الفصل 5 | من 30 فصل

رواية فؤادة الفصل الخامس 5 - بقلم ميمي عوالي

المشاهدات
21
كلمة
2,872
وقت القراءة
15 د
التقدم في الرواية 17%
حجم الخط: 18

نهض جلال من مكانه واتجه إلى مكان ندى ووقف أمامها وقال متسائلًا: "وليه مش مرحبة بوجودها يا ندى؟ ندى بلجلجة: "مش حباها يا جلال." جلال: "غريبة، رغم إنك كنتِ متعاطفة معاها جدًا في الأول." ندى بغضب: "مش معنى إني اتعاطفت معاها إنها تفضل هنا وسطنا بالشكل ده، وكمان تبقى واحدة مننا، وبعدين افرض يعني عمها واللا اللي اسمه الهلالي ده عملوا حاجة كده واللا كده، وحد من ولادي اتأذى فيها." عارف بتريقة:

"إيه يا ندى، إنتِ فاكرة نفسك في فيلم عربي واللا إيه؟ ندى: "لا يا سي عارف، ما هياش محتاجة أفلام ولا حاجة، بس ممكن يعملوا أي حاجة قدام الفلوس اللي هم عاوزينها دي ومش هيسكتوا ولا هييأسوا." حسنة: "استهدي بالله يا بنتي، ما فيش حاجة من دي إن شاء الله." حسين وهو لا يزال يتناول طعامه: "أمي وعارف عندهم حق يا ندى، ما تشغليش دماغك وما تضخِّميش الموضوع." ندى بنرفزة: "على الأقل يبقى فيه حد فينا شاغل دماغه يا سي حسين،"

وتركتهم وذهبت من أمامهم بغضب. كان جلال يقف مندهشًا من موقف ندى، ولكنه فضَّل عدم الدخول في جدال معها أمام أخيه. وفي خضم ما حدث، وجد الجميع فؤادة تقف أمامهم وهي ترتدي ملابسها التي أتت بها وتمسك بحقيبة يدها وهي تقول بوجل: "بعد إذن حضرتك يا أستاذ جلال، ممكن أقعد معاك كام دقيقة؟

التفت جلال متنهدًا إلى فؤادة وأشار لها على غرفة المكتب، فسبقته إلى هناك وتبعها وهو شبه يعلم ما تريد قوله. وما إن دلف خلفها حتى أشار لها بالجلوس دون أي كلمة وجلس أمامها منتظرًا ما ستقوله. فؤادة وهي تجلِّي صوتها: "أنا عارفة إن حضرتك ممكن ما توافقش على كلامي اللي هقوله دلوقتي... لكن أنا... جلال مقاطعًا إياها بصلف: "وطالما عارفة إني مش هوافق، يبقى لزمته إيه الكلام من أصله؟

فؤادة بتوتر وهي تعبث بثيابها بيدها اليسرى بينما يدها اليمنى منقبضة وثابتة على قدمها: "ده ما يمنعش إني لازم أحاول، أنا المفروض إني بني آدمة حرة وليا شخصيتي وحياتي." جلال بسخرية وعيناه مثبتة على يدها اليسرى وهي لا تزال تعبث بملابسها: "ما أنتِ المفروض تاخدي إجازة شوية، وأول ما ترجعي من الإجازة تقدري تعملي اللي إنتِ عاوزاه إنتِ وشخصيتك وحياتك." لِتنهض فؤادة من مكانها بغضب وقد تحول عبث يدها بملابسها إلى تشبث شديد وكأن

أحدهم سيجذبها منها وقالت: "أنا عارفة إني ضيفة على أسرة حضرتك، ويمكن كمان ضيفة غير مرغوب فيها، لكن ده ما يديكش الحق أبدًا إنك تكلمني بالسخرية دي." كان جلال ما زالت عيناه مع يدها وهي متشبثة بملابسها، وقد لاحظت فؤادة ذلك فما كان منها إلا أن زاد تشبثها بارتباك واضح للعيان، ولكنها أكملت حديثها بتوتر قائلة: "أنا... أنا عاوزة أمشي، عاوزة أروح بيتي." ليرفع جلال عينيه إليها بتركيز وقال بتساؤل: "بيتك؟ فؤادة: "أيوه...

بيتي، عاوزة أرجع إسكندرية، متهيألي عمي دلوقتي لا يمكن يتوقع إني أبقى هناك، وكمان أنا محتاجة حاجات كتير، مش هينفع أقعد بالشكل ده أكتر من كده." جلال باستفهام: "شكل إيه ده اللي تقصديه؟ فؤادة بخجل وقد بدأت يسراها تداعب ملابسها من جديد: "يعني... محتاجة هدوم وغيارات كتير، وكمان أوراق خاصة بيا، وعاوزة أرتب حياتي أشوف هعمل إيه بعد كده، مش هينفع أفضل كده كتير وأنا مش عارفة هعمل إيه." ليصمت جلال لدقيقة ثم نظر لها بتركيز وكأنه

يريد قياس رد فعلها وقال: "طب مش المفروض إنك تشركيني معاكِ في ترتيب حياتك اللي عاوزة ترتبيه ده؟ فؤادة بفضول: "أشركك إزاي يعني؟ مش فاهمة." جلال وهو يجلس باسترخاء ويضع عصاه جانبًا: "إنتِ ناسيه إن أنا وإنتِ المفروض إننا متجوزين؟ لتعود فؤادة لتوترها من جديد وتقول: "وكمان الموضوع ده، محتاجين نحط النقط على الحروف." جلال وقد عادت عيناه لمتابعة حركات يدها: "أعتقد إن كل الحروف محطوط لها النقط من البداية." فؤادة بتوتر:

"مش حقيقي، حضرتك في البداية فهمتني إننا بنعمل كده عشان المحامي نصح بده وعشان عمي ما يقدرش يعمل حاجة، وحتى قعدت معايا وعرفت عني كل حاجة، كل حاجة رغم إني لغاية دلوقتي ما أعرفش حتى اسمك الثلاثي إيه، وما اهتمتش إني أعرف، لأن المفروض إن ده شيء مؤقت، ورغم إنك قلت إن ليك تار قديم عند الهلالي إلا إني برضه ما عرفتش إيه هو التار ده وما حاولتش أسأل لأنها أكيد ما تخصنيش. لكن حضرتك دلوقتي بتحط لي قيود ما اتفقناش عليها، ولا أنا كمان موافقة عليها، أنا كده حياتي كلها بتتشل وياريتني حتى عارفة الوضع ده ممكن يستمر قد إيه، وقفت جنبي في أزمتي...

ما أقدرش أنكر فضلك ولا فضل أسرتك كلها عليَّ، لكن مش معنى كده إني أقضي عمري وأنا مش فاهمة أنا بأعمل إيه وليه وعشان إيه. لينهض جلال من مكانه ويُخرج ورقة من داخل حافظته ويمد يده بها إلى فؤادة وهو يقول: خدي دي. فؤادة وهي تفتح الورقة: إيه دي؟ جلال: زي ما أنتِ شايفة، قسيمة جوازنا، تقدري تعرفي اسمي الثلاثي منها. لتعود فؤادة ببصرها لجلال بصدمة وتقول: هو ده اللي وصل لحضرتك من كل اللي قلته؟ جلال ببساطة:

اسمعي يا آنسة، لازم تفهمي إن الوضع اللي إحنا فيه ده لو كان مش عاجبك قيراط، فهو مش عاجبني مليون قيراط، لكن لازم نتحمله على ما يعدي. فؤادة بفروغ صبر وقد بدأت عينيها تمتلئ بالدموع: أنا ما عنديش مانع إني أتحمله، بس أعرف لإمتى، وكمان أنا مش عاوزة أفضل هنا، أنا عاوزة أمشي... عاوزة أمشي. جلال وقد بدأ عليه التوتر: وليه يعني عاوزة تمشي من هنا مش فاهم؟ إيه اللي مضايقك هنا؟ فؤادة وقد بدأ صوتها يتهدج بالبكاء:

مش بيتي، مش أهلي، مش مرغوب فيَّ ولا حد عاوزني. جلال وهو يحاول تهدئتها: مين بس اللي قال لك الكلام الفارغ ده؟ فؤادة وقد بدأت تفقد السيطرة على انفعالاتها: أنا مش صغيرة حضرتك، أنا أقدر أميز قوي إن كنت مترحب بيَّ في المكان وأصحابه واللا لأ. جلال وهو يعلم الإجابة مسبقًا: ممكن تحددي لي بالاسم مين اللي مش مرحب بيكي هنا؟ فؤادة باضطراب:

لا طبعًا ما ينفعش، مهما إن كان أنتم هنا أهل في بعض، وأنا غريبة عنكم، ما ينفعش أبدًا أتسبب في مشاكل بينكم وبين بعض. جلال: مشاكل إيه لا سمح الله؟ أنا بس عاوز أعرف لإن ممكن بس تكوني فاهمة غلط. فؤادة بإرهاق: أرجوك يا أستاذ جلال، أرجوك أنا عاوزة أرجع بيتي. جلال بتنهيدة: للأسف مش هأقدر أحقق لك طلبك ده في الوقت الحاضر. فؤادة بغضب: أنا تعبت، أنا عاوزة أمشي. جلال بحزم: أوعي تفكري تعلي صوتك وأنتِ بتتكلمي معايا ثاني مرة.

فؤادة وهي ما زالت على غضبها وكعادتها تتشبث بثيابها: أنا مش محبوسة ولا في سجن، أنا هأمشي يعني هأمشي وما فيش قوة على وش الأرض تجبرني إني أفضل هنا غصب عني. والتفتت لتتجه صوب باب الغرفة ليوقفها صوت جلال وهو يقول بتحدٍ: حاولي تكسري كلامي، وصدقيني هتندمي. لتلتفت إليه فؤادة مرة أخرى وتقول بدهشة: أنا عاوزة أفهم أنت بتهددني بأنهي صفة؟ ليعود جلال إلى كرسيه ببرود ويقول: بصي في الورقة اللي في إيدك وأنتِ تعرفي.

لتنظر فؤادة ليدها التي تحمل عقد زواجهم ثم تعود بنظرها إلى جلال وتقول: بسيطة، تاهت ولاقيناها، طلقني. لينتفض جلال من مكانه ويتجه إليها ليجذب ذراعها بقسوة ويقول: أوعي تتخيلي للحظة واحدة إني مش عاوز ده ويمكن أضعاف مضاعفة ما أنتِ عاوزاه، لكن مش قبل ما اللي عاوزه يحصل، وما أسمعكيش أبدًا تكرري الكلمة دي قبل ما أنا اللي أقول لك إني خلاص هأطلق صراحك... مفهوم؟

كانت فؤادة تنظر إليه برعب شديد وهي متسعة العينين وحدقتاها تتردد ما بين عيني جلال وما إن وجد جلال ملامح الرعب تعتلي ملامحها بهذا الشكل حتى تركها والتفت بعيدًا عنها وهو يزفر أنفاسه بغضب ورفع يديه يعبث بمنابت شعره، ثم التفت إليها مرة أخرى بملامح متجهمة وقال: لو سمحتِ تروحي على أوضتك وبلاش مشاكل لغاية ما أبلغك إن كل حاجة بقت تمام وساعتها هوصلك بنفسي لمكان ما أنتِ عاوزة.

لتلتفت فؤادة وتسرع بالخروج من الغرفة وهي تعدو باتجاه غرفتها وهي تنشج بالبكاء لتغلق الباب عليها بسرعة ولا تعطي فرصة لأيٍ كان بالحديث معها، وكان الجميع يجلس ببهو المنزل ويلاحظ ما حدث بعد سماعهم لمعظم ما دار بينهم بسبب صوتهم العالي، وكان جلال في أثرها ليتأكد من وجهتها وأنها لم تخرج من المنزل. لينظر عارف إلى ندى بتأنيب ولكن وجه حديثه لأمه وقال: معلش يا أمي، ابقي حاولي تطيبي خاطرها بكلمتين. سلوى وهي تحدث جدتها:

هي بتعيط عشان ما عندهاش ماما يا تيتا، هو أنتِ ينفع تبقي ماما بتاعتها زيي؟ لينظر جلال إلى ابنته بحسرة وهو يتذكر هدى عشق سنوات صباه ليعود إلى حجرة المكتب مغلقًا على نفسه الباب ليعيش ذكرياته معها دون أن يعكر صفوه أحد. في الخارج نظرت حسنة إلى ندى بتأنيب وقالت:

أنا حذرتك يا ندى مرة واتنين وأنتِ يا بنتي ما فيش فايدة، واللي في دماغك في دماغك، كسبتِ إيه لما جرحتيها وخليتيها حاسة إنها قاعدة على قلبنا، مش كفاياها اللي هي فيه يا بنتي؟ ندى بغضب مكبوت: وإيه بقى اللي هي فيه؟ لا هي أول ولا آخر بنت أهلها يغصبوها على جوازها، والدنيا بتمشي وبتعدي، لو كل واحدة عملت زيها كده كانت هتبقى البنات كلها هربانة من أهلها. عارف: ليه يعني؟ هو كل البنات بيتجوزوا غصب؟ ندى: معظمهم. عارف:

ويا ترى أنتِ كنتِ من أنهي نوع؟ ندى: تقصد إيه؟ عارف: يعني، كنتِ مغصوبة على أخويا واللا برضاكي؟ ندى: أنا عمك رباني كويس قوي، وطول عمري بأعمل اللي بيقولوا لي عليه من غير نقاش. عارف بسخرية: أومال حالك اتبدل ليه يا بنت عمي؟ ليه المرة دي مش عاوزة تسمعي الكلام ولا تنفذي؟ واللا لازم عمي ومرأة عمي هم اللي يقولوا لك؟ ندى بغضب: أنت فاهم كويس قوي أنا ليه المرة دي كده يا عارف وبلاش تتذاكى عليَّ. حسنة:

طب ما تفهميني أنا كمان يا ندى. نظرت ندى إلى حسنة بامتعاض وقالت: معلش يا مرأة عمي، سامحيني، مش هينفع. حسنة: وليه مش هينفع يا بنتي؟ ندى وهي تشيح بوجهها: مش هينفع وخلاص، مش هتفهميني، ويمكن كمان تهاجميني. حسنة: بس على الأقل يا بنتي أبقى فاهمة. لتنهض ندى من مكانها متجهة إلى الأعلى وهي تقول: أنا رايحة أشوف ليلى أحسن سامعة صوتها بتعيط.

كان حسين يجلس بينهم بصمت وهو يرتشف قهوته ويراقب الجميع دون الدخول معهم في حواراتهم، فنظر له عارف بعد انصراف ندى وقال له: هو إيه النظام؟ حسين: نظام إيه؟ عارف: نظامك يا حسين، أنت على طول كده ضيف شرف؟ حسين ببساطة: ما عنديش دماغ لهري الستات. عارف باستغراب: هري ستات؟ يا ابني مراتك بتهري وتنكت في روحها من ساعة أخوك ما كتب كتابه على فؤادة، إيه؟ ما حاولتْش حتى تسألها ليه واللا حتى مالها؟ حسين بلا مبالاة:

وأسألها ليه طالما عارف؟ غاوي وجع دماغ على الفاضي. عارف باستياء: يا برودك، تعرف أنا لو على ذمتك، كنت... حسين بمرح: أنا اللي كان زماني طلقتك من زمان. حسنة بقلة حيلة: أنا عارفة من ساعتها إنها زعلانة عشان خاطر أختها الله يرحمها، بس مزوداها قوي. ليتبادل عارف وحسين النظرات دون أي تعليق، وبعدها نهض عارف من مكانه واتجه إلى غرفة المكتب ودق على الباب ثم دخل دون أن يسمح له جلال بالدخول.

وجده يرقد على الأريكة واضعًا يده على عينيه في هدوء شديد فتنحنح عارف وقال: إيه يا جلال، أنت هتنام هنا واللا إيه؟ جلال وهو ما زال على وضعه: أنا بس عاوز أفصل شوية يا عارف. عارف وهو يجلس بالمقعد المجاور لرأسه: طب ما تطاوعني وأنا أخليك تفصل بجد. جلال بسخرية: ما أنت عارف إني ما ليش في الهلس بتاعك. عارف وهو يضحك بشدة: والله أنت ظالمني. جلال: أنا برضه؟ واللا أنت اللي ظالم روحك؟ عارف بدفاع: أنا عمري ما عملت حاجة غلط. جلال

وهو يرفع يده من فوق عينيه: وسرمحتك يوماتي دي تبقى إيه؟ عارف بضحك: سرمحتي؟ طب ده أنا يمكن أدخل الجنة بسبب ظنكم الوحش فيَّ ده. جلال: طب تقدر تقول لي أنت بتروح فين كل يوم؟ عارف: بروح قصر الثقافة. جلال باستغراب: قصر الثقافة؟ وكل يوم؟ عارف بتريقة: آه قصر الثقافة، وكل يوم، أومال كنت فاكرني بروح فين؟ جلال وهو يحك رأسه: بصراحة حتة تانية خالص، بس أنت عمرك ما جبت سيرة. عارف ببساطة: وأنتم عمركم ما سألتم. جلال:

وبتعمل إيه في قصر الثقافة كل يوم؟ عارف: يعني، أنا وأصحابي بنتجمع هناك، ممكن نحضر ندوة شعرية، معرض فنون، أمسية ثقافية... كده يعني. جلال باستغراب: كل يوم؟ عارف: أكيد الحاجات دي مش كل يوم، بس أهو بنتجمع سوا في مكان محترم على الأقل. جلال باقتناع: في دي عندك حق، بس مين أصحابك بقى دول؟ عارف: طبعًا عادل أساسي، والباقي أنت ما تعرفهمش. ليعتدل جلال وهو يتنهد وقال: كنتوا بتزعقوا ليه من شوية؟ عارف: أنا ما زعقتش. جلال:

ندى كان صوتها عالي، إيه؟ موضوع فؤادة برضه؟ عارف: وهي بقى وراها غيرها؟ جلال باستغراب: أنا مش فاهم إيه سر القلبه اللي قلبتها عليها مرة واحدة دي؟ حتى حق الضيافة مش عاوزة تراعيه. عارف بفضول وهو ينظر لعيني جلال: صحيح مش عارف واللا مش عاوز تعرف؟ جلال باستغراب: هو إيه ده اللي هأكون مش عاوز أعرفه؟ عارف بخبث: سبب تغيير ندى وعصبيتها من ناحية فؤادة. جلال: ويبقى إيه بقى السبب ده؟ ليعتدل عارف في مكانه وهو ما

زال يركز عينيه على جلال: الشبه الكبير اللي بين فؤادة وهدى الله يرحمها، إيه؟ يعني ما أخدتش بالك؟ جلال بشرود: أخدت بالي طبعًا، بس إيه اللي يخليها تتضايق من حاجة زي دي؟ عارف بحذر: يعني، ممكن تبقى خايفة إنك تتشدلها وتخلي جوازكم بجد مش مجرد لعبة. ليرتسم الغضب على ملامح جلال وهو يقول: ده على أساس إني عيل لعبته اتكسرت فهيلهي نفسه بلعبة شكلها. عارف: تفكيرها كده. جلال: ثم في اختلاف كبير في الطبع. عارف: إزاي يعني؟

جلال بافتتان: هدى كانت ناعمة، هادية، رقيقة، عمرها ما عارضتني في كلمة قلتها، عمر صوتها ما على قدامي، هدى كانت نسمة نادية في ليلة صيف، هدى كانت ومازالت مالية قلبي لدرجة التخمة يا عارف، قلبي ما فيهوش أي مكان لأي حد تاني غيرها حتى لو كان مين. عارف: بس ده ما يمنعش إن فؤادة كمان محترمة ورقيقة. جلال: ما فيش وجه للمقارنة، تعرف... الحاجة الوحيدة المشتركة بينهم غير الملامح...

حركة إيدها وهي بتتكلم، دايمًا بتلعب في هدومها طول ما هي بتتكلم، لكن غير كده ما فيش أي وجه شبه، يا ريت تطمن ندا إن اللي في دماغها ده عمره ما هيحصل عشان تخف عن الضيفة شوية، أنا مش عاوز وجع دماغ. عارف وهو ينهض من مكانه متنهدًا: ما هيش طايقال لي كلمة، أبقى قول لها أنت... يمكن تصدقك. جلال وهو يزفر أنفاسه: ماشي، أما أشوف. عارف: بقول لك يا جلال، كنت عاوز أقول لك حاجة كده. جلال: ما تتكلم على طول، في إيه؟ عارف: فؤادة.

جلال باستغراب: مالها؟ عارف: لوحدها يا جلال، لوحدها في مكان غريب عنها، وناس غريبة عنها، ومن اللي بتشوفه حاسة إنها منبوذة، وده كتير عليها. جلال: وأنا أعمل لها إيه يعني؟ عارف: على الأقل فهمها الدنيا فيها إيه يا جلال. جلال: أنا مش فاضي للكلام ده، ولا فيا دماغ.

عارف: مش ذنبها يا جلال، البنت فجأة لقت روحها هربانة من عمها ومن عريس الغفلة، وفجأة لقت روحها متجوزة واحد ما تعرفوش، وعايشة وسط ناس مقلقين من ناحيتها، ومتحدد إقامتها، يا مؤمن ده حتى الهدوم اللي بتلبسها مش هدومها، أنت لو مكانها هتبقى مبسوط؟ جلال زافرًا: لا يا سيدي ما كنتش هبقى مبسوط، بس أنا في إيدي إيه أعملهولها دلوقتِ برضه. عارف: تاني يا جلال، ما أنا لسه بقول لك، على الأقل فهمها عشان تعرف تشوف اللي بيحصل مظبوط.

وعندما وجد جلال صامتًا وكأنه يوازن الأمر بعقله قال: دي ساعة زمن يا جلال، مش هتقعد تفهمها طول اليوم يعني، على الأقل تعرف إنك عامل على مصلحتها ومصلحتك، مش مجرد تحكمات وخلاص. جلال بامتعاض: ماشي، هبقى أتكلم معاها. عارف: ماشي، أنا خارج. جلال بابتسامة: هتتسرمح برضه؟ عارف بضحك: آه هتسرمح، تيجي تتسرمح معايا، في النهاردة ندوة ثقافية تجنن. جلال بسخرية: وعرفت منين إنها تجنن بقى إن شاء الله؟ عارف بغرور: لأن أنا اللي هديرها.

جلال وهو يومئ برأسه: ماشي يا عم، ربنا معاك، اتكل على الله. عارف وهو يتجه للخارج: كله على الله يا عمنا، وما تنساش اللي قلت لك عليه. جلال: ماشي. بعد نصف ساعة خرج جلال من غرفة المكتب، وجد والدته تجلس ببهو المنزل بصحبة سلوى وأدهم والصمت يخيم على المكان، فذهب وجلس بجوار حسنة وهو يقول: ما أسكت الله لكم حسًا، مالكم قاعدين ساكتين كده يعني، في حاجة ولا إيه؟

لتنظر له حسنة تتنهد قائلة: الدنيا بتمطر وندا ما خلتهمش يخرجوا بره، خافت عليهم، فقاعدين زعلانين. لينظر جلال إلى أدهم وسلوى ببعض العتاب وقال: وإيه الجديد يعني، ومن امتى بنخرج نقف تحت المطر، احنا المفروض كبرنا ولا إيه؟ سلوى بحزن: احنا بس كنا عاوزين نقعد تحت الشمسية نتفرج. ليأتيه صوت ندا وهي تقول باعتراض وتهكم: طبعًا... ما هو لما نشوف الكبار بيعملوا كده، هيفكروا إن ده عادي وعاوزين يقلدوه.

جلال: ومين بقى الكبار اللي عملوا كده؟ ندا بسخرية: الضيفة العزيزة يا سي جلال، أول المطرة ما ابتدت، لقيناها طالعة من الأوضة وواخدة في وشها وراحت قعدت تحت المطرة، ولسه لغاية دلوقتِ قاعدة تحتها. جلال وهو ينهض من مكانه ويتجه إلى الباب الخارجي: دي مجنونة دي ولا إيه، دي زمانها عييت. ندا: آه ما هي الظاهر خدت على كده، هي تعيا واحنا نعالجها، ما احنا ما بقاش ورانا غيرها.

حسنة ببعض الضيق: البنت قاعدة تحت الشمسية يا ابني، ما فيهاش حاجة. ندا بامتعاض: وهي بقى كده في أمان يعني، أسيب العيال بقى يخرجوا يقعدوا معاها ويعيوا عادي، ما هم بقى تحت الشمسية؟

كان جلال قد وصل إلى الباب وعندما نظر إلى مكانها وجدها تجلس تحت البرجولة التي صنعها والدهم بالماضي لكي تحميهم من الشمس والأمطار وقت لهوهم، فوقف يراقبها عندما وجدها تجلس وهي شاخصة البصر إلى السماء، مغمضة العينين، ووجهها ملئ بالدموع، تضع كفوفها على قدميها في وضع الدعاء وتتمتم بشفاهها دون توقف في خشوع شديد. لا ينكر أن منظرها يوحي بالألم ولكنه بعد بعض

المراقبة استدار لندا وقال: خفي السلخ شوية يا ندا، اللي في دماغك ده أبعد ما يكون عن بالي، اهدي على نفسك عشان غلط عليكي. ندا باضطراب: هو إيه ده اللي في دماغي؟ مش فاهمة. جلال بهدوء: لا فاهمة، وأنا مش عيل صغير، اعقلي. لتهرب ندا بعينيها إلى عينا حسنة والتي وجدتها هي الأخرى تحرك رأسها يمينًا ويسارًا بغير رضا.

بعدما انتهى جلال من حديثه مع ندا جذب المظلة المعلقة بجوار الباب وقام بفتحها وخرج من الباب وهو يتوارى بها من الأمطار حتى وصل إلى فؤادة وقال بهدوء ولكن بصيغة الأمر: قومي معايا عاوز أتكلم معاكي شوية. لتفتح فؤادة عينيها فجأة عندما تفاجأت به جوارها دون أن تشعر به، ليجد أن عينيها ككتلتين من الدماء من أثر بكائها المستمر، ووجدها ترفع يدها بسرعة لتمسح عن عينيها بظهر كفوفها وأكمامها وهي تخفض رأسها وتواري

عينيها عن عينيه فقال: قومي معايا يالا وامشي تحت الشمسية عشان ما تتبليش. فؤادة باعتراض: ممكن تنتظر شوية لما المطرة تخلص؟ جلال: وافرضي ما خلصتش، هتفضلي قاعدة كده لبكرة؟ فؤادة بعند: لا طبعًا، أكيد هقوم، بس عشان أصلي المغرب، مش أكتر. جلال: لسه المغرب هيأذن بعد ربع ساعة. فؤادة وهي تشيح بنظرها عنه: يبقى هدخل بعد ربع ساعة. جلال وهو يدير ظهره تاركًا إياها وعائدًا

للداخل: براحتك أنا كنت هفهمك اللي بيحصل مش أكتر، بس طالما مش عاوزة أنتِ حرة. وما أن انتهى من آخر كلمة حتى قالت فؤادة بلهفة: استنى لو سمحت، أنا خلاص جاية معاك. جلال بتهكم: بس لسه المطرة ما خلصتش. فؤادة بكبر: معلش... تتعوض إن شاء الله. ليشير لها جلال بالسير أمامه وهو يغطي رأسها بمظلته ويمشي خلفها حتى وصلا لباب المنزل ودلفا إلى الداخل، لتجري سلوى إلى فؤادة قائلة: هي المطرة خلصت يا طنط فؤادة؟

فؤادة: لا يا حبيبتي، لسه ما خلصتش. سلوى بخفوت: كنت عاوزة أجي أقعد معاكي وأتفرج عليها بس خالتو مش رضيت. فؤادة: معلش يا حبيبتي، هي أكيد خافت عليكي لاهدومك تتبل. سلوى وهي تتفحص ملابس فؤادة: بس أنتِ مش اتبليتِ. فؤادة: ده بس عشان أخدت بالي واتداريت منها على طول، المرة الجاية إن شاء الله ابقي اتفرجي عليها من الشباك وأنتِ بتدعي. سلوى: ماشي. جلال وهو يشير إلى فؤادة اتجاه غرفة المكتب: اتفضلي.

لتومئ برأسها وتسبقه إلى الداخل وتجلس في انتظار ما سيقوله لها. ودلف جلال خلفها بعد أن طلب القهوة والشاي من أم إبراهيم وجلس أمامها وقال: أنا هحكي لك عشان بس تبقي فاهمة أنا ليه بعمل كده، لكن لازم تعرفي إني مش هغير أي حاجة في اللي بعمله ولا مسموح لك إنك تدخلي في أي حاجة من اللي بعملها، ولا تحكي لأي مخلوق عن كلمة واحدة من اللي هقولها وخصوصًا ولاد عمك، ده شرطي الأساسي إني أتكلم معاكي وأحكي لك... قلتِ إيه؟

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...