الفصل 3 | من 26 فصل

رواية فجر الفصل الثالث 3 - بقلم اسراء الغنام

المشاهدات
27
كلمة
2,389
وقت القراءة
12 د
التقدم في الرواية 12%
حجم الخط: 18

وقع الحاج أحمد على الفراش لا يقوى الوقوف على قدمه، فابنته هربت من منزلها يوم عرسها، فـ هي فضيحة جلبت له العار كما يظن. أخذت سميحة تولول على ما حدث، وتتعمد أن ترفع صوتها بجوار النافذة من أجل أن يعرف الجيران ذلك، فـ تعم الفضيحة وتتخلص من تلك الفتاة المزعجة من وجهات نظرها، ولا تعلم أن الله منتقم جبار. وقفت دعاء تتابع ما يحدث وعلى وجهها ابتسامة خبيثة، فأخيراً تخلصت منها حتى لا تنصحها، لا تفعل هذا و هذا خطأ و هذا صواب.

ردت سميحة بصوت انتشال الجميع من أفكارها قائلة: وبعدين يا حاج هنعمل إيه في المصيبة دي وهنقول للناس إيه؟ رد أحمد: كلمي ابن أخوكي قوليله إن مافيش نصيب. وحسّي عينك حد يعرف حاجة عن اللي حصل، لحد ما ألاقي مقصوفة الرقبة دي. لو حد سأل عنها قولوا عند خالتها في المنصورة، لحد ما ألاقيها وأقطع خبرها بيدي. ***

رغم أن لا أحد تحدث في موضوع فجر مع أحد، إلى أن الخبر انتشر سريعاً في المنطقة، فالكل قد علم بما حدث وأن فجر قد هربت مع شخص آخر، وكل شخص برواية مختلفة. فهناك من يقول إنها كانت متزوجة في السر ولذلك هربت، ومنهم من يقول إنها على علاقة بآخر ورحلت معه، ومنهم ومنهم ومنهم. وظل هذا الوضع إلى أن وصل الخبر إلى ذلك الشخص الذي كان هو السبب الرئيسي في هذه الكارثة. ***

يجلس إياد ووالدته على مائدة الطعام صامتين، لا يتحدثان، وكأنها تعاتبها على ما فعلته معها. رن هاتفها مراراً وتكراراً ولا تجيب، حتى جلب الهاتف ورد بعصبية: إيه يا أحمد عمال ترن ترن، عاوز إيه؟ أحمد: يا عم اهدى شوية خليني أتكلم في حاجة مهمة حصلت امبارح وأنت لازم تعرف. إياد: إيه اللي حصل؟ فجر اتجوزت؟ عارف، أقفل بقى متزودهاش عليا. أحمد: لا مش ده اللي أنا متصل عشانه، فجر متجوزتش يا إياد، فجر هربت من بيت أبوها.

إياد مصدوم، هل ما سمعه حقيقة أم أنها يتخيل؟ شعور غريب انتبه في هذه الحالة، خوف أم قلق أم رعب على تلك المعتوهة؟ ليأتي صوت أحمد: إياد أنت معايا؟ إياد وهو يحاول النطق: آه يا أحمد معاك. يعني إيه هربت؟ طب ورحت فين؟ أحمد بحزن على حال صديق عمره: محدش يعرف راحت فين، هي سابت بس رسالة بتقول محدش يدور عليه عشان مش هنلاقيها. إياد بجنون بعد ما فقد السيطرة على أعصابه: يعني إيه محدش يعرف؟ طب مرنتش عليا ليه؟

في تلك اللحظة تذكر يوم أن التقى بها. أحمد: إياد خليك هادي الله يكرمك وحاول تسيطر على أعصابك. إياد وهو بيحاول يسيطر على انفعالاته بعض الشيء: آهدا إزاي بتقولي فجر هربت؟ وعاوزني أعملك إيه؟ أحمد وهو ينهي الاتصال: ربنا معاك ياصاحبي. أنا قولت أعرفك قبل محد غيري يقولك وتسمع المنطقة بتقول إيه، بس عارف عمرك ما تصدق كده عن فجر، ولو صدقت يبقى براحتك ياصاحبي، سلام.

أغلق إياد الخط وهو لا يرد على تلك التي تتحدث أمامه، كي يتعرف ماذا حدث له، لم هربت فجر؟ ليسقط الهاتف أرضاً لينكسر إلى أجزاء صغيرة. اتجه إلى غرفته هرباً من نظرات والدته، لعلها تهدأ من نيران قلبه المشتعلة. ارتمى بجسده على الفراش ثم صرخ صرخة هزت جميع أنحاء الغرفة، ظل يصرخ إلى أن انهارت قوته، ليضع يديه على رأسه يفكر إلى أين ذهبت تلك البلهاء؟ إلى متى تظل تفعل الحماقات؟

إلى متى تسير غضبه وجنونه منها، يعلم أنها لن تفعل شيئاً تندم عليه، ولكن هو قلق عليها بشدة، قد يموت قلقاً عليها. أين أنتِ الآن يا معشوقتي؟ أين أنتِ يا صغيرتي مدللتي؟ أين أنتِ الآن؟ تعلمين أني إن رأيتك الآن لاقتلتك يا حمقاء، ولكن من يقتل من؟ أنا فـ أنا هو العشق الذي دب في بحور عشقك دوبان، أنا من غرقت في بحور عينيكي. أعلم أني إن رأيتك الآن لسجنتك بين أحضاني لتبَرِّدي نيران قلبي، فـ أين أنتِ الآن يا صغيرتي؟

ظل يفكر إلى أن نام من شدة التعب. *** دلف إلى غرفة مكتبه وخلفه السكرتيرة الخاصة بها. عمار: جاسمين اطلبيلي قهوة. جاسمين وهي تضع أمامه بعض الملفات: تمام يا فندم. دي التقرير اللي حضرتك طلبته، اتفضل. كادت أن تذهب إلى أن وقفت مرة أخرى إلى أن وقفت أمامه مباشرة. جاسمين: ممكن أسألك سؤال؟ عمار وهو يطلع الأوراق التي أمامه: اتفضلي بس انجزي، عاوز قهوة أنا. جاسمين بابتسامة حب: حبيبي هو أنت فطرت ولا نفطر سوا قبل القهوة؟

قام من مقعده وهو ينظر إليها ثم ابتسم. عمار قائلاً: لا مفطرتش، وبعدين حبيبي في الشركة، أنا كدا هعمل غلط الصبح. جاسمين بتوتر من اقتراب عمار إلى هذا الحد: حاضر يافندم، هجهز لك الفطار، عن إذنك. وكادت أن تذهب إلى أن تفاجأت بيد عمار تجذبها إليها وعلى وجهه ابتسامة خبيثة. عمار: لا أنا هفطر من هنا. جاسمين بعدم فهم: ماشي هجبلك الفطار هنا. عمار وهو ينظر إلى شفتيها: لا أنا هفطر فراولة. جاسمين بغباء: ها فراولة فين دي؟

قطعت كلامتها شفتي عمار الذي نزلت على شفتيها تقبله برق شديد، عليه فـ دخل أحضانه كأنها يريد أن يخفيها بداخله. احتضنها أكثر وهو ما زال يقبله، وضعت يديها على صدره العريض ويديها الأخرى خلف رأسها، تبادله القبلة بعمق، تحركت يديها بحرية على جسده، انهارت حصونه وهي دخل أحضانه. وأخيراً ابتعد عن شفتيها وهو ينظر لها بحب وشوق ورغبة، احتضنها بشدة. عمار بهمس لا يسمعه غيرهم: بحبك. جاسمين بنفس الهمس: وأنا كمان بحبك.

ابتسم عمار ثم تحدث بوقاحة: جاسمين امشي من هنا بسرعة، أنا مش مسؤول عن اللي ممكن يحصل لو قربت أكتر من كده. احمر وجهها ثم فرت مغادرة المكتب مسرعة إلى الخارج دون أن تنطق حرف واحد. *** استيقظ إياد بتعب، فهو لم ينم إلا قرب الفجر. ذهب إلى الحمام ليستحم ويخرج ليرتدي ملابسه ويحدد وجهته في البحث عنه في كل مكان يعرفه، ليذهب إلى المستشفيات الحكومية والخاصة وقسم الشرطة، إلى أن ييأس من إيجاده. تنهد بتعب ثم توجه إلى منزله.

بعد قليل دلف إلى المنزل ليجلس على أقرب أريكة، ليضع يديه على رأسه يفكر أين ذهبت تلك البلهاء، متناسياً ما حوله. ردت فاطمة قائلة: وبعدهالك يابن بطني هتفضل عامل في نفسك كدا لحد امتى؟ رفع رأسه ليطلع أمامه، نظر إليها طويلاً كأنه يقول له: كل هذا بسببك أنت، ولا أحد غيرك، أنتِ. إياد بهدوء عكس ما في داخله: لحد ما ألاقي فجر وأتجوزها. فاطمة بصوت عالٍ: نننعم يا خويا؟ تتجوز مين؟ أنت عاوز تنجس بيتي؟

عاوز تدخل بيتي واحدة ماشية على حل شعرها؟ أنت اتجننت ياواد أنت ولا إيه؟ إياد بغضب: قطع لسان أي حد يجيب سيرة فجر، فجر أشرف من الشرف، ويكون في علمك مش هتجوز غير فجر. ردت فاطمة بقسوة: أمال لو مكانتش المنطقة كلها بتتكلم عليها كنت عملت إيه؟ ها؟ فوق ياواد أنت لنفسك، قال تتجوزه قال. إياد بنظرة غضبه: أنا اللي عندي قولته، وحسّي عينك أسمعك بتجيبي في سيرة فجر بسوء تاني، بدل ما أنسى إنك أمي، وكفاية بقى لحد كدا.

غادر إياد المكان وعلى وجهه معالم الغضب. دلف إلى غرفته يسترجع ما حدث منذ أن تعرف على فجر، وهو يلعن نفسه على ما فعله بقلبها قبل قلبه. فهذا الإنسان غبي بشدة، فهو لا يعلم قيمة ما يملك إلا إذا فقده. *** في منزل الحسيني. يجلس الحاج أحمد مع زوجته سميحة يتحدث بغضب عن ابنته ويلوم زوجته على تربيتها لتلك الفتاة. أحمد بملامح قوية: آه لو ألاقيها واللهي لأكون قتلتها. سميحة: وحد الله يا حاج، إيه بتقول ده؟

رد أحمد بهدوء قائلاً: لا إله إلا الله محمد عبده ورسوله. سميحة: معلش يا حاج، أنت اللي دلعته، كنت أقولك شد على فجر تقولي دي عيال صغيرة. الحاج أحمد بصوت عالٍ نسبياً: أهي العيال دي فضحتنا وخلت وشي في الأرض قدام خواتي. سميحة بشماتة: منك لله يا فجر على الفضيحة دي. الحاج أحمد بحزن: فضيحة وانهي فضيحة؟ أهي فضحتنا، ويعلم لسه هتعمل إيه. ليقطع حديثهم دخول دعاء بوجه غضب: إيه في إيه؟ صوتكم عالي ليه؟

سميحة: بت يا دعاء مالك وشك أحمر كدا ليه؟ ردت دعاء بغضب: الناس كلها عرفت إن الهانم أختي هربت وسابت البيت. لتزفر بضيق وكل محد يقابلني يقولي هي هربت ليه وهربت مع مين، وأنا مالي أنا، تهرب ولا متهربش. رد الحاج أحمد قائلاً: مافيش أخبار عنها، مش لاقينها زي ما تكون اتبخرت. أنا حاسس إني لو شفتها هقتلها. ما زال الوضع كما هو، الجميع يبحث عن فجر ولا أحد يعلم أين هي. ***

يتابع عمله بانتباه شديد، لحظات قليلة ليرفع سماعة الهاتف قائلاً: جيسي تعالي على مكتبي حالا. ردت عليه جاسمين: حاضر. ثم أغلق الهاتف، لحظات حتى دلفت جاسمين إلى الداخل. جاسمين وهي تقف أمام مكتب عمار: نعم حضرتك طلبتني. عمار: مين قدم التصاميم دي؟ جاسمين: دي المصممة الجديدة اللي تحت التمرين. عمار: تمام، روحي أنتِ وبعتيها لي. لاحت من شفتيها ابتسامة صافية لتهتف قائلة: أي أمر تاني يا فندم؟ عمار وهو ما زال على وضعه: لا.

بعد خروج جاسمين للحظات، دلفت إلى الداخل بخط بطيء ولكنه يمشي بثقة. وقفت أمامه وعلى وجهها ابتسامة بسيطة. عمار وهو لم يبعد نظره عن الورق الذي في يديها: اتفضلي اقعدي، ثواني وكون معاكي. ظلت تنظر له وهي قلقة، هل فعلت شيئاً خطأ؟ أم لماذا طلب رؤيتها؟ كنت تلك هي الأفكار التي تدور في عقل تلك الفتاة وهي جالسة أمامه. عمار بعد أن انتهى من عمله: أنتِ اسمك إيه؟ اسمي فجر أحمد الحسيني.

نطقت بها فجر وهي قلقة بشدة. نظر إليها متفحصاً معالم وجهها وعينيه الخائفة، ثم وجه إليها سؤالاً قائلاً: أنتِ اتعلمتي التصميم فين يا آنسة فجر؟ فجر بتوتر: أنا مدرستش تصاميم، بس دي هواية، بعشق التصميم من صغري. عمار بجمود: عندك خبرة في التصميم؟ اشتغلتي قبل كدا يعني؟ هزت فجر رأسها بنفي: لا حضرتك، أنا أول مرة أشتغل. عمار: طب يا آنسة فجر، حضري نفسك، أنتِ مسافرة مع الشركة عرض أزياء في بيروت. نظرت إليه

فجر غير مصدقة ما يقول: هو حضرتك بتتكلم جد؟ أنا هسافر؟ نظر عمار قائلاً: أنا مبهزرش في الشغل يا آنسة فجر. ردت فجر سريعاً: أنا آسفة، مقصدش، بس يعني، هم قالوا إن اللي هيسافر الأكثر خبرة، وأنا زي ما حضرتك عارف معنديش خبرة خالص. نظر عمار إليها قائلاً: بس تصميمك أكتر تصميم لفت نظري، يبقى أنتِ أحق حد يسافر، ولازم تجهزي ورق السفر وتجهزي نفسك خلال يومين بالكتير. فجر بابتسامة صافية: تمام يا فندم، عن إذن حضرتك. ***

دلت فجر وسط همسات الموظفين المتواجدين في المكتب. جلست خلف مكتبها وهي صامتة تفكر إلى أين سيأخذها قدرها بعد؟ فهي بعدما حدث تلك الليلة، وهي علمت أن قدرها قد اختلف.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...