مر ثمانية أشهر وتبدل فيهم الحال غير الحال. البيت الذي كان مليان ضحك وهزار وصوت لعب الأولاد في كل ركن، بقى ساكت وساكن والحزن مرسوم على كل الوجوه. بعد ما تأكدوا من إصابة علي بسرطان الدم، واكتشفوا إن حالته كانت متأخرة، دخلت العائلة في دوامة فحوصات وأطباء وتحاليل وجرعات الكيماوي المؤلمة.
دوامة كبيرة ملهاش نهاية. ولأن التأمين الصحي لا يغطي ربع تكاليف العلاج والأدوية، اضطروا لبيع الأرض. وللأسف اتباعت بثمن بخس لأنها أرض زراعية مش مباني، ولأنهم مزنوقين ومحتاجين الفلوس، باعوا الخمس قراريط بحوالي 170 ألف جنيه. ثلث الفلوس من نصيب أخته رحاب، لكنها رفضت تاخدهم وسابتهم لأخوها، أصل في ستين داهية الفلوس، المهم أخوها. خرجت سميرة من أوضة النوم واضطرت إنها تبتسم بمجامله وهي بترحب برحاب وزوجها وتسلم عليهم.
سميرة: حمد لله على السلامة يا أستاذة رحاب. منور والله يا أبو آدم. رحاب: الله يسلمك، المهم طمنيني على عامل إيه دلوقتي والدكاترة قالوا إيه؟ بصت لهم سميرة بهم وقالت: هيقولوا إيه وهو كل شوية بحالة، حبة كويس وحبة تعبان. رحاب: أنا هدخل أسلم عليه. سميرة: بلاش دلوقتي، استني شوية. رحاب بغضب: ليه بقى إن شاء الله؟ هتمنعيني أشوف أخويا؟ سميرة باعتذار: لا والله ما أقصد، أنا بس بقول تستني شوية، أصله طول الليل صاحي وما صدقت إنه نام.
رحاب: هدخل براحة ومش هاصحيه. وقامت دخلت الأوضة. أيمن: معلش يا أم حنين، ما تزعليش من رحاب، انتي عارفة إنها قلقانة وخايفة على أخوها أوي. سميرة: مش زعلانة والله. المهم انت عامل إيه؟ وأدم كمان ليه ما جاش معاكم؟ أيمن: إحنا الحمد لله كويسين، وآدم في الشغل. سميرة: ماشاء الله، هو اشتغل؟ أيمن بسخرية: أيوه، سمي وصلي، يمكن يقعد فيها شوية بدل ما هو مابيقعدش في شغل أكتر من خمس شهور، وياريت حتى بيشتغلهم عدل.
سميرة: معلش، انت عارف إنه متدلع شوية، بكرة يكبر ويعقل. أيمن: يكبر أكتر من كده فين؟ ده داخل على تلاتين سنة، يعني بقى شحط. ده اللي قده متجوز وعياله في المدارس. يعني حتى الجواز مش فالح فيه. قامت سميرة من مكانها وهي بتقول: لأ في دي انتوا اللي غلطانين، حد يجوز ابنه وهو لسه في سنة أولى جامعة. شفت، أدينا خدنا الكلام ونسيت أعمل لك حاجة تشربها. أيمن: لا خليكي مستريحة. هما فين العيال؟ ماشفتش حد منهم بره.
دخلت سميرة المطبخ وخرجت وهي شايلة صنية عليها كوبين عصير. وقدمت له كوباية وقالت: العيال بيلعبوا مع العيال في آخر الشارع، عشان انت عارف علي بقى خلقه ضيق وبيتضايق من صوت العيال. أيمن: ده كان روحه في العيال، يالا ربنا يكمل شفاه على خير. المهم. حط إيده في جيبه وخرج ظرف حطه في إيدها بسرعة. سميرة بسرعة: بتعمل إيه يا أبو آدم؟ أيمن: بقولك خدي من غير كلام قبل ما رحاب تخرج. سميرة بإحراج: والله العظيم معايا فلوس، خير ربنا كتير.
أيمن: أنا عارف، ربنا يزيدك. بس عارف المرض ده بينسف الفلوس. وبعدين انتي أختي زي ما علي أخويا بالظبط. المهم ابعتي حد ينادي على العيال يقعدوا معانا شوية قبل ما تمشي. سميرة: حاضر، من عنيا. خرجت رحاب من أوضة أخوها وهي بتمسح دموعها وقالت: أخويا واجع قلبي أوي يا أيمن. أيمن: ادعي له يا رحاب، ربنا يكمل شفاه على خير. في العربية وطول الطريق ورحاب بتبكي. أيمن: خلاص يا رحاب، عشان خاطري، كفاية دموع.
رحاب: غصب عني يا أيمن، ده أخويا الوحيد. أيمن: ليه؟ وهاني ولبنى دول مش أخواتك؟ رحاب: إنت بتهزر يا أيمن. وبعدين دول أخواتي من أمي، أما علي الوحيد اللي اسمه علي اسمي. أيمن: عايزك تفوقي شوية. وهاتخافي، إن شاء الله هيكون بخير. رحاب: مش باين يا أيمن، قطع قلبي وهو بيوصيني على مراته وعياله، حتى وهو عيان بيفكر فيهم. أيمن: عارف إن سميرة مقطوعة من شجرة، وإن العيال مالهمش حد غيرك.
في المساء دخلت الأوضة تتسحب بشويش وهي خايفة لعلي يصحى. وراحت للكنبة ولسه هتنام، سمعت صوت علي الضعيف وهو بيقول: ليه بتنامي على الكنبة يا سميرة؟ قامت بسرعة وقالت: انت صحيت؟ ده أنا بمشي بشويش عشان ما تصحاش. علي: أنا صاحي، مش عارف أنام. سميرة: ليه؟ فيه حاجة وجعاك؟ علي بضعف: كلي واجعني يا سميرة، كلي واجعني، أنا تعبان أوي. قربت منه سميرة واستلقت جنبه على السرير وقالت: اسم الله عليك يا حبيبي.
ووضعت إيدها على راسه الخالي من الشعر وبدأت تقرأ عليه آية الكرسي والمعوذات والرقية الشرعية. وبعد فترة قال علي: ماتبعديش عني يا سميرة. خليكي جنبي. سميرة وهي بتجاهد عشان ما تبكيش: أنا جنبك دايما يا علي، بس بنام على الكنبة عشان ما أوجعكش، بس. علي بتعب: العيال فين؟ بقالي زمن ماشفتهمش. سميرة: نايمين. علي: روحي صحي العيال وهاتيهم يناموا معانا هنا. سميرة: ليه يا علي؟ علي: عايزهم جنبي، عايز أشبع منهم قبل ما أموت.
سميرة: ماتكملش، أبوس إيدك. ربنا يديك الصحة وطول العمر. على: طب ريحيني وهاتي العيال يناموا هنا. سميرة بقلة حيلة قالت: حاضر. وراحت أوضة أولادها وبدأت تصحيهم، وبعدها فرشت بطانية في الأرض للأولاد. على: لأ، هيناموا جنبي. سميرة: لأ، انت ما تتجملش. رفصهم وهم نايمين. أنا سمعت كلامك وجيبتهم معانا أهو، لكن معاك على السرير لأ.
نام الأولاد على الأرض، واستلقت سميرة جنبه، وكعادتها حطت إيدها الباردة تحت إيده. وبالرغم من إنه نايم، إلا إنه ضم أصابعها بإيديه. ***
عدت فترة، وساءت حالة على. والأسوأ إن الفلوس خلصت. ولأن سميرة تعليمها متوسط، فمفيش أي فرصة لأي وظيفة أو شغل، وخاصة إنهم في الأرياف، يعني مفيش مصانع ولا مكاتب. فاضطرت إنها تخرج كل فترة ساعتين أو تلاتة تتأجر في الأراضي، أو تخبز العيش في الفرن البلدي، أو تساعد بعض الستات في شغل البيت. والمية جنيه اللي بتجيبها أحسن ما تمد إيدها وتستلفها من الناس. على بصوت ضعيف: سميرة يا سميرة. دخلت عليه حنين: أيوه يا بابا. على: فين ماما؟
حنين: ماما خرجت. على بضيق وتعب: خرجت فين دلوقتي؟ اتلجلجت حنين شوية، وبعدها قالت: راحت مشوار مع خالتو نادية. أهي ماما جت. سميرة: فيه إيه؟ على: كنتِ فين يا سميرة دلوقتي؟ سميرة بتردد: كنت... كنت... كنت مع أم إبراهيم في مشوار ورجعت على طول. على بزعل: كده يا سميرة، تكذبي عليا؟ هو خلاص مبقاش ليا لازمة عندك؟ سميرة: لا والله ما قصدت. يتقطع لساني لو قال كلمة تزعلك. بس مش عايزة أخليك تشيل الهم.
على: هو أنا ورايا حاجة غير شيل الهم؟ سميرة: لا يا حبيبي، عشان خاطري. إحنا عايزين نفسيتك تبقى حلوة عشان العلاج. ماتقلقش علينا، إحنا كلنا كويسين. على: سميرة، خديني بره يا سميرة. نفسي أقعد على المصطبة، نفسي أشوف اللي رايح واللي جاي. سميرة بصوت مخنوق: حاضر يا علي. هاخدك، بس استنى أحط بطانية عشان تقعد عليها.
وبعدها سندت سميرة علي لحد ما قعد على المصطبة بره البيت، وهي بتدعي ربنا إن مفيش حد يعدي ولا ياخد باله، وهي مش عايزاه يحس بشفقة الناس عليها. أصل نظرة الشفقة بتوجع. مرت نسمة هوا باردة على وش علي، فابتسم وهو بيبص للسما. وبعدها قال: نادي على الأولاد يا سميرة، خليهم حواليا. قعدت حنين وملك عن يمينه، وأحمد عن شماله، وسميرة جت جنبهم. على: سميرة، تعرفي نفسي في إيه؟ سميرة: في إيه يا علي؟ على: نفسي في كوباية قهوة.
سميرة: ماينفعش يا علي، انت صحتك ماتستحملش. على: اعملي القهوة يا سميرة، عشان خاطري. انتي شايفاني بتحسن. أنا خلاص. قومي يا سميرة اعملي القهوة، وخليها زي ما بحبها، سكرها زيادة أوي زي أيامي معاكم. سميرة بدموع: ماتقولش كده. إحنا اللي أيامنا معاك عسل. على بوجع: يبقى تروحي تجيبي السبرتاية وتعملي ليا قهوة. ومش هنشربها على صوت الست. كفاية عليا لمة حبيبي حواليا. وضم أولاده لحضنه.
كان علي سريره في بعد ما وقف الدكاترة العلاج. واكتفوا بالمسكنات، لأنهم عرفوا إن مش فاضل إلا أيام، والأعمار بيد الله، والأحسن إنه يرتاح في بيته. كانت سميرة ملازماته. في حين أخدت رحاب إجازة من شغلها وقعدت معاهم. كل شوية تدخل تطمن على أخوها وتخرج، ودموعها ما وقفتش. أما سميرة، كانت في حالة جمود غريب. بتمر عليها ساعات وهي بتبص عليه وبس. وفجأة هدا وسكن النفس الضعيف. قامت سميرة من مكانه واستلقت جنبه، وعيونها على وجهه الضعيف.
نادت عليه، فلم يجبها. مدت إيدها وحطتها على راسه، وبدأت تقرأ قرآن والرقية الشرعية، لكنه ما اتتحركش. حطت ايديها الباردة تحت أيديه الباردة، وانتظرت إنه يضمها. وانتظرت، لكن المرة دي ما ضمّش ايديها. ما طمنهاش. مرت ساعات وهي في حالة جمود غريب. ما حستش برحاب لما دخلت، ولا بصراخها، ولا بالبيت اللي امتلأ بالناس، ولا بالمعزيين. لتمر أيام اللي مرت من بعده. الليل شيه النهار. وامبارح شبه بكرة.
*** مر شهر غريب وقاسي، وأدى شهر كمان عدى. لكن الدنيا بتستمر، مش بتقف على حد. دخلت رحاب البيت هي وأدم، فوجدت الأولاد. فسألت حنين: فين ماما يا حنين؟ حنين: ماما خرجت يا طنط. رحاب بغضب: إيه؟ خرجت إزاي؟ تخرج؟ هي اتجننت؟ أدم: اهدى شوية يا ماما، تلاقيها راحت تشتري حاجة وراجعة. رحاب بغضب وبصوت عالي: وتخرج ليه؟ ما عندهاش عيال يشتروا لها؟ تخرج ليه وهي في العدة؟ ولا اللي مات ده مالوش قيمة؟
دخلت سميرة عليهم وقالت: سلام عليكم يا أم أدم. حمد لله على السلامة. رحاب بغضب: سلامة إيه وزفت إيه؟ إيه اللي يخرجك من البيت؟ كنتِ فين؟ سميرة: ده أنا كنت في الشؤون الاجتماعية. كانوا عايزين مني أوراق عشان... رحاب: عشان إيه؟ مستعجلة على إيه؟ الراجل مات وبتدوري على الفلوس؟ مش قادرة تستني لحد ما تخلصي عدتك، وبعدها ابقي روحي ودوري. سميرة: بقى أنا بدور على الفلوس؟ الله يسامحك. أدم: معلش يا أم حنين، هي بس زعلانة عشان...
رحاب: انت بتبرر لها؟ طب والله ما أنا قاعدة في البيت. وخرجت بسرعة. سميرة وأدم وراها. سميرة: والله غصب عني يا أم أدم. دا هما اللي بعتوا ليا كام مرة. فرحت أنا وأم إبراهيم، والموضوع ما خدتش أكتر من عشر دقايق بس، والله. رحاب: خلاص يا سميرة، أنا مش زعلانة. وانتي كمان ماتزعليش مني. أنا مش عارفة أنا اتعصبت كده ليه، بس مش عارفة. أنا بقى خلقي يضيق دايماً.
سميرة: حصل خير. استغفري ربنا، وبعدين أهي ضيقة الخلق عندنا كلنا. يالا بقى خش عشان أعرف إنك بقيتي كويسة. رحاب: لأ، معلش. أنا حلفت وهاروح المقابر أقرأ الفاتحة على أخويا وهسافر. سميرة: ليه؟ انتي مش قلتي هتباتي خميس وجمعة؟ رحاب: لا، خلاص. أنا هروح. أنا مخنوقة من البلد كلها. $$$$$$$$$$$$$$$$
في حي شبرا العريق، فيه بيوت قديمة ومباني عريقة، وفيه عمارات حديثة ومباني جديدة. ومن بين المباني الحديثة، بيت كبير راقي مكون خمس أدوار. في الدور الثالث، في الأنتريه، كان أيمن جالس مع أخوه الأصغر منه رضا. رضا: طيب، ومراتك قالت هتيجي إمتى؟ أيمن: هتبات هناك ليلتين. أهي بنهون على أم حنين شوية. رضا: طيب، ورحاب عاملة إيه؟ أيمن: أهي رحاب عايشة، بتروح وتيجي، وبتشغل نفسها في الشغل والدنيا. أما المسكينة بجد، فهي أم حنين.
رضا: صعبانة عليك أوي كده؟ أيمن: أوي. كل ما أفكر هتعبش إزاي وهتصرف على أولادها منين، قلبي بيوجعني عليها. دي شايلة مسؤولية عيالها التلاتة. هتأكلهم منين وهتعيشهم إزاي؟ وهي لا وظيفة ولا معاش عدل هتاخده من الحكومة. تعرف، أنا بفكر أعمل لها مبلغ، أبعته لها كل شهر، بس المشكلة إن نفسها عزيزة، مش هترضى تاخد مني حاجة. وحتى لو رضيت، هبعتهم لها إزاي من غير ما ياخد باله أو يطلع عليها كلام؟ رضا: طيب، وهو المبلغ ده هو الحل؟
أيمن: تقصد إيه؟ رضا: أقصد إن الفلوس مش كفاية. أنا من الكام مرة اللي شفتهم، عرفت هي قد إيه غلبانة وضعيفة. مش هتقدر تربي أولادها لوحدها. أيمن: طب والحل؟ رضا: تتجوز. أيمن: انت اتجننت؟ ده علي لسه ميت من شهرين، وانت عايزني أدور لها على عريس؟ رضا: أنا بقول تتجوزها، مش تدور لها على عريس. أيمن بصدمة: إيه!!!!! في نفس اللحظة، كانت رحاب مصدومة وهي واقفة على الباب.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!