الفصل 2 | من 30 فصل

رواية فؤادة الفصل الثاني 2 - بقلم ميمي عوالي

المشاهدات
19
كلمة
5,042
وقت القراءة
26 د
التقدم في الرواية 7%
حجم الخط: 18

برضة كلام ندا مظبوط، لما هو عاوز يناسبه ويقرب منه، مش كان الأولى إنه يجوزه حد من ولاده بدل الغلبانة اليتيمة دي؟ لأنه اشترط عليا إني اتنازل له عن ورثي كله قبل كتب الكتاب. التفت الجميع لصوت فؤادة وهي تتكئ على الحائط، وهي تكاد تتهاوى أرضًا من شدة ضعفها. لينهض إليها ندا مسرعة لتساعدها على الوصول لأحد المقاعد وإجلاسها عليه، وهي تقول: "إيه اللي قومك من مكانك بس وإنتي لسه تعبانة؟

"أنا آسفة، سمعتكم غصب عني وأنا جاية أتكلم معاكم. سامحوني على الإزعاج اللي عملتهولكم، بس أنا لازم أمشي." "هتمشي تروحي فين بس يابنتي دلوقتي؟ "معلش يا أمي، أكيد إن شاء الله ربنا هييسر لي طريقي، وزي ما إيدكم ليا في تعبي أكيد هيقف جنبي للآخر." "طب ما إحنا برضه ممكن نفضل معاكي للآخر يا آنسة فؤادة." "تفضلوا معايا إزاي؟ مش فاهمة."

"يعني زي ما إنتي شايفة كده، البيت كبير، وممكن تفضلي معانا لحد ما صحتك تتحسن، وكمان ممكن نشوف لك شغل." "حضرتك بتتكلم جد؟ ممكن تساعدني إني أشتغل؟ "ممكن الأول أعرف إيه علاقة عمك بعبد الجليل الهلالي؟ لتنظر فؤادة إلى جلال، والذي كان ينظر إليها بتركيز شديد جعل التوتر يملأ قلبها، لتعلو رعشة بسيطة على وجهها وشفتيها، وهي تقول دون أن تنظر إليه: "أنا ما أعرفش بالظبط، لكن أنا بسمع اسمه من يوم ما عمي جابني أعيش معاه في طنطا."

"شفتيه قبل كده؟ "مرة واحدة، لما روحت لعمي المكتب بتاعه." "هو عمك بيشتغل إيه؟ "تاجر، عنده مكتب استيراد وتصدير." "وكان هيمضيكي على تنازل إزاي بقى؟ "ده كان اتفاقه مع العريس، إني قبل ما أمضي على القسيمة… أكون ماضية عن تنازل لعمي عن كل ورثي من بابا الله يرحمه، واللي كان عمي هيعتبره مهري اللي هيقبضه من الهلالي." "وهو يعني ورثك كبير لدرجة إنه يعمل كده عشان يستولي عليه؟

"للأسف كتير، 135 فدان على طريق مصر إسكندرية الصحراوي، بابا اشتراهم واستصلحهم من سنين طويلة، مزروعين فاكهة، ده غير عمارتين في إسكندرية. والمشكلة الكبرى إن بابا الله يرحمه من سنين وهو كل ما كان بيشتري حاجة، كان بيكتبها باسمي أنا مش باسمه، فبالتالي عمي ما ورثش من بابا ولا مليم، وده طبعًا جننه. ياريت ما كان كتب لي حاجة، بس هو كان فاكر إنه كده بيأمن لي مستقبلي. أنا عرضت على عمي ياخد نصهيبه الشرعي ويسيبني في حالي، بس هو مصمم ياخد كل حاجة."

"وهربتي إزاي؟ "عمي كان حابسني في أوضتي من خمس أيام، يا دوب مرات عمي أو نهاد كانوا بيدخلوا لي الأكل ويقفلوا عليا تاني. مرات عمي ونهاد وسلمى بنات عمي مش موافقين أبدًا على اللي عمي عاوز يعمله، فاتفقوا معايا إن وقت صلاة الفجر أكون ربطت ملايات في بعضها ونزلتها من الشباك بتاعي، ونهاد هتفتح لي الباب وقت صلاة الفجر تهربني وتقفل باب الأوضة بالمفتاح تاني بحيث إن عمي يفكر إني هربت من الشباك وما يعملش معاهم مشاكل."

"وهو عمك في الدور الكام؟ "في الدور التالت." "وتفتكري يعني إنه هيخيل عليه الكلام ده؟ "مش عارفة، ربنا يستر وما يأذيهمش." "لا ماتقلقيش، صدق، ونهاد بتسلم عليكي وأنا طمنتها إنك بخير." "أنا مش عارفة أشكركم إزاي." "طب وأوراقك الشخصية موجودة فين؟ "أنا مش معايا غير بطاقتي بس، لكن أوراقي كلها مع نهاد." "عمومًا يا آنسة فؤادة اعتبري نفسك في بيتك وكلنا أخواتك لحد ما نلاقي حل لمشكلتك دي." "والشغل؟

"ما أعتقدش إن قرار الشغل دلوقتي قرار مظبوط، لأن ممكن أي حد يشوفك ويعرفك وبكل سهولة يبلغ عمك بمكانك، وكل اللي عملتيه يضيع على الفاضي." "طب والعمل؟ "ماتقلقيش، أكيد هنلاقي لها حل إن شاء الله." ليخيم الصمت لبضع دقائق، لتقترب سلوى من فؤادة ببراءة وتجلس بجوارها قائلة: "أنا كمان ما عنديش ماما زيك، بس عندي تيتة وخالة." "يابختك بيهم، بس إنتي اسمك إيه؟ "أنا اسمي سلوى."

"وأنا اسمي فؤادة، بس إنتي حد قال لك قبل كده إنك حلوة أوي يا سلوى؟ "عمو عارف، دايما يقول لي إني حلوة زي البسبوسة." ليضحك الجميع على كلام الصغيرة، وتقول فؤادة: "بس البسبوسة بتدخل بوقنا، إنما إنتي بتخشي القلب على طول، ربنا يحفظك." "طب إنتي هتقعدي عندنا على طول يا طنط فؤادة؟ "لا ياحبيبتي، حبة صغننين بس." لتأتي أم إبراهيم لتخبرهم بأنها قد جهزت العشاء، لينهض الجميع متجهًا إلى طاولة الطعام، لتقول حسنة:

"هتقدري يابنتي تقعدي معانا على السفرة ولا أخلي أم إبراهيم تجيب لك الأكل في أوضتك؟ "الأفضل تقعد معانا عشان جسمها يتنشط شوية." "خلاص يبقى تقعد معانا." "اعذروني يا جماعة، أنا مش جعانة." "إنتي بتاخدي مسكنات، فلازم تاكلي كويس عشان ما يجيلكيش هبوط." "يالا يابنتي، ماتتنكفيش."

لتنهض فؤادة وتتجه إلى الطاولة بمساعدة ندا، وهي تحاول لملمة ملابسها حولها. فكانت فؤادة متوسطة الطول ولكنها كانت رشيقة، فكانت تبدو كالضائعة وهي بداخل ملابس حسنة، فكانت حسنة ممتلئة القوام، وعلى ما يبدو أنها قد وضعت على رأسها أحد أغطية الوسائد، والذي كانت يدها تمتد كل دقيقة إليه وهي تحاول تثبيته مكانه. وما أن جلسوا إلى الطعام، حتى نظرت لها ندا وهي تضحك بشدة وتقول:

"أنا لسه واخدة بالي دلوقتي، إنتي حاطة إيه على راسك يابنتي؟ "كنت عاوزة حاجة أغطي شعري ومالقيتش." "تقومي تلفي راسك بكيس المخدة؟ "اللي لقيته قدامي." "ولا يهمك يابنتي، عمومًا هدومك زمانها نشفت، وأنا هجيب لك من عندي كام إيشارب." "نهاد بنت عمك قالت لي إنها هتحاول توديلك عند نادين صاحبتها كل شوية كام حاجة ليكي، وأنا هجيبهملك من عندها." "هتعبك معايا." "لا في دي اتعبيه إنتي بس ومالكيش دعوة، على قلبه زي العسل."

لم تفهم فؤادة مقصد حسين، ولكنها فضلت الصمت. وقد لاحظت أن جلال ينظر إليها بين الفينة والأخرى بتركيز شديد زرع في نفسها الرهبة. في مكان آخر، كان يجلس عبد الجليل الهلالي، وهو رجل في الستين من عمره تبدو عليه القسوة، يجلس بمنزل سالم عم فؤادة وهو يتحدث معه بحدة متناهية قائلاً: "إيه الكلام الفارغ اللي بتقوله ده ياسالم؟ يعني إيه ماتعرفش فؤادة فين وإزاي ماتعرفش عنها حاجة؟

"أهو ده اللي حصل ياعبد الجليل، صحينا امبارح لقيناها هربت." "إنت قلت لي إنك قافل عليها بالمفتاح." "نطت من الشباك." "تبقى ماتت ولا اتكسرت. سألت عليها في المستشفيات؟ "ما أعتقدش إن حصل لها حاجة، نزلت على الملايات، ما نطتش ولا حاجة. آه لو وقعت في إيدي هكسر رقبتها." "اياك تلمسها، لما تلاقيها حسابها معايا أنا، أنا عاوزها قدامي في ظرف يومين ياسالم، إنت فاهم؟

"أنا عاوزها أكتر منك، إنت مش فاهم، دي ممكن تعمل مصيبة وأنا ما أعرف." "تقصد إيه؟ "ممكن تطلع برة البلد، ولا أتفاجئ إنها باعت حاجة من أملاكها." "هي عندها سيولة في البنك؟ "أنا إزاي ما انتبهتش للموضوع ده؟ "موضوع إيه؟ "إن ممكن يبقى عندها حساب في البنك، إزاي ما جاش في بالي أسألها على الحكاية دي." وبدأ سالم في النداء على ابنته نهاد بصوت جهوري، لتأتي إليه مسرعة وعلى ملامح وجهها قلق شديد قائلة: "أيوه يا بابا حضرتك بتنده لي؟

ليجذبها سالم من يدها قائلاً بحدة: "هي فؤادة عندها حساب في البنك؟ ليهدأ قلب نهاد من خوفه وارتعاده، وتقول بلجلجة: "ما أعرفش يا بابا، عمرها ما جابت سيرة حاجة زي دي." "طب غورى من وشي." لتخرج نهاد مسرعة وهي تضع يدها على صدرها وتردد الشهادتين، لتجذبها والدتها إلى غرفتها وتغلق الباب خلفها، وتقول هامسة: "كان عاوزك ليه؟ "كان بيسألني لو فؤادة عندها حساب في البنك." "أوعى تكوني قولتي له حاجة."

"لا طبعًا، قلت له إن عمرها ما جابت سيرة حاجة زي دي قدامي." لتدخل عليهما سلمى وتغلق الباب، وتقول بهمس: "الحقوا الحقوا." "في إيه تاني؟ "سمعت بابا بيقول إنه هيقدم محضر في القسم يتهم فيه فؤادة إنها سرقت فلوس من خزنته وهربت." لتشهق نهاد وهي تضع يدها على صدرها قائلة بخوف: "يا خبر، هي وصلت لكده؟ "عاوز لما يلاقيها يلوي دراعها، وياتوافق على الجوازة والتنازل، ياتترمى في السجن عشرة خمسطاشر سنة."

"مافيش فايدة، أنا تعبت منه ومن سرعته على الفلوس." "أنا مش فاهمة هو ليه ما بيفكرش إنه كان ممكن يبقى مكان عمو الله يرحمه وإحنا مكان فؤادة، يعني كان عمو ممكن يعمل فينا كده." "عمره، عمكم طول عمره كان حقاني وبيخاف ربنا، وأديكم شايفين أبوكم عمل إيه في أخوكم لما اتخانقوا سوا بسبب الموضوع ده وبرضه ما فيش فايدة، وأديه ساب له البلد كلها ومشي، وعشان كده أنا متأكدة إن ربنا هينصف فؤادة وهيبعت لها اللي يقف جنبها."

"يارب يا ماما.. يارب." "بس فؤادة لازم تعرف باللي ناويين يعملوه فيها عشان تاخد حذرها." "طب أنا ممكن أكلمها في التليفون بس حد يأمنني وأنا بتكلم." "أنا هراقب الطريق وإنتي اتكلمي بس بسرعة." لتسحب نهاد هاتفها وتقوم بالاتصال على عارف، الذي ما أن رأى اسمها على الهاتف حتى قام بالرد على الفور قائلاً: "السلام عليكم، إزيك يا آنسة نهاد؟ "أستاذ عارف، ممكن من فضلك أكلم فؤادة بسرعة؟ "حاضر ثواني، بس هو في حاجة ولا إيه؟

"في مصيبة وفؤادة لازم تعرفها عشان تلحق تتصرف." "مصيبة إيه، كفى الله الشر." "لو هي جنبك خليني أكلمها بسرعة أرجوك." ليعطي عارف الهاتف إلى فؤادة، التي وضعته على أذنها بلهفة قائلة بدموع: "نهاد.. وحشتيني أوي، وحشتوني كلكم." "وإنتي كمان ياحبيبتي وحشتينا أوي، بس اسمعيني بسرعة قبل ما بابا ييجي، بابا ناوي يقدم بلاغ في النيابة يتهمك فيه إنك سرقتي فلوس من خزنته وهربتي." لتنهض فؤادة من مكانها برعب وهي تقول ببكاء:

"بس أنا ما أخدتش حاجة يا نهاد، والله ما أخدت حاجة، ما إنتي شفتيني وأنا ماشية." "اهدّي يا فؤادة، إحنا كلنا عارفين إن ده ما حصلش وأولنا بابا، ده هو بيعمل كده عشان لما يلاقيِك يجبرك توافقي على اللي هو عاوزه، وعلى فكرة، سألني لو إنتي عندك أي حسابات في البنوك وأنا أنكرت إني أعرف أي حاجة." "ليه كده حرام عليه، ليه عاوز يعمل فيا كده.. ليه؟ "أنا قلت أحذرك وأول ما ألاقي فرصة إني أكلمك تاني هكلمك."

"أنا عاوزة كل أوراقي اللي معاكي يا نهاد، والباسبور بتاعي، كل حاجة وديهم لي عند نادين في أقرب وقت." "حاضر ياحبيبتي من عينيا، بس أنا هضطر أقفل دلوقتي، مع السلامة." "مع السلامة." وبعد أن انتهت المكالمة، أعادت فؤادة الهاتف إلى عارف، الذي سألها بلهفة: "إيه اللي حصل؟ "عمي." "عمل إيه تاني يابنتي؟ "هيِقدم فيا بلاغ إني سرقت فلوسه وهربت." "يا ضنايا يا بنتي، طب والعمل هتعملي إيه؟

"مش عارفة، يارب أنا ماليش غيرك، إنت حسبي نجيني من شرهم وابعدهم عني يارب.. يارب." "طب ما نسأل المحامي إيه أسلم حاجة ممكن تتعمل في موقف زي ده؟ "ماتكلم المحامي وتسأله يا جلال." لينهض جلال من مقعده ويخرج الهاتف من جيب بنطاله ويعود للجلوس مرة أخرى وهو يبحث عن رقم المحامي ويقوم بالاتصال به، وما أن رد عليه المحامي، فتح جلال مكبر الصوت وقال له: "وعليكم السلام والرحمة، إزيك يا متر، أخبارك إيه؟

"إزيك إنت يا جلال بيه، وأخبار أخواتك والست الحاجة؟ "كله تمام الحمد لله، الله يبارك لك، أنا بس كنت عاوز أستشيرك في حكاية كده وعاوز رأيك." "أؤمرني يا جلال بيه، عينيا الاتنين." "تسلم عيونك الاتنين، بص ياسيدي." ليقص جلال على المحامي القصة بما فيها دون أن يأتي على ذكر اسم فؤادة أو عبد الجليل الهلالي، ليسود الصمت لدقيقتين، ثم يقول المحامي: "ما فيش غير حل واحد يا جلال بيه." "الحقني بيه." "إن البنت دي تسبق عمها بخطوة."

"إزاي.. فهمني." "إنها تروح تقدم بلاغ في عمها إنه عاوز يجبرها على الجواز وبيهددها، بس اللي هيقوي موقفها إنها تبقى متجوزة فعلًا من حد تاني." "بس هي مش متجوزة." "ممكن تشوف حد أمين تبقى متأكدة إنه ما يستغلهاش، ويكتبوا الكتاب، بحيث إنها تبقى في مركز قوة وعمها ييأس منها ويسيبها في حالها، ولما هي اللي تقدم المحضر الأول هيبقى محضر قصاد محضر." "ما فيش حل تاني يا متر؟

"للأسف هو ده آمن حل بالنسبة لها عشان تقدر تتهمه بعد كده إنه مجرد بلاغ كيدي." "متشكر جدًا يا متر، تعبتك معايا." "تعبك راحة يا جلال بيه ولو احتجتني في أي وقت أنا تحت أمرك." لينهي جلال المكالمة وهو يتبادل النظرات مع أخوته، ليتفاجأ بفؤادة تنهض من مكانها وهي تقول: "أنا متأسفة جدًا يا جماعة على كل القلق اللي سببته لكم، ومتشكرة جدًا على كرمكم وحسن ضيافتكم، ولو تسمحوا لي أنا محتاجة الهدوم بتاعتي لأن لازم أمشي حالًا."

"وهتمشي تروحي فين بس دلوقتي من غير حتى ما تعرفي إنتي ممكن تعملي إيه؟ "ما فيش في إيدي أي حاجة ممكن أعملها، وأديكم سمعتوا بنفسكم، مالهاش حل." "بس المحامي ما قالش إن مالهاش حل، بالعكس ده قال على الحل المناسب." "والمفروض إني في ظرف ساعة زمن أتجوز وأخد جوزي وأروح أقدم البلاغ ده، مش كده؟ ليصمت عارف وهو يجيء النظر فيمن حوله، حتى قالت حسنة: "طب حتى يابنتي برضه قولي لنا إنتي ناوية على إيه."

"ناوية إني ما أعملش مشاكل لحد، وهحاول أسافر وأسيبه البلد باللي فيها." "ومش يمكن يقدر يطلع قرار بمنعك من السفر؟ لتنظر إليه فؤادة بإحباط شديد وتقول: "يبقى يحبسني، خلاص ما بقتش فارقة." "اسمعي يا آنسة فؤادة، أنا ممكن أساعدك وخصوصًا إني اتأكدت من صدق كل كلمة قولتيها." لتنظر إليه فؤادة ببعض الغضب وتقول: "وأنا هكدب عليكم ليه بعد ما استقبلتوني في بيتكم وأكرمتوني بالشكل ده؟

"اعذريني أنا ما أقصدش حاجة، بس ماتنسيش إننا أول مرة نشوفك أو نعرف عنك حاجة كان امبارح." "هتساعدها إزاي يا جلال؟ "هعمل اللي قاله المحامي." "هتعمله إزاي يابني؟ "هكتب كتابي على الآنسة فؤادة وأروح معاها النيابة نقدم البلاغ، وبعد ما عمها يشيلها من دماغه هطلقه."

ليخيم السكون الشديد على المكان والجميع يتبادلون النظرات فيما بينهم، بينما كان جلال يركز نظراته على فؤادة، التي ألجمت الصدمة لسانها ولم تدري بماذا ترد على هذا الجنون. ليقطع حسين الصمت قائلاً: "ده قرار مش سهل يا جلال." "وكمان لازم تعرف إنك كده ممكن تفتح باب عداوة بينك وبين الهلالي."

"وده اللي لازم كلكم تعرفوه، أنا بيني وبين الهلالي تار قديم، ولو الآنسة فؤادة وافقت على اقتراحي تبقى خدمتني خدمة لا يمكن هنساهالها طول عمري." "خدمة إيه يابني، وتار إيه ده اللي بتتكلم عنه؟ "خدمة إني آخد تاري من الهلالي، حتى ولو كان بإني أبوظ له خططه بجوازه من واحدة عمرها أقل من عمر أولاده لو كان ربنا رزقه بأولاد. أما بقى التار اللي بيني وبينه فخلوها بعدين، بس أما أعرف رأي الآنسة فؤادة الأول."

ليتجه أنظار الجميع إلى فؤادة، التي كانت تشعر بالتيه الشديد، ولكنها قالت بجمود: "أنا مؤمنة بشدة إن كل حاجة بتحصل لنا في حياتنا بيبقى ربنا رايد لنا بيها خير، وأكيد اللي حصلي من امبارح للنهاردة ربنا له حكمة في كل ده، وعشان كده.. أنا موافقة يا أستاذ جلال." "تمام، جهزي نفسك على ما أبعت أجيب المأذون، واعملي حسابك إننا هنكتب الكتاب ونطلع فورًا على النيابة."

وجرت الأحداث سريعًا، ففي ظرف نصف ساعة تم عقد قران جلال وفؤادة، والتي جعلت من حسين وكيلها في عقد القران، وكان عارف وعطوة شاهدين، وطلب جلال من المأذون أن يعطيه شهادة مختومة تفيد بأن فؤادة زوجته، ووعده بأن يبعث له في اليوم التالي الصور الفوتوغرافية التي يجب أن ترفق بالأوراق. وبعد انصراف المأذون، نظر جلال لفؤادة وقال: "يالا بينا، المحامي مستنينا في القسم."

لتتقدم منه فؤادة وكأنها في حلم طويل لا يريد أن ينتهي، ليصحبها معه بصحبة عارف، الذي صمم على أن يذهب معهم ويتولى هو القيادة بنفسه. وما أن وصلا إلى قسم البوليس، حتى وجدوا المحامي، الذي كان رجلاً أربعينيًا يبدو عليه الدهاء، وما أن رآهم حتى ذهب إليهم محييًا إياهم بابتسامة مرحة قائلاً: "مش كنت تقول لي إن إنت اللي هتبقى العريس، على الأقل كنت نلت شرف الشهادة على العقد." "المرة الجاية بقى يا متر."

"طب يالا بينا، وكيل النيابة في الانتظار، أنا قدمت البلاغ من نص ساعة، بس لازم طبعًا إنتوا اللي تمضوا على المحضر بنفسكم، وكيل النيابة صديق شخصي وعشان كده حرك المحضر بسرعة وفتح التحقيق." وبعد أن دخلوا إلى وكيل النيابة وقاموا بالإجراءات اللازمة، سأل وكيل النيابة فؤادة قائلاً: "يعني إنتي بتتهمي عمك إنه حبسك وكان عاوز يجبرك على الجواز؟ "أيوه يا فندم، لولا إني قدرت أهرب منه." "وهربتي إزاي؟

"هربت من الشباك يافندم وأنا كنت مستنيها تحت بالعربية، واخدتها ومشيت على طول." "يعني ما كانش مقفلها عليكي أوي بدليل إنه كان سايب لك الشباك أهو." "حضرتك عمي في الدور التالت." "وإنتي نطيتي من الدور التالت؟ "أنا ربطت الملايات في بعضها ودلدلتهم من الشباك فبقوا عاملين زي الحبل." "اممم، طب وإنتي دلوقتي عاوزة تتهمي عمك بإيه بالظبط؟

"أنا مش عاوزة أتهمه بحاجة، ده مهما كان عمي، أنا بس عاوزة آخد عليه تعهد بعدم التعدي ويسيبني في حالي، خصوصًا إني خلاص اتجوزت." "مش هو لوحده اللي يمضي التعهد حضرتك، هو وعريس الغفلة كمان، عبد الجليل الهلالي." "تمام، هعمل لهم استدعاء وكل حاجة هتخلص بكرة إن شاء الله." لينهض جلال وفؤادة ليشكروا وكيل النيابة ويتجهوا إلى الخارج بصحبة المحامي، ويشكروه وينصرفوا عائدين بصحبة عارف. وفي السيارة…

"وإنتي ليه ما اتهمتيش عمك إنه عاوز يستولي على أملاكك؟ "عشان خاطر مرات عمي وبنات عمي، وبابا الله يرحمه، ومهما كان ما ينفعش إني أعمل كده." "بس أنا كده شايف إن البلاغ اللي عملناه ما منه فايدة." "بالعكس يا جلال، دلوقتي لما يعملولهم الاستدعاء لو عمها حب يتهمها بالسرقة، هيبقى معروف إن البلاغ مجرد نكاية فيها وخصوصًا إنها سايبة البيت من امبارح، يعني المفروض لو كلامه حقيقي كان بلغ من ساعتها."

"كلام منطقي، عمومًا من هنا لحد ما يستدعوهُم، هنعرف كل حاجة." ليعودوا إلى المنزل، ليدلف عارف وفؤادة، ويظل جلال بالخارج وهو يملي على عطوة بعض التعليمات الخاصة بالحراسة. فقد طلب جلال من عطوة أن يقوم بزيادة عدد الغفراء حول المنزل والأراضي ويقوم بتسليحهم، فهو يعلم جيدًا بأن وقوفه بوجه الهلالي سيجلب له العديد من المشاكل، ولكنه كان يحاول الاستعداد لها جيدًا.

وعندما لحق بأخيه وفؤادة إلى الداخل، وجد الجميع يجلسون بانتظاره في حالة صمت وترقب. وما أن ألقى السلام، وجد ندا تقف فجأة وتتجه إلى الأعلى دون أن تنبس بأي كلمة، ولكنها في منتصف درجات السلم، تقف وتلتفت إلى جلال وتقول في جمود: "مبروك يا جلال." ثم التفتت مرة أخرى وأكملت صعودها، ولكن هذه المرة وهي تعدو بشدة. لينظر جلال إلى أمه وحسين باستفهام قائلاً: "هي ندا ماله؟ لينهض حسين هو الآخر متجهًا إلى الأعلى وهو يقول:

"ما تاخدش في بالك، تصبحوا على خير." "أنا حاسة إني قلبتلكم حياتكم وشقلبتلكم حالكم." "ما تقوليش كده واعتبري نفسك في بيتك، ويا ريت لو تروحي تستريحي لأن شكلك لسه تعبان." لتومئ فؤادة رأسها وتقول وهي تتجه إلى غرفة الضيوف مرة أخرى: "أنا متشكرة أوي على كل حاجة، تصبحوا على خير." "وإنتي من أهله." "مالها ندا يا أمي، إيه اللي حصل؟ "ماتاخدهاش يابني، هي بس افتكرت أختها." "وهو من إمتى كنا نسيناها يا أمي." لتنهض حسنة

وتربت على كتف ابنها وتقول: "أنا هروح أنام، اليوم كان طويل أوي علينا كلنا... تصبحوا على خير." "وإنتي من أهل الخير." "افهم بقى إيه الحكاية بالظبط، واعمل حسابك إني مش هسيبك قبل ما أفهم كل حاجة."

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...