حبيبة؟ نطق معاذ اسمها بصدمة وهو يقترب منها يتحسس جسدها ليأكد شكوك عقله فوجدها كالبخار يختفي مثل فقاعة صابون في الهواء. فرك جفنيه عدت مرات وقد ألجمت الصدمة لسانه عن النطق، فجلس محله يبكى عليها وعلى ما أوصلها له. لم ترى والدته ما رأه هو، فحاول أن يبدو ثابتًا عندما سألته من الطارق فأجاب بكلمات مختصرة: ـ دول شكلهم العيال بتوع الشارع يا أمي، أنتِ عارفه لعبهم. أومأت برأسها بهدوء ثم قالت ببكاءٍ:
ـ قلبي وجعني أوي يا ابني على أختك، ربنا يسامحها ويغفر لها وينظر لها بعين الرحمة. ربت على ظهرها بحنان ثم قبل رأسها قائلًا: ـ يا رب يا أمي ويهون علينا فراقها. تركها وذهب إلى غرفة حبيبة والدموع تتساقط دون وعي، صورها تملأ الغرفة، ملابسها التي كانت دومًا تتباها بها، واكسسواراتها التي تشمل نصف الغرفة. تركتها تركت كل شيء وذهبت، لم تأخذ معها ما أغواها عن أخرتها ولا عمل صالح تقابل الله به.
خيالها التى أتاه يضرب قلبه بقسوةٍ وكأنه يقول له أنت المتسبب الأوحد لما وصلت لهُ. جلس على فراشِها يبكي كالطفل الصغير التائه عن أحضان أمه، ولكنه توهته كانت أشد. استغفر الله سرًا وقام يلملم أشياءها التي أبعدتها عن طاعة ربها وقرر حرقها لكي يرتاح قلبه وقلبها. *** في اليوم التالي "يوم زفاف" "هو يوم ترابط روحين برباطٍ قوي في حلال الله ليصبحوا روحًا واحدة."
مرت الأيام تلو الآخر، الجميع يستعد لذلك اليوم الموعود. تحسنت حالة عائشة كثيرًا بمعاملة يعقوب الطيبة وحب بدر لها وصبره على مرضها، فكان دائمًا ما يحاول إسعادها بكافة الطرق الممكنة والمستحيلة. وبفضل جهوده معها وتحفيز ثقتها بنفسها ثانيًا، أصبحت تستعيد طبيعة حياتها. كان العمل على قدم وساق في المنزلين، ف خديجة كانت منشغلة بتجهيز عشاء العروس وكذلك نجلاء والفتاتين في مركز التجميل. "اقترب الموعد"
كان فستان رونق من النوعِ الفضفاض وأصرت على إرتداء خمارها أيضًا، ولم تضع على وجهها إلى القليل من الميكب، فخرجت أية من الجمال. تحاوطها هالة من نور طاعة ربها وحرصها الشديد على تجنب أن تعصي الله في يومٍ كهذا. تأخذه بعض الفتيات بأنه يومًا في العمر، فمنهم من تتخلى عن حجابها، ومنهم من تتخلى عن بعض جسدها، ومنهم من ترفض هذا، ومنهم من ترى أن طاعة ربها ستجلب الخير لها في بداية حياتها.
تدلت عائشة بفستان بقصة واحدة بهِ تعريجه بسيطة ومنسدل بخفه على جسدها، وأقنعتها رونق بالخمار، فخرجوا سويًا مبتسمين فرحين بما تمنوا. بالخارج كان يعقوب وبدر يمسكان بوكيه الورد لكل منهما، فأعطى يعقوب لـ رونق الورد وهو يقول: ـ "الورد للورد اللي حافظ على رونقه وجماله لحد ما أنا قطفته." ابتسمت بخجل وهي تقول: ـ تسلم ايدك يا يعقوب، البوكيه تحفه، ربنا يجعلها بداية سعيدة. جذب يديها وهي يضحك بسعادة حتى سار معها إلى موكب عرسهما.
ثم همس لها بحُبٍ: ـ لو تعلمي كيف يتراقص قلبي فرحًا الأن، لقُلتِ مجنونٌ وأنتِ فتنتِني. *** على الجانب الآخر تبسم بدر قائلًا بإعجاب: ـ قمر يا عائشة. ابتسمت بخفه وهي تقول: ـ شكرًا يا بدر. أغمض عينيه بضيق مصطنع: ـ يابنتي والله جوزك وفرحنا كمان شوية، حني عليا بقيق. قالت بخجل ارتسم على وجهها: ـ مش عارفه، بس أوعدك لما نروح بيتنا. رفع كفه للسماء وهو يقول: ـ يارب أوعدنا. ثم نظر بعمق إلى عينيها وهو يقول:
"عزيزتي تمسكي بالاشيء معي ولا تستسلمي، فقلبي جسرٌ منيع فاعبري." نظرت له بأعين دامعة بالمحبة الصادقة فقالت بهمس كى ترضيه: منذُ رؤيتي عيناكنسيتُ بها الحزن الذي أصابني.
في مكانٍ آخر صُمم خصيصاً لهذا الحدث العظيم، كانت القاعة تعج بالحاضرين، لكنها كانت منقسمة نصفها للحريم والنصف الآخر للرجال. بعد وقتٍ مر بين المباركات و التهنئة للعروسين، ذهب كل منهما إلى منزله تحت نظرات الحب من الجميع وتوديعهم بالدعاء لهم بحياة سعيدة وهنية. "في شقة بدر" انتظرها قرابة الساعة ليصلوا معًا ركعتي لله. وبعدفترة طويلة خرجت وهي ترتدي إسدال صلاتها وحمرة الخجل تزين وجهها، فقال مبتسمًا:
ـ نورتي بيتك ودنيتي يا حبيبتي. وقال بغمزه محببة وهو يحتضن كفها: "أخيرًا صارت مهجتي بين راحتي." تنفست ببطء وهي تقول بحياءٍ: ـ نصلي؟ وقف إمام لها وبعد عدة دقائق جلس مقابل لها وهو يقول بمحبة: ربنا يبارك فيكي وفي بيتنا ويجعله بيت يحبه الله ورسوله. رددت عليه بهدوء: ـ اللهم آمين. اقترب يحاوطها بحنان وهو يقول: ـ أتمنى يا عائشة نبدأ صفحة جديدة وننسى كل اللي فاتنا من وجع وندم وألم. طلعت بهِ تسأله حائره:
ـ حتى لو لسه في غصة في قلبي هتساعدني أتخطاها يا بدر وتصبر عليا؟ قبل كفها بحنان وهو يقول لها صادقًا: ـ هنتخطى كل ده سوا يا ست البنات وتاج راسي وقلبك هشيله في عيوني وأدويه. ابتسمت عائشة بسعادة فقالت متسائلة: ـ إزاي حبتني كده وانا محستش بيك، ياريتنى قابلتك من زمان. بادلها البسمة متحدثًا بهيام: "أنا لا أحبك انتي، بل احب نفسي التي تحي من خلالك." انتي الحياة يا عائشة، انتي نفسي ودنيتي، انتي ماضيا وحاضرى.
وذهب معها في رحلة خاصة توجها العشق الصادق أمام الله لتكتب لها زوجة مدى الحياة، لتلوذا معه بالحلال ويدق قلبها ثانيًا حُبًا طاهرًا حاليًا من كُل الأثام. _في شقة يعقوب أتموا صلاتهم وجلست رونق بجواره بعدما ردد بعض الأدعية ويدهُ على مقدمة رأسها. ثم تطلع بها بحزنٍ مصطنع وهو يقول: ـ مش هتحني عليا بقي. جذبت كفه بين يدها وهي تهمس له: ـ بحبك يا يعقوب. ثم استرسلت حديثُها بهدوء:
ـ من أول يوم شوفتك فيه قاعد مع أبي وأنا حسيت بشعور غريب، بعد كده اكتشفت إنه الحُب. كان عندي مواصفات خاصة في الأنسان اللي عايزه ارتبط بيه ولقيتها فيك. قبل رأسها وهو ينظر لها نظرة شغوفه: ـ وأنا بحبك من قبل ما أشوفك يا رونق العين.
ابتسمت بخفة و حاوطها بحنان فشعرت بدفء العالم يحاط بها لياخذها لعالم صنع لهم خصيصًا تحت همسات العشق وأمام الله توجت لها بعقدٍ متين بني على عشقهم الفريد من نوعهِ. بعد صبرهُ وصبرها رزقها الله بالعوض وما يسمى بالجبر بعد الصبر الطويل. بعد وقتٍ طال همس لها بتساؤل: ـ كم كان عمري حين التقيتُ بكِ؟ صمتت ثم أردف قائلة بابتسامة عذبةٌ: ـ كان الخامس والثلاثون. جذب كفها بين راحته وهو يجيب مقبلًا إياهُ:
"بل اليوم هو ميلادي منذُ أن أصبحتُ سجينًا لِمحرابك."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!