح معاها وبعدها فجر. في البداية رفضت نزول نسرين عشان حملها لكن نسرين طمنتها.
جهزت سميحة وكانت على وشك الخروج لقت تليفونها بيرن برقم حسين. بصت للتليفون بتأفف وردت ببرود:
"ألو يا حسين."
"إزيك يا سميحة؟ وحشتيني أوي."
"مالوش لازمة الكلام ده، أنا مش مراتك."
"طيب امتى بقى؟ أنا جهزت كل حاجة."
"خليها الخميس الجاي يا حسين."
"الولاد عرفوا؟"
"هقولهم يومها زي ما قولتلك قبل كده، هفاجئهم. المهم جهز انت كل حاجة وحدد معاد المأذون ويوم الخميس الصبح لو مجهزتش كل حاجة اعتبر أن جوازنا ملغي. وقتها هعرف إنك متغيرتش فمش هديك فرصة تانية."
"لأ أنا حددت معاد خلاص وهروح أخلص كل حاجة وأجهز وبليل هاجي وقت كتب الكتاب."
"تمام وأنا أول ما أخلص مع ولادك والمأذون يوصل هرنلك عشان تطلع."
"حاضر يا سميحة."
نزلت سميحة بعد كده واشترت كل اللي نفسها فيه… كانت ماشية في الشارع بخطوات خفيفة كأنها عروسة صغيرة خارجة تشتري جهازها لأول مرة. الهوا كان بيلاعب طرحتها، والضحكة اللي كانت غايبة من سنين رجعت تاني على شفايفها. حست إنها صغرت فجأة… كأن العمر رجع بيها ورا، لزمن كانت فيه بتختار الفستان اللي يعجبها من غير حساب، ومن غير ما تفكر في بكرة. كانت بتبص في المرايات بتاعة المحلات وتشوف نفسها بشكل مختلف، وشها منور، عينيها فيها لمعة زمان ما شافتهاش، كأن الحياة أخيرًا افتكرتها وقالتلها: "قومي يا سميحة، لسه فيكي أنوثة ولسه فيكي حب". وهي بتختار الملايات والفوط، كانت حاسة إنها فعلاً "عروسة بجد"، مش مجرد لقب، لكن إحساس بيملأ قلبها ويديها طاقة جديدة. كل حاجة لمستها بإيدها كانت فيها معنى… حتى كيس المشتريات حست إنه خفيف، زي قلبها اللي اتحرر أخيرًا من وجع السنين.
رجعت البيت وهي مبتسمة، حطت الحاجات على السرير وقعدت وسطها، لمست القماش بإيدها وقالت لنفسها بهمس فيه دمعة وفرحة:
"سبحانك يا رب… كنت فاكرة إن خلاص، ما فيش في الدنيا فرحة ليا تاني."
في اليوم التاني، صحيت سميحة بدري، لبست طرحتها وطلعت على الشقة الجديدة شايلة معاها شنط المشتريات، والمعلم حضرلها عربية بسواق تجبها وتوديها وواحد من العمال يشيل الشنط ويوصلها بدالها. كان قلبها بيرقص فرح كأنها داخلة بيتها الأول مش التاني.
كانت فجر معاها، ونسرين أصرت تيجي رغم تعبها، لكن أول ما وصلت حاولت تساعد، لكن سميحة منعتها بسرعة وهي تبتسم بحنان:
"لأ يا نسرين، اقعدي يا بنتي، إنتي في حالك دلوقتي… مفيش شغل ولا تعب، خليكي تتفرجي بس."
"بس يا طنط أنا تمام والله."
"لأ تمام ولا مش تمام، أنا اللي هظبط بيتي بإيدي… عروسة بقى."
ضحكت فجر وقالت بخفة دمها:
"هو ده الكلام، عروسة جامدة أوي ما شاء الله. وست العرايس كمان."
سميحة بدأت تفرش، واحدة واحدة، تحط الملايات الجديدة على السرير، وتفتح الفوط وتحطها في الدولاب، ترتب المطبخ وتعلق المفارش الصغيرة على السفرة. كل لمسة كانت عاملة زي لمسة حب… بتشم ريحة المكان، وتاخد نفس عميق كأنها بتتنفس عمر جديد.
نسرين كانت بتتابعها وبتتابع فرحتها بحب وكانت حاسة بسعادة ليها ولباباها. كانت شايفة فرحة حقيقية في وش سميحة، ولما خلصت سميحة ترتيبها، قعدت على الكنبة ومسحت عرقها وقالت بفخر:
"خلاص يا بنات… البيت بقى بيتي بجد."
"أحلى بيت والله، تصدقي ده أحلى من زوقي." فجر قالت بحماس.
ابتسمت سميحة وقالت وهي بتبص حوالين الشقة:
"يمكن عشان اتحط فيه من قلبي، أول مرة أحس إني بعمل حاجة ليا… مش لحد تاني."
"وبكرة ربنا يكرم فارس بإذن الله وتاخدوا شقة تمليك وتفرشوها بمزاج. هو دلوقتي مركز إنه يحوش على قد ما يقدر عشان يشارك فارس ويعملوا فرع جديد ووقتها هيجبلك كل اللي بتحبيه."
قبل كتب الكتاب بيوم أصرت نسرين وفجر إنهم ينزلوا يشتروا فستان لسميحة وبعد إلحاح منهم وافقت سميحة. اشترت سميحة فستان سوييه أوف وايت هادي من غير أي مشغولات فيه وطرحة من نفس اللون ووضعت مكياج بسيط جدا يوم كتب كتابها. الطلة بتاعت سميحة أكدت مقولة إن الجمال في البساطة.
مرت الأيام وجه يوم الخميس. خرجت سميحة الصبح بدري قابلت حسين وراحت معاه الشهر العقاري وبعلها حسين المحل والمخزن بيع وشرا وتم التسجيل.
"ها يا سميحة مبسوطة؟"
"أكيد يا حسين، حقي رجعلي من ورث أبويا."
"المهم يا سميحة معادنا بليل."
"آه عايزاك تجهز نفسك أول ما أرن عليك التليفون تيجي."
"حاضر تعالى بقى أوصلك."
"لأ ماينفعش، أنت غريب عني. أشوفك بليل سلام."
سابته ومشيت ورجعت البيت وبعد شويه لقت فجر ونسرين جم ليها. وبعد ساعتين المعلم كان باعت ليهم الغدا جاهز.
بعد الغدا بدأت سميحة تلبس وتجهز ونسرين وفجر ساعدوها في لف الطرحة وعمل ميكب بسيط.
عند حسين كان بيلبس بدلة وبيستعد وكانت مشيرة بتبص له بغيظ.
"أخيرًا رضيت عنك الهانم."
"آه أخيرًا يا مشيرة."
"مبسوط أوي إنت."
"طبعًا مش هرجع لأم عيالي."
"إنت مصدق نفسك يا حسين؟ أم عيالي؟ وإنت من امتى كنت اعتبرتهم عيالك أصلًا؟ ويا ترى عملت معاها زي ما كنت بتعمل معايا؟"
بص له حسين وسكت مقدرش يرد عليها.
"طيب أنا ادتلك فلوسها واديتلك قبلك وشبابك وربيت عيالي وصرفت عليهم. إنما هي هتديها إيه ولا إيه؟ هتوافق ترجعلك؟ هتاخد منك إيه؟ إنت فاكر يا حسين لما جتلي وكنت هوطي على رجلي عشان تبوسها عشان أوافق عليك وحلفتلي إنك هتحب عيالي أكتر من عيالك عشان كده أنا وافقت بيك. دلوقتي جاي تقوللي هرجع لمراتي أم عيالي؟"
"كنت غلطان واهبل يا مشيرة."
"أوعوا تكونوا فاكرين إني متضايقة إنك هترجعالها أو متغاظة؟ لأ يا حبيبي فوق. أنا أخدت كل حاجة وهي ما ينفع لها غير شبيه راجل. روح يمكن تصعب على عيالك ويشغلولك المحل تاني."
"عارفه يا مشيرة لولا إني مستعجل ومش عايز أبوظ فرحتي كنت عرفتك قيمتك إيه."
خرج حسين من البيت وهو متضايق بسبب كلام مشيرة لكن اللي مهون عليه إنه هيرجع لسميحة النهارده وهيتجوزها ويعيش معاها تاني.
وصل عبد الظاهر وكان معاه المأذون ورنت سميحة على حسين عشان ييجي البيت.
بدأ المأذون بكتب الكتاب وكان صالح وليها ومنصور وفارس قاعدين قصادهم.
دخل حسين لحظة ما المأذون قال:
"بارك الله لهما وبارك عليهما وجمع بينهما في خير."
بص لهم حسين بصدمة من اللي بيحصل:
"هو مين بيتجوز؟"
رد فارس بضحك:
"دي ماما اتجوزت المعلم عبد الظاهر."
مقدرش حسين يسيطر على دموعه وكلام مشيرة بيتردد في ودنه. ومش شايف غير ابتسامة عبد الظاهر اللي مليانة شماتة.
قرب من سميحة عشان يمسكها لكن مشي عبد الظاهر بسرعة ووقف قدامه:
"أوعى تفكر تقرب منها، دي بقت مدام المعلم عبد الظاهر."
رواية فات اوان الندم الفصل التاسع عشر 19 - بقلم اماني سيد
وقف حسين يبص حواليه وهو مذهول من اللي بيحصل ومش عارف فيه إيه. مش شايف غير عبد الظاهر واقف وماسك إيد سميحة وبيقول: "دي مراتي". بص لسميحة بضحكة مهزوزة: "ده مقلب صح يا سميحة؟"
فضلت سميحة ساكتة وبتضحك من جانب فمها بسخرية.
استعجب كل الحاضرين من كلام حسين وإيه اللي جابه، وليه بيعمل كده. وقرر منصور إنه يدخل في الكلام: "فيه إيه يا بابا ومقلب إيه اللي بتقول عليه؟"
"أنا اللي عايز أفهم، فيه إيه بيحصل دلوقتي؟"
"ماما اتجوزت من المعلم عبد الظاهر."
"إزاي ده يحصل؟"
اتكلم صالح بعصبية مع حسين: "إنت مالك يا حسين، يخصك في إيه سميحة تتجوز ولا لأ؟ هو إنت لما أكلت ورث أبوها واتجوزت عليها ورميت ولادك، كان حد اتدخل؟"
"أنا ندمت وكلمت سميحة وهي قالت إنها سامحتني." قرب من سميحة وبيحاول يستعطفها: "مش صح يا سميحة؟ مش إنتي سامحتيني وأنا رجعتلك حقك وكان المفروض إننا نتجوز النهارده، وإنتي قولتيلي إننا خلاص نبدأ صفحة جديدة."
سكتت سميحة لحظة، والضحكة الساخرة لسه مرسومة على وشها، لكن عينيها كانت مليانة وجع قديم.
"سامحتك يا حسين؟"
"أيوه يا سميحة، سامحتيني وقالتيلي بنفسك إننا نبدأ صفحة جديدة."
ضحكت سميحة ضحكة قصيرة فيها وجع: "أيوه قلتلك نبدأ صفحة جديدة... بس ما قلتلكش إنك هتكون فيها."
"إيه؟!"
"الصفحة دي أنا اللي كتباها، مش إنت... واسمك اتحذف منها من زمان."
قاطعهم عبد الظاهر بصوته القوي: "بقولك إيه يا حسين، خد بعضك وامشي وبلاش جو الصعفانية ده هنا عشان ما تزعلش من اللي هيحصل."
حاول حسين يتقدم ناحية سميحة، لكن عبد الظاهر مد إيده يمنعه: "خطوتك دي لو كملتها، هتبقى آخر خطوة في حياتك يا حسين."
"إنت بتهددني؟"
"لأ، أنا بحمي مراتي."
صالح وقف بينهم بسرعة: "خلاص يا جماعة كفاية فضايح، اللي حصل حصل، وكل واحد يشوف طريقه."
لكن حسين كان منهار، صوته اتكسر وهو بيقول: "بعد العمر ده كله يا سميحة؟ بعد ما رجعتلك ندمان؟"
ردت وهي بصاله بنظرة حاسمة: "اتأخرت يا حسين... 'فات أوان الندم'."
وساد الصمت، الكل بصّ لها بدهشة. أما عبد الظاهر فمسك إيدها بقوة، وكأنه بيعلن قدام الدنيا كلها إنها اختارته هي المرة دي، مش العكس.
قرب منصور من باباه وبدأ يسأله. ورد عليه حسين بصوت يشبه البكاء خلى قلب منصور يلين: "إيه اللي حصل يا بابا؟ أنا مش فاهم حاجة."
"أنا بعد طلاق أمك وخسارة كل اللي كان معايا حسيت بندم كبير. كلمت سميحة وطلبت منها تسامحيني وأني أرجع لها تاني. وافقت بس بشرط إنها ترجع لها محل ومخزن أبوها الله يرحمه. وأنا الصبح قابلتها ونفذت كلامي وعملتلها بيع وشرا عنهم والمفروض إن المأذون ده يكتب كتابي عليها."
قرب حسين من منصور واتكلم ببكاء: "صدقني يا منصور، أنا ندمت والله ندمت. خليها ترجع لي وأنا هعوضها."
دخل صالح في الكلام بعصبية مكتومة، عينيه مولعة غضب: "تعوضها عن إيه؟ لما ما كنتش بتصرف عليها؟ ولا لما أخدت ورثها وورثي في محل أبونا؟ تسامحك على إيه يا حسين؟ على خيانتك للأمانة؟ ولا على ولادك اللي اتخليت عنهم ومارضيتش حتى تعلمهم؟ إزاي ليك عين تطلب منها تسامحك وإنت اللي حر**قتها بإيدك؟"
بصّ لهم حسين بعينين مكسورة، حاول يتكلم، يبرر، بس كل كلمة كانت بتخونه، كل مبرر بيطلع من بقه كان بيقع قبل ما يوصل. اتكتم صوته، وغلبته الدموع.
كان بيكلم نفسه بصوت واطي: "كنت فاكر الزمن هينسى… بس الظاهر إن الزمن بيفكرني كل يوم أنا كنت قد إيه ظالم."
منصور وفارس بصّوا له بشفقة ممزوجة بالوجع، مش قادرين يكرهوه ولا يحنّوا له، إحساسهم متلخبط زيه. ده أبوهم… بس مش هو نفس الراجل اللي كانوا بيخافوا منه زمان، ده راجل مكسور، ندم بعد فوات الأوان.
خرج حسين من الشقة وهو مش شايف طريقه، دموعه مغرقة وشه، وكتافه منحنية كأنه شايل عمر من الندم فوق ضهره. كل خطوة كان حاسس إنها بتنزله درجة تحت الأرض. خسر كل حاجة… مراته، ولاده، شغله، وحتى نفسه. مشيرة اللي اتجوزها وهي طماعة فيه، وولادها اللي كانوا شايفينه بنك بيتسحب منه الفلوس… كلهم اختفوا أول ما الفلوس خلصت.
نزل قعد على الرصيف، إيده على راسه، بيبكي من قلبه، بكا مش بكا ندم بس… بكا وجع سنين فاكر إنها كانت رجولة، واتضح إنها كانت غرور.
منصور خرج بعده، وقف على بُعد، بيبصله بحزن وقله حيلة. مش عارف يقوله إيه… من ناحية، شايف راجل اتكسر قدامه بعد ما كان جبل… ومن الناحية التانية، عارف إن اللي بيحصله ده تمن الغلطات اللي هو نفسه كان شاهد عليها. وقف ساكت، قلبه واجعه، ولسانه عاجز. كل اللي قدر يقوله لنفسه:
قرر منصور يسيبه ويطلع لمامته بس مش عارف يقولها إيه. يعاتبها على اللي عملته ولا يكمل كأن مافيش حاجة حصلت.
طلع منصور لقى فارس واقف على السلم متعصب وفجر بتحاول تهديه. قرب منه منصور وكلمه بهدوء: "خير يا فارس، فيه إيه واقف كده ليه؟"
"يعني إنت مش شايف اللي حصل يا منصور؟ ماشوفتش اللي حصل جوه إيه؟"
"شفت يا فارس بس بأيدينا إيه نعمله."
"عاجبك كسر بابا واللي ماما عملته ده؟"
"إيه ده يا فارس، اهدى. أولًا أنا مش مع اللي حصل جوه، بس للأسف ما تنساش اللي حصل ده حصل لماما قبل كده لما بابا كان بيظلمها وإحنا ما كناش بنلومه، بالعكس كنا بنقول لها هي تستحمل عشان خاطرنا."
"يعني إيه؟ وأبوك اللي نازل بيعيط ده زي الطفل الصغير؟"
"بص يا فارس، تعالي دلوقتي ندخل ونقف مع ماما، بلاش نكسر فرحتها. وبالنسبة لبابا هيكون لينا كلام تاني معاه. أبوك مسؤول مننا إحنا مش منها هي."
"أنا عايز أمشي."
"ادخل يا فارس وتعالى على نفسك. ماما يا ما حت على نفسها عشان خاطرنا."
دخل فارس وكان بيحاول يرسم الضحكة لكن ملامح الغضب كانت ظاهرة على وشه. حاول صالح أو عبد الظاهر يتكلموا معاها لكن هي رفضت إنها تتكلم في أي حاجة دلوقتي وقالت لهم بعدين هفهمكم كل حاجة. وافق صالح والمعلم، وخصوصاً المعلم. وفارس ومنصور برضوا اتمنوا اليوم يخلص بسرعة عشان اللي حصل وعايزين يقعدوا مع نفسهم يفكروا هيعملوا إيه مع أبوهم.
"طب يا جماعة أعتقد الوقت اتأخر، مش يلا بقى ولا إيه؟"
اتكلم صالح وهو موافق على رأيه: "عندك حق. ألف مليون مبروك وبإذن الله جوازة السعد."
خرج في البداية صالح ومراته، وبعدها الباقي. وسميحة وعبد الظاهر خرجوا أخر ناس، وتأكدت سميحة إن الشقة اتقفلت كويس.
ركبت سميحة مع صالح ووصلوا لبيتهم الجديد. طول الطريق كان عبد الظاهر ماسك إيد سميحة زي المراهقين. وطلعوا شقتهم سوا. أول ما دخلوا الشقة، قرب من سميحة أكتر وكان صوته واطي ومليان إحساس: "أخيرًا الحلم اتحقق... أنا حاسس إني ملكت الدنيا وأنا معاكي."
ابتسمت وهي مكسوفة: "قولتلك قبل كده متبالغش كده."
"أبالغ؟ ده أنا لو أقدر أخلي الدنيا كلها تعرف قد إيه بحبك، كنت عملت كده من زمان."
قرب منها أكتر، صوته بقى واطي، فيه نغمة حنين: "كنت حلمي، وكنت فاكر الحلم ده مستحيل... بس هو جه، وإنتي دلوقتي إيدك في إيدي أهو." ضمها بهدوء، وصوته اتكتم عند ودنها: "بصي... بكلمك وإنتِ في حضني يا سميحة... احضنيني يا سميحة، خليني أحس إني بطير... خليني أحس إن الكمال لسه ليه طعم وأنا في حضنك."
سكتت هي، صوت نفسها متلخبط، مش قادرة ترد. كمل هو، ولسه حضنها كأنه خايف تفلت منه: "أنا بحبك... بحبك حب عمرك ما تتخيلي ولا تتصوري قد إيه. لسه مش قادر أستوعب إنك بقيتِ ليا خلاص."
بعدت سميحة شوية، حطت وشه بين إيديها: "ارتاح يا حسين... أنا أهو قدامك، بقيت مراتك."
ضحك بخفة وهو بيبص في عينيها: "أرتاح؟ وأنا لسه مش مصدق إنك بقيتِ ليا؟ فاكرة أول مرة شفتك؟ كنتِ بتضحكي... ومن ساعتها قلبي اتسحب، وما رجعش لحد النهارده. رجع النهارده... لصاحبته."
تنهدت سميحة بخفة، صوتها مبحوح ومليان خجل: "حرام عليك يا حسين... كده هعيط. بص، هقوم أحضّرك العشا."
مسك إيدها اللي كانت على وشه، وباس كفها من جوه ببطء. "لأ، إنتي تقعدي هانم يا سميحة... وأنا اللي هجبلك الأكل لحد عندك."
ضحكت بخجل، بس جواها كانت موجة دفء بتتحرك. كلامه دخل قلبها وخلاه يدق من جديد. "حسين أنا..."
قطع كلامها وهو بيبص فيها بحب مالوش آخر: "ما تقوليش حاجة... مش عايز منك وعود، ولا أي كلام. أنا بس عايز أحبك، وأفضل جمبك... عايز أشبع منك، وأنا عارف ومتأكد... إني مهما عدّى العمر، مش هشبع منك أبدًا."
قام حسين وقلها: "لحظة يا سميحة وراجعالك تاني."
دخل عبد الظاهر وحط الأكل على صنية ومعاه ظرف فيه ورق ودخله لمكان سميحة وقعد جمبها.
"إيه ده برضه؟ تعبت نفسك."
"أنا أتعب ويا سميحة وإنتي لأ، وبمجرد ما هنزل الشغل هتيجي ست تساعدك في شغل البيت وعايزك تقعدي هانم، ما تمديش إيدك في حاجة. أي حاجة تعوزيها مش محتاجة حتى تطلبيها، إنتي تشاوري بس وهتكون تحت رجلك."
بدأت سميحة تاكل لكن وقفها عبد الظاهر: "مش قولتلك ما تتعبيش نفسك، أنا هأكلك."
اتحرجت سميحة واصر عبد الظاهر على كلامه وبالفعل بدأ يأكلها ويغازلها وهو بيأكلها لحد ما شبعوا وبعدين...
عند حسين فضل يلف في الشارع بدون أي هدف مش عارف يعمل إيه ورد فعل مشيرة لما تعرف هيكون إيه. تعب حسين من اللف وراح لبيته مع مشيرة وطلع البيت.
لقى مشيرة وولادها قاعدين بيأزأزوا لب ويتفرجوا على التليفزيون. بصتله مشيرة بسخرية: "مش قولتلك هترجع وقفاك يأمر عيش."
"اسكتي يا مشيرة، اسكتي."
"اسكت إنت غبي يا حسين، اسكت إيه؟ ده أنا هسمعك اللي يفوقك."
زقها حسين وجه يدخل أوضته وقفته مشيرة وولادها.
---
رواية فات اوان الندم الفصل العشرون 20 - بقلم اماني سيد
وقفت مشيرة قصاده وكلمته بغرور:
ـ أنت رايح فين؟ أنت فاكر إننا هنسيبك تقعد هنا تاني بعد اللي فكرت تعمله.
ـ قصدك إيه؟
ـ قصدي إنك حنيت للقديمة، وطالما حنيت يبقى خلاص، ملكش عوذه هنا.
ـ إيه الكلام ده يا مشيرة؟ بقى ده جزاتي بعد السنين دي كلها تطرديني من بيتي؟
ـ بيت مين يا أبو بيت؟ أنا لولا ولادي كنا قعدنا في الشارع، أنا وولادي هما اللي بيدفعوا الإيجار وبيصرفوا على البيت، أنت بقيت عالة علينا يا حسين.
ـ بعد كل ده يا مشيرة منك لله، أنتِ وولادك، أنتوا السبب إني أخسر ولادي وأخسر سميحة، منكم لله.
كادت مشيرة إنها ترد عليه، لكن وقفها صوت ابنها الصغير وبدأ يتكلم بكره:
ـ أنت مصدق نفسك ولا مصدق اللي أنت بتقوله ده؟ كان حد ضربك على إيدك وقت ما كنت بتجري؟ ولا أمي عشان تراضيها وتتجوزها؟ كان حد بيطلب منك الهدايا اللي كنت بتجيبها دي؟ يا راجل، ده أنت كنت مخلي ولادك هما اللي بيشتغلوا عندنا في المحلات والمخازن، الناس كانت بتستغرب أنت ليه كنت بتعمل كده، حتى ولادك. عارف يا حسين؟ أنا عمري ما حبيتك، رغم إنك كنت بتعمل المستحيل عشان أرضى عنك، لكن أنا عمري ما حبيتك، عارف ليه؟ كنت بقول لنفسي: اللي يهون عليه ولاده اللي من دمه ولحمه وصلبه، يهون عليه أي حد تاني. عمرك سألت نفسك مين كان بيصرف على ولادك في الوقت اللي كنت مدخلنا فيه أغلى المدارس؟ عمرك سألت نفسك ولادك بياكلوا إيه في الوقت اللي كنت بتاخدنا فيه أغلى الفنادق؟
سكت حسين، مقدرش يرد عليه، مبقاش عارف يقول إيه ولا يعمل إيه، هو دلوقتي بيجمع نتيجة أفعاله. سكت، الكلام في حلقه، مبقاش قادر يتكلم، بيحاول يكتم كسرتُه، ووقف مبقاش شايف قدامه، ومرة واحدة وقع من طوله. راحت عليه مشيرة وفاروق وحاولوا يفوقوه، لكن ما قدروش.
أخدت فريد، أخو فاروق الصغير، الموبايل من جيب حسين واتصل بمنصور، اللي أول ما شاف الرقم رد:
ـ ألو يا بابا؟
ـ أبوك وقع من طوله، مش عارفين ماله، تعالى خده واديه مستشفى ولا شوف هتعمل معاه إيه.
قفل منصور التليفون وجرى على بيت حسين، لقى والده واقع في الأرض ومشيرة وفاروق بيحاولوا يفوقوه. بص لهم وسألهم باستفهام:
ـ إيه اللي حاصله؟
رد عليه فريد ببرود:
ـ مانعرفش، لما يفوق ابقى أسأله.
شاله منصور ونزل بيه وحطه في العربية وجرى بيه على أقرب مستشفى. وصل منصور المستشفى وجرى عليه الممرضين والأطباء عشان يسعفوا والده. فضل منصور واقف قدام أوضة الطوارئ، وشعور القلق مسيطر عليه، وبقى يفتكر اللي حصل وقت كتب كتاب سميحة، وربط اللي حصل بجواز مامته.
بعد شوية خرج الدكتور، ماسك ملف في إيده، وقال بنبرة هادية:
ـ حضرتك ابن المريض حسين عبد الحميد؟
ـ أيوه يا دكتور، طمني، هو كويس؟
ـ هو دلوقتي حالته مستقرة، بس عنده جلطة بسيطة في المخ، الظاهر إنه اتعرض لانفعال شديد أو ضغط عصبي جامد.
ـ جلطة؟ يعني خطر؟
ـ الحمد لله مش كبيرة، جت خفيفة، لكن لازم يرتاح تمامًا، مفيش توتر ولا عصبية، ويا ريت ما يشوفش حد يضايقه الفترة دي خالص.
ـ يعني هيفوق إمتى؟
ـ بدأ يستجيب، بس هنسيبه تحت الملاحظة 24 ساعة على الأقل، وبعدها نقرر هننقله للقسم ولا نرجعه البيت.
مسك منصور راسه بإيده:
ـ تمام يا دكتور، شكراً جداً لحضرتك.
ـ أهم حاجة دلوقتي تهيئ له جو هادي، وتمنع عنه أي ضغوطات...
ـ حاضر، أنا هفضل جنبه.
اتصل منصور بفارس وحكاله اللي حصل، ووصل فارس للمستشفى عشان يطمن على أبوه:
ـ بابا عامل إيه دلوقتي يا منصور؟
ـ الحمد لله يا فارس، ادينا قاعدين مستنيين.
ـ أنت عرفت منين؟
ـ فريد كلمني.
ـ محدش منهم جه معاك؟
ـ لأ، زي ما يكونوا ما صدقوا يخلصوا منه.
ـ وأنت سكتلهم؟
ـ المفروض أسيب أبوك بيموت واقف أتخانق معاهم؟
ـ تفتكر أمك السبب في اللي حصل لأبوك؟
ـ أكيد طبعاً، اللي حصل أثر عليه.
ـ أنا مش مع اللي أمك عملته، ولازم نكلمها.
ـ أكيد يا فارس، بس نطمن على أبوك الأول وبعدين نكلمها.
ـ لو عايز تروح ترتاح وأنا أكمل معاه، روح وماتقلقش.
ـ لأ، أنا هفضل معاك لحد ما يفوق.
في اليوم التالي، بدأ حسين يفوق، وقرر الدكاترة ينقلوه غرفة عادية لمدة 24 ساعة عشان يتأكدوا من حالته الصحية. دخل حسين غرفة عادية وجلس معاه فارس ومنصور عشان يطمنوا عليه، لكن رفضوا إنهم يكلموه في أي حاجة عشان خاطر حالته الصحية. انتهى معاد الزيارة وخرج فارس ومنصور من المستشفى.
ـ هنعمل إيه دلوقتي يا منصور؟ هيرجع تاني عند مشيرة؟
ـ ما افتكرش، ده محدش فيهم فكر حتى يتصل عشان يطمن عليه.
ـ طيب هيروح فين؟
ـ أنا بفكر أأجر له شقة أوضة وصالة وأفرشهاله، وأنا وأنت نبقى نزوره ونقعد معاه لحد ما يبقى كويس.
ـ طيب ولحد ما نلاقي الشقة هنعمل إيه؟
ـ مش عارف، وللأسف ما أقدرش آخده عندي لأنه زي ما أنت عارف ده بيت حمايا، ومانقدرش نقعده في الشقة القديمة لأن دي شقة ماما، وخايف أوديه عند مشيرة يعملوا معاه مشكلة وحالته تتدهور تاني. عشان كده فكرت في حاجة. إيه رأيك لو تاخده عندك يومين تلاتة بس بالكتير أكون جبتله الشقة؟
ـ مافيش مشكلة، يقعد معايا كام يوم لحد ما نظبط له مكان.
مر أسبوع وخرج حسين من المستشفى وراح قعد في بيت فارس. في الوقت ده، كان منصور جهز له شقة وفرشها له. جاب له سرير ودولاب، وبوتاجاز صغير وتلاجة صغيرة، والصالة فيها كنبة صغيرة وقصادها تليفزيون وكاتل لزوم المشاريب. واستعان ببعض العمال وساعدوه في فرش الشقة.
خلال الفترة دي، كانت علاقة سميحة وولادها شبه معدومة. اتصلت سميحة بمنصور وفارس وقررت إنها تقابلهم، وهما طلبوا منها تقابلهم في شقتها القديمة. استغربت سميحة لطلبهم وراحت تقابلهم. سلم عليها أولادها ببرود، فاستعجبت سميحة طريقتهم معاها أول مرة:
ـ في إيه؟ حصل حاجة؟ شكلكم مش عاجبني.
ـ بابا يا ماما، بعد ما خرج من هنا يوم كتب كتابك، وقع وكان هيموت، وأحنا لحقناه على آخر لحظة.
ـ وأنا مالي؟
اتكلم فارس بانفعال:
ـ أنتي السبب، لو ما كنتيش هنتيه قدامنا وعملتي اللي عملتيه، ما كانش حصله كده.
بصت سميحة لمنصور بسخرية وسألته:
ـ وأنت يا منصور، عاجبك كلام أخوك؟
بص منصور لفارس يهديه ورجع بص لها:
ـ أهدي يا فارس، عيب كده. ... وفعلاً يا ماما، المفروض كنتي عرفتينا باللي بتعمليه، لكن ليه تعملي كده؟ وطالما رجع لك حاجتك، كنتي قولتي له إنه خلاص كده أخدتي حاجتك ومش عايزة تشوفيه، لكن ليه لزمتها تجبيه ويحصل اللي حصل ده؟ أنتي عاجبك منظرك؟
ـ عشان كده ما كنتوش بتسألوا عني الفترة اللي فاتت؟ عشان زعلانين على أبوكم؟
حست سميحة إن الدنيا بتلف بيها، وسندت على أقرب كرسي ليها، وبصت لهم بغضب لأول مرة، وبدأت تكلمهم بانفعال وانفجار عن مشاعر كانت كاتمناها جواها:
ـ زعلانين على أبوكم عشان أخدت منه حقي وشافني وأنا بتجوز غيره، بعد ما هو اللي طلقني ورماني باختياره. ما زعلتوش منه ليه؟ واخدتوا منه موقف زمان لما باعني وراح اتجوز غيري ورماكم، ها؟ ردوا عليا. ما كنتوش بتسألوه ليه ما بيتصرفش علينا يا بابا وسايب خالنا هو اللي يصرف علينا؟ ما سألتوش ليه ما كانش بيفسحكم ويسفركم ويخرجكم زي ما كان بيعمل مع ولاد مشيرة عشان يراضيها؟ كنتوا فين وأنا بسمع كلام الجيران وهما بيسألوني: جوزك رماكي ليه ورمى عياله؟ كانوا بيقولوها كده صريحة. دول لو عياله مكنش رماهم، أكيد عرف حاجة عشان كده طفش منها. عشانكم استحملت أفضل على ذمته كل السنين دي، كان ممكن آخد حقي بدل المرة عشرة، بس كنت بسكت وبرفض، مش ضعف مني أبداً، لكن عشان خاطركم أنتوا. أنا عمري ما كنت ضعيفة، لكن كنت بتغاضى عشانكم. تفتكروا خالكم ماكنش قادر يخلص منه أو يبعت حد يخطفه ويهدده ويرجع ورثنا تاني؟ لكن كنا بنسكت عشانكم. أبوكم دلوقتي صعبان عليكم بعد ما رجعت حقي منه. طيب أنا ما صعبتش عليكم كل السنين اللي فاتت دي؟ عارفين أول مرة أحس إن معرفتش أربي؟ خسارة تربيتي فيكم يا خسارة.
سابتهم سميحة وخرجت. وقف منصور وفارس بيبصوا في أثرها بحيرة. حاول منصور يخرج يلحقها لكن معرفش. وقف منصور وفارس يبصوا لبعض بقله حيلة:
ـ عاجبك كده يا فارس؟
ـ مش عارف يا منصور، أنا كنت متضايق عشانه.
ـ بس برضو ما كانش ينفع نكلمها كده، كانت دماغنا فين لما بنعاتبها ونسينا اللي عمله فيها زمان.
ركبت سميحة العربية اللي كان مخصصها لها عبد الظاهر، وبعدها اتصلت بعبد الظاهر وهي بتعيط. رد عليها بقلق من صوتها:
ـ مالك يا سميحة؟ حاجة حصلت ولا إيه؟
ـ آه، عايزك تيجي دلوقتي لو ينفع.
ـ أنتي فين؟
ـ كنت مع فارس ومنصور ومروحة على البيت.
ـ طيب حصل إيه عشان تبقي بالحالة دي؟
ـ لما تيجي هتعرف.