في صباح اليوم التالي وتحديدًا في استقبال شركة آل زيدان، توجه أياد إلى الداخل بعد أن أشار له موظف الاستقبال عن شيء ما. دلف إلى المكتب ووجد فتاة أنيقة تجلس خلفه، تحدث قائلًا: صباح الخير يا آنسة. ردت الفتاة قائلة: مين حضرتك؟ رد عليها قائلًا: أنا أياد العمري، اللي جاي هنا عشان الحسابات من طرف أستاذ أحمد رؤوف. ابتسمت له قائلة: وأنا جاسمين، سكرتيرة أستاذ عمار. ابتسم لها ثم ردت: اتفضل اقعد ثواني عشان أسلمك الشغل.
ثوانٍ واتى إليه شاب في مقتبل العمر، اقترب قائلًا: خير يا آنسة جاسمين؟ جاسمين: ده أستاذ أياد، جاي هنا جديد مكان أستاذ أحمد في الحسابات. خده عرفه الشغل. أشارت جاسمين إلى أياد قائلة: ده أستاذ محمد هيعرفك شغلك يا أستاذ أياد. بعد لحظات خرج أياد مع محمد، تعرفا وهم في طريقهم إلى المكتب. وتعرف على صديقه الآخر في المكتب، علي.
بعد وقت قصير، بدأ أياد الشغل بعد أن أبلغه محمد بتوجيهه، والذي تفهم أياد طريقة العمل بسرعة. فهو الأول على دفعته في الجامعة، وكان يجب تعيينه مؤخرًا، ولكن لا يوجد شيء بدون واسطة في هذه الأيام. بعد وقت طويل، خرجت الفتيات من الشركة متجهين إلى الفنادق. التفتت فجر من أجل أن تغادر وحدها، قائلة: ميرا، معلش أنا محتاجة أمشي لوحدي شوية، عن إذنك. ردت عليها ميرنا قائلة: استني، هاجي معاكي عشان ما تبقيش لوحدك. فجر:
لا لا، متقلقيش عليا. أنا عاوزة أمشي لوحدي شوية بس. ميرنا: طب افرضى مشيتي كتير، إحنا ما نعرفش حاجة هنا. هترجعي إزاي؟ فجر: عادي يابنتي، هاخد تاكسي وأقول اسم الفندق وهو هيوديني، فهمتي؟ أومأت ميرنا برأسها قائلة: تمام يا فجر، متتأخريش، ماشي؟ فجر: تمام. ظلت تمشي وهي لا تشعر بشيء، فقط تمشي من أجل أن تجعل قلبها يهدأ. فهي منذ أن نزلت في محطة القطار وهي تعاهد نفسها أن تكون قوية، ولكن من أين القوة؟
فهي هوت إلى الهاوية، لم يعد لها أحد، فقط هي وحيدة، حتى ولو كان وجود طارق وميرنا ومن حولها، فلا يوجد من يسد هذا الفراغ الذي بداخلها. وصلت إلى مقعد على البحر، جلست وأخذت تطلع إلى أمواج البحر، قائلة: كان نفسي أعيش حياة طبيعية زي أي حد، أب وأم وأخوات. اتحرمت من أمي وأنا صغيرة، عشت لوحدي من غير حنانها عليا. ثم أدمعت عينيها على فقدان أمها، ردت قائلة:
وحشتيني يا ماما، نفسي أترمي في حضنك وأشم ريحتك. وحشتيني أوي يا ماما، أوي. أنا محتاجالك أوي بجد، محتاجالك جنبي، محتاجة حنانك، خوفك عليا. محتاجة أهرب من الدنيا والناس في حضنك يا أمي. ثم رفعت رأسها إلى السماء، قائلة بصوت عالٍ قليلًا: ياااارب خفف وجع قلبي.
في نفس التوقيت تقريبًا، اتجه مالك خارج الشركة متجهًا إلى المنزل. قاد السيارة وهو شارد في صاحبة العيون العسلية. رآها تجلس وحيدة أمام البحر، ترجل من السيارة وهو ينظر لها بتوجس، فماذا تفعل هنا وحدها؟ رآها تبكي بشدة وهي تمسك بشيء في يديها. دقق النظر وجد أنها تمسك سلاسل رقيق الشكل على شكل قلب وبداخله حبة من الألماس الأبيض. اقترب منها أكثر حتى يسمع ماذا تقول. سمعها تتحدث إلى ذلك السلاسل قائلة: ليه يا أياد؟
ده أنا كنت بحبك. هنت عليك تكسر قلبي؟ حرام عليك تيجي عليا كده ليه؟ مش قادرة أنساك عشان بحبك. قلبي وجعني منك أوي يا أياد، أوي. انت كسرتني أوي يا أياد. ثم بكت بشدة على حالها. بينما هو أحس بغصة في قلبه من ذلك الحديث، أحس بقلبه يتمزق من بكائها. أراد أن يذهب ويضمها إلى صدره، فمن الواضح أنها هي أيضًا ذاقت من عذاب العشق ما يكفي مثله.
ظل ينظر لها طويلًا وهو يتمزق من بكائها، أحس بنبض قلبه ينبض بسرعة، ولكن بدقات مختلفة عن ذي قبل. وضع يديه على قلبه يتحسسه، قائلاً في صمت: من الواضح أن وجود هذه الفتاة هنا سيسبب لك الكثير من المشاكل. نظر إليها مرة أخرى، لم يجدها، فقد رحلت. رحل هو الآخر وهو يلعن تلك الفتاة. فمن أين ظهرت؟ أقسم في داخله أن يجعلها تهرب منه. فلا يحق لهذا قلبه أن يخفق لأحد غير زوجته. دَلفت جاسمين إلى مكتب عمار وهي تحمل الملفات في يديها،
قائلة: ده الملف بتاع الموظف الجديد، وعندك معاد مع حمدي المحمدي وهو مستنيك، وبعد ساعة اجتماع مع رؤساء مجلس الإدارة. رفع عمار رأسه قائلاً: تمام، خليه يدخل، وما تدخليش حد علينا. وطلبيلي اتنين قهوة. أومأت برأسها ثم انصرفت. لحظات ودلف حمدي إلى الداخل. ظل عمار يتحدث معه قليلًا في أمور الشغل. حتى تحدث حمدي قائلاً: بس انت كده بتضربنا في السوق بالسعر ده. عمار: أنا بعمل شغلي، والسوق عايز كده. حمدي: بس انت كده بتعديني يا عمار.
عمار: اللي عندي قلته، وقتك خلص، اتفضل بعد إذنك. عشان عندي اجتماع مهم. رحل حمدي وهو يسب ويلعن في عمار ويتوعد له. دخلت عليه جاسمين قائلة: إيه الراجل ده ماله؟ عمار: ما تاخديش في بالك. حضرتي ورق الاجتماع؟ جاسمين: آه، حضرتُه وكل حاجة جاهزة. يلا بينا، الكل مستنيك. خرج عمار متوجهًا إلى غرفة الاجتماعات. انتهى اليوم ورحل الجميع. أخذ عمار جيسي ورحل بالسيارة. جاسمين: بقولك إيه يا عمور؟ عمار: إيه يا قلب عمور، عاوزة إيه؟ جاسمين:
ما تيجي نسافر لبنان بحجة العرض ونتفسح سوا هناك شوية كده قبل الفرح. رد عمار بابتسامة خبيثة: والله أنا موافق، وأبقى أول عريس في مصر يعمل شهر عسل قبل الفرح. إيه رأيك؟ احمر وجهها كثيرًا من حديث عمار، بينما تحدث هو قائلاً: أموت أنا في الفراولة دي. ابتسمت جيسي قائلة: على فكرة، ما كانش قصدي يا سافل. ضحك عمار قائلاً: بقولك إيه، تيجي نتغدى سوا عندنا في البيت؟ جاسمين: تمام، هرن على ماما أقولها. عمار:
جاسمين، في موضوع مهم عاوزك فيه. جاسمين بانتباه: موضوع إيه يا عمار؟ عمار: موضوع، انتي وطنط مش شايفين إن قعدتكم لوحدكم دي ما تنفعش؟ جاسمين: تاني ياحبيبي؟ إحنا كل مرة نتكلم في الموضوع ده نتخانق. عمار، عشان خاطري، قلت لما نتجوز نبقى نسكن كلنا سوا عندك. وبعدين إحنا اتفقنا إن فرحنا بعد العرض عشان نصفي الشغل قبل الفرح، عشان تعرف تصفي الشغل ونسافر براحتنا. يبقى استنى عشان ماما مش موافقة بأنه تقعد معانا.
نظر إليها عمار بضيق قائلاً: براحتكم بقى، أنا مش هتكلم عشان أنا بجد زهقت من الموضوع ده، وكل ما أكلم أمك تطلع لي بوجه شكل. جاسمين وهي تغير الحديث: عمار، إيه يا ماما دي؟ عمار: أمّال هي إيه؟ أبوكي؟ ابتسمت جاسمين قائلة: اسمه مامي. عمار بابتسامة: بقى عمار زيدان اللي بيتعمل له ألف حساب في السوق يقول مامي؟ اسكتي يا جيسي، الله يخليكي. ضحكت بسعادة قائلة: ربنا يخليك ليا وتفضل كده الناس كلها تخاف منك إلا أنا.
ضحك عمار عليها قائلاً: في حد يخاف قلبه برضه؟ ده يبقى عبيط يابنتي. جاسمين: بحبك بقى. ابتسم عمار ثم رد بهدوء قائلاً: تعرفي يا جيسي، إني تخطيت مراحل الحب دي من زمان. أنا بقيت بتنفسك، بعشقك، بموت فيكي. إنتي إدمان زي المخدرات عندي. أنا مقدرش أعيش يوم انتي مش فيه. إنتي سيطرتي على كل حاجة فيا، أنا نفسي وبتمنها من ربنا اليوم اللي أقوم من النوم وألاقيكي في حضني وبقيتي ملكي. بحبك يا جيسي.
كانت جاسمين تبتسم بسعادة وهي تستمع إلى كلمات عمار. أدمعت عينيها وهي ترمي نفسها في أحضانه وهو يقود السيارة، قائلة: ربنا يخليك ليا ويقدرني وأسعدك يا عمار. عمار: ويخليكي ليا يا قلب عمار. أنا هفضل مبسوط لما انتي تكوني مبسوطة.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!