الفصل 1 | من 30 فصل

رواية فؤادة الفصل الأول 1 - بقلم ميمي عوالي

المشاهدات
20
كلمة
3,003
وقت القراءة
16 د
التقدم في الرواية 3%
حجم الخط: 18

في نهارٍ مليءٍ بالغيوم بأحد أيام الشتاء، والذي ينذر بطقسٍ ممطرٍ شديد البرودة، وفي بلدةٍ ريفيةٍ على أطراف محافظة الغربية، كان هناك منزلٌ يقع بوسط الزروع يوحي مظهره بالجمال والأصالة. كان منزلًا مكونًا من طابقين يحتضنه سياجٌ أنيقٌ من الحديد المشغول، والذي يسمح لمن بداخله بمراقبة كل ما يدور بالخارج والعكس أيضًا، وكان يسكنه ثلاثةٌ من الرجال مع والدتهم بعد وفاة أبيهم منذ عدة سنوات.

ليقوم جلال، وهو الشقيق الأكبر والذي يبلغ من العمر ثلاثًا وثلاثين عامًا، على شؤون عائلته من مراعاة مصالحهم، والأخ الأوسط عارف وهو يعمل بالتدريس ويبلغ من العمر اثنتين وثلاثين عامًا، بينما الأخ الأصغر حسين والذي يبلغ ثلاثين عامًا فهو يقوم بالعمل في أحد المستشفيات الحكومية بعد أن تخرج من كلية الطب وانتهى من التكليف الحكومي منذ ثلاث سنوات.

تزوج جلال وحسين من بنات عمهما هدى وندا، وعاشا ما يقرب من العامين وهما لا يحسبان للزمن أي حساب حتى كان يوم ميلاد سلوى ابنة جلال لتموت أمها هدى أثناء ولادتها لينقلب حال الجميع.

فعندما فاجأتها آلام الولادة كانت ليلةً ممطرةً من ليالي الشتاء، فأسرع بها جلال إلى سيارته وهو يحاول طمأنتها ورفض أن يصطحب والدته معهم، وأثناء الطريق انحرفت بهم السيارة بسبب الطريق والأمطار لتصطدم السيارة بشدة بسيارةٍ أخرى مسرعة. صدمت سيارة جلال بشدة من الخلف لتنجرف السيارة من جلال وتصطدم مرة أخرى بعنف بشجرةٍ ضخمةٍ على شاطئ ترعة وكادت سيارة جلال أن تتهاوى في الترعة لولا ستر الله، وعند نقلهم إلى المستشفى لم يتمكن الأطباء من إنقاذ هدى والتي أثر الحادث عليها بشدة ولكن الله أراد أن ينقذ مولودتها، وترك الحادث أيضًا أثرًا على قدم جلال الذي قام الأطباء بتركيب بعض الشرائح والمسامير بها لتصاب مشيته بعرجةٍ ملحوظةٍ تؤثر على سرعته في السير.

وقد كانت هدى فتاةً رقيقةً، جميلةً، حلوة المعشر، ومن بعد موتها حزن عليها زوجها حزنًا كبيرًا لم يفارقه حتى الآن رغم مرور أربع سنواتٍ على رحيلها. أما حسين وندا فقد رزقهم الله بطفلين جميلين، أدهم أربع سنوات وليلى.. والتي لم تكمل العامين.

أما عارف فكان شابًا يعلم كيفية التعامل مع معطيات الحياة، فكان يجيد التعامل مع كل ما حوله وكل من حوله، ولكنه كان يرفض الزواج متعللًا بأنه لم يقابل بعد من يمكنها أن تمتلك قلبه كي يسلمها زمام أموره. وكان والد جلال وعارف وحسين يمتلك مساحاتٍ كبيرةً من الأراضي الزراعية والتي كان جزءٌ كبيرٌ منها عبارةً عن أشجارٍ للموالح وبقية الأراضي يقومون بزراعتها بالمحاصيل المصرية المتعارف عليها.

وأصر جلال وهو الحاصل على بكالوريوس التجارة على أن يستمر كل شيءٍ على ما هو عليه، وكان يقوم على رعاية الجميع طوال اليوم إلى أن يأتي المساء ليذهب إلى غرفته ويغلق بابها. ليفتح باب ذكرياته وأحزانه.

أما سلوى فكانت تنعم بحنان جدتها وخالتها رغم افتقادها لحنان أبيها والذي يعتبر نفسه سببًا في موت والدتها فكان قلما يجالسها أو يلهو معها مثلما يفعل أخيه مع أطفاله، وكانت جدتها وخالتها تحاولان بذل كل مجهودهما لتعويضها عن حنان والدها وفقد أمها.

كان الجميع قد انتهى من تناول الإفطار، واتجه حسين إلى عمله بالمستشفى، وكانت سلوى تجلس بأحضان جدتها وهي تراقب والدها وهو يحتسي قهوته بتركيزٍ شديدٍ وهي تقلد حركة يديه واتجاه بصره تحت نظرات جدتها الحنونة وابتسامتها لأفعالها الطفولية. حسنة بحنان: بتعملي إيه يا سلوى؟ سلوى بخفوت وهي تتصنع صوت ارتشاف بشفاهها: بشرب قهوة زي بابا. حسنة ضاحكة: وهي فين القهوة دي؟ سلوى: مش لازم، هو كده بس.

وما إن نظر لها جلال بطرف عينيه حتى توقفت على الفور عن تقليده ونكست رأسها أرضًا، لينتهي جلال من قهوته وينهض متجهًا إلى الخارج وهو يحدث حسنة قائلًا: أنا رايح أطل على جنينة الموالح يا أمي، محتاجة حاجة؟ حسنة بحزن على حال ابنها وحفيدتها: عاوزة سلامتك يا ابني، بس ما تعوقش يا جلال، لا بينها شكلها كده هتمطر جامد يا ابني. جلال وهو متجه إلى الخارج: ما تقلقيش، كله خير إن شاء الله. لتنادي سلوى على أبيها بوجل قائلة: بابا.

ليلتفت جلال إليها في صمت منتظرًا أن تكمل حديثها لتقول مرة أخرى: عاوزة أركب معاك الكاريتة. جلال بجمود: لأ. لتدمع عينا الصغيرة وتعود بعينيها للنظر أرضًا لتقول حسنة بحنان وهي تربت على رأسها: الدنيا هتمطر يا سلوى وما ينفعش حد يخرج النهاردة أبدًا. لتومئ الصغيرة رأسها في صمت وكأنها اقتنعت بحديث جدتها وظلت على وضعها حتى تركهم جلال متجهًا إلى الخارج.

خرج جلال من المنزل وقام بركوب الكاريتة الخشبية والتي يقودها زوجٌ من الخيول بمساعدة أحد العاملين لديه ويدعى عطوة، وقد كان بمثابة ذراع جلال اليمنى، فكان يرافقه في جميع أعماله وقلما كان يغيب عنه أو عن خدمته.

وقام جلال بالتوجه إلى حديقة الموالح بمساعدة عطوة، وعند وصولهم إلى هناك لمح جلال فتاةً غريبةً لم يرها أبدًا من قبل تجلس أرضًا على جانب الطريق تحت شجرة برتقال وهي تحتمي من سخات الأمطار التي بدأت في الهطول وهي تراقب الطريق وتتلفت ذات اليمين وذات اليسار، ورغم أن مظهرها قد أثار ريبة جلال إلا أنه لم يعر الأمر اهتمامًا، وذهب مع عطوة إلى متابعة جمع محصول الموالح وتعبئته وتجهيزه لتوصيله إلى التجار.

وما إن مرت ساعةٌ واحدةٌ حتى بدأت الأمطار في الهطول بوضوح، وكانت شديدةً نوعًا ما، ولكنها استمرت واستمرت دون انقطاع لأكثر من ساعتين حتى امتلأت الطرقات بالمياه والطين، فقال عطوة: مش كفاية كده النهاردة يا سي جلال، أحسن الناس غرقت وما حدش هيعرف يروح بالساهل. جلال وهو ينظر للسماء وكأنه يحاول معرفة متى

ستتوقف عن تدفق أمطارها: وشكلها كده لسه هتشد يا عطوة، خلاص دخلوا بس اللي اتجهز ده على المخزن وغطوه بالمشمع كويس، ونبقى نشوف هنكمل أمتى. عطوة بصوتٍ عالٍ: دخلوا اللي جهز ياللا على المخزن يا رجالة، واتجه مع العاملين إلى الداخل حتى يشرف على تخزين ما قد تم جمعه من المحصول وتأمينه بعيدًا عن مياه الأمطار.

وعندما انتهوا كان قد مر عليهم ساعةٌ أخرى وقد اشتدت الأمطار وقامت السماء بإرسال رعدها وبرقها لتزداد هيبة الطقس في نفوس متابعيه. وما إن انتهى جلال وعطوة حتى قاموا بإغلاق المخزن بعد تأمينه ومحاسبة العمال ثم عادوا إلى الكاريتة مرة أخرى ليعودوا إلى المنزل وما إن عادت الخيول إلى الطريق مرة أخرى حتى قال عطوة بانتباه: ده إيه اللي متكوم تحت الشجرة اللي هناك ده؟

لينظر جلال إلى موضع إشارة عطوة ليجد أن الفتاة التي لفتت نظره عند قدومهم ممددةً أرضًا في نفس مكانها ومن يراها من على بعد يعتقد أنها قد فارقت الحياة. ليهبطا من العربة ويتجهان إليها في حذر لينحني عليها جلال وهو يهز كتفيها ليجد جسدها كلوحٍ من الثلج المبلل ترتجف بشدة وهي تردد بعض الكلمات المبهمة، وملابسها تعتصر من الماء ليقول جلال: دي شكلها زي اللي مغمى عليها بس بتخطرف رغم إن جسمها متلج.

عطوة: والعمل يا سي جلال أشيلها أحطها في العربية واللا إيه؟ جلال بتساؤل: أنت تعرفها؟ عطوة: ولا عمري شفتها قبل كده، شكلها كده غريبة عن البلد دي، بس لو سيبناها مطرحها كده هتموت. جلال: خلاص هاتها أما نشوف حكايتها إيه دي كمان. ليقوم عطوة بحملها حتى وضعها على أرضية العربة واتجهوا مرة أخرى إلى المنزل.

وما إن وصلوا إلى المنزل حتى حملها عطوة مرة أخرى وذهب خلف جلال الذي ما إن دخل المنزل حتى صاح مناديًا على أمه التي وجدها تجلس في قاعة المنزل كما تركها مع صغيرته. جلال: يا أمي، في بنت غريبة لقيناها واقعة مغمى عليها على الطريق. حسنة وهي تنهض مقتربةً من عطوة وهو يحمل الفتاة: لا حول ولا قوة إلا بالله، يا ضنايا يا بنتي، دخلها يا عطوة على أوضة الضيوف على ما أشوف لها حاجة نلبسها لها بدل الهدوم اللي غرقانة ماية دي. ثم ذهبت

وهي تنادي على زوجة حسين: يا ندا. ندا: أيوه يا مراة عمي. حسنة: هاتي لي يا بنتي غيارات من أوضتي بسرعة وتعالي على أوضة الضيوف أنتِ وأم إبراهيم، وهي الخادمة التي تساعدهم في شؤون المنزل.

وما إن انتهت من حديثها حتى ذهبت خلف عطوة وما إن وضعها عطوة على الفراش وتركها وذهب إلى الخارج إلا وبدأت في إزاحة الملابس المبللة عن جسد الفتاة وهي تضع فوقها الأغطية لتعيد إليها بعض الدفء، وما إن وصلت ندا بالملابس حتى قاموا بإلباسها إياها وتغطيتها جيدًا. حسنة: روحي يا أم إبراهيم هاتي لي طبق شوربة سخن وكوباية عصير، وأنتِ يا ندا هاتي لي كولونيا. ندا وهي تناولها زجاجة عطر: الكولونيا أهي يا مراة عمي جبتها معايا.

لتحاول حسنة إفاقة الفتاة وهي تربت على وجهها بحنان وهي تضع بعض العطر بالقرب من أنفها، وما إن بدأت الفتاة بالشعور بالدفء حتى بدأت الاستجابة لمحاولة إفاقتها وقامت بفتح عينيها بجهدٍ شديدٍ وهي تنظر حولها باستغراب في محاولةٍ منها لمعرفة مكانها أو المتواجدين حولها. ندا بابتسامة: حمد لله على السلامة. لتدير الفتاة مقلتيها بين ندا وحسنة وهي تقول بخوفٍ قد اعتلى ملامحها: أنا فين وأنتوا مين؟

حسنة بحنان: أنا يا ستي الحاجة حسنة ودي ندا مراة ابني، وأنتِ... ابني لقاكي مُغمى عليكي فجابك على هنا. وعندما نظرت الفتاة إلى ملابسها لتجد أنها ترتدي ملابس غريبة عنها، حتى انتفضت من الفراش فجأة لتسقط مرة أخرى نتيجة حالتها المُزرية، ولكنها انهارت في البكاء وهي تقول: فين هدومي؟ مين قلعني هدومي؟ حسنة وهي تحاول طمأنتها:

ما تخافيش يا بنتي، ده أنا اللي قلعتك هدومك ولبسناكي غيرهم من عندي، هدومك كانت غرقانة ماية وطين من المطرة. الفتاة: أنا متشكرة أوي، بس أنا من فضلك عاوزة هدومي عشان أمشي. ندا: أم إبراهيم أخدتها تغسلهالك وأول ما تنشف هتجيبهالك على طول، ما تقلقيش. حسنة: عاوزاكي تشربي الشوربة دي وهي سخنة عشان تدفيكي، ولو قلقانة على أهلك، قولي لي رقمهم وأنا أكلمهم عشان... لتقاطعها الفتاة بذعر: لأ...

أرجوكي بلاش، مش مهم، مش عاوزة، ما حدش يكلمهم. حسنة باستغراب: خلاص يا بنتي ما تتخضيش كده، زي ما تحبي. نظرت لها بابتسامة وقالت: إلا أنتي اسمك إيه؟ الفتاة بحزن: اسمي فؤادة. ندا: الله... اسمك حلو أوي يا فؤادة، ومش منتشر. فؤادة بشرود: بابا الله يرحمه اللي اختار لي الاسم ده. حسنة: هو أنتي من بلدنا يا فؤادة؟ أنا عمري ما شفتك، ولا أنتي منين؟ فؤادة بخفوت: أنا من طنطا. حسنة: أنا برضه قلت كده، أنك غريبة عن بلدنا. ندا:

وأنتي كنتي جاية زيارة لمين هنا يا فؤادة؟ فؤادة بتردد: أنا كنت جاية أدور على شغل. ندا باستغراب: شغل؟ المفروض تدوري على شغل عندكم هناك في طنطا، مش في الفلاحين، هتشتغلي إيه هنا؟ فؤادة: أي حاجة، مش هتفرق. حسنة: بس يا بنتي شكلك ولبسك بيقولوا أنك بنت ناس، وطريقة كلامك كمان تقول أنك متعلمة. فؤادة: أنا فعلًا معايا ليسانس آداب، بس محتاجة شغل. حسنة:

طب يا بنتي ربنا يوفقك، عمومًا اشربي الشوربة ياللا، وشوية كده واشربي العصير على ما نحضر الغدا. فؤادة بخجل: لا لا، أنا متشكرة أوي، أنا بس أول هدومي ما تنشف همشي على طول. ندا بمرح: هدومك محتاجين يومين على ما ينشفوا في الجو ده. فؤادة: يا خبر، طب والعمل؟ حسنة بحذر: ما أنا بقول لك يا بنتي، لو حد هيقلق عليكي كلميه وطمنيه عليكي على ما الجو يتعدل على الأقل. فؤادة بحزن مشوب بالقلق: ما حدش هيقلق عليا. حسنة بفضول: ليه يا بنتي؟

احكي لي وما تخافيش مني، أنا زي والدتك. فؤادة بحزن شديد: أنتي جميلك في رقبتي وعشان كده مش هقدر أكذب عليكي، أنا هربانة من أهلي. حسنة وهي تربت على صدرها: هربانة... ليه يا بنتي؟ كفى الله الشر. فؤادة ببكاء: عمي عاوز يجوزني راجل كبير غصب عني. حسنة بحنان: وفين أبوكي وأمك؟ فؤادة:

ماما ماتت وهي بتولدني، وبابا مات من سنتين، وعمي صمم أنه يجيبني أعيش معاه في طنطا، ومن ساعتها وكل عيشتي اتغيرت وبقى عاوز يتحكم في حياتي كلها وختمت بموضوع العريس ده كمان. ندا: وأنتي ما لكيش قرايب تانيين غير عمك ده؟ فؤادة: لأ، ما عنديش، وكمان ورثي كله تحت أيده. حسنة باستيعاب: آه، قلتي لي بقى، لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، الطمع ورا كل المصايب. ندا:

طب ما حاولتيش تفهميه أنك رافضة الجوازة دي بالراحة كده يمكن كان اقتنع؟ فؤادة بسخرية: عمي ما بيفهمش غير في المكسب والخسارة، ما بيفرقش معاه أي حاجة تانية. حسنة: طب وهربتي إزاي؟ فؤادة بحزن:

الحقيقة مرات عمي ونهاد بنت عمي هم اللي ساعدوني أهرب النهاردة الفجر، بس للأسف من خوفي سيبت شنطة هدومي وخرجت أجري ونطيت في أول ميكروباص قابلني ولما لقيتني بعدت أوي وخرجت بره طنطا، خفت ونزلت من الميكروباص، وفضلت قاعدة بين الشجر وأنا خايفة، ولا عارفة أنا فين ولا هعمل إيه. حسنة: طب وأنتي بيت باباكي فين أصلًا؟ فؤادة: أنا أصلًا طول عمري كنت عايشة في إسكندرية. ندا: يعني هترجعي إسكندرية؟ فؤادة:

ما أنا لو روحت بيتنا عمي هيرجعني تاني ويجوزني غصب عني، وعشان كده أنا مش عارفة أعمل إيه. حسنة: طب مش يمكن اللي عاوز يجوزهولك ده يكون راجل كويس وأنتي اللي استعجلتي بهروبك ده؟ فؤادة ببكاء: ده داخل على الستين واتجوز وطلق ييجي عشر مرات عشان يخلف وبرضه ما خلفش، وإزاي يبقى كويس بالنسبة لي وهو أكبر مني بخمسة وتلاتين سنة؟ حسنة شاهقة: ستين سنة؟ ليه كده حرام عليه؟ فؤادة ببكاء:

حتى مرات عمي وولاده ما قدروش يقنعوه أنه غلطان وفي الآخر ساعدوني أني أهرب لما لقينا أن ما فيش فايدة. حسنة وهي تربت على كف فؤادة: سيبيها على الله يا بنتي وربك إن شاء الله هيفرجها. فؤادة وقد بدأت في نوبة من العطس والسعال: ربنا كريم. حسنة وهي تنهض منادية على أم إبراهيم:

أهو ده اللي كنت عاملة حسابه، لازم هتعيي من اللي حصل لك، هاخلي أم إبراهيم تعمل لك شاي بليمون وأجيب لك أسبرين على ما حسين يرجع من المستشفى ويقول لنا نديكي إيه. ندا وهي ترفع هاتفها على أذنها: أنا هاكلمه أقول له عشان يعمل حسابه وهو راجع.

أما بالخارج فقد ذهب جلال لتغيير ملابسه ثم عاد مرة أخرى إلى قاعة المنزل ليجد أن والدته ما زالت بالداخل، ووجد سلوى لا زالت جالسة بمكانها بانتظار جدتها وكان أدهم ابن حسين يجلس بجوارها وهو يحاول اللعب معها، وما أن رأت سلوى والدها قد جلس على المقعد، حتى نهضت من مكانها وذهبت إليه وهي تقول بترقب: بابا، هي مين الست اللي جوه دي؟ جلال بجمود وهو يراقب ملامح ابنته التي كانت تشبه أمها إلى حد كبير:

دي حاجات كبار، روحي أنتي كملي اللي كنتي بتعمليه. سلوى بخفوت وهي تقترب منه بحذر: أنا عاوزة أدخل لتيته، ينفع؟ جلال: لا ما ينفعش، عيب، روحي اقعدي مكان ما كنتي على ما تيتة تفضالك. لتعود سلوى إلى مكانها بجوار أدهم وهي منكسة الرأس وعندما حاول أدهم اللعب معها مرة أخرى قالت له: مش عاوزة ألعب، أنا هاقعد أستنى تيتة تيجي.

وظل جلال يراقب ردود أفعال ابنته بين مد وجزر بين أمواج مشاعره التي كانت تنحر قلبه دون إرادته، فكم من مرة عاتبته أمه على جفائه مع ابنته وأنها لا ذنب لها، وأنها يكفيها حرمانها من أمها، وكم حاولت إقناعه أن لا يدعها تنشأ يتيمة لأبيها أيضًا وهو على قيد الحياة. ولا ينكر أن حنقه على الحياة بما فيها قد خفت حدته كثيرًا عما قبل، ولكنه أيضًا كانت تعود إليه ذكرياته مع زوجته فور النظر بعيني سلوى لكثرة شبهها بوالدتها. السلام عليكم.

وكان هذا صوت عارف الذي قطع شرود جلال ليرد عليه السلام ويقول: جيت بدري النهاردة يعني. عارف: خرجونا بدري بسبب المطرة فجيت على طول. جلال: حمد لله على السلامة. عارف: أومال الناس فين؟ وحسين جه ولا لسه؟ جلال: حسين في السكة وأمي وندا جوه في أوضة الضيوف. عارف: إحنا عندنا ضيوف ولا إيه؟ ليقص جلال على عارف كل ما حدث. عارف باستغراب: ويا ترى تطلع مين دي؟ جلال: الله أعلم، بس هي مش من بلدنا، لا أنا ولا عطوة شفناها قبل كده.

عارف وهو ينهض من مكانه متجهًا إلى الأعلى: كله هيبان، ما فيش حاجة بتستخبى، أنا هأطلع أغير هدومي على ما حسين يوصل. وما أن صعد عارف إلى الأعلى حتى خرجت حسنة من الداخل واتجهت إلى جلال وجلست بجوار سلوى وهي تقص عليه كل ما علمته عن فؤادة. وما أن فرغت من حديثها حتى وجدت سلوى قالت لها بحزن: يعني هي كمان ما عندهاش ماما زيي؟ ليشعر جلال بنغزة في قلبه مما قالته ابنته ولأول مرة يعلم بأنها تشعر بافتقادها لأمها. حسنة

وهي تقبل رأس سلوى بحنان: بس أنتي عندك تيتة وعندك خالتو ندا. جلال: وأنتي رأيك إيه يا أمي؟ حسنة: والله ما أنا عارفة يا ابني، أنا قلبي وجعني عليها. عارف وكان قد عاد إليهم واستمع إلى جزء كبير من حديثهما: قبل ما تاخدوا أي قرار، لازم تتأكدوا من صدقها الأول. جلال بانتباه: عندك حق، بس دي بقى هنعملها إزاي؟ عارف بتفكير: أنا أحسن واحد ممكن يعمل الحكاية دي، سيبوا الموضوع ده عليا، بس هاتي لي منها العنوان بتاع عمها بالظبط يا أمي.

حسنة: حاضر يا ابني، بس ربنا يستر، أحسن باين عليها هتاخد دور عيا مش سهل أبدًا، أنا سايباها عمالة تعطس وتكح على آخرها. عارف: إن شاء الله خير. ليدخل عليهم حسين وهو يخلع عنه معطفه وهو يقول: السلام عليكم، عاملين إيه؟ ليردوا عليه السلام في حين تنهض حسنة قائلة: هتيجي تبص عليها يا حسين، عشان تلحقها قبل ما تسخن ولا حاجة. حسين وهو يلتقط حقيبته مرة أخرى ويتوجه إلى غرفة الضيوف وهو يقول: ياللا يا أمي تعالي. وبعد أن دخلوا

ينظر عارف إلى جلال ويقول: هي اسمها إيه؟ جلال: فؤادة. عارف بابتسامة: فؤادة... اسمها حلو، بس يا ترى بقى حلوة زي اسمها؟ جلال بامتعاض: ما خدتش بالي واتلم عشان العيال جنبك. عارف ضاحكًا وهو يلتقط سلوى بين يديه ويجلسها على قدميه وهو يدغدغها: فين العيال دي؟ دي حلويات بالمكسرات. سلوى من وسط ضحكاتها: بس يا عمو، كفاية زغزغة. عارف: لا مش كفاية، أنا مزاجي كده. سلوى: طب زغزغ أدهم شوية.

ليمد عارف إحدى يديه ويقوم بدغدغة أدهم هو الآخر لتعلو ضحكات الصغار بشدة حتى عاد حسين من الداخل بصحبة ندى، ليسرع إليها أدهم ويرتمي بأحضانها بينما تقول سلوى لعارف: عايزة أروح لتيتة. عارف وهو يقبلها من رأسها: هي جاية دلوقتِ. جلال: ها يا حسين؟ حسين: ابتدت تسخن طبعًا، بس أنا اديتها حقنة تنزل الحرارة وتخليها تنام، وعلقتلها محلول، لإن واضح إنها بقالها فترة مش قليلة ما بتتغذاش كويس. جلال موجهًا

حديثه لندى: يعني عرفتوا تجيبوا بياناتها يا ندى ولا لا؟ ندى: آه يا جلال هكتبلك عنوانها في ورقة، بس يا عيني كانت بتقوللنا على عنوانها وهي مرعوبة لا عمها يعرف طريقها. حسين باستغراب: ليه يعني؟ ندى وهي تسحب حسين من يده: تعالى عشان تغير هدومك وأنا هحكيلك على ما أم إبراهيم تحطلنا الغدا. بعد نصف ساعة كان يلتف الجميع حول مائدة الطعام لتناول وجبة الغداء وسط أحاديثهم التي كانت تتركز حول فؤادة وعن التصرف الواجب اتخاذه حيالها.

وكانت ندى قد دونت العنوان الذي ذكرته لها فؤادة في ورقة وقامت بإعطائه لجلال الذي أعطاه بدوره لعارف. حسين: هي البنت واضح عليها إنها بنت ناس، لكن ده ما يمنعش إننا ناخد حذرنا برضه. جلال: هي المفروض تبتدي تفوق وتقف على حيلها امتى؟ حسين: هي هتفضل تصحى وتنام لحد بكرة الصبح إن شاء الله، بسبب الحقنة اللي اديتهالها، لكن تقف على حيلها دي مش قبل يومين. عارف: أنا على بكرة بالليل إن شاء الله هكون جبتلكم قرارها.

جلال بتحذير: خد بالك يا عارف، أوعى حد يعرف حاجة أو ياخد باله منك وأنت بتتطقس عنها. عارف: ما تقلقش، أنا أصلًا عادل صاحبي ساكن في نفس شارعهم ده، وأكيد هلاقيه عارف حاجة. جلال: بس برضه من غير ما تعرفه إنها عندنا أو إنك تعرف حاجة عنها. عارف: ما تقلقش. حسين: وأنتِ يا أمي، خلي أم إبراهيم تبات معاها الليلة دي، عشان تاخد بالها منها. حسنة: حاضر يا ابني، وأنا كمان هبقى أشقر عليها من وقت للتاني.

لتمضي الليلة على الجميع ما بين قلق وترقب، ليأتي الصباح لينشغل كل منهم بحياته اليومية، بينما كانت فؤادة في عهدة حسنة وندى واللتان كانتا تتناوبان على الإطلال عليها والتأكد من ثبات درجة حرارتها وانتظامها في الغذاء والعلاج، حتى أتى المساء ليعود عارف من الخارج ويجتمع بأمه وإخوته. جلال: ها يا عارف إيه الأخبار؟ عرفت توصل لحاجة؟

عارف: الحقيقة البنت ما كذبتش في ولا كلمة، رغم إني عرفت إن عمها غني جدًا، لكن كمان اللي عاوز يجوزهولها واللي اتفاجئت لما عرفت شخصيته، إنه مش قليل أبدًا في البلد، ده يبقى عبد الجليل الهلالي. ليهب جلال من مكانه قائلًا بحدة: الهلالي؟ وده إيه علاقته بعمها؟ عارف: اللي عرفته إنهم داخلين مع بعض شغل جديد من كام شهر، وعمها كان عاوز يزود أواصر الصلة دي فكان عاوز يجوز فؤادة.

حسين باستغراب: وأنت عرفت كل ده إزاي في الوقت القصير ده؟ عارف وهو يحك رقبته بابتسامة: من نهاد، بنت عم فؤادة. جلال: مش دي اللي ساعدتها إنها تهرب؟ عارف: هي بعينها. جلال: وعرفتها منين دي؟ عارف: طلعت صاحبة أخت عادل صاحبي وكانت بتزورهم بالصدفة وأنا هناك. جلال بفضول: وقلتلها إنها عندنا؟ عارف بحرج: بصراحة لقيتها مموتة نفسها من العياط من كتر قلقها عليها وخصوصًا إنها لما مشيت ما خدتش أي حاجة معاها، فحبيت أطمنها.

ندى: طب ولما هو عاوز يشارك الراجل ويناسبه، ما جوزهوش بنته دي ليه؟ عارف بوعيد: طب يبقى يفكر يعملها كده وأنا أكله. جلال بدهشة: ده اللي هو إزاي إن شاء الله؟ عارف بخجل: أصل بصراحة، أول مرة أشوف بنت وتشدني كده. حسين بمرح: الله أكبر، والله ووقعت يا حبيبي وما حدش سمى عليك.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...