عاد رفعت إلى البيت وهو في حالة شديدة من الغضب. بمجرد دخوله الفيلا، اندفعت سيدة تقول له: "الحمد لله على السلامة يا رفعت بيه." رد عليها وهو يصعد السلم بكل سرعته: "إزيكم يا دادة." ودخل غرفته وأغلق عليه الباب وجلس على سريره. لم يدرِ كم مر عليه من الوقت وهو جالس ممسكاً رأسه بين يديه، إلى أن سمع طرقات خفيفة على الباب فقال: "ادخل." فتحت سيدة الباب ودخلت لتتفاجأ به على هذه الحال، فقالت:
"إنت لسه بهدومك وقاعد كده من ساعة ما جيت يابني." "أيوه يا دادة، هو مر وقت طويل ولا إيه؟ "أيوه يابني، دا انت راجع من ساعة ونص. هو في إيه؟ إيه اللي حصل يخليك في الحالة دي؟ دا أنا ما صدقت إنك اليومين دول مبسوط وابتديت ترجع زي زمان، ضحكتك تملى عليا الدنيا. قول لي بس يا حبيبي إيه اللي عامل فيك كده."
"طب أنا حقوم آخد دش وأغير هدومي، تكوني عملتي كوبايتين شاي ونقعد زي زمان في الفرندة وحقول لك على كل حاجة. أنا فعلاً محتاج أتكلم معاكي." "من عينيا، على ما تغير حكون جيت." "هوافعـل بابتسامة، طبعًا ما أنا عارفك، تموت في التفاصيل والحواديت." نزلت سريعا وأعدت الشاي، ثم عادت إليه لتجده جالساً في الفرندة في انتظارها، فجلست وهي تقول: "هااا، إيه الموضوع؟
فقص عليها رفعت كل ما حدث في الصباح عندما وجد الشاب عند ندى، وكيف تكلم معها بأسلوب جاف، وما شاهده في آخر اليوم وهي تتحدث مع عم شوقي وتبكي. صارحها بأنه يشعر في داخله بالحزن لأنه سبب بكائها.
كل هذا وسيدة تسمع له باهتمام وتركيز شديد. وفي داخلها تشعر بسعادة لا توصف، فقد شعرت من خلال حديثه ونبرة صوته أن قلبه على وشك أن يفتح أبوابه من جديد بعد أن كانت موصدة بألف قفل، وشعرت أن الله قد استجاب دعاءها له بأن يقابل من تستطيع كسر كل هذه الأقفال واستعادته للحياة. وفي أثناء شرودها، وجدته يصيح بها: "دادة سيدة، دادة إيه؟ روحتِ فينا؟ "لا يا ابني، كنت مركزة معاك. طب وليه ماسألتهاش مين الشاب ده؟
"لا كده كنتي مركزة بس، أصل هي لما دخلت عليا كان شكلها مش مستحمل كلام ده، غير إن أنا كمان لساني اتعقد كده وما كنتش عارف أتكلم نهائي." "خلاص بكرة إن شاء الله، وهي بتقدم لك القهوة تحاول تتكلم معاها بهدوء كده وتعرف منها الحكاية بالظبط." "تفتكر كده يا دادة؟ طب وده مش يبقى تدخل في خصوصيتها؟
"ما انت مش حتسأل يعني، خبط لزق كده. شوف طريقة حلوة كده تفتح بيها الموضوع. قول لها مثلاً إن شكلها النهاردة أحسن من امبارح بعد الموقف البايخ اللي حصل، حتقوم هي اللي تعتذر ليك إن الشاب ده زارها في الشركة وتشرح لك هو مين وزارها ليه من نفسها كمان." "ما شاء الله يا دادة، دا انتي دماغك دي جبارة ومش سهلة أبداً." "أمااااا." انفجر الاثنان بالضحك وهمت هي بالانصراف وقالت له وهي تغادر:
"يلا بقى تصبح على خير، الوقت اتأخر وأنت حتقوم بدري." "اتأخرت ليه؟ هي الساعة كام دلوقتي؟ "الساعة 2. ياخبر! معقول قعدنا نرغي كل الوقت ده. طب الحق أنام." ودخل سريره وهو يشعر براحة كبيرة بعد حديثه الطويل مع سيدة. في صباح اليوم التالي، استيقظ رفعت في منتهى النشاط وتناول إفطاره وتوجه إلى الشركة مباشرة. وفي أثناء دخوله لمكتبه، تفاجأ بشوقي في انتظاره عند السكرتيرة. "صباح الخير يا رانيا، صباح الخير يا أستاذ شوقي."
فرد الاثنان: "صباح النور يا رفعت بيه." ثم هب شوقي واقفاً وهو يقول: "رفعت بيه، ممكن أتكلم مع حضرتك في موضوع كده." "طب اتفضل معايا يا أستاذ شوقي." "خير يا عم شوقي، في إيه؟ "في الأول أنا بعتذر لحضرتك عن اللي حصل امبارح." "بتعتذر عن إيه؟ "عن الشخص اللي جه زار ندى هنا امبارح. بس والله ندى مكنش عندها أي فكرة إن الزفت ده جاي، ولا تعرف هو وصل لها هنا إزاي وعرف مكانها منين."
"فهممني بس براحة يا عم شوقي، أنا مش فاهم أي حاجة منك." "قلبوا على البنت المواجع، حسبنا الله ونعم الوكيل فيهم." "هما مين دول؟ وفين؟ "أهل المحروق طلقها." "حرام عليك يا عم شوقي، ليه كده بس." "لما أحكيلك الموضوع حتقول أكتر من كده. طب براحة بس ووحدة وحدة."
"بص حضرتك، أنا قلت لك إننا سمعنا من شهر إن طلقها ده غار مات، وبعدها معرفناش حاجة عنهم ونسيناهم تماماً. والبنت بعد ما اشتغلت روحها رجعت لها واستقرت، وكلنا فرحنا إنها رجعت زي الأول. لحد لما اتفاجأت بأخوه داخل عليها هنا وقال جاي لها بعرض." "عرض؟ عرض إيه ده؟ "المحروق بعد ما مات لاقوه عامل وصية وكاتب جزء من ثروته باسم ندى، قال إيه تعويض لها." "طب ماهو راجل كويس أهو." "ما تصبر عليا. طيب، التعويض ده مشروط بشرط." "شرط إيه؟
"إنها عشان تحصل على الورث ده تتجوز أمير." "إيه؟ أمير؟ "أمير مينا أخوه اللي شوفته هنا امبارح. يعني البنت تخلص من نقرة تقع في دحديرة. دا أخوه ده أساساً أزفت منه، دا غير إنه متجوز ومخلف. والجبان قال بيقولها ممكن نكتب الكتاب بس عشان المحامي يطلع على القسيمة ويسلمها ميراثها و... "وإيه يا عم شوقي؟ وإيه؟ "وإنه عاوز يقضى معاها يومين، أصلها عجباه من زمان وبعد كده كل واحد يروح لحاله." "السافل الحيوان!
وهي مقالتليش الكلام ده ليه؟ وهو هنا وأنا كنت مسحت بيه بلاط الشركة وخليت العمال يرموه بره زي الكلب." "معرفتش تتصرف غير إنها تسمع وهي مذهولة، وما فاقتش غير على صوت حضرتك لما دخلت عليهم. ومصدقت تمشيه. دي أول لما شفتني فضلت تعيط وما كنتش فاهمة حاجة. سحبتها ورحنا على البيت وهديتها أنا وأم ياسر بالعافية وفهمنا الموضوع." "طب وهي عاملة إيه دلوقتي؟
"الحمد لله أحسن، بس مقدرتش تيجي النهاردة. وأنا جاي أستأذن حضرتك في يومين إجازة ليها." "بص هو يوم واحد كفاية، وبكرة تكون هنا قبلي. مش كفاية قهوة ولا غدا النهارده كمان عشان ما تفضلش تفكر كتير. الشغل ليها أحسن." "خلاص، اللي تشوفه حضرتك. بعد إذنك بقى أروح أشوف شغلي." "اتفضل." "طب أنا حعمل إيه دلوقتي؟ أمرى لله، أخلي صبحي يعمل القهوة وخلاص."
وبدأ في العمل إلى أن رن الموبايل، فأخبره العمال في موقع العمارة التي يقوم ببنائها أن هناك بعض المشاكل تواجههم وعليه حلها بنفسه، فأخبرهم بأنه سيأتي على الفور. "رانيا، أنا رايح عمارة ميامي واحتمال ما أرجعش على هنا. لو اتأخرت ابقي اقفلي مكتبي وروحي انتي." "حاضر يا رفعت بيه."
وعند وصوله الموقع، وجدها مشكلة بسيطة قام بحلها على الفور. ثم وجد أن الوقت ما زال مبكراً ولا يريد العودة إلى الشركة. وبعد تفكير بسيط، اتصل بصديقه شادي ليسأله إن كان يمكن أن يقضي معه بعض الوقت، فرحب شادي بزيارته. شادي محامي وصديق عمر لرفعت. رن جرس الباب ففتح شادي، وبمجرد أن رأى رفعت أخذه بالحضن.
جلس رفعت يقص على شادي كل ما حدث له خلال الفترة التي لم يلتقوا بها، فهذه عادتهم دائماً عندما يتقابلان، كلا منهم يقص على الآخر كل ما حدث أثناء فترة الغياب. ولكن لا يدري رفعت لما أغفل، وعن قصد، أن يذكر ندى أو أي شيء عنها. ثم حكى له شادي بدوره كل ما حدث له، ولكنه فاجأ رفعت بسؤال لم يحسب له حساب. "بس أنت فيك حاجة متغيرة." "المرادي؟ "حاجة إيه دي يا شارلوك هولمز؟ "هو أنا لو أعرف كنت سألتك." "طب يعني الحاجة دي حلوة ولا وحشة؟
يعني... "لاااااا، دي شكلها حلوة وحلوة أوي كمان." "تقصد إيه يا ضـ... "ممم، مش عارف، بس حاسس إنك رفعت بتاع زمان اللي كان وشه بيضحك من غير أي غصبانية، ضحكة من جوه القلب صافية، من الآخر كده وعلى بلاطة. أنت بتحب ولا إيه يا ضـ... "شادي، أنت بتقول إيه؟ أنت أكتر واحد عارف إني قفلت الموضوع ده نهائي." "ليه بس يارفعت؟ أنت لسه صغير."
"شادي، أنت عارف أنا كنت بحب هيام قد إيه ومش حاقدر أنساها. وأقفل الموضوع ده أحسن بدل ما أقوم أمشي." "خلاص خلاص، دا أنا ما صدقت تيجي والله. دا إنت كنت واحشني أوي." "طب مش حتغديني ولا إيه؟ "بص يارفعت، أنا بقول تقوم تمشي." فانفجر الاثنان في الضحك. فور دخول رفعت المنزل وصعوده إلى غرفته، طارت في إثره سيدة لتطمئن على آخر الأخبار. فدخلت عليه وهي تقول: "اتأخرت ليه يا رفعت بيه النهارده؟ قلقتني عليك." نظر لها رفعت بخبث وقال:
"يادادة، قلقتِ عليا؟ "ولا على الأخبار؟ "أخبار؟ أخبار إيه بس يابني؟ "ياداااادة، دا أنا ابنك رفعت وعجنتك وخبزتك." "طب ولما انت عرفتني، ما تقول بقى على طول إيه اللي حصل؟ دا أنا قاعدة على نار من الصبح." فانفجر رفعت بالضحك. "بس للأسف هي ما جتش الشركة النهاردة، وأنا كمان قضيت اليوم بره شوية في شغل وشوية عند شادي." "آه آه ماشي، مش مهم، ده المهم إيه حكاية الراجل بتاع امبارح ده؟ "بقولك ما جتش النهاردة، ما سمعتنيش ولا إيه؟
"لا طبعاً سمعت، دا أنا مركزة أوي، بس أنت عرفت إيه الحكاية وحتحكي لي. يلا احكي." "يخربيت كده! إيه يا ست انتي؟ كنتي في المخابرات ولا إيه؟ "ليه يعني؟ عرفتي إزاي إني عرفت الحكاية؟ "أصلك راجع مبسوط وهادي برغم من إنك بتقول إنها ما جتش الشغل. معنى كده إنك ارتحت من ناحية الموضوع ده. دا انتي مش سهلة أبداً." وجلس رفعت وقص عليها كل ما سمعه من عم شوقي. فصدرت منها تنهيدة طويلة وقالت:
"كبدي عليك يا بنتي، منهم لله البعد دول. كويس يابني إنك قلت لعم شوقي يبعتها الشغل بكرة، مفيش حاجة حتسرى عنها غير الشغل." "آه يا شوقي، ادينا خلصنا العشا. يلا بقى قول رفعت بيه قالك إيه بخصوص ندى؟ "ولا إن ندى أصلاً ما اتعشتش، بس حقول. هو عدى الإجازة بتاعت النهاردة وده عشان الظرف اللي فيه ندى، لكن بكرة حتنزل الشغل." "جابت ندى على الفور: إيه الظرف اللي أنا فيه؟ هو حضرتك حكيت له على اللي حصل يا بيه؟
"طبعاً عشان يعرف إنك ملكيش ذنب في إن الحيوان ده جالك الشغل، وعشان هو كمان مش بيسمح بالإجازات من غير إذن إلا في الظروف الخارجة عن إرادة الموظف، بس غير كده فهو صارم جداً ولا يهمه إنك قربتي ولا غيره." "طب أنا دلوقتي أبص في وشه إزاي؟ "تبصي في وشه وعينك تحطيها في عين الطخين كمان. انتي زي الفل ومفيش أي شيء يعيبك أو يشينك لا سمح الله. وبكرة حتكون رجلك قبل رجلي في الشركة." "طيب خلاص، اللي تشوفه يا أبيها." "هو كده الكلام."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!