الفصل 21 | من 30 فصل

رواية فؤادة الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم ميمي عوالي

المشاهدات
19
كلمة
5,318
وقت القراءة
27 د
التقدم في الرواية 70%
حجم الخط: 18

بعد أن اتجه جلال واستلقى على الأريكة معطيًا فؤادة ظهره دون أن يعطيها أي فرصة للحوار، وتدثر جيدًا حتى أنه لم يكن يظهر منه سوى بعض الشعيرات من رأسه كانت تطل من تحت حواف الدثار وكأنها تقاوم كي تأخذ قسطًا من الهواء.

ظلت فؤادة مكانها لبرهة بوسط الغرفة، تقف بذهول حاملة على يدها الملابس التي اصطحبتها إلى عمها وزوجته، وكانت تنظر إلى جلال بغيظ مكبوت. فقد كانت ترتب أمورها على أن تقضي ليلتها مستيقظة على الأريكة، فكيف لها الآن أن تقاوم النوم وهي جالسة على فراش واسع مريح كفراش أبيها. فؤادة في سريرتها وهي تزفر أنفاسها بخفوت:

الله يسامحك يا عمي، أنت السبب في كل اللي أنا فيه دلوقتي. كان لازم يعني أمسك فيه يبات معانا، ما كنت سيبته يرجع طنطا براحته، اديني اتحبست في أوضة واحدة مع الأستاذ جلال… بس معلش، كله يهون عشان خاطر الست نهاد، ربنا يسعدها ويتمم لها بخير يا قادر يا كريم.

ثم تنهدت واتجهت إلى الفراش، ووضعت ما بيدها، ثم جلست ورفعت قدميها تحت الدثار، فقد كان الطقس شديد البرودة. ولكنها شيئًا فشيئًا مالت بجسدها على الوسائد وهي تلف الدثار حول نفسها، وما هي إلا دقائق حتى راحت في سبات عميق.

كانت الأريكة التي يستلقي عليها جلال صغيرة إلى حد ما بالنسبة لطوله الفارع، فكانت بالكاد تتسع لجلال. ولكن ما إن حاول أن يفرد قدميه حتى وجد أنه لا يستطيع فعل ذلك من صغر الأريكة بالنسبة له. وما إن تقلب في نومته وهو يحاول أن يجد وضعًا مريحًا، إلا ووقعت عيناه على فؤادة، والتي كان شكلها مضحكًا للغاية. فأول ما جاء إلى ذهن جلال ما إن رآها، هي وجبة ورق العنب المحشو، فقد لفت فؤادة الدثار على نفسها بطريقة محكمة قد يفشل فيها أمهر طهاة محشو الملفوف وورق العنب.

وضع جلال كف يده على فمه يمنع صوت ضحكاته خوفًا أن يقلقها صوته. وظل على تلك الحالة لبعض الدقائق، وعندما هدأت ضحكاته، كانت عيناه على وجه فؤادة. يا الله، كم هي شديدة الشبه من حبيبته، ولكن شتان بين طبعهما. وعادت به الذاكرة إلى ذكرى ما في حياتهما. *** كان جلال جالسًا في بهو منزلهم بصحبة أمه وزوجته وكريم، وكان وقتها يوجد خلاف ما بين ندا وكريم، وكان كريم في حالة خصام تام مع ندا ولا يبادلها أي حديث. جلال:

مش هتكبر دماغك بقى يا كريم، أنت هتعمل عقلك بعقل الستات. كريم: يا عم ما تشغلش دماغك. جلال: يا ابني أنتم إخوات، ومالكمش غير بعض، ما يصحش كده. وبعدين ندا غلبانة، ما تقساش عليها بالشكل ده. كريم بسخرية: آه غلبانة فعلاً، كل شيء جايز. جلال وهو يوجه حديثه لهدى: ما تقولي حاجة يا حبيبتي لأخوكي ده تعقليه. حسنة ضاحكة:

مين دي، هدى، هدى آخر واحدة هتقول لحد فيهم حاجة، دايما تتفرج وتسكت، مهما كان الوضع مش عاجبها، ما بتحبش وجع الدماغ. هدى بهدوء: أبدًا يا ماما، مش كده أبدًا، بس هم الاثنين أخواتي، ولو طلعت حد غلطان الثاني هيزعل مني، وأنا ما بحبش حد يزعل مني. *** عاد جلال من الفلاش باك.

قارن جلال بين موقف هدى مع أخوتها وقت خصامهم، وبين موقف فؤادة مع عمها وابنه ومحاولاتها مرة بعد الأخرى أن ترم صدع خلافاتهما. واعترف بينه وبين نفسه، أن فؤادة تمتلك قوة وعزيمة لم تمتلكها هدى، فهدى كانت رقيقة.. هشة، وكانت دائمًا تخشى ردود الأفعال، وكانت قلما تعترض على حديث، خوفًا من غضب المحيطين بها. أما فؤادة، فهي صلبة.. قوية المراس، لا تكتم رأيها ولا تترك حق من حقوقها.

وأثناء عقده مقارنته، تذكر حادثة فؤادة مع مكتب الترجمة والتي قصها عليهم كريم، والتي لم يستطع جلال أن ينكر إعجابه بشجاعتها وتصميمها على عدم ترك ولو جزء بسيط من حقوقها، رغم دهشته الدائمة من تشبث يدها بملابسها أثناء الحديث، فهو يعلم جيدًا أن هدى أيضًا كانت تمتلك هذه المتلازمة، ولكن كان دائمًا ما يرجع تصرفها هذا إلى خجلها وخوفها الدائم. أما فؤادة.. فتملكته الحيرة الشديدة منذ أن رآها بسبب تلك المتلازمة.

حاول جلال الاستلقاء مرة أخرى ومحاولة النوم، والذي جافاه إلى أن بدأت ساعات اليوم التالي، بعدما تذكر حديث فؤادة مع عمها، وكم أثارت إعجابه وهي تحاول الرد على أسئلة عمها دون قول الحقيقة، ولكنها أيضًا دون أن تقول كلمة واحدة كذب، وتذكر دفاعها عنه وهي تثني عليه وتعدد لعمها مزاياه وخصاله الحميدة. وعندما كانت الساعة في تمام الواحدة صباحًا… أشفق النوم عليه وبدأ وصاله لسويعات قليلة.

تململت فؤادة في نومها وحاولت الاعتدال، ولكنها لم تستطع الحركة بسبب الطريقة التي دثرت بها نفسها، فأخذت تتحرك ذات اليمين وذات اليسار، حتى استطاعت الحركة وهمت بالنزول من الفراش، ولكن لسوء حظها أن الغطاء لم ينفك عنها بالكامل، فقد ظل عالقًا حول كف قدمها، وما إن حاولت الحركة حتى انكفأت على وجهها مصدرة صوتًا قويًا، وتأوهت بشدة، فما كان إلا أن نهض جلال مذعورًا على صوت الجلبة والتأوه، وما إن رآها متكومة أرضًا حتى أسرع إليها وهو يحاول مساعدتها

على النهوض وهو يقول: ايه اللي حصل.. في ايه؟ فؤادة بتأوه: اتكعبلت في حرف البطانية واتكفيت على وشي. ليتذكر جلال على الفور مظهرها وهي ملتفة بالغطاء، فقال وهو يكتم ضحكه بصعوبة شديدة: طب معلش، قومي قومي، حصلك حاجة؟ فؤادة وهي تمسد كتفها المصاب: اتخبطت في كتفي. جلال وبعفوية شديدة، امتدت يده إلى كتفها قائلاً: وريني كده، أوعى يكون الجرح انفتح تاني. ليبتعد فؤادة إلى الوراء قائلة بتوتر:

لا ماتقلقش، إن شاء الله خير، أنا هخلي محمد يبصلي عليها. جلال بحزم: لأ. فؤادة بدهشة: وليه لأ، ماهو مهما كان دكتور. جلال: خلي أمي تبصلك عليه، ولو لا قدر الله فيه حاجة، هوديكي المستشفى يشوفوا الدنيا فيها إيه. فؤادة بامتعاض من تحكمه الغير مبرر: طب لو سمحت عاوزة أدخل الحمام. جلال باستغراب: طب ما تروحي، عاوزاني أسندك ولا حاجة، أنتِ اتوجعتي للدرجة دي؟ فؤادة بغلظة: حضرتك واقف قدام باب الحمام، وسادد السكة.

ليلتفت جلال خلفه ليجد أنه بالفعل يسد عليها الطريق، فانزاح جانبًا ثم قال ببعض السماجة: طب يا ستي، اتفضلي، اديني وسعتلك السكة. لتتحرك فؤادة رأسها ذات اليمين وذات اليسار دلالة على قلة الحيلة، ودلفت إلى المرحاض وأغلقت الباب خلفها بقوة، لينخرط جلال في الضحك دون مراعاة لصوته العالي، فسمعته فؤادة من الداخل فزاد غيظها منه. وما إن خرجت من المرحاض ووقع بصرها على جلال، والذي ما إن رآها حتى انخرط في الضحك مرة أخرى فقالت له بغيظ:

ممكن أعرف أنت بتضحك على إيه؟ جلال وهو يحاول السيطرة على ضحكاته: أصل كان نفسي أصورك وأنتِ نايمة بالليل ولفه نفسك في البطانية وكنتي عاملة زي صباع ورق العنب المحشي، ده بوراك نفسه مايعرفش يعمل كده. لتبتسم فؤادة قليلاً ثم ضحكت هي الأخرى بشدة. فنظرت إليها جلال باستغراب، فكان يظن أنها ستغضب من حديثه، ولكن تفاجأت بها تقول:

ده أنا اللي كان نفسي أصورك وأنت حاشر روحك في الكنبة، وفارد البطانية كلها عليك، أكأنك مغطي قتيل، وشعرك يا عيني طالع من البطانية بيستغيث يا ولداه، ونفسه إن حد يلحقه. كان جلال يستمع إليها وهو يفتح عينيه على اتساعها، ويلامس شعره بكف يده كأنه يتأكد من حديثها، فما كان من فؤادة إلا أن علت ضحكاتها أكثر وهي تقول: لا لا لا… بجد مش قادرة، هفطس.

ثم اتجهت ناحية الفراش وجلست وهي تأخذ أنفاسها، وبعد أن هدأت رفعت رأسها اتجاه جلال بترقب، وقد شعرت أنها قد تجاوزت حدودها فقالت بلجلجة: أنا آسفة…. أنا شكلي زودتها أوي، بس أنا كنت بهزر… ارجوك ما تزعلش مني. جلال بسخرية مازحة: لو ما كنتيش عملتي كده كنت قلقلت عليكي، ما أنا خلاص عرفت إنك ما بتسيبيش حقك. فؤادة بابتسامة: يعني صافي يا لبن؟

ليشرد جلال سريعًا وهو يتذكر هدى، والتي كانت دائمًا تقول تلك الجملة عندما يتصالحان بعد خصام لم يدم أبدًا أكثر من نصف ساعة. وعندما لاحظت فؤادة شروده قالت: شكلك لسه زعلان. جلال وهو ينفض رأسه: لأ أبدًا. فؤادة: طب أنا هصلي الفجر. جلال وهو ينهض من مكانه: استنى أما أتوضى ونصلي سوا، وبعد الصلاة تروحي لأمي تبصلك على كتفك، زمانها صحت، والمفروض الدكتور يبص عليكي عشان تبتدي العلاج الطبيعي. فؤادة: إن شاء الله. ***

كان سالم وزوجته يستعدان للمغادرة، وكان الجميع في وداعهم. حسنة وهي تحتضن أم نهاد: والله هتوحشيني يا أم نهاد، يعلم ربنا أنا حبيتك أد إيه. أم نهاد: والله وأنتي كمان يا أم جلال، إن شاء الله الوجوه تتلاقى على خير وما يحرمناش من اللمة الحلوة دي. حسنة: لما نرجع طنطا إن شاء الله لازم تشرفونا في بيتنا وتنورونا. أم نهاد: يا حبيبتي يجعله عامر دائمًا بأصحابه ومنور بيكي. حسنة وهي تغمز بعينيها بمرح:

يا أختي أنا عاوزاه ينور بالعروسة. أم نهاد: ربنا يا حبيبتي يقدم كل خير ويسر الأحوال. سالم: ابقى هات مراتك، وتعالى عشان تعرفها مكان أبوك وأهلك يا دكتور. محمد: أكيد طبعًا يا بابا إن شاء الله، أول ما نرجع طنطا بعد ما البنات يشبعوا من بعض. سالم لعايشة: وإنتي خدي بالك من روحك ومن أكلك، أنا عاوز حفيدي تبقى صحته بمبة. عايشة بابتسامة: على راسي يا عمو.. عويناتى. سالم موجها حديثه لفؤادة:

وإنتي يا فؤادة لو في أي وقت احتاجتي حاجة.. كلميني على طول. فؤادة بابتسامة: طبعًا يا عمي، ربنا ما يحرمناش منكم. أم نهاد لابنتيها: وإنتو هترجعوا امتى؟ نهاد: يومين كده، ما خلاص إجازة نص السنة هتخلص آخر الأسبوع، ممكن نيجي على الخميس أو الجمعة إن شاء الله. سالم: خدوا بالكم من بعضيكم. نهاد وسلمى: حاضر يا بابا. جلال: شرفتنا يا سالم بيه، كان نفسنا نتأنس بيك أكتر من كده. سالم:

الجيات كتير، ولما ترجعوا طنطا بالسلامة، ابقوا خلوني أشوفكم. جلال: أنا إن شاء الله هكون عند حضرتك يوم الاثنين اللي جاي مع عارف. سالم: تنوروا… أنا في انتظاركم إن شاء الله.

وبعد أن غادر سالم المزرعة التفتت حسنة لتعود إلى الداخل فوجدت نهاد تلعب الكرة مع سلوى وأدهم، ووجدت سلمى تحمل ليلى وهي تداعبها وتضاحكها كعادتها منذ أن أتوا إلى المزرعة، وليلى مستمتعة جدًا لدرجة أنها تنحني على سلمى لتقبلها بوجنتها بين الفينة والأخرى، وكلما تفعل ليلى ذلك تعلو ضحكات سلمى وهي تقول: يا خراشي على العسل والسكر اللي بقى ينقط من وشي.

ابتسمت حسنة على نقاء سريرتهم وحب أحفادها لهم، ثم اتجهت إلى المطبخ لتتابع عمل الغداء. كان المحامي قد انصرف متوجهًا إلى نقطة الشرطة ليتابع مستجدات الأمور، أما محمد وعائشة فكانوا يتابعون اللعب وهم يضحكون، وانسحبت سلوى من اللعب وذهبت اتجاه فؤادة قائلة: مش هتجيبي لنا توت النهاردة يا طنط؟ فؤادة بمشاكسة: تدفعي كام؟ سلوى وهي تحتضن فؤادة بحب: هديكي حضن وبوسة. لتضحك فؤادة وتقول: سعر مغري الصراحة، حاضر يا ستي.

وما إن التفتت فؤادة لتتجه إلى شجرة التوت حتى أوقفها جلال قائلاً بنبرة حازمة: وإنتي بقى فاكرة إني هسيبك تطلعي على الشجرة بكتفك ده تاني؟ فؤادة: ما خلاص اتطمنت عليه والحمد لله ما حصلوش حاجة. جلال بتصميم: لأ برضة ما فيش شعبطة على الشجرة تاني أبدًا لحد ما تخفي. محمد بفضول: وإنتي كتفك حصل له إيه تاني يا فؤادة؟ فؤادة بامتعاض: اتخبطت فيه الصبح. محمد: يبقى جلال عنده حق، خفي على روحك شوية، ثم أشار إلى سلوى قائلاً:

تعالي يا ست لولو أنا هجيب لكم التوت. واتجهت فؤادة بغضب من تحكمات جلال إلى داخل المنزل. ليعلو رنين هاتف جلال، وعندما نظر إلى الهاتف وجد أن المتصل هو عارف، فرد قائلاً: السلام عليكم، أزيك يا عارف؟ عارف: وعليكم السلام، الحمد لله أنتم أخباركم إيه؟ جلال: تمام، ما فيش جديد. عارف: أنا حبيت أقول لك إن عطوة دبر لك البيت اللي وصيتني عليه، موجود قرب جناين الموالح زي ما طلبت. جلال: ويا ترى جاهز على السكن ولا محتاج لسه شغل؟ عارف:

أنا شفته، هو بالطوب الأحمر، ومتبييض بياض على قد الحال، بس ممكن يتقعد فيه من دلوقتي لو عاوز. جلال: تمام، هبعت لك عنوان الناس اللي هتقعد فيه، وتبعثلهم عربية تاخدهم من مكانهم لحد باب البيت، وخلي عطوة يشوف إذا كانوا محتاجين حاجة يجيبها لهم. عارف: تمام، وكمان حبيت أعرفك إني اتكلمت مع كريم وعرفته باللي حصل. جلال: والنتيجة؟ عارف: الله أعلم، بس هو أول ما عرف مشي بسرعة، وكان شكله على آخره، واللي يشوفه يقول هيقتل له قتيل.

جلال: هو حر في أخته بقى. عارف: وإيه أخبار الجماعة عندك؟ جلال ضاحكًا: بيسلموا عليك. عارف ممتعضًا: يعني يرضى ربنا إنك تبقى قاعد وسط الكل، وأنا بوزي في بوز حسين. جلال مازحًا: لو حسين سمعك هينفخك. عارف: وعلى إيه، أنا هروح أشوف موضوع عطوة والعربية، وربنا حليم ستار.

بعد أن أغلق جلال الهاتف، اتجه إلى الداخل، باحثاً عن ماجدة، فاتجه إلى المطبخ، فوجد فؤادة تجلس على أحد المقاعد معطية ظهرها إلى الباب، ووجد ماجدة تقف خلفها وعلم من حديثهم أن ماجدة تجدل لفؤادة شعرها وكانوا يتحدثون بمرح. ماجدة: الصراحة يا ست فؤادة شعرك بسم الله ما شاء الله طويل أوي، ده الضفيرة واصلة لحد وسطك. أم إبراهيم: قل أعوذ برب الفلق. فؤادة ضاحكة:

الحقيقة يا ماجدة أنا مش عارفة أودي جمايلك فين، اصبري بس عليا لما أخف، وأنا هعملك شعرك كل يوم فورمة شكل. ماجدة ضاحكة: صلي على النبي في سرك يا ست فؤادة، ده أنا شعري ممكن تقعدي تعديه كده شعراية شعراية. حسنة: ابقى فكريني أما نرجع طنطا أوديكِ لدكتور يعالج لك شعرك العيان ده. ماجدة وهي تمص شفتيها: لأ هو الشعر راخر له دكتور، إلا ما بنروح للدكتور واحنا بنفرفر، هنروح وشعرنا بيقع يا ست الحاجة. أم إبراهيم:

أهو تبقى روحتيله وخلاص، إنتي طايلة. لتتحرك ماجدة من خلف فؤادة وهي تتجه إلى صنبور المياه، وكانت فؤادة تنهض من مكانها وهي تبحث عن حجابها لتلتفت بوجهها إلى اتجاه جلال ليقف متأملاً إياها. كان وجهها باسماً مشرقاً، صبوحاً، لم يكن شعرها ناعماً، فبرغم الجديلة إلا أن غرتها كانت تحتضن وجهها بطريقة محببة.

و فؤادة تحاول إزاحتها وحبسها وراء أذنها، كي تستطيع وضع حجابها، وما إن رفعت رأسها حتى وجدت من يراقبها في هدوء تام فما كان منها إلا أن رمت حجابها فوق رأسها سريعًا وهي تستعمل كلتا يديها دون أن تنتبه لحركتها، فما كان إلا أن أصدرت صرخة من أثر الألم المفاجئ نتيجة حركتها الغير محسوبة، ليسرع إليها جلال قائلاً بلهفة وغيظ: كتفك وجعك مش كده، ما حدش أبدًا يعمل كده. فؤادة بتأوه ونظرة ذات مغزى: وما حدش أبدًا برضة يعمل كده.

حسنة كانت تقف وتنظر إليهم ولا تفهم منهم شيئًا فقالت باستغراب: هو إيه اللي كده وكده، إيه اللي حصل، وإنتي كتفك ماله، ما أنا بصيت لك عليه ولقيته كويس. فؤادة بخفوت: أصل نسيت وحركت دراعي مرة واحدة وعشان كده وجعني. جلال بغيظ: تبقي تاخدي بالك. لتنظر له فؤادة وهي تحاول كبت غضبها فقالت: انت كنت جاي عاوز حاجة؟ جلال متذكراً: آه، كنت هنسى، ومد يده بالهاتف لماجدة قائلاً:

كلمي حد من عندك وبلغيهم إن في عربية هتروحلهم تاخدهم النهاردة تنقلهم بيت تاني. ماجدة بلهفة: هنخرج من البلد يا بيه؟ جلال: لأ، بس هتروحوا الناحية التانية، ولما يوصلوا بالسلامة قوليلهم يبلغوا عطوة بكل اللي هيحتاجوه وهو هيتصرف ويدبرها لهم. لتنحني ماجدة على يد جلال في محاولة لتقبيلها، إلا أنه منعها قائلاً: أنا ما بحبش الكلام ده يا ماجدة، يالا شوفى هتكلمي مين. ماجدة بقلق:

ما فيش غير خالتي، هي بس اللي حدانا عندها محمول زي اللي أديتهولي الست ندا، وأخاف أكلمها الست ندا تعرف وتطين عيشتها. حسنة: خلاص ما تخافيش، أنا هكلمها وأفهمها تعمل إيه، وخليكي إنتي بعيد عن الحكاية دي. ماجدة بحب: الهي ربنا يجبر خاطركم ويكفيكم كل شر يارب. فؤادة بفضول: هو إنتو بقى يا ماجدة في بيتكم يعني، عندكم عفش هيحتاج يتنقل، أقصد يعني هيحتاجوا وقت عشان يوضبوا حاجتهم؟ ماجدة بسخرية:

الله يباركلك يا ست فؤادة، عفش إيه بس، ده هو شوية حصير، وكنبتين. فؤادة بمرح: تصدقي إني بحب الحصير ده أوي، وكثير كنت أروح أقعد مع الخالة سعدية وتروح عليا نومة، ويا سلام بقى لما أصحى ألاقي وشي ودراعاتي متقسمين من علامات الحصيرة عليها. ثم اتجهت إلى الخارج قائلة: يالا بقى خلصوا الأكل، على ما أروح أبص على الأرض وأرجع، ثم نظرت لجلال وأشارت له أنها تريد أن تتحدث إليه. فذهب خلفها وما إن وصلوا إلى الخارج قالت:

من فضلك ممكن أبعت مبلغ لعم عطوة، عشان يفرش لهم البيت، واضح إن حالتهم صعبة أوي. جلال: ما تقلقيش، أنا هتصرف. فؤادة باعتراض: انت اتصرفت في البيت ورفضت إني أجيبهم هنا، سيبني بقى أساهم بده، أنا كده كده كنت عايزة أطلع صدقة على روح بابا، وما فيش أحلى من كده. جلال: خلاص يا ستي، زي ما تحبي. فؤادة: خلاص أنا هجيبلك الفلوس قبل ما أروح أبص على الأرض. جلال: هنبص على الأرض سوا، لأني عاوز أطمن إن كل حاجة تمام قبل ما أسافر لعارف.

فؤادة بلهفة: انت هتسافر؟ جلال: لازم أحضر مع عارف مقابلة عمك. فؤادة: أيوة طبعًا، عندك حق، وكمان أنا عطلتك وبعدتك عن أرضك وشغلك كتير، حقك عليا. جلال: أنا جيت هنا برغبتي يا فؤادة، ما حدش أجبرني، وتأكدي إني هكون دائمًا جنبكم. *** مرت الأيام سريعًا، وعلموا من المحامي أن النيابة أمرت بحبس الزيني خمسة وأربعين يومًا على ذمة التحقيقات، بعدما ثبت بشهادة الشهود أنه كان وراء عمليات التخريب التي حدثت بمزرعة فؤادة بالكاميرات.

ومع نهاية الأسبوع حان موعد عودة سلمى ونهاد إلى منزلهم مرة أخرى، وبالطبع كان محمد وعائشة بصحبتهم. وعندما حان وقت الوداع، وبعد أن صعدت الفتيات إلى السيارة التفت محمد إلى فؤادة واحتضنها قائلاً: أنا خلاص مش راجع فرنسا تاني، يعني وقت ما أوحشك هتلاقيني، ثم قال وهو يداعب يدها المصابة المتشبثة بملابسها: وعاوز أقعد معاكي كام جلسة كده عشان نخلص من القفشة دي… ولا إيه؟ فؤادة بمرح:

هو أنت عشان مش لاقي عيانين، هتيجي تسترزق مني أنا؟ محمد وهو يضرب جبهتها بخفة: بطلي عند، واسمعي الكلام، كنت فاكر إن الحكاية دي قربت تخلص، لما لاحظت إنها قلت أوي عن الأول، لكن أهي رجعت تاني أهو زي ما كانت بقالها تلات أيام. ثم مال عليها مقبلاً رأسها وقال بحنان: صدقيني، ده عشان مصلحتك. كان جلال يستمع لكل كلمة بوضوح، ها قد علم أن وراء متلازمة يدها سرًا، ووجد بداخله فضولًا شديدًا لمعرفة ذلك السر.

كان جلال كل يوم يذهب مع العم نبيل لمتابعة الزرع، واحتياجاته ومستلزماته، وكان يجلس مع المهندس الزراعي المسؤول، وكانت فؤادة معه في كل خطوة. حتى جاء يوم الأحد صباحًا موعد عودة جلال إلى طنطا. كان الإفطار صامتًا حزينًا لا يتخلله إلا حديث الصغار، فكانت فؤادة تشعر بالحزن لفراقهم، فقد أحست أن المزرعة تشع بالحياة في وجود الجميع، ولكنها بدأت في وداع الجميع واحدًا تلو الآخر.

أما جلال فكان بالرغم من علمه بأن خطر الزيني قد زال وأنه لم يعد هناك أي خوف منه وهو وراء القضبان، إلا أنه كان يشعر بغصة لتركه إياها وحيدة في هذا المكان والذي برغم كل العاملين به إلا أنه بعيد عن العمران والأهم أنه بعيد عنه. أما حسنة فكانت صامتة احترامًا لصمتهم، حتى نهضت سلوى من مكانها وذهبت إلى جوار فؤادة وقالت: هو إنتي يا طنط هتفضلي هنا ولا هتيجي معانا؟ فؤادة وهي تحاول الوصول إلى صوتها: لأ يا سلوى… هفضل هنا.

سلوى بحزن: طب ليه هتفضلي لوحدك، ما تيجي معانا. فؤادة: للأسف… ما ينفعش. حسنة: وليه لأ يا بنتي، ما تيجي معانا، واديكي اطمنتِ على أرضك وكله تمام أهو الحمد لله. فؤادة: هنا مكاني يا أمي، ومهما روحت هنا أو هنا، مسيري هرجع هنا من تاني، يبقى لزمته إيه. لتحتضن سلوى فؤادة وهي تبكي وتقول: طب خلاص، خليني هنا معاكي. لتمتلئ عينا فؤادة بالدموع وتنظر باستجداء لجلال وتقول: يا ريت يا سلوى، بس بابا لازم يوافق الأول.

لتلتفت سلوى إلى أبيها قائلة وهي تمسح عينيها بكفوفها: أنا عاوزة أفضل مع طنط فؤادة يا بابا لو سمحت. ليقول جلال، وهو ينظر لفؤادة: أيوة يا سلوى بس طنط فؤادة مش هتبقى فاضية، أو ممكن تتضايق عشان هتعطليها أو تشغليها عن المزرعة. لتقول فؤادة بلهفة وهي تمد كف يدها لتزيح دموعها بعيدًا عن وجهها: بالعكس، ما تقلقش خالص، وبعدين أنا وسلوى هنسلي بعض، ووقت ما هي تزهق أو توحشوها هتصل بيكم على طول حد يجيلها ياخدها ليكم. أدهم باعتراض:

طب وأنا، أنا كمان عاوز أفضل مع سلوى. حسنة: إنت لازم ترجع معانا يا حبيبي عشان مامتك عاوزة تشوفك، ولا ما وحشتك؟ أدهم: طب لما أشوفها أجي تاني عند طنط فؤادة. فؤادة: وأنا هستناك يا حبيبي. سلوى بفضول وهي تنظر لابيها: خلاص يا بابا، هتسيبني هنا مع طنط؟ جلال بتنبيه: بس اعملي حسابك لو عرفت إنك اتشاقيتي أو عملتي أي مشكلة، مش هجيبك هنا تاني. لتحتضن سلوى فؤادة بيديها قائلة: أنا مش هعمل أي حاجة وحشة وهسمع كل الكلام.

جلال موجها حديثه لفؤادة: أنا هسيب سلوى معاكي تونسك، على ما نشوف هنعمل إيه في موضوع عارف، وهرجع عشان آخدها. وقبل انصرافهم أكد جلال على فؤادة أن تجعل هاتفها قريبًا منها باستمرار لكي يستطيع الاطمئنان عليها وعلى سلوى. وأوصى العم نبيل عليهم، وكذلك ماجدة التي تركها مع فؤادة لتقوم على تلبية طلباتها وخدمتها.

وصعد إلى سيارته وقادها متجها إلى الخارج وعيناه مصوبة على مرآة السيارة يراقب فؤادة ويدها الحرة تحتضن سلوى، أما الأخرى المعلقة فرآها تتشبث بقوة بأطراف وشاحها، بينما تغرق العبرات وجهها بشدة.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...