في اليوم التالي ذهب رفعت للشركة، وبعد دخوله مكتبه بدقائق قليلة دخلت عليه ندى بالقهوة. وبعد أن تبادلوا تحية الصباح، همت بالانصراف، فاستوقفها رفعت بعد أن سألها: "صحيح، دفعتي المقابل؟ "مقابل إيه يا رفعت بيه؟ "مش عم شوقي سهر معاكي في تشطيب المطبخ مقابل غدوة؟ فابتسمت وقالت: "آه طبعًا، أبيه شوقي مش بيسيب حقه أبدًا." "يعني غديتيه امبارح؟ "الحقيقة آه. بس على حسابه طبعًا." "إزاي يعني؟!
"يعني أم ياسر جهزت كل حاجة، الخضار واللحمة وكل شيء، وأنا اللي طبخت بس." "يعني هو ادبس برضو." وانفجر الاثنان بالضحك، بعد أن قال رفعت: "يستاهل." "طب بعد إذن حضرتك بقى أشوف ورايا إيه." "اتفضلي." بعد خروجها، رن الموبايل، فنظر رفعت ليجد المتصل عصمت، عميل من العملاء، ولكنه من النوع الذي لا ترتاح له. "ألو." "أزيك يا عصمت بيه." "الحمد لله، أخبار العمارة الجديدة إيه؟ قرب الشغل ينتهي؟ "حضرتك عارف مواعيدي في الشغل."
"طبعًا، وعشان كده بفضل الشغل معاك عن أي حد تاني، مع إنك واخدها جد زيادة عن اللزوم." "المهم يا عصمت بيه، في حسابات وحاجات كده محتاجين نتناقش فيها سوا." "مش بقولك جد أوي، ماشي يا سيدي، لو فاضي دلوقتي ممكن أجيلك عشان أنا مسافر بره فترة كده أتفسح لي شوية." "خلاص تمام، أنا في انتظارك." بمجرد انتهاء المكالمة، انهمك رفعت في العمل، ولم يشعر إلا والسكرتيرة تخبره بوصول عصمت وأنه يريد مقابلته، فأذن له رفعت بالدخول.
"اتفضل يا عصمت بيه." "رفعت بيه في انتظارك." "شكرًا يا قمر." وغمز لها بعينه، ثم اتجه لمكتب رفعت، وبمجرد اختفائه من أمامها قالت على الفور: "يخربيت تقل دمك، أنا مش عارفة رفعت بيه إزاي بيشتغل مع واحد زيك." وبمجرد دخوله، هب رفعت واقفًا ليسلم عليه وأشار إليه بالجلوس. ورن الجرس لندى، فحضرت على الفور. فسأل عصمت: "تشرب إيه يا عصمت بيه؟ والذي كان ينظر لندى بشكل مقذذ، فصاح به رفعت بحزم: "عصمت بيه، تشرب إيه؟ فرد على الفور:
"قهوة مظبوط." فنظر رفعت لندى وقال: "اثنين قهوة مظبوط من فضلك يا مدام ندى." "الله، أهو كده، هو إيه يا عصمت بيه إنك جبت القمر ده بدل صبحى؟ حاجة تفتح النفس ع الشغل صحيح." "عصمت بيه، اتفضل الحسابات اللي حضرتك جاي بخصوصها." وانشغل الاثنان بالمناقشة في الحسابات المتعلقة بينهما، إلى أن عادت ندى بالقهوة وقدمت لعصمت فنجانه. فرتبكت عندما نظر لها نظرة غير مريحة، وقال بصوت ناعم: "تسلم إيدك."
فانصرفت على الفور دون كلمة. فتعكر مزاج رفعت وهم بطرده، ولكنه تراجع بعد أن تذكر أن العمل بينهما على وشك الانتهاء، وقرر ألا يقبل العمل معه مرة أخرى مهما دفع له. فأتم معه الحسابات على عجل، ثم غادر عصمت على الفور. بمجرد خروجه، رن الجرس لندى، فجاءت على الفور. "لما يكون عندي عميل يا مدام ندى، بعد كده خلي عم صبحى هو اللي يجيب الطلبات وهو اللي يخدمني طول ما العملاء هنا." "أنا عملت حاجة غلط يا رفعت بيه؟
"لأ أبدًا، بس أنا حابب كده، ممكن؟ "طبعًا، أوامر حضرتك لازم تتنفذ." "شكرًا ليكي، اتفضلي." وبعدها جاء موعد الغداء، فأحضرت ندى الطعام، وكان مكون من كفتة مشوية، مكرونة اسباجتي، سلطة طحينة، سلطة خضراء، وبطاطس شيبس. "شكرًا يا ندى." "نعمة، في حاجة غلط ولا إيه؟ "لأ أبدًا، بس مش متعودة تقول لي اسمي من غير مدام." "آسف، مش هيحصل تاني."
"لأ أبدًا، بالعكس، أنا مش بحب حد يقول لي مدام. دي الحقيقة، بس حضرتك عشان فهمتني إنك بتحب الرسميات في الشغل، وكمان لأني اتكسفت أقول لحضرتك إني مش بحب حد يقول لي مدام، فسكت." "ماشي يا ستي، حلو كده." "فكرتيني ستي." وانفجرت في الضحك. "لأ لالا، مدام أحلى." وانصرفت سريعًا لتتركه يتناول طعامه. فجلس وبدأ في تناول الطعام، ولم يشعر إلا والأطباق جميعًا خالية تمامًا. فقام على الفور ورن الجرس لندى. "أيوه يا رفعت بيه."
"إنتي مرفودة خلاص." "نزعجت بشدة، ليه؟ أنا عملت إيه؟ "إيه الأكل اللي إنتي عملاه ده؟ في كده؟ "طب بصي كده عليه." فنظرت على المكان الموضوع به الطعام، لتجد الأطباق فارغة، وقالت: "أكل؟ هو فين الأكل؟ "ما هو عشان كده، لما أقول بسم الله، وبمجرد ما أمد إيدي، ألاقي نفسي شطبت على كل الأكل ده. واتخن بقى، قول لي إنهو رياضة دي اللي تنفع مع أكلك ده." "لأ لأ، إنتي تترفدي أسهل." "ده أوامرك، هروح بقى ألم حاجتي وأروح." "إيه إيه؟
إنتي ما صدقتي ولا إيه؟ "الله، مش حضرتك اللي بتقولي أهو إني مرفودة؟ "بهزر يا ستي، بهزر. بلاش أهزر." "لأ بلاش، عشان مش كل شوية تخضيني كده حضرتك." فضحك ضحكة عالية على أسلوبها الطفولي. فقالت باستغراب: "هو حضرتك بتضحك على إيه دلوقتي؟ "تعرفي، ساعات بحس إنك طفلة." "شكرًا." "طيب دلوقتي أنا حشيل الأطباق، أعمل لحضرتك شاي ولا إيه؟ "يا ريت، محتاج كوباية شاي ضروري." "طيب بعد إذنك." "اتفضلي."
في اليوم التالي، وبعد وصول رفعت لمكتبه كالعادة، وبعد دقائق دخلت عليه ندى بالقهوة، ولكنها خرجت على الفور، وكان يبدو عليها الانزعاج الشديد. فاستغرب رفعت مظهرها، فهي على غير عادتها، حتى الصباح لم تقوله بابتسامتها المعهودة. وفي هذه الأثناء، سمعها تتحدث مع أحد، فظن أنها تحادث أحدًا في الموبايل، ليتفاجأ بصوت رجل يرد عليها.
فهب واقفًا على الفور واتجه إلى البوفيه، وفتح الباب ليتفاجأ أمامه بشاب وسيم، وواضح عليه أنه من طبقة راقية، يرتدي بدلة بنية اللون ذات ماركة محترمة. فقال على الفور: "هو حضرتك من الشركة هنا؟ فأجاب الشاب ببرود: "لأ." فتجه بوجهه إلى ندى وقال بحزم: "مدام ندى، هو مش حضرتك عارفة إني مش بحب الزيارات الخاصة أثناء العمل؟ فأجابته على الفور: "حضرتك، هو ماشي أهو، يلا اتفضل حضرتك." فابتسم الشاب بمنتهى البرود وقال وهو ينظر إليها:
"خلاص، منتظر تليفون منك يا ندوش. ماشي." وانصرف على الفور وسط دهشة رفعت لبروده ولطريقة حديثه لها. ثم توجه هو الآخر إلى مكتبه ليكمل عمله، ولكن كيف يكمل العمل وهو في رأسه ألف سؤال وسؤال. أخذ يجاهد نفسه وتفكيره، إلى أن استطاع السيطرة على تفكيره وانشغل في العمل. إلى أن جاء موعد غدائه، فأحضرت له الطعام دون كلمة وانصرفت.
فأغلق الملفات ونهض لتناول طعامه، برغم من أنه ولأول مرة منذ تولت ندى مسؤولية طعامه، لم يشعر برغبة في الأكل. فتناول القليل جدًا، ثم عاد ليكمل عمله دون حتى أن يطلبها لتحمل أطباق الغداء. وعندما شعرت بأنه قد مر وقت طويل مذ حضرت له الغداء، دخلت هي من نفسها لتأخذ الأطباق، فوجدتها تقريبًا كما هي.
فشعرت بأن الموقف الذي حدث في الصباح قد سد نفسه وأغضبه منها. فهمت أن تتحدث معه، ولكنها لم تكن في حالة تسمح لها بالحديث في أي شيء. فأخذت الأطباق وانصرفت في صمت. وعند انتهاء يوم العمل، وأثناء خروج رفعت بسيارته من الشركة، وقع بصره على المرآة الجانبية للسيارة، ليجد ندى تقف مع عم شوقي وهي تتحدث بسرعة شديدة وتبكي. فسحبها شوقي من يدها ليخرجوا من باب الشركة. فندفع رفعت خارجًا ورائهم بسيارته، والغريبة أنه لم يجد لهم أي أثر.
يا ترى مين الشاب ده؟ وإيه حكايته؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!