ذهبت سيدة على الفور إلى حجرتها واتصلت بنادرة وهي تبكي بحرقة. "دادة سيدة، فيه إيه؟ بتعيطي كده ليه؟ "رفعت جراله حاجة؟ "لا يا بنتي، رفعت بخير." "امال فيه إيه؟ "ندى سابت البيت ومشيت، ورفعت لو عرف مش هيحصل طيب، وأنا مش عارفة أعمل إيه ولا أتصرف إزاي." "ندى سابت البيت ليه؟ "سالي بنت عمك سمعتها كلام ما يصحش يتقال من أصله، فمقدرتش تتحمل." "طيب يا بنتي، دي لحم ودم برضه." "سالي تاني؟ طيب أنا هجيب شهيرة ونيجي حالاً."
"بسرعة يا بنتي قبل ما يسألني عليها. ربنا يخليكي. أنا مش هقدر عليه لوحدي." "حاضر يا دادة، سلام." ثوانٍ ودق جرس رفعت عند سيدة، ففزعت وقالت وهي صاعدة إليه: "استر يا رب." "أيوة يا ابني، عاوز حاجة؟ "مالك يا دادة؟ وشك متغير كده ليه؟ فقالت بضحكة رغم عنها: "أصلي ما حطتش الميكب بتاعي النهارده." "سييييدة، فيه إيه وفين ندى؟ نطق بأسمها لتشعر سيدة بأن الأرض تدور بها، ولم تدري كيف تخبره بأمر عودتها لبيتها. "إيه؟ سيدة!
انتي روحتي فين؟ "أنا معاك اهو يا ابني." "بقولك فين ندى؟ قالت وهي تقطع في الكلام: "اصل يعني... لما الدكتور جه انهاردة، وهو بقه طمنها على صحتك، وكمان وقف العلاج كله، وقال إنه مش باقي إلا نوع واحد وبس، هتاخده الفترة الجاية، وإنك حتنزل الشغل خلاص. قالت يعني إنها ملهاش لزوم تقعد أكتر من كده، ولمت حاجتها ومشيت." "رفعت بعصبية: إيه؟ أنتي بتقولى إيه؟ "سيدة بفزع: بقول اللي حصل." "تحلفي بالله العظيم إن ده هو اللي حصل؟
فلم تستطع التماسك أمامه أكثر من ذلك، فانهارت من البكاء وقصت عليه كل شيء، حتى المرات السابقة. وبمجرد أن انتهت من حديثها قال لها بغضب: "ومقولتليش كل ده قبل كده ليه؟ مش قولتلك لو سالي اتعرضت لندى تقوليلي؟ "حلفتني يا ابني إني ما أقولكش حاجة. كانت خايفة عليك، والدكتور منبه عليها أكتر من مرة إن محدش ينرفزك." "كده طيب. اندهيلي عم مسعود وعم درويش." "ليه؟ "اعملي اللي بقولك عليه من سكات."
فانطلقت سيدة لتحضر مسعود ودرويش في الوقت الذي توارت سالي في غرفتها بعد أن كانت تستمع لحديثهما لتعرف ما ستنتهي إليه الأمور، ثم نزلت خلفها على الفور. وفي ثوانٍ وجدت سيدة رفعت مرتدياً قميص وبنطلون جينز ويهبط السلم، فنطلقت إليه على الفور وخلفها سالي. "إيه ده يا ابني؟ انت رايح فين؟ "سيبيني دلوقتي يادادة." فقالت سالي بدلال: "رايح فين وأنت تعبان كده يا رفعت؟
فنظر رفعت لسيدة وقال: "سيدة، تطلعي أوضة الهانم دي دلوقتي حالا وتلمي أي شيء فيها يخصها، وتخلي عم مسعود وعم درويش ينزلوا شنطها هنا." ثم نظر لسالى والشرر يتطاير من عينيه وقال: "وانتي بقه غيري هدومك، وقعدي بقه تسنيني لما أرجعلكو." وخرج وركب سيارته وانطلق بها.
كانت ندى قد وصلت بيتها للتو، ودخلت غرفة نومها وجلست على طرف فراشها، وأخذت تسترجع كل ما قالته سالي وتبكي بحرقة، إلى أن هدأت قليلاً، فقامت وتوجهت إلى دورة المياه، وأخذت دش دافئ، ثم توضأت وخرجت. فرشت سجادة الصلاة وظلت تصلي وتدعو الله أن يهدئ من روعها ويسكن قلبها الطمأنينة. وبمجرد أن فرغت من الصلاة سمعت جرس الباب، فقالت في نفسها: لعله عم علي أو الأستاذ شادي قد شعر بعودتها فجاء للسؤال عنها.
في الوقت الذي وصلت فيه نادرة وشهيرة إلى فيلا رفعت، وبمجرد دخولهما سألوا عنه. "سيدة: رفعت خرج." "نادرة بفزع: خرج إزاي؟ تسبيه يخرج يا دادة؟ "سيدة: انتي مشوفتيش حالته كانت عاملة إزاي لما عرف اللي حصل." "شهيرة: مكنتيش قولتي له يا دادة؟ "سيدة: مقدرتش أخبي عليه يا بنتي، وكمان حلفني بالله العظيم إني أقوله الحقيقة." في هذه اللحظة انطلقت شهيرة إلى سالي وأمسكتها بكل قوتها من ذراعيها
وهي تهزها بعنف وتقول: "أقسم بالله لو رفعت جراله أي حاجة ما هسيبك." ففجرت سيدة ونادرة لتنزع سالي من بين يدي شهيرة. اتجهت بإسدال الصلاة إلى باب شقتها لتفتحه، فتفاجأت به مستنداً على الحائط بجانب الباب. "ندى بفزع: رفعت بيه! انت إيه اللي خرجك من البيت وجيت إزاي؟ فترك الحائط وأمسكها من ذراعيها وقال لها بكل غضب: "إنتي إزاي تسيبى بيتي وتمشي من غير ما أعرف."
ثم وضع يده على صدره وبدأ يتأوه، فسحبته رغماً عنه إلى أول كرسي وأجلسته عليه، وتوجهت على الفور إلى شقة شادي تدق الجرس بيد وتخبط على الباب باليد الأخرى، مما أفزع عم علي وشادي الذي كان نائماً، فقام على الفور ليعرف ما الخطب. "عم علي: أستاذ شادي هنا؟ وقبل أن يرد قال شادي: "أنا هنا يا ندى، فيه إيه؟ "تعالي بسرعة." وانطلقت عائدة إلى شقتها والاثنان من خلفها ليعلما ما الأمر. "شادى: إيه ده؟ رفعت! أنت جيت إزاي؟ قال وهو ممسكاً
صدره: "خليها تغير هدومها وتنزل معايا." "شادى: روحي يا ندى، روحي اعملي اللي بيقولك عليه." دخلت على الفور، وفي لمح البصر بدلت ملابسها وخرجت لتجد شادي هو الآخر قد بدل ملابسه. "شادى: يلا يلا يا مغلبنا، تعالى من فضلك يا عم علي، أسنده معايا نوصله لعربيته." جلست ندى في الكرسي الخلفي، ثم أدخله شادي بجوارها لتسنده طوال الطريق، وتولى هو قيادة السيارة. قال شادي ليقطع السكوت ويخفف من الفزع البادي على وجه ندى:
"وجاي سايق بنفسك وأنت في الحالة دي؟ يا جبروتك يا أخي." فرد عليه بصوت واهن: "سوق وأنت ساكت." "أنت لسه فيك حيل تتكلم؟ "ندى بفزع: بسرعة شوية يا أستاذ شادي عشان يرتاح في سريره، شكله تعبان أوي." "ده تعبان؟ ده يتعب بلد."
كان شادي يحاول أن يخفف من الموقف، وفي نفس الوقت يراقب رفعت في المرآة أمامه، فقد كان بالفعل بادياً عليه التعب الشديد، ولكن بعد قليل وبعد أن استقر رأسه على صدرها وهي ممسكة به كطفلها التي تخاف عليه أن يصيبه أي أذى، بدأ يظهر على ملامحه آثار الراحة والطمأنينة، فقال شادي محدثاً نفسه: "طبعاً مرتاح أوي أنت في الوضع ده يا سي رفعت، مين قدك يا سيدي."
عادوا إلى الفيلا بسلام، وبمجرد أن سمعوا صوت عودة سيارته خرج مسعود ودرويش على الفور وأخرجاه منها بكل هدوء، ودخلا به إلى الفيلا. "رفعت: استنوا، قعدوني هنا." "ندى: لا، اطلع ارتاح في أوضتك." "رفعت: استنى إنتِ. عم محمد فين؟ "محمد: أنا هنا يا رفعت بيه." "رفعت: عملت اللي قولتلك عليه؟ "محمد: أيوه، حجزة أوضة في الفندق اللي حضرتك قولتلي عليه." "رفعت: طيب." ثم نده بأعلى صوته على سالي، فهي قد توارت عندما رأته يدخل وهي معه.
ففزعت مكانها من صوته، ثم قامت متجهة إليه على الفور قائلة وبكل برود: "أيوه يا رفعت." "اعتذري لندى." قالت باستنكار: "إيه؟ "اعتذري لندى يا سالي قصاد الناس دي كلها، وإلا أقسم بالله، إنتي عارفة أنا ممكن أعمل فيكي إيه." لم تجد سالي أي مفر أمامها، فرفعت هو الملجأ الوحيد لها، وبدونه ستكون من ساكني الشارع، فأجبرت نفسها على الانصياع لما أمرها به، ودون أن تنظر لندى قالت: "أنا آسفة يا مدام."
في الوقت الذي كانت فيه ندى لا يشغلها شيء سوى رفعت. "ودلوقتي عم مسعود، عم درويش، حطوا شنط سالي في عربية عم محمد عشان يوصلها الفندق." ثم توجه إليها قائلاً: "ومش عاوز أشوف وشك في البيت ده تاني أبداً، وأول لما أقف على رجلي هرتبلك أمورك." وفي لمح البصر انطلق مسعود ودرويش، حتى محمد السواق نفسه في حمل شنط سالي ووضعها بالسيارة، وانطلق بها محمد على الفور. فقال مسعود في نفسه وهو
يدخل الفيلا بعد أن غادرت: "الحمد لله، إحساسي طلع صح ومطولتش." وابتسم. "جثى ندى على ركبتيها أمامه لتستعطفه كي يصعد غرفته يرتاح بها، فقالت من بين دموعها: "خلاص كل اللي انت عاوزه حصل، اطلع بقه ارتاح في أوضتك." فأمسك ذراعها وقال لها وهو في قمة غضبه منها: "وإنتي كمان، لسه حسابك معايا." "طيب، اعمل فيا اللي انت عاوزه بس اطلع ارتاح." ونهضت من على الأرض لتجبره على الصعود معها، فشعرت بدوار شديد وسقطت مغشياً عليها.
فصرخ باسمها بأعلى صوته، ثم غاب هو الآخر عن الوعي.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!