مرت الأيام، وفي بلد عربي، يكبر فداء ويصير ضابطًا في الشرطة، بل يصبح من أوائل دفعته. وبسبب كفاءته العالية، عُيّن في منصب مرموق. في الجانب الآخر، تكبر راندا وتصبح في السنة النهائية في كلية الآداب، قسم علم نفس. وفي آخر العام، طلب أساتذة الجامعة بحثًا عن المرضى النفسيين ليكون مشروع تخرج لطلبة القسم.
فطلبت راندا من الدكتورة وعد أن تأخذها معها إلى المستشفى النفسي الذي تعمل فيه، حتى تستطيع إعداد الأبحاث المطلوبة منها. ولم تكن راندا قد استعادت ذاكرتها بعد كل هذه السنوات، فهي لا تعرف شيئًا عن ماضيها. وكان الجميع يناديها باسم "نور"، وهو الاسم الذي اعتمده الملجأ في أوراقه الرسمية. وهناك في المستشفى، الدكتورة وعد تتصل بنور على الهاتف: "أين أنت الآن يا نور؟ "أنا في طريقي للمستشفى."
"عندما تصلين للمستشفى، اتصلي حتى أخرج لاستقبالك." "شكرًا حبيبتي، سلام." "أنا في انتظارك، سلام." وعندما تصل نور للمستشفى، تأخذها وعد معها إلى قسم الحالات البسيطة في المستشفى الذي تعمل فيه، من أجل أن تُعد راندا الأبحاث المطلوبة منها.
"تعالي يا نور، سوف أعرفك بالسيدة سامية، وهي تعتبر من عقلاء المستشفى، وهي هنا منذ أكثر من عشر سنوات. وأستطيع أن أتركك معها وأنا مطمئنة، كي أذهب لأكمل عملي، وتستطيعين أن تتعرفي على تجربتها المؤلمة التي كانت سببًا فيما حدث لها." تدخل وعد الغرفة مع راندا وتشير إلى إحدى السيدات قائلة: "هذه الحاجة سامية، وهذه نور، طالبة علم النفس التي أخبرتك عنها يا خالة سامية. وسوف تجري معك حوارًا في مجال تخصصها."
ثم تمد راندا يدها لتسلم على سامية، ولكن وعد تقول لها: "امسكي أنت بيد الحاجة سامية، فهي لا تستطيع الرؤية جيدًا، فهي مصابة بياض العين." تمسك راندا بيد سامية وتجلس بجوارها قائلة: "كيف حالك سيدتي؟ "من أنت يا ابنتي؟ فصوتك ليس غريبًا على أذني." "اسمي نور، وأنا طالبة في كلية الآداب." "هل زرت القرية الفلانية قبل ذلك؟ "لم أسمع به حتى يا خالتي سامية، فلقد تربيت في الملجأ طوال حياتي." "كم عمرك يا ابنتي؟
"عندي اثنان وعشرون عامًا، وأنا في السنة النهائية في الجامعة، وأعد مشروع التخرج." "لو كانت ابنتي على قيد الحياة، لكانت في مثل عمرك تمامًا." "شكرًا سيدتي، اعتبريني ابنتك، فأنا نشأت في الملجأ بدون أم، وكم تمنيت لو كانت لي عائلة." "شكرًا ابنتي، تعالي كي أضمك." تضم سامية راندا، وبينما تشعر راندا بحنان الأم لأول مرة في حياتها، تسقط دمعة من عينها فتمسحها بسرعة.
"أريد أن تقصي علي قصتك منذ البداية، حتى أستطيع أن أحلل شخصيتك وأعطي النتائج من أجل العلاج، حتى أسجل ذلك في أطروحتي." فتبدأ سامية في سرد جزء من القصة، حتى تشعر راندا أنها بدأت تنفعل وتبكي بحرقة. فتخبرها راندا أنها ستكمل حديثها معها في يوم آخر، حتى تكون قد هدأت نفسيتها قليلاً وتستطيع إكمال القصة لها. ثم تقبل راندا رأسها وتنصرف والدموع تملأ عينيها. هناك في القرية، تجلس آمنة مع والدها العمدة مهران وليلى أمها.
"غدًا سيكون حفل تخرجي من كلية الشرطة، ويجب أن تكون أنت وأمي في الحفل." "طبعًا يا ابنتي، سأكون في الصفوف الأمامية، فهذا شرف للكفر كله. فأنت أول فتاة تتخرج من كلية الشرطة في القرية. هذا وسوف أطلب تعيينك في... "لا يا أبي، فأنا أريد أن أعمل هنا حتى أصلح أمورًا كثيرة هنا في البلدة. لقد كثر تجار المخدرات والآثار والسلاح بشكل غريب في السنوات الأخيرة، وأريد وضع حد لها."
"ابنتي الرقيقة ذات الشعر الذهبي والعيون الخضراء، ستحاربين المجرمين." ثم يضحك قائلاً: "يبدو أنك ستقتلينهم بجمالك وسحر عيونك." "لا تسخر مني يا أبي، وستري كم أنا قوية، وسأحقق العدالة في القرية." "أنا أمزح معك طبعًا، وسأكون أنا وجيش الذي عندي في ظهرك وسندًا لك." في الجانب الآخر، يمرض الضابط أحمد مرض الموت. فيرعاه فداء حتى النهاية. وعندما يشعر باقتراب أجله، يمسك يد فداء قائلاً:
"أظن أن الأوان قد حان للرجوع لبلدنا. ستذهب أنت وتبحث عن أسرتك، ولعل الله يجمعك بهم." "ولكني أريد أن تكون معي حتى تنصحني وتدعمني."
"على العكس، لو ذهبت معك سيفضح أمرك، فكل من في القرية يعرفني. وأنا قد أوصيت زملائي بتعيينك في قسم شرطة الكفر. ولقد استغربوا بصراحة كيف يكون أحد مثلك تلقى تدريبًا عاليًا كهذا ويشغل هذا المنصب المرموق في هذا البلد، ثم يطلب العمل في كفر بعيد هكذا. ولكني أخبرتهم أنك تحب المهام الصعبة وتريد البدء من الصفر." "شكرًا أبي." "وصيتي أن تدفنيني في بلدي، وفي العاصمة بالتحديد، وسط مقابر العائلة."
"لا تقل هذا يا أبي، ستشفى وتكون بخير إن شاء الله." "لا يا بني، أنا أشعر أن أجلي قد اقترب، لذا فوصيتي لك أن تنهي هذا الصراع على الثأر في بلدكم. وحتى هذا الحين، يجب أن تخفي هويتك حتى لا يستطيع أحد التعرف عليك. لذا فأنت من هذه اللحظة لست فداء، بل الضابط محمد، كما تقول كل الأوراق الرسمية التي استخرجتها لك. وستظل بهذه الهوية حتى تستطيع تحقيق العدالة ورد المظالم إلى أهلها." "سأفعل، لا تقلق يا أبي."
وقبل أن يكمل فداء حديثه، يلفظ الضابط أحمد أنفاسه الأخيرة، بينما يقبله فداء قبلة الوداع وسط دموعه على رجل كان له نعم الأب، ولم يبخل عليه لا بالحب أو المال، بالرغم من عدم وجود صلة قرابة تربطه به. وفي اليوم التالي، كان فداء يحمل جثمان والده إلى المطار متوجهًا نحو العاصمة في بلده، حيث قام بدفن الجثمان، ليتجه بعدها إلى مسقط رأسه وهو يركب سيارة الشرطة ليستلم عمله في قريته، قائلاً:
"والآن ستبدأ رحلتك يا فداء، لتصويب كل أخطاء الماضي وتحقيق العدالة لأسرتي، ويجب أن يدفع الجناة الثمن، ولكن بطريقتي."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!