كانت سيارة سالم هي أول من وصلت إلى المزرعة. عندما هبط من السيارة بصحبة العم نبيل، كانت تظللهم سحابة قاتمة من الصمت. سالم كان يشعر أنه قد ضرب في مقتل، وأن الهلالي كان يجعله كلعبة في يديه. رأت زوجته حالته الكئيبة وذهبت إليه مسرعة وقالت له بتوجس: "مالك يا سالم، خير. إيه اللي حصل؟ وفين باقي الجماعة؟ سالم باختصار: "زمانهم جايين ورانا، يالا حضري نفسك عشان نمشي." أم نهاد: "انت عاوز ترجع طنطا دلوقتي؟ سالم:
"آه، إيه المانع. إحنا خلاص اتطمنا على فؤادة، وما بقالوش لزوم قعدتنا هنا أكتر من كده." أم نهاد بقلة حيلة: "اللي تشوفه، بس على الأقل استنى لما أسلم على فؤادة قبل ما نمشي." سالم: "طب اجهزي بس على ما يجوا." قبل أن يكمل جملته، وجد سيارة جلال تدلف من البوابة. عندما هبطت فؤادة من السيارة، وجدت أن عمها متجهم الملامح، وبجواره زوجته والقلق يعتلي ملامحها. ذهبت إليهم وقالت: "إيه مالكم، ليه واقفين هنا كده؟ مادخلتوش ليه على طول؟
نظرت لها زوجة عمها ثم نظرت إلى زوجها بقلة حيلة وقالت: "إحنا كنا مستنيينك عشان نسلم عليكي قبل ما نمشي." فؤادة: "تمشوا فين؟ انتوا تقعدوا معانا يومين." سالم بجمود: "مش هينفع يا فؤادة، أنا خلاص اتطمنت عليكي إنك بخير، وانتي عارفة إني مش فاضي، ولازم أرجع طنطا في أسرع وقت." عندما نظر عارف إلى جلال وهو يستجديه بالتدخل، انضم جلال إلى حديثهم قائلاً:
"اهدأ بس كده يا سالم بيه، وتعالى ندخل نقعد شوية. أنا محتاج إني أتعرف عليك، ويزيدني شرف طبعاً إنك تعتبرني زي الدكتور محمد، إحنا خلاص بقينا أهل... وإلا إيه؟ سالم وهو لازال على جموده: "معلش اعذرني، بس أنا جيت فجأة وعندي أشغال كتير متعطلة." فؤادة وهي تحاول التشبث بكتف عمها حتى تثير عاطفته: "طب مش على الأقل تفضل معايا على ما نشوف التحقيق هيرسي على إيه؟ سالم:
"إنتي مش لوحدك، وكمان أنا سايب معاكي أخواتك. ولو احتاجتيني في أي وقت كلميني وأنا هاجيلك على طول." فؤادة: "عشان خاطري يا عمي، خليك معايا النهاردة بس، عشان خاطري." صمت سالم لعدة ثوانٍ ثم قال بقلة حيلة وهو يحذرها بسبابته: "النهاردة بس يا فؤادة، النهاردة بس." تقدمت منه فؤادة وطبعت قبلة عميقة على وجنته قائلة بمرح: "أنا هسيبك براحتك، بس افرض إنت حبيت تطول المدة... مش هقدر أوعدك إني ما أستغلش الموقف." جلال:
"اتفضلوا يالا ندخل، زمان الغدا جهز من بدري، وكلنا واقعين من الجوع، إحنا اتأخرنا أوي في النقطة." عندما دلفوا إلى الداخل، كان الهدوء يعم المكان. قالت فؤادة بفضول: "أومال هم فين كلهم؟ أم نهاد: "لما عرفوا إن العمال بيصلحوا مكان التخريب اللي حصل، كلهم صمموا يساعدوا معاهم." فؤادة: "يا خبر أبيض، طب وعايشة؟ أم نهاد: "راحت معاهم، ومحمد قالها هتقعد تتفرج بس." فؤادة: "طب أنا هطلع أغير هدومي وأكلمهم يجوا عشان نتغدى."
ذهبت فؤادة إلى الأعلى، واستأذن جلال ليلحق بها للأعلى. بينما جلس عارف بصحبة سالم وزوجته، ليقول بلبلة:
"الحقيقة يا سالم بيه، أنا كنت عاوز أتعرف على حضرتك من فترة، بس الظروف ما كانتش مساعدة. أنا زي ما حضرتك عرفت، أبقى أخو جلال جوز فؤادة. أبونا الله يرحمه سابلنا أراضي كتير، في منها جناين موالح، وأراضي تانية بتتزرع محاصيل زراعية موسمية، وكمان عندنا مواشي وخلافه. يعني الحمد لله الخير كتير. لكن أنا وأخويا الدكتور حسين ما بنفهمش في الزراعة، فجلال الله يبارك له هو اللي قايم على مصالحنا من سنين، من أيام الوالد الله يرحمه ما اتوفى. وكمان أنا بشتغل مدرس في مدرسة خاصة ودخلي الحمد لله كويس جداً، وبحب مهنتي جداً، وأتمنى إنك تعتبرني واحد من ولادك."
سالم: "ده شيء يشرفني يا ابني." عارف: "والحقيقة أنا كنت ناوي أزور سيادتك في طنطا عشان عاوز أفاتح حضرتك في موضوع يخصني، فيا ريت لو تحددلي معاد أجي لحضرتك فيه." سالم بفضول: "موضوع إيه خير؟ عارف: "كل خير إن شاء الله، على الأقل بالنسبة لي، ولو حضرتك وافقت هبقى سعيد جداً." سالم: "أنا مش فاهم حاجة." عارف: "معلش، يا ريت بس حضرتك تشرفني بتحديد معاد أجيلك فيه." سالم: "خلاص، ممكن تتفضل يوم الاثنين إن شاء الله في المكتب...
عارف مقاطعاً إياه: "لو تسمح لي، البيت هيبقى أفضل وأنسب للموضوع بتاعي." سالم بتفكير: "مافيش مشكلة، أهلاً وسهلاً." عارف: "يا ترى الساعة سبعة مساءً يناسب حضرتك؟ سالم: "أوي أوي، مافيش مشكلة." عارف: "أنا متشكر جداً لحضرتك." بالأعلى عند جلال وفؤادة. بعد أن فرغت فؤادة من تغيير ثيابها وغادرت غرفتها كي تتجه إلى الأسفل، وجدت جلال منتظراً إياها أمام غرفته وأشار لها بأنه يريد التحدث إليها. فدلفت خلفه وأغلقت
الباب والتفتت إليه قائلة: "خير، في حاجة وإلا إيه؟ جلال: "تفتكري عمك ممكن يوافق على عارف؟ فؤادة: "أعتقد إن الأستاذ عارف ما فيهوش حاجة تتعايب، محترم وأخلاقه عالية وجامعي ومثقف، وكمان بصراحة دماغه حلوة وبيعرف يشغل دماغه." جلال: "إزاي يعني مش فاهم؟ فؤادة: "يعني بصراحة دايماً بيحلل اللي بيحصل قدامه بعقل، ماهواش متسرع ولا من الرجالة اللي بياخدوا كل كلمة على صدرهم من غير تفكير." جلال وهو يحاول السيطرة على بادرة غضب بداخله:
"ها... وإيه كمان؟ فؤادة: "هقول إيه تاني، خلاص كده." جلال بنفاذ صبر: "طب أنا هحاول أصلح علاقتي بعمك على قد ما أقدر عشان نقدر نخطبله نهاد بقلب جامد." فؤادة: "إن شاء الله خير، ربنا يوفقهم." جلال: "وقررتي هتخلي عمك ومراته يباتوا فين؟ فؤادة: "لسه ما قررتش، بس هشوف، ربنا يسهل." جلال: "لما كانوا بيجولكم زمان، كانوا بيناموا إزاي؟ فؤادة بحنين:
"الحقيقة دي أول مرة نجتمع مع بعض هنا من ساعة بابا الله يرحمه ما مات، لكن لما كانوا بيجوا أيام بابا ما كان موجود، كانوا بيناموا في الأوضة اللي بتنام فيها والدتك مع ليلى، بس أنا ممكن أخليهم يباتوا في الأوضة اللي المحامي كان بايت فيها امبارح." جلال: "المحامي هيفضل هنا لحد ما التحقيقات تخلص؟ أثناء حديثهم، وجدوا من يطرق الباب. وعندما فتحت فؤادة، وجدت حسنة أمامها فقالت لها: "أهلاً يا أمي، اتفضلي." دخلت حسنة وأغلقت
الباب من خلفها وقالت: "الجماعة كلهم رجعوا والغدا جاهز، انتوا قاعدين هنا ليه؟ جلال: "أبداً، إحنا هننزل حالا أهو. هو حسين وعارف قرروا يعملوا إيه؟ هيسافروا وإلا قاعدين؟ حسنة: "هيسافروا بعد الغدا على طول." جلال وهو يوجه حديثه لفؤادة: "يبقى اتحلت، خليهم يباتوا هنا في أوضة والدك." فؤادة باقتناع: "ماشي." حسنة بتحذير: "اعملوا حسابكم...
مش هينفع أبداً الليلة دي بالذات كل واحد يبات في أوضة. عمك هيبقى مركز معاكم يا فؤادة، مش عاوزينه يحس بحاجة، مش ناقصين مشاكل." فؤادة: "ما أعتقدش إنه بعد ما عرف الهلالي على حقيقته إنه ممكن يزعل من اللي حصل أو يعمل مشكلة." حسنة بحكمة: "ما أعتقدش يا بنتي إن الحكاية سهلة كده زي ما إنتي متصورة، ومش عاوزين مشاكل قبل ما نشوف موضوع عارف ونهاد هيرسي على إيه." فؤادة: "طب يعني هنعمل إيه؟ حسنة:
"تحملوا بعض الليلة دي، وأهي ليلة وتعدي." فؤادة: "إزاي يعني يا أمي؟ حسنة: "اسمعوا الكلام، أنا أدرى منكم باللي ممكن يدور في دماغ عمك لو حس بحاجة. وإحنا بنلصم الليلة على ما نشوف حكاية عارف مع بنت عمك." فؤادة بامتعاض: "طب شوفوا حضرتك إيه اللي ممكن يتعمل وأنا هعمله." حسنة: "أنا وليلى هنبات في أوضتك، وعمك ومراته في أوضتي، وإنتي تباتي هنا مع جلال، لأن الطبيعي إنك تقعدي في أوضة والدك."
نظرت فؤادة إلى جلال، فوجدته يقف بصمت، ولم يعلق بأي كلمة. وفي النهاية قالت فؤادة بقلة حيلة: "ماشي يا أمي، وأهي ليلة وتعدي." بعد أن فرغوا من الطعام، ذهب الجميع إلى الخارج وجلسوا بالحديقة. وقص عارف على جلال وحسين كل ما دار بينه وبين سالم. وبعد قليل، هاتفهم المحامي وأبلغهم أن الزيني قد تحول إلى النيابة. جلس محمد بالقرب من والديه وأخذ يسأل والدته عن أحوالها فقالت له: "مراتك شكلها هادية أوي." محمد بمرح:
"ده بس عشان لسه ما أخدتش عليكم، لكن عايشة دايماً بتفكرني بنهاد وشقاوتها." أم نهاد: "ربنا يسعدكم يا ابني يارب، بس هو إنت هتفضل معانا وإلا ناوي ترجع تسافر تاني؟ محمد وهو ينظر لأبيه كأنه يستشف ما يدور بذهنه: "لسه ما قررتش يا ماما، ومش عارف إني هستريح هنا وإلا لأ." قال سالم بما يشبه السخرية: "ويا ترى إيه اللي هيقل راحة بالك يا دكتور عشان يخليك تسيب البلد باللي فيها وتهج من تاني؟
محمد وقد شعر بالراحة بعد أن وصل إلى مبتغاه بأن أشرك أباه في الحديث دون أن يبادره الحديث: "لسه مش عارف يا بابا إني هلاقي فرصة شغل تريحني وإلا لأ." قال سالم وكأنه يتحدث دون اهتمام: "لما تبقى تستقر على مكان يعجبك ابقى بلغني وأنا أتصرف." محمد: "الحقيقة أنا معروض عليا شغل في الجامعة." تهلل وجه سالم بلمحة فخر، ولكنه حاول جاهداً أن يخفيها وقال: "طب هو شغل الجامعة مش هيريحك يعني؟ محمد: "لأ، أنا أقصد الشغل التاني." سالم:
"شغل إيه؟ محمد: "أنا أكيد مش هكتفي بالجامعة، أنا عاوز أشتغل في مستشفى أو مصحة، أو حتى أعمل عيادة خاصة. يعني باختصار... عاوز أمارس مهنتي، ما يبقاش شغلي كله نظري وبس." سالم: "عموماً، إنت ممكن تشوف وتقرر وابقى بلغني، وأنا هشوف ممكن أساعدك إزاي." محمد بامتنان: "متشكر يا بابا." وعلى صعيد آخر، كان عارف وحسين يستعدان للمغادرة، بعد أن وصلت سيارة حسين بعد أن تم إصلاحها. ووقف الجميع لتوديعهم. وعندما جاء دور سالم لتوديعهم،
قال له عارف: "على معادنا إن شاء الله يا سالم بيه." سالم: "في انتظارك إن شاء الله." وعندما وصل عارف إلى نهاد، قال لها مداعباً بخبث: "أتمنى أما أشوفك المرة الجاية ما تكونيش اتعلمتي تركبي خيل لوحدك." نهاد بعدم استيعاب: "لأ طبعاً، أقع! يضحك عارف بشدة وهو يقول: "أشوف وشك بسرعة." نهاد: "اسمها أشوف وشك بخير." لينصرف عارف بصحبة حسين وهو لا يستطيع السيطرة على ضحكاته كلما تذكر تعليقات نهاد التي لا تخلو من العفوية الشديدة.
أما نهاد، فكانت تقف بوداعهم ومعها طبق من الفاكهة تأكل منه بنهم وهي تنظر في أثرهم بملامح تعتليها البلاهة. وكانت فؤادة ومحمد يراقبانها بمرح صامت، بينما سلمى تكاد تنفجر منها غيظاً. حتى قالت فؤادة موجهة حديثها لأبناء عمها: "بس أنا عاوزة أعرف انتوا نزلتوا الأرض كلكم كده تعملوا إيه؟ نهاد وهي تتناول التوت:
"كنا بنساعد العمال وهم بيصلحوا التخريب اللي حصل، ده شوية شوية كانوا هيكهربوا السور، وعلى فكرة المفروض تصرفيلي يومية على التعب اللي تعبناهولك النهاردة." فؤادة بمرح: "إنتي بالذات حقك وصلك بزيادة، ده إنتي كلتي نص التوت اللي كان على الشجرة لوحدك." عايشة: "أي والله فؤادة، نهاد فضلت تاكل التوت لحد ما صار لون تمها متل التوت." نهاد بسخرية مازحة: "تمها...
اسمه بقها، إنتي محتاجة كورس شعبي يا عايشة عشان تعرفي تعيشي على أرض الواقع." محمد: "لأ أبوس إيدك، إنتي بالذات مالكيش دعوة بيها، أنا عاوزها كده من غير كورسات." نهاد: "يا عم روح، إنت الخسران."
مع تقدم الوقت، انقسم المجلس إلى ثلاث جهات. جهة للرجال، وكانت تضم سالم والعم نبيل وجلال ومحمد، وكان بصحبتهم المحامي. وكانت أحاديثهم منصبة على الأراضي والزراعة، ولكنها كانت تتطرق في بعض الأحيان لما حدث من الزيني والهلالي بحق فؤادة دون التطرق لأي حديث عن الماضي.
والجهة الثانية كانت تضم فؤادة وسلمى ونهاد وعايشة، وكانت أحاديثهم ما بين قرب موعد ولادة عايشة وحياة فؤادة بعد الزواج، والتي كانت فؤادة تعطيهم عنها إجابات مبهمة مغلفة بالمرح. أما الجهة الثالثة، فكانت تضم حسنة وأم نهاد، والتي دارت أحاديثهم عن الأبناء وظروف كل منهم، واستمر الحديث بينهم بود حتى قالت حسنة متبسمة: "أنا والله من ساعة ما شفتك في المستشفى وقت إصابة فؤادة الله لا يعيدها، وإنتي دخلتي قلبي يا أم نهاد." أم نهاد:
"القلوب عند بعضها يا أم جلال، ربنا يديم المعروف." حسنة بابتسامة: "إن شاء الله هيدوم، وكنت محتاجة نفسك معايا في الحكاية دي." أم نهاد: "أنا معاكي يا حبيبتي طبعاً من غير كلام، ده أنا اللي مربية فؤادة ومعزتها عندي من معزة أخواتها بالظبط." حسنة: "هي كمان بتحبك أوي، بس الكلام المرة دي مش على فؤادة." أم نهاد: "أومال على مين؟ حسنة: "على نهاد." أم نهاد باستغراب: "نهاد بنتي... مالها؟ حسنة بابتسامة:
"عاوزة أخودها لعارف ابني.. إيه رأيك؟ أم نهاد بلبلة: "ده يوم المنى يا حبيبتي، بس إنتي أكيد فاهمة إن المواضيع دي أنا ما أقدرش أبداً أقول رأيي فيها من غير شورة أبوها." حسنة بضحك: "ومالك اتخضيتي كده ليه؟ ما تخافيش، عارف أخد معاد من أبو نهاد عشان يزوره ويطلب إيد نهاد، بس ما قاللوش على سبب الزيارة، بس إنتي مطلوب منك إنك تعرفي رأي البنت عشان بس نبقى عارفين إحنا واقفين فين بالظبط." أم نهاد بابتسامة:
"حاضر، هشاورها وهرد عليكي إن شاء الله." وعندما حان موعد النوم، اتجه كل منهم إلى الغرفة المخصصة له. واتجهت فؤادة إلى غرفة أبيها خلف جلال وهي تكاد تموت خجلاً. وما إن امتدت يدها لتغلق الباب خلفها حتى وجدت ماجدة أمامها ولونها شاحب وكأنها من الأموات. فقالت لها فؤادة بجزع: "مالك يا ماجدة.. عاملة كده ليه؟ في حاجة؟ ماجدة بخفوت: "دخليني الأول يا ست فؤادة وأنا هقول لك على كل حاجة."
لتجذبها فؤادة إلى الداخل وتغلق الباب وهي تتبادل النظرات مع جلال، ثم قالت لماجدة: "اقعدي وخذي نفسك وقوليلي إيه اللي حصل." ماجدة وهي تنشج بالبكاء: "الست ندا كلمتني وبهدلتني وقالتلي إنها هترمى أهلي كلهم في الشارع بعد ما تهد البيت اللي أوينا على دماغهم." فؤادة: "أنا مش قلتلك ما ترديش عليها مهما كلمتك لحد ما أنا أقول لك." ماجدة:
"والله يا ست فؤادة ما رديت عليها خالص، ده أنا لقيت سي أدهم جاي بيديني تليفون ماعرفش بتاع مين وبيقولي كلمي ماما." جلال وهو يوجه حديثه لفؤادة للتوضيح: "أدهم طلب من عارف تليفونه بعد العصر، وقال له إنه عاوز يكلم مامته وخاله، فاتصل له بكريم وسابله التليفون على ما يخلصوا كلام." فؤادة: "طب قالت لك إيه بالظبط وإنتي قلتيلها إيه؟ ماجدة:
"والنبي يا ست فؤادة ما لحقت أنطق، ده أنا يا دوب بقول آلو، لقيتها نزلت فيا شتيمة وبهدلة، وقالت لي إنها زي ما شغلتني تقدر ترميني في الشارع لو ما كنتش أكلمها الليلة دي ضروري بعد ما الكل ينام وأحكيلها كل اللي حصل هنا بالتفصيل من ساعة آخر مكالمة كلمتها لي، وأنا مش عارفة أعمل إيه، وأهلي اللي هيتبهدلوا دول، ده إحنا مصدقنا إن أمي ابتدت صحتها تتعدل شوية، تقوم تترمى في الشارع، ده إحنا غلابة يا ست فؤادة ومالناش غير ربنا."
فؤادة: "إنتوا ليكم أرض بتزرعوها وإلا حاجة يا ماجدة؟ ماجدة بسخرية: "ما كانش ده بقى حالنا يا ست." فؤادة: "طب والبيت اللي عايشين فيه مش ملككم؟ ماجدة: "لأ يا ست فؤادة، ده ملك عزت بيه أبو الست ندا، وعايشين فيه مع خالتي وجوزها وعيالهم، وعشان كده بتهددني بالطرد." فؤادة:
"خلاص، ما تقلقيش، أنا بكرة الصبح إن شاء الله هبعتك ليهم بعربية مخصوص تجيبيهم كلهم وتيجوا على هنا، والمزرعة الحمد لله مليانة شغل وخير، وإحنا هنا عندنا أماكن كتير ممكن تقعدوا فيها." جلال: "لأ يا فؤادة، ما تتعبيش نفسك، أنا هكلم عارف أخليه يتصرف لهم في بيت ناحية الأرض بتاعتنا، عشان أمها اللي كل شوية بتحتاج تروح تجيب علاجها دي." ثم نظر إلى ماجدة وقال لها: "هاتي تليفونك يا ماجدة وما تقلقيش." ماجدة ببكاء: "أمي يا سي جلال."
جلال بابتسامة حنونة: "ما قلت لك ما تخافيش بقى، وروحي إنتي يالا نامي." بعد أن خرجت ماجدة، نظرت فؤادة إلى جلال وقالت له: "هتعمل إيه؟ كان جلال يمسك بيده هاتف ماجدة وقام بالاتصال بأحد ما ثم ضغط على زر الاسبيكر وهو يقول لفؤادة: "هتعرفي دلوقتى." لتأتيهم صوت ندا وهي تقول بغضب: "يعني اتكلمتي يا زفتة؟ هو أنا لازم أقعد أدور عليكي وأهددك عشان تتكلمي؟
اتنيلى انطقي وقوليلي إيه اللي بيحصل عندك وما كنتيش بتردي على الزفت اللي في إيدك ده ليه؟ كان جلال يضغط بغضب على نواجزه وهو يسمع كلمات ندا اللاذعة، حتى انتهت من حديثها فقال لها بحزم: "عشان أنا قلت لها ما تكلمكيش يا ندا." ندا بشهقة مسموعة: "جلال." جلال:
"أيوه جلال يا بنت عمي، جلال اللي مصلط شغالة عندنا تنقلك أخباره، واللي كنت عشم إن لآخر لحظة إن يطلع ظني غلط وعمال أقول ندا بنت عمي لا يمكن تعمل كدة أبداً، أثرتي الغل عماكي وسيطر على قلبك وملآه بالسواد." ندا بانكار: "ما حصلش." جلال: "إنتي كنتي عاوزة إيه يحصل أكتر من كده؟
اسمعيني بقى، أنا مش هبلغ عمي بعمايلك السودا دي كلها عشان صحته مش أكتر، لكن قسماً بالله يا ندا إن ما احترمتي نفسك وعيلتك أنا مش هيفرق معايا حاجة. ويكون في معلومك، شريكك التاني اتقبض عليه." ندا بذهول: "شريكي؟ جلال بغضب وهو بيحاول إن صوته ما يعلاش: "أيوه شريك يا هانم، الزيني، اللي كنتي بتتآمري معاه على مراتي." ندا بدهشة: "مراتك يا جلال؟ جلال حس إن الكلمة طلعت منه عفوية من غير قصد، لكن ما حاولش يصححها أو ينفيها فقال لها:
"احمدي ربنا إننا لحد دلوقتي ما جبناش سيرتك في النيابة، إحنا عملنا كده بس عشان خاطر ولاد أخويا وسلوى بنتي، لكن أنا أقسمت إنك لو حاولت بس تعيدي الكرة، أنا مش هسكت يا ندا. و أه، حذاري ثم حذاري تحاولي تضايقي أهل البنت الغلبانة دي أو حتى خالتها اللي بتشتغل في بيتكم. أنا بنصحك لآخر مرة، لأن دي آخر مرة هعمل فيها خاطر لأي صلة بينا، وبعد كده ما تلوميش غير نفسك.. إنتي فاهمة؟
بعد أن انتهى جلال من حديثه لندا، أغلق الخط فوراً، فهو كان يعلم أنها لن تستطيع الرد عليه. وما إن فعل ذلك، قام بجذب هاتفه من جيب بنطاله وقام بالاتصال بعارف، وقص عليه ملخص ما حدث، وطلب منه أن يدبر بيتاً في نطاق حديقة الموالح خاصتهم، ليجعله سكناً لأهل ماجدة. وعده عارف بتدبيره في أسرع وقت ممكن، وطلب من جلال أن يدبر وقته لكي يكون بجواره عند خطبة نهاد من أبيها، فقال له جلال:
"حاضر يا حبيبي ما تقلقش، لسه قدامنا أسبوع بحاله، وإن شاء الله ربنا يقدم لك كل خير من عنده. و أه، معلش يا عارف هتعبك، يا ريت تكلم كريم وتعرفه آخر مصايب أخته عشان لو حاولت تأذي أهل ماجدة قبل ما إنت تعرف تتصرف، يقف لها." عارف: "ما تقلقش يا جلال، أنا هكلم عطوة حالاً يتصرف، وهقابل كريم الصبح وأفهمه على كل حاجة."
وبعد أن انتهى جلال من حديثه مع عارف، التفت لفؤادة فوجدها تجلس على الأريكة وهي تستند برأسها إلى الخلف والنوم يداعب عينيها بشدة، فقال لها باشفاق: "قومي غيري هدومك، ونامي لك شوية." فؤادة بشهقة مفاجئة: "ده أنا نسيت خالص أجيب لي هدوم من أوضتي، ونسيت أودي غيارات لعمي ومراته عمي."
ليضحك جلال بشدة، بينما قامت هي بتذمر وفتحت خزانة الملابس وقامت بإخراج منامة خاصة بوالدها، واتجهت بسرعة إلى الخارج، نحو غرفتها ودقت عليها دقة صغيرة ثم دلفت إليها فوجدت حسنة وليلى في سبات عميق، ففتحت خزانتها بهدوء وأخرجت منها منامة تناسب زوجة عمها وعادت إلى الخارج ودقت الباب على عمها، وعندما فتح لها عمها الباب قالت باعتذار: "أنا آسفة والله يا عمي، أنا نسيت خالص أجيب لكم غيار عشان تناموا."
ولكنها نظرت إليهم باستغراب عندما وجدتهم في ملابس بيتية مريحة، وقال عمها: "حماة جلال جابت لنا هدوم من بدري." فؤادة بتنهيدة: "الله يبارك لها، معلش قلقتكم، سامحوني.. تصبحوا على خير." ليجذبها سالم من يدها قائلاً: "تعالى ادخلي، أنا عاوزك في كلمتين." لتدخل فؤادة لتجد زوجة عمها تستقبلها بابتسامة طمأنة، فجلست بجوارها قائلة: "أؤمرني يا عمي." سالم: "ما جاتش مناسبة من ساعة ما وصلنا الصبح إني أقعد معاكي لوحدك، إنتي كويسة؟
فؤادة باستغراب: "أيوه يا عمي بخير الحمد لله، هو في حاجة قالقة حضرتك؟ سالم: "طبعاً إنتي اتجوزتي وخلاص ويمكن كلامي ده ما بقالوش قيمة، بس هل إنتي شايفة إن جوازك من جلال مع فرق السن وإنه أرمل وكمان موضوع رجله ده مناسب ليكي؟ أحست فؤادة بالذهول من حديث عمها، فهي لم تتوقع أبداً أن يحدثها في أمر زواجها في أي وقت كان. وعندما استجمعت تركيزها قالت بابتسامة رسمتها على وجهها تخفي بها اضطرابها:
"جلال طيب أوي يا عمي وابن حلال، وراجل بمعنى الكلمة، وموضوع رجله ده كان بسبب الحادثة اللي راحت فيها أم بنته، واللي لحد دلوقتي بيكن لها كل حب واحترام. ورغم ذلك شايل حمل أرضه وأرض أخواته كله على أكتافه، وأخواته ووالدته بيحترموه جداً وبيعتبروه كبيرهم بعد والدهم الله يرحمه." سالم باستغراب: "يعني اتجوزتيه وإنتي عارفة إنه لسه بيحب مراته وعادي كده مش فارق معاكي؟ فؤادة:
"تفتكر لما يفضل يحب مراته حتى بعد موتها كل السنين دي، ده يبقى معناه إيه غير إنه راجل مخلص وأمين؟ سالم: "طب وبنته، ليه ترضي إنك تبقي مرات أب وإنتي لسه في أول حياتك؟ فؤادة بابتسامة: "أنا أبقى مرات أب لسلوى...
طب دي سلوى دي الحاجة اللي بدعي ربنا إنه يديمها نعمة في حياتي وإنها تعتبرني زي مامتها الله يرحمها. سلوى بنت جميلة ورقيقة وذكية، وفوق كل ده يتيمة، أمها ماتت وهي بتولدها زيي بالظبط، أنا كل صلاة بدعي ربنا إنه ما يفرقناش." سالم: "يعني هو كان معرفك ظروفه كلها من قبل ما تتجوزي؟ فؤادة: "أيوه طبعاً." سالم: "وعرفتيه منين يا فؤادة؟
لتصمت فؤادة، فهي لم تعتاد على الكذب، ولا تريد أن تبدأ في الكذب أيضاً. إنها حقاً تخفي عن الجميع حقيقة زواجها ولكنها لم تكذب على أحد. سالم: "ما رديتيش يا فؤادة، عرفتيه منين؟ فؤادة: "ابن عمه كان زميلي في مكتب الترجمة اللي كنت بشتغل فيه في إسكندرية." سالم بسخرية: "ده الموضوع قديم بقى." أم نهاد وهي تحاول فك الحصار عن نهاد:
"قديم بقى وإلا جديد، أهي الحمد لله اتجوزت جدع ابن حلال وواضح عليه إنه بيحبها وصاينها وواخد باله منها، وده اللي يهمني." يومئ سالم برأسه بصمت لتنتهز فؤادة الفرصة وتنهض متجهة إلى الخارج قائلة: "هسيبكم تناموا بقى وأروح أنا كمان عشان أنام، تصبحوا على خير."
وعندما خرجت من الغرفة، تفاجئت بجلال وقد أبدل ملابسه وهو يقف مستنداً بكتفه على باب غرفة أبيها، لتعلم أنه قد سمع حوارها مع عمها بالكامل، فقد كان باب الغرفة مفتوحاً طوال الحديق. لينظر لها جلال نظرة غامضة وأشار لها بالدخول، وما إن أغلق باب الغرفة التفت إليها قائلاً: "ادخلي غيري ونامي على السرير، وأنا هنام على الكنبة. تصبحي على خير."
ولم يعطها أي فرصة للرد، حيث اتجه من فوره إلى الأريكة وتمدد عليها معطياً إياها ظهره، وتركها تقف في منتصف الغرفة وهي لا تزال تحمل بيديها الملابس التي ذهبت بها لعمها وزوجته.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!