صباح يوم جديد على الجميع. قامت من النوم بخطوات بطيئة، تكاد تقع في كل خطوة تخطوها. بعيون بلون الدم من كثرة البكاء، تحدثت فجر بحزن قائلة: "صباح الخير يا بابا." الحاج أحمد، ولم ينتبه إلى وجهها الحزين، قال: "صباح النور يا فجر. خلصي، حضري الأكل، عايز أنزل الشغل." ظلت تنظر إليه طويلاً، ثم تحدثت أخيراً قائلة: "بابا، ممكن أنزل أشتري حاجة النهارده؟ مش هتأخر واللهي، هجيب حاجة وأرجع على طول." نظر إليها أحمد قائلاً:
"ماشي، ابقي انزلي ساعة واحدة وتكوني في البيت." فجر، وهي تغادر المكان: "حاضر يا بابا." ظلت تنظر إلى الفراغ من كثرة الألم في قلبها. فوالدها يحرمها من حياتها من أجل أن يزوجها من شخص لا تحبه، ولا تحب أن تراه، وغير هذا هو متزوج من أخرى ومطلق أخريات. لم حظها عسر هكذا. دخلت المطبخ وعلى وجهها علامات الغضب الشديد، وتتحدث بصوت عالٍ، إلى أن وقعت عيناها على تلك الوقفة ودموعها تنسدل على وجهها بصمت. سميحة بصوت عالٍ:
"بِت انتي، يا زفت، سرحانة في إيه يا أختي؟ وفين الأكل اللي عملتيه؟ ردي عليَّ." فجر بنبرة حزينة على حالها: "الأكل أهو يا مرات أبويا، حطيه. أنا ماليش نفس، عن إذنك." ثم رحلت إلى غرفتها تبكي بصمت على ما وصلت إليه. قامت توضأت، وصلت فرضها، وظلت تدعو الله أن ينجيها من تلك المأزق. فجر، والدموع تغرق وجهها:
"يا رب، يا رب، وحدك عالم بحالي، نجيني يا رب. أنا ما عملتش حاجة يا رب، اختر لي الصح يا رب، أرشدني للطريق الصح يا رب، أنت تقدر تنجيني من الجوازة دي يا رب، اختر لي الخير يا رب، ياااارب." ثم بكت بحرقة على حالها. ظلت هكذا إلى ما يقرب الساعتين متواصلين من البكاء بين يدي الله.
يجلس يشاهد التلفاز بشرود، ثم يتذكر تلك الفتاة التي احتلت عقله، تلك المتمردة ذات العيون العسلية الرقيقة. فهو يعشقها حتى الجنون، فهي من سلبت عقله قبل أن تحتل قلبه. يتذكر إلى أين وصل بهم الحال، يتذكر ابتسامتها الرقيقة، نظرة عيونها الساحرة والجذابة التي أذابت جليد قلبها من لقائهم الأول. يتذكر كيف أحبها، كيف عشقها إلى أن كاد أن يصاب عقله بجنون. فهو الآن يجب أن يتركها لغيره. عند تلك النقطة، لم يعد يقدر على الصمود أكثر من ذلك. انتشله من شروده رنين الهاتف.
ليتطلع إلى الهاتف الموضوع على الأريكة بجواره، ويقرأ اسم المتصل. ليُرد بعد علم من المتصل. "أيوة." صوت فجر بعد ثوانٍ: "ألو، عامل إيه يا إياد؟ إياد بصوت حزين: "تمام، وانتي؟ فجر: "تمام." ثم صمت قليلاً وتحدثت بنبرة حزينة: "إياد، ممكن أشوفك النهارده؟ إياد، وهو يرجع ظهره للخلف: "أنا كمان عايز أشوفك ضروري يا فجر." فجر: "تمام يا إياد، هشوفك كمان ساعة في المكان اللي كنا بنتقابل فيه." إياد: "تمام، مستنيكي."
أغلق الهاتف وظل يفكر في الكلمات المناسبة التي لا تجعله يجرح قلب تلك المسكينة. يا لك من عديم المشاعر، فأنت بتلك السهولة تتخلى عن عشق قلبك بسهولة. إذا هذا هو الحب من وجهة نظرك؟ لم أكن أعلم أنك ضعيف إلى هذا الحد. بعد مرور ساعة ونصف من الانتظار، ها قد أتت أخيراً. رآها تدخل إلى المكان وهي في قمة حزنها، فوجهها شاحب كالموت، وعيناها بلون الدم من كثرة البكاء. يا الله، ما أصعب تلك اللحظات. نطقها، فهمس، أم هي؟
فكانت ترى نظرات الخوف في عينيها. ظنت منها أنها قلقة من مظهرها، ولكن هي لا تعلم ما الذي يحدث بعد قليل. لو كانت تعلم، لم أتت إلى هنا. إياد بحزن من حالها: "إزيك يا فجر؟ فجر، وهي تحاول السيطرة على نفسها حتى لا تبكي على حالها: "تمام، وانت؟ إياد، بدون مقدمات: "فجر، أنا كنت جاي أقولك إننا مش هنقدر نكمل سوا. لازم نسيب بعض." نزل هذا الخبر على فجر مثل الصاعقة. لا تعلم ما الذي يحدث لها، وكأن الحياة بأكملها تتآمر ضدها. يا الله.
فجر بصدمة: "إياد، انت تقصد إنك هتسبني؟ هتتخلى عني دلوقتي، في أكتر وقت أنا محتاجالك فيه؟ ليه بس يا إياد؟ حرام عليك، ده أنا بحبك." كاد أن يرد عليها، إلى أن قطعتها هي بصدمة ألجمت لسانها عن الحديث. فجر، بعد ما قامت من مكانها متوجهة إلى الخروج: "آه صحيح، نسيت إني مش بتعامل مع راجل، أنا بتعامل مع عيال." تساءلت بها: "يا خسارة يا إياد، بجد يا خسارة."
كادت أن ترحل، ثم وقفت قليلاً في مكانها ورجعت إلى الخلف مرة أخرى، وتحدثت بنبرة قوية كأنها شخص آخر غير تلك التي كانت تبكي منذ دقائق قليلة. فجر: "آه، نسيت أقولك يا إياد، أنا فرحي يوم الخميس. ابقى هات الحج وتعالى." رحلت وتركتها خلفها، يملأ الفراغ في عقلها. لا تصدق ما حدث منذ لحظات. أيعقل أن تنتهي قصتها مع معشوقها بتلك السهولة؟ أفاق من صدمتها على صوت النادل وهو يتحدث معه. النادل: "يا أستاذ، هتطلب حاجة تاني؟ إياد:
"لا، شكراً." أخرج ورقة مالية وضعها على الطاولة، ثم رحل إلى وجهته. في قصر آل زيدان. كان يقرأ في إحدى الجرائد، حين سمع جرس الباب. انتظر أن يدخل إليه القادم بهذا الوقت. وما هي إلا ثوانٍ، وكان صوتها يملأ القصر بأكمله. "عماااار." قالتها وهي تدلف إلى الداخل. رفع حاجبه بتعجب، فما أتا بها إلى هنا في هذا الوقت. أما هي، ابتسمت بسعادة وهي ترمي نفسها داخل أحضانه. ليحتضنها بحب. عمار بنبرة عاشق: "إيه اللي جابك دلوقتي يا مجنونة؟
رفعت جاسمين عينيها وهي تلمع بعشقها قائلة: "وحشتني." ابتسم عمار قائلاً: "كنت كدا كدا هعدي آخدك كمان ساعة وإحنا رايحين الشركة." ردت عليه جاسمين قائلة: "جيت أفطر مع حبيبي، بلاش؟ أنزلها عمار قليلاً حتى لمست قدميها الأرض، وأصبح وجهها مقابل لوجهه. فكانت عيناه ممتلئة بحب قائلاً: "بس كدا، أنا شاكك فيكي، على فكرة." هزت جاسمين رأسها بالنفي وصوت ضحكته يملأ المكان: "بتشك فيه يا حبيبي؟ زعلانة منك كدا، على فكرة." ابتسم عمار قائلاً
بخبث: "عيب، في حقي لم أسيب حبيبتي زعلانة مني، بجد عيب." ثم اقترب منها قليلاً. "هششششش." قالها بعدما مد يده يمسح على وجهها بنعومة. شعرت بقلبها يتراقص حتى كاد يخرج منها. لتهتف جاسمين قائلة: "حبيبي، ابعد كدا، أنا جعانة." طبع قبلة على مقدمة رأسها وعينيه متصلبة على شفتيها، ليهتف عمار قائلاً بهمس: "مينفعش أبعد وحبيبتي زعلانة، لازم أصلحها الأول."
اقترب منها قليلاً حتى اختلطت أنفاسهم، بينما كانت الأخرى مغيبة بعشقه، لا تعي شيئاً سوى اقترابه منه فقط. ردت عليه جاسمين بهمس قائلة: "ربنا يخليك ليا ولا يحرمني منك أبداً يا قلبي." طبع قبلة صغيرة بجانب شفته، ثم ابتعد عنه قليلاً وهو ما زال ينظر إلى شفتيها. عمار: "ويخليكي ليا يا قلبي." تعالت ضحكات جاسمين قائلة: "حبيبي، انت امتى بقيت بخيل كدا؟ نظر لها عمار قائلاً بتعجب: "ليه يعني؟ ضحكت جاسمين بعشق، ثم ردت قائلة بجدية:
"هي ماما فين؟ نظر لها عمار قائلاً: "مش بقولك شاكك فيكي؟ ماما لسه نايمة." ثم نظر إليها قائلاً بخبث: "يعني إحنا كده لوحدينا والشيطان كده بيرفرف حوالينا." نظرت له جاسمين وهي تجلس على السفرة أمامه قائلة بثقة: "عادي يا حبيبي، أنت تغلب جيش شياطين. تعالي أفطر، هنأتخر على الشغل." جلس عمار وهو ينظر لها قائلاً بغيظ شديد منه: "إنتي رخمة وفاصيلة." ضحكت جاسمين عليه قائلة: "تعالي عشان تاكل يا حبيبي."
ابتسم بخبث وهو يجلس مقابله قائلاً: "حبيبتي، ما تيجي نخليه فرح مش كتب كتاب، إيه رأيك؟ جاسمين بصدمة، وجهها احمر بشدة من فرط الخجل: "عماااار." بعد مرور أسبوع، لم يحدث أي أحداث غير تدهور حالة فجر الصحية وحزن إياد الشديد على ما حدث مع فجر. في منزل الحسيني. صباح يوم الخميس. سميحة وهي تدلف إلى غرفة دعاء قائلة: "بِت يا دعاء، اصحي يا بت عشان ننزل السوق. قومي." دعاء بنعاس وعيون مغلقة:
"يا ماما، سبيني، أنا مصدقت، مش هروح المدرسة النهارده." سميحة: "قومي يا بت بقا، أحسن أجيبلك الشبشب." (ست مصرية أصيلة 😂) دعاء بضيق: "أووف بقا يا ماما، بقولك إيه، خدي الزفتة التانية دي معاكي." سميحة بخبث: "لا يا حالة أمك، الزفت دي هتستنى هنا تروق الشقة وتعمل الأكل للناس اللي هتيجي تحضر الشبكة، فهمتي؟ قومي بقا." دعاء بضحكة مستفزة: "حاضر يا مامتي، صحيت أهو."
بعد قليل من الوقت، خرج الحاج أحمد من غرفته، وجد سميحة جالسة تشاهد فيلماً مضحكاً. جلس جواره ثم قال بحزن: الحاج أحمد: "خايف أكون ظلمت فجر يا أم دعاء." سميحة، وبعد أن علمت ما يفكر به زوجها: "ولا ظلمتها ولا حاجة يا حاج، ده نصيبها ودي بت ولازم نسترها يخويا، أمال إيه." نظر أحمد قليلاً ثم قال: "إنتي شايفة كدا يا حجة؟ سميحة، وهي تعلم تأثير كلماته على زوجها: "أيوا يا خويا، ده أنا حتى بتمنى اليوم اللي أستر فيه دعاء."
ابتسم أحمد قائلاً: "إن شاء الله نجوز دعاء كمان." ثم نظر حوله، لم يجد فجر في أي مكان. الحاج أحمد: "أمال فين فجر؟ هي لسه نايمة؟ سميحة: "آه يا خويا، سيبها نايمة، النهارده يومها، عاوزة تبقى منورة كدا مع عريسها." الحاج أحمد: "طب قومي ناديلها، عاوز أقولها حاجة مهمة قبل ما أنزل الشغل." سميحة: "ما كنت أجازتك النهارده يا حاج." الحاج أحمد: "هي ساعة زمن وراجع على طول، قومي شوفيها بقا يا ولية، بلاش رغي."
قامت سميحة وهي تلوي فمها وتتجه إلى تلك فجر البائسة في غرفتها. دخلت سميحة الغرفة، وجدتها مرتبة، ظنت أنه في المرحاض. ذهبت إلى هناك، دقت الباب، أتتها رد دعاء من الداخل. نظرت قليلاً ثم توجهت إلى المطبخ، وحين تأكدت أنها لا توجد في المنزل، ذهبت مرة أخرى إلى غرفتها، فوجدت ورقة صغيرة يوجد بها 5 كلمات فقط: (أنا ماشية، ما تدوروش عليَّ عشان مش هتلاقوني)
دلف الحاج أحمد إلى الغرفة مسرعاً وخلفه دعاء، بعدما سمع كلا منهم صوت سميحة وهي تصرخ وتندب الحاج أحمد. أحمد بصوت عالٍ: "إيه جرى إيه يا ولية؟ انتي بتصرخي كدا ليه؟ سميحة بسعادة داخلها تحاول إخفاءها: "مصيبة يا حاج، مصيبة، بنتك طفشت." الحاج أحمد بنبرة مرتعشة: "إنتي... إنتي بتقولي إيه؟ بنتي أنا... هربت؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!