يوم جديد على الجميع. قلوب أفرحها اللقاء، وقلوب أضناها العشق. انزوت على حالها بغرفتها ترفض كل شيء، لا طعام ولا شرب ولا حديث. تبكي بقهر على ما أوصلت نفسها به. فتحت الهاتف تبحث عن رقمه لتحدثه، فوجدت تلك الصور تحتل الصدارة بما يسمونه عاشقين السوشيال ميديا. "ترند الموسم".
خفق قلبها ألمًا، فشعرت بوخز مؤلم يسير بجسدها الضئيل بفعل تمنعها عن الطعام لعدة أيام. تطلعت للهاتف بدهشة غير مستوعبة أنه حقيقة. فرفض عقلها تقبل الأمر، فأخذت تصرخ بعلو صوتها الذي زلزل المنزل بأكمله.
هلع قلب يعقوب عليها، فوالدته خرجت منذ الصباح لتجلب بعض الخضروات للبيت. دق على باب غرفتها بخوف، فلم يلق أي ردة فعل. ضرب الباب بعنف شديد، فتحطم لأجزاء لا حصر لها. دلف مسرعًا عندما وجدها تفترش الأرض والدماء حولها تملأ الغرفة بأكملها. انخلع قلبه برعب، فصرخ بها لتُفيق لكن دون جدوى. حملها برفق وهو يهبط الدرج بسرعة عالية متجهًا بها لأقرب مستشفى لفحص حالتها. اقتربت الطبيبة تتفحص الحالة بعناية، فقالت بهدوء:
-هي حاولت تنتحر ليه؟ رد يعقوب معقبًا بخوف: -أنا مرة لقيتها بتصرخ جريت أشوفها لقيتها واقعة وزي ما حضرتك شايفها كده. استكملت حديثها بتساؤل: -في حاجة مزعلاها؟ قال بغير علم: -لأ. -بس من يومين كانت بتبكي ولما سألتها رفضت تحكي أي حاجة. قالت الطبيبة بهدوء: -حضرتك المريضة عاوزة كشف نفسي. هبعت لدكتورة اسمها «حسناء»، هتتكلم معاها وتحكيلها كل اللي بيحصل وهي تقدر تفهم حضرتك إيه أسباب ده كله.
انصرفت الطبيبة، فجلس مقابلًا لها. رفع كفه يلامس خصلات شعرها الهاربة بفعل عدم إحكام الحجاب عليها. فهمس بألم: -مالك يا نور عين أخوكي؟ قوليلي إيه زعلك؟ مش كنتي دايماً تقوليلي يا يعقوب إنت نص تاني، إنت أبويا اللي مشفتهوش ولا اتهنيت بحضنه، إنت صاحبي وأخويا وكل ما ليا. ليه مبقتش تحكيلي حاجة؟ ثم تابع بحنان ليجعلها تطمئن له: -أنا سندك اللي مستحيل يأذيكي. اتكلمي يا عائشة متخبيش على يعقوب.
كانت تنظر له بألم، ودمع يسيل برفق على وجنتيها. خفقات قلبها تضرب بعنف وخوف من كل شيء حولها. تحشرج صوتها في حلقها، فرددت: -عائشة اللي كنت عارفها ماتت يا يعقوب! دلوقتي لما تعرف اللي عملته هتكرهني، وأنت أول واحد هيقف ضدي لأني خالفت مبدأك. نظر لها بحيرة وهو يتساءل: -عملتي إيه؟ قالت ببكاء مزق قلبه: -خنت ثقتك بيا يا يعقوب. *** في مكان آخر.
صدح صوت صافرة القطار ليعلن عن قرب قدومه. وقفت تتمايل أمام شاشة هاتفها. ملابسها ترسم جسدها بدقة وكأنها جزءًا منه. غطى وجهها مساحيق التجميل وأبرزت مفاتنها للمارة. صوت ضحكتها العالي عبأ المكان، غير مقتصرة لتلك العيون التي تراقبها من شباب وأمهات ورجال شارفوا على عمر الستين. لكن عقلها راودها لتكمل ما بدأت به. فقالت بصوت متصنع بدلع مقصود: -عاوزة أعمل فيديو تيك توك هنا عشان لما أروح البيت أنزله على الإنستا. أكدت
زميلاتها قائلة بتشجيع: -تعالي هنا الضوء هيكون أحلى. أمسكت الهاتف ووقفت قبالتها، والأخرى تردد إحدى الموسيقى وتتمايل عليها، تبرز مفاتنها بغير حياء، وكأن ما تفعله وجب عليها وليس خارج دين المرء وحياؤه. على الجانب جلست امرأتان يتبادلن أطراف الحديث، فقالت إحداهما بضيق: -شايفة حال البنات يا صابرين. التفت تنظر لها بحسرة وهي تجيب: -دي بقت حاجة تحزن. ثم تابعت بحزن شديد:
-تروحي فرح تلاقي البنات واقفة ترقص وتتصور، وهي بتعمل كده بكل فخر وتنزل صورها على النت اللي بيقولوا عليه ده. ولا في رقابة ولا في دين بقوا يتعلموا. قالت رحاب بتأكيد: -عندك حق والله. حتى بفضل أتكلم مع مريم بنتي وأقولها متلبسش بنطلون وعليها بلوزات قصيرة، بس ماشية ورا الموضة وشايفة زمايلها كلهم بيبصوا لبعض. ثم تابعت بجدية: -بس اللي مصبرني عليها إنها لا بتحط ميكياج ولا بتنزل صور ليها على النت، أنا مانعاها. قالت «صابرين»
بقلة حيلة: -دلوقتي البنت اللي لابسة محتشم ومستورة في هدومها بيتريقوا عليها، واللي لابسة ضيق ونص شعرها طالع من طرحتها، ومبينة إيديها ورجليها دي بقت حلوة. وحال الأمة والناس اتبدل. تحدثت «رحاب» بهدوء: -ربنا يهدي بنات المسلمين يارب. أمنت «صابرين» على دعائها وقالت بابتسامة هادئة: -أمي الله يرحمها كانت بتقول مثل حلو أوي عن خجل البنت.
كانت تقولي يا صابرين: "حياء البنت زي الوردة، لو شمها ناس كتير أو مسكتها أكتر من إيد هتفقد رونقها وريحتها". فهماني يا بنتي. ثم استكملت حديثها بحنان لأمها الراحلة: -ربتني على إني وردة وعلمتني الحياء بمثلها ده، ولسا لحد النهارده بجني زرعها طرح طيب من تربيتها ليا. ربتت على كتفيها بحنان ثم أردفت بهدوء: -ربنا يرحم أمهاتنا جميعًا ويجعل تربيتهم لينا على الصلاح في ميزان حسناتهم. استقامت "صابرين" بوقفتها وهي تقول:
-أنا مش مستحملة اللي البنت دي بتعمله، لازم أروح أتكلم معاها. ذهبت إليها والضيق يرسم على وجهها، فتنفست ببطء وهي تقول: -يا بنتي عيب اللي بتعمليه ده. بصي بعينك كده هتلاقي عيون شباب بتاكلك، وناس كبيرة تتحسر. يا بنتي مش هتجني من ورا عمايلك دي غير الهم لقلبك. البنت اتخلقت عشان تكون خجولة والخجل بيجمل مش بيوحش. استمعت لها بضيق وهي تلوي فمها بتهكمٍ وقالت بتكبر وبنبرة وقحة: -وإنتي مين اداكِ الحق تكلميني كده؟
أو قالك إنّي محتاجة نصايحكم؟ أنا عارفة أنا بعمل إيه ومقتنعة بيه. لجمت الصدمة لسنها من وقاحتها، فقالت بقلة حيلة: -يا بنتي أنا بنصحك لوجه الله. أنا شوفت فيكي واحدة من بناتي وأنا مرضاش بنتي تضيع نفسها وأقف أتفرج عليها. نظرت لها بحنق وهي تقول بنزق: -وأنا مش محتاجة نصايح من حد. فار دمها بألم، فلا دين ولا حياء ولا أدب تمتلكه تلك الفتاة، فقالت بحسرة:
-أنا نصحتك لله، بس أتمنى ميفوتش الأوان وتخسري نفسك وترجعي تقولي ياريتني. ربنا يهديكي يا بنتي وينعم عليكِ بالستر. ثم التفت لتذهب وهي تقول: -"من قلّ حياؤه قلّ ورعه، ومن قلّ ورعه مات قلبه، ولا خير فيمن لا يستحي من الناس." ذهبت تلك الفتاة في نوبة ضحك عالية، فقالت من وسط ضحكاتها: -برافوا عليكي يا «حبيبة». سكتي الست ومنطقتش تانية. تفت الأخرى بعقل شارد: -يلا نمشي يا «إيمان». الست دي فورت لي دمي. ***
صدح صوت آذان العشاء، فتوضأت وارتدت إسدال الصلاة بمحبة للقاء ربها. وقفت بين يديه مبتسمة فرحة بعوض الكريم بعد صبر سنوات من الألم وتحمل كلمات لاذعة تبكيها. رفعت كفيها بتضرع وخشوع وهي تناجيه. انتهت من صلاة فرضها، فقامت لتصلي ركعتي الاستخارة بقلب راضٍ بقضاء الله. دق باب غرفتها بهدوء، فأذنت للطارق بالدخول. أدلف خطواته إليها وهو يقول بمحبة صادقة: -بتصلي في الحرم يا حبيبت بابا؟ ابتسمت بخفة وهي تقف تقبل مقدمة رأسه قائلة:
-جميعًا يا رب يا بابا. آمن على كلامها ثم تحدث قائلًا بتساؤل: -إيه يا بنتي طمنيني، نرد على الراجل نقوله إيه؟ صمتت بخجل وهي تخفض بصرها بحياء، ثم قالت بهمس: -اللي حضرتك شايفه يا بابا. غازلها مازحًا وهو يقول: -يعني أقوله مش موافقة؟ رفعت بصرها له بحيرة وتعجب، ثم أردفت: -يعني حضرتك رافضه يا بابا؟ شبه ابتسامة ماكرة ارتسمت على وجهه، فقال بثبات: -هو أنا اللي هتجوزه يا رونق؟ شحب وجهها بخجل شديد، فقالت بهمس:
-بس أنا موافقة يا بابا. ضحك ملء فمه وهو يقول بسعادة: -ألف مبارك يا رونق أيامي. ربنا يسعدك يا بنتي ويجعله زوج الدنيا والآخرة. نظرت له بتساؤل وهي تجيب بحيرة امتلكتها للحظة: -يعني حضرتك موافق؟ ابتسم بمحبة ثم أردف معقبًا: -من قبل ما يجي يتقدم وأنا بتمناه ليكِ يا بنتي. ثم تابع حديثه وهو يلتفت للخروج بعدما لمع الدمع في مقلتيه فرحًا له وحزنًا لمفارقتها: -ربنا يتمملك فرحتك بخير يا رونق العينين.
"جئت أنت من زمن كنت أظنه رحل، وبعدما فقدت الأمل، جئتني زارعًا في قلبي بساتين من أمل وحياة." « بقلمي خلود بكري » "يؤخرها الله عليك ليفاجئك بالذي هو أحب إليك." *** صاعقة نزلت على رأسه عندما رأى تلك الصور المرسلة على هاتفه. تفحص الهاتف مرارًا عله مخطئ، هذه ليست وردته التي رباها على يده، لا ليست هي. نظر لها بتساؤل، فوجده الدمع شارف ثانيًا في مقلتيها. حاول التماسك قليلًا ليفهم حقيقة الأمر، فقال بثبات صنعه بصعوبة:
-الصور دي بتاعتك صح؟ هزت رأسها بألم، فقالت بصعوبة وصوتها يختنق من كثرة البكاء: -والله يا يعقوب الصور دي مفبركة. أنا عمري ما أعمل كده في نفسي ولا فيك، صدقني والله أنا مش بكذب عليك. أغمض عينيه بوجع نغز صدره على تلك الفضيحة التي ستلاحق أسرته، ثم تنفس ببطء قائلًا: -الصور دي كانت مع مين وفبركت إزاي؟ بلعت غصة حلقها ثم قالت بصوت باكي: -كانت مع واحدة صحبتي في الجامعة وبعتتها لأخوها. صمت بتعجب وهو ينظر
لها بثبات ما قبل العاصفة: -كملي. تذكرت ما حدث في ذلك اليوم اللعين بالنسبة لها. #فلاش باك اجتمعت مع بعض الفتيات من قريتها الذين يدرسون معها في نفس الجامعة يتبادلون أطراف الحديث. فقالت «حبيبة» بمحبة مصطنعة: -عائشة ابعتيلي صورتين ليكي كده عشان ماما نفسها تشوفهم. نظرت لها بضيق ثم قالت: -إنتي عارفة يا حبيبة إنّي مش ببعت صوري لحد. تزكزتها الأخرى بمزاح فقالت بودّ مكذوب: -والله ماما نفسها تشوفك، أكمني مش ببطل كلام عنك.
صمتت وهي تنظر لها، وبعد مهلة قضتها في التفكير قالت: -تمام هبعتلك، بس بعد ما ماما تشوفهم توعديني إنك هتمسحيهم. شبه ابتسامة شيطانية ارتسمت على وجهها ببراعة لتردف بغل: -حاضر يا حبيبتي أوعدك. باااااك. كان ينظر لها ودموعها التي أغرقت وجهها، فقال بجدية واضحة: -وبعدين؟ استكملت حديثها بشهقات عالية وهي تقول: -بعد فترة أخوها كلمني وبعتلي الصور دي، وقعد يمدح في جمالي وإنه حبني من أول لما شاف الصور. تحشرج صوتها
في حلقها فقالت بصعوبة: -حاولت مأضعفش، صدّيته مرة واتنين ومية والله يا يعقوب، بس قلبي وقتها اتمرد عليه في لحظة لقيتني بكلمه، وللأسف حبيته. صمتت قليلًا وهي تنظر له بخوف من ردة فعله، واسترسلت حديثها بحزن: -بعد كده طلب يشوفني. اشتد بكاؤها حينها وهي تقول: -والله رفضت يا يعقوب، رفضت. وبعد إصرار من بعت له صورتين كمان ليه وأنا بلبس البيت. ثم استكملت حديثها بصوت يقطع نياط القلب:
-بس هو كان أقوى مني، اتلاعب بالصور اللي معاه وساومني عليها، ولمّا رفضت عمل اللي إنت شوفته ده. ثم قالت بكسرة أوجعت قلبها: -بس «حبيبة» السبب هي اللي شجعته على كده عشان أنا رفضت لما هي طلبت رقمك وقالت إنها بتحبك وبتتمنى تتجوزك. هي ردت لي الصاع اتنين يا يعقوب. جذبها لأحضانه بحنان وقلبه يبكي بحسرة عليها وعلى ما أوصلت نفسها البريئة به. فقال بصوت خرج ببحة مؤلمة:
-حقك هيرجع والولد ده هياخد جزاته مني، هعلمه درس مينسوش أبدًا، بس ده ميمنعش إنك غلطانة يا عائشة. "يعلمنا الله، يعلم قلوبنا، يقبلنا لو أخطأنا، ويمحي ذنوبنا حتى لو كانت كزبد البحر، فقط قف بين يديه وقل يا رب، وقتها سيمحي مر ما قد رأيت."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!