ذهب الجميع بصحبة الصغار إلى إسطبل الخيل الذي لا يبعد كثيرًا عن المنزل، وكان المرح مصاحبًا لهم أثناء أحاديثهم معًا. محمد: أمال أخبار حسنية إيه يا فؤادة؟ فؤادة بابتسامة: الحمد لله والله يا محمد، المحصول بيتصدر بالكامل، ما بيفضلش منه حاجة. حسين: مين بقى حسنية دي؟ فؤادة بحنين: دي مجموعة كبيرة من الصوب مزروعة بأكثر من نوع من أنواع الخضار، واللي ما شاء الله إنتاجها بالكامل درجة أولى، وبابا مسميها على اسم ماما الله يرحمها.
محمد: وماتنسيش النخيل. فؤادة: فكرة نخيل الزينة ده من الأساس كانت فكرة ماما الله يرحمها، وعشان كده زي ما بابا الله يرحمه ما حكالي إنه برضه مسميه كله على اسمها، وسبحان الله، عاوزة أقول لك إن الطلبات عليه كترت جدًا وخصوصًا في القرى السياحية، لدرجة إننا ساعات ما بيبقاش عندنا كل الكميات المطلوبة. محمد: خسارة. فؤادة: ولا خسارة ولا حاجة، إحنا وزعنا الشتلات في المزارع اللي حوالينا وبنساعد بعض في تلبية الطلبات اللي بتيجي.
عارف بإعجاب: طب والله برافو عليكوا. فؤادة بفخر: بابا الله يرحمه كان معروف هنا بلقب العمدة، لأنه كان أقدم حد في تعمير المنطقة دي، وكان الكل بيشوره وبياخد برأيه وعشان كده كان دايما حابب إن الخير يعم على المكان بحاله. ليقوم محمد بضم فؤادة ومقبلًا رأسها بحنان قائلًا: عمي الله يرحمه كان فخر لكل اللي عرفه، الله يرحمه. ليردد الجميع: الله يرحمه.
كان جلال صامتًا طوال الوقت، لا يشاركهم الحديث، ولكنه كان يتابع ما يقولون في اهتمام بالغ مركزًا نظراته على فؤادة. وفي أثناء ذلك، كانت نهاد وسلمى يشاركان الصغار لهوهم مع الخيل. لتهتف نهاد وهي تنادي أخاها قائلة: ياللا يا محمد تعالى اركب معايا. محمد بشغب: لا يا ستي، روحي اركبي انتي بعيد عني. نهاد برجاء: عشان خاطري تعالى اركب معايا. فؤادة بمرح: انتي مش هتبطلي جبن أبدًا، ما تركبي لوحدك. نهاد بتمرد: أنا مش جبانة على فكرة.
محمد بخبث: لا ما أنا عارف، وعشان كده ياللا اركبي لوحدك وورينا. نهاد بمراوغة: لا، أصل ضهري بيوجعني، فببقى عاوزة حد يسندني وأنا راكبة عشان ما أقعش، قصدي عشان ما يوجعنيش زيادة. كان عارف يعض على نواجزه حتى يخفي ضحكه على تصرفات نهاد وردود أفعالها التي لا تحاول التفكير قبلها، فتخرج عفوية مثيرة للضحك والسخرية. لتميل سلمى على أذن نهاد قائلة: يا بنتي اِهمدي بقى فضّحتينا، هو انتي ما بتعرفيش تستري في حتة أبدًا؟
نهاد باعتراض وبصوت عالي: الله، ما هو عارف إني ما بعرفش أتنيل أركب لوحدي وبخاف أقع، لازم يقعد يرخم عليا كل مرة. طب أنا بقى هركب لوحدي ولو وقعت ذنبي في رقبته. ليتجه إليها محمد ضاحكًا وهو يساعدها على الصعود على ظهر الفرس قائلًا: يبقى تطلبي بأدب وتبطلي لماضة، ثم صعد خلفها بخفة وهي تصفق بيديها كالأطفال قائلة: اجري بسرعة بقى... ماشي. محمد: تحبي أعوم بيكي كمان، ولا نطير؟ نهاد وهي تصرخ بفرحة وتفرد ذراعيها بجانبها
وكأنها تستعد للطيران: امسكني كويس بس واجري بسرعة ياللا. لتسرع سلوى إلى جلال قائلة: بابا، عاوزة أركب معاك كده زي طنط وعمو وتجري بالحصان بسرعة. وقبل أن يجيبها جلال، قال عارف وهو يحملها ويتجه إلى مربط الخيل: تعالى يا حبيبة عمو معايا وأنا هركبك معايا. أدهم: وأنا يا عمو؟ عارف: خلاص ياللا تعالوا أنتوا الاتنين. ليأخذهم عارف أمامه على الجواد ويذهب خلف محمد ونهاد.
فؤادة: وأنت يا دكتور، لو تحب تركب خيل معاهم، هات ليلى وروح انبسط شوية. حسين وهو ينظر إلى سلمى: لا مش مشكلة، خلي ليلى معايا، ماليش مزاج للخيل دلوقتي. لينظر جلال إلى فؤادة قائلًا: تعالى يا فؤادة وريني كده الصوب اللي قلتي عليها على ما يرجعوا. لتفهم فؤادة على الفور أنه يريد الاختلاء بها لأمر ما، فتنظر إلى سلمى وحسين قائلة: مش هنتأخر عليكم، على ما يرجعوا نكون إحنا كمان رجعنالكم.
وتذهب فؤادة في اتجاه آخر وجلال من خلفها تاركين حسين وسلمى، لينظر حسين والذي كان يقف حاملًا ليلى إلى سلمى قائلًا: وأنتي ما بتحبيش تركبي خيل؟ سلمى: بحب طبعًا، بس ما بحبش أركبه دلوقتي. حسين: أومال بتحبي تركبيه أمته؟ سلمى: بحب أركبه وقت الشروق، وأتمشى بيه بين الزرع، بيبقى المنظر يجنن وريحة الندى على الشجر تخبل. حسين بابتسامة: ده أنتي فنانة على كده.
سلمى بابتسامة: ولا فنانة ولا حاجة، بس بحس وقتها إن فعلًا بتغسل من كل التلوث اللي إحنا عايشين فيه. حسين بابتسامة: تعرفي إن أنا كمان لما بيجيلي مزاج للخيل ما بركبهوش غير الصبح بدري زيك كده. لتبتسم سلمى وتقول: أنا هضطر أرجع على البيت عشان أشوف عايشة لا تضايق إننا سيبناها لوحدها. حسين وهو يشير إليها كي تتقدمه: اتفضلي، أنا كمان هرجع عشان أقعد مع ماما شوية قبل ما أسافر. فؤادة مشيت مع جلال لحد ما كانت الصوب على مرمى بصرهم
فشاورت لجلال عليهم وقالت: أهي هي دي الصوب اللي قلت عليها. جلال بجمود: أنا ما ندهتكش عشان كده. فؤادة: أومال عشان إيه هو في حاجة ولا إيه؟ جلال ببعض الغضب: هو أنتي مش واخدة بالك أنتي بتتصرفي إزاي؟ فؤادة باستغراب شديد: بتصرف إزاي؟ إيه اللي حصل؟ جلال: هزارك وتهريجك وضحكك العالي ده، ولا كأنك على ذمة راجل. فؤادة وقد بدأ الغضب يعتمل بداخلها: يا ريت توضح كلامك على طول، أنا ما بحبش التلميحات والكلام المتداري ده.
جلال: أنا ما أحبش إن يبقى في ست شايلة اسمي وتضحك مع ده وتتباسط مع ده. فؤادة بغضب: أنا ما أسمحلكش إنك تكلمني بالشكل ده، أنا عارفة حدودي كويس ومع الكل، مش مستنية أبدًا حد ييجي يلفت نظري لحاجة زي دي أو يعلمني أتعامل مع الناس إزاي. جلال: وهي حدودك دي تخليكي قاعدة طول الوقت في حضن ابن عمك؟ فؤادة بعدم استيعاب: ابن عمي مين؟ أنت ناسي إنه أخويا في الرضاعة؟ جلال: ولو... افرضي، برضه ما يصحش.
فؤادة برفض وتحدي: أنت شايف إني عملت حاجة حرام؟ جلال: أنا ما قلتش إنه حرام، أنا قلت... لتقاطعه فؤادة بحزم: طالما مش حرام، يبقى ما عملتش حاجة غلط. جلال بغضب: والله... طب وهزارك وضحكك مع عارف، وكمان حسين؟ فؤادة بذهول: أستاذ عارف ودكتور حسين ضيوف في بيت بابا، ومن واجبي إني أرحب بيهم وأضايفهم، وبعدين أنا برضه ما اتخطيتش حدودي أبدًا مع حد فيهم. جلال بغضب: أنا بنبهك بس عشان تاخدي بالك بعد كده وأنتي بتتعاملي مع الكل.
فؤادة وقد امتلك منها الغضب تمامًا وبدأت في القبض على أطراف ملابسها والشد عليهم بشدة وقالت: أنا واخدة بالي كويس جدًا، وما أسمحلكش لا أنت ولا غيرك إنه يعلق على سلوكي ولا يشكك في أخلاقي مهما كان السبب. جلال بدفاع: مين اللي جاب سيرة أخلاقك دلوقتي؟ فؤادة: وهو كلامك ده كله معناه إيه؟ جلال: أنا بتكلم عشان مصلحتك، أنتي لسه صغيرة، وما عندكيش خبرة كفاية بالناس، وعشان كده المفروض تقبلي النصيحة من سكات وتشكريني عليها كمان.
لتصمت فؤادة فجأة وهي تنظر بشرود خلف جلال ليطبق عليهم صمتًا رهيبًا لا يقطعه إلا حفيف النبات بسبب الهواء. وعندما لاحظ جلال صمتها وعدم ردها عليه ومجادلتها على غير العادة قال: سكتي يعني... لتقاطعه فؤادة وهي تشير له بكف يدها قائلة: ششششششششش. وقبل أن يحتج جلال على إسكاتها إياه يتفاجأ بها تتخطاه وهي تهرول في اتجاه الصوب الزراعية وتصرخ عاليًا وهي تنادي بأعلى صوتها قائلة: عم نبييييييل!
ليلتفت جلال خلفه وينظر إلى المكان الذي تنشده فؤادة، ليجد العم نبيل ملقى أرضًا وبجانبه بعض الدماء التي غطى جزء منها ملابسه، ليسرع جلال خلف فؤادة وهو يحاول اللحاق بها رغم إصابة قدمه، وأخرج هاتفه سريعًا وقام بالاتصال بحسين طالبًا منه سرعة المساعدة. وعندما وصل إلى العم نبيل، كانت فؤادة قد وصلت إليه وهي تحاول إفاقته وهي تنادي عليه مرارًا وتكرارًا بجزع لم يخلُ من بكائها.
بعد ساعة من الزمن في سكن العم نبيل، كان نبيل نائمًا في فراشه وحول رأسه ضمادة من الشاش الأبيض حوله كل من جلال وحسين وعارف ومحمد، وبالطبع... فؤادة فؤادة بجزع موجهة حديثها إلى حسين: طب هو ليه ما فاقش لحد دلوقتِ يا دكتور؟ حسين: ما تخافيش يا فؤادة، الجرح اللي في دماغه مش غويط، بس هو الخوف إنه يكون جاله ارتجاج. فؤادة: طب ننقله المستشفى عشان نتطمن.
حسين: هنصبر بس نص ساعة كمان، لو ما فاقش، ننقله، بس انتِ اهدِي بس وبلاش الرعب ده. محمد راح ناحية فؤادة، خدها في حضنه وباس راسها وقال: استهدِي بالله واحمدِي ربنا إنك شوفتيه، وإدينا لحقناه. فؤادة بحزن: ما كنتش مركزة في اللي قدامي، أنا لمحت حاجة متكومة، وفي الآخر عرفت إن هو لما لمحت إيده وفيها السبحة بتاعته. عارف: تفتكروا إيه اللي عمل فيه كده؟ ثم نظر إلى جلال قائلًا: أنت ساكت ليه كده يا جلال؟
كان جلال يقف جامدًا وهو يتابع حديثها مع الجميع وهو مركز بصره على العم نبيل، والأفكار تتوالى عليه من كل حدب وصوب، وعندما انتبه إلى سؤال عارف نظر إلى فؤادة وقال: عم نبيل لو ما فاقش هنفضل كلنا متهددين في أي لحظة. محمد بفضول: متهددين من مين؟ جلال: واضح إن إصابة عم نبيل نتيجة ضربة أخدها، وإلا إيه اللي هيعمل فيه كده؟ ولو ما فاقش وقال لنا على اللي حصل هنبقى ماشيين كلنا متغميين.
وعندما فكر الجميع في حديث جلال لم يجد منهم شيئًا آخر يقوله، وذهب تفكير كل منهم في اتجاه، ليقطع تفكيرهم تأوهات صادرة من العم نبيل، لتلتفت إليه فؤادة بلهفة وتجثو على ركبتيها أمامه وتناشده قائلة: عمي نبيل، عمي نبيل، فوق يا عمي سلامتك، فوق بالله عليك وطمن قلبي عليك. ليجذبها محمد بعيدًا عن العم نبيل قائلًا: اصبري عليه بس يا فؤادة، خليه يقدر يتنفس بهدوء عشان ما يتعبش زيادة.
ليحاول نبيل فتح عينيه بصعوبة وهو يحبس تأوهاته بصدره، وأخذ يجيل بعينيه بين الجميع ثم قال هاتفًا بوهن: الزرع يا فؤادة، الحقي الزرع يا بنتي. لتقترب منه فؤادة مرة أخرى قائلة بلهفة: سيبك من أي حاجة دلوقتِ وطمنيني عليك، حاسس بإيه؟ لينظر نبيل إلى جلال قائلًا: يبقى الحقه أنت يا بني، هيموتوه. ليقترب منه جلال قائلًا بفضول: فهمني بالراحة اللي حصل عشان أقدر أتصرف.
نبيل: كانوا عاوزين يغرقوا حسنية، ولما حاولت أمنعهم ضربوني، الحقوا الزرع قبل ما المحصول كله يموت. لتنهض فؤادة بعنف وتقول: أنا هتصرف، بس طمنيني عليك الأول. نبيل: أنا هبقى كويس، روحوا أنتم قوام.
لتسرع فؤادة إلى الخارج وبخلفها الأربع رجال، وهي تجري اتصال بأحد ما ولكن على ما يبدو إنه ما من مجيب، ولكنها لم تتوقف عن العدو والجميع خلفها، وجلال يحاول جاهدًا الاستناد إلى عصاه ومجاراة خطواتها، حتى وصلت إلى مربط الخيول، لتمتطي أحد الجياد وهي تصرخ على السائس قائلة: بلغ الأمن إن حصل اعتداء على عمي نبيل، وروح له السكن بتاعه بسرعة.
وأخذت تعدو بالجواد ليفعل مثلها الجميع، حتى وصلوا إلى بئر المياه المسؤول عن ري الصوب فوجدت موتور رفع الري يعمل وجميع الرشاشات تعمل بلا انقطاع، فما كان منها إلا أن ذهبت على الفور لفصل عملية رفع المياه، وغلق جميع المضخات.
ذهب جلال وعارف على الفور لتفقد نتيجة ما حدث ليجدوا إن المياه قد غمرت التربة بكثافة، فما كان من جلال إلا أن شمر عن ساعديه، وجذب أحد الفؤوس المعلقة على جوانب الصوب وألقى عصاه أرضًا وأخذ يحفر نفقًا من داخل الصوبة إلى خارجها لتصريف المياه الزائدة وهو يصرخ بالآخرين قائلًا: كل واحد يمسك فاس ويعمل قناية تصرف الماية دي بسرعة قبل الزرع ما يموت.
ليسرع الجميع إلى تنفيذ ما أمر به جلال، وفي خلال دقائق كان عدد كبير من العاملين قد تجمعوا على الفور عندما علموا بما حدث، وأخذ جلال يوجههم إلى ما يلزم لعمله، وفي أثناء ذلك وجد فؤادة تمسك فأسًا وتعمل وسط الجميع بيد واحدة يدًا بيد فذهب إليها مسرعًا ونزع من يدها الفأس وأخذ مكانها قائلًا بحزم: ما يصحش توطي كده وسط الرجالة.
وبدأ في العمل بدلًا منها، فما كان منها إلا أن قالت بصوت عالٍ: عاوزة الصوب كلها تتكشف، ارفعوا الصوب عشان التربة تتهوى. من حسن حظهم، إن من قام بهذه الفعلة، لم يسعفه الحظ ليتأكد من تشغيل جميع المواتير، فلم يقم إلا بتشغيل موتور واحد، فلم يكن في الوقت متسعًا أن تصل المياه إلا إلى ثلاث صوب فقط، والتي كان من المقرر ريها بعد ثلاثة أيام، فلم تكن الخسائر جسيمة.
ولكن يبقى السؤال دون إجابة يلوح في ذهن الجميع أثناء محاولتهم لإنقاذ ما يمكن أنقاذه، من فعل ذلك؟ وبعد مجهود شاق، نظرت فؤادة نظرة امتنان للجميع وقالت: ربنا ما يحرمنيش منكم أبدًا. ليعلو صوت أحد العاملين: تعيشي يا ست فؤادة، بس لازم نعرف مين اللي عمل كده. فؤادة بحزم: هنعرف يا عم فراج، لازم نعرف.
جلال: بس دلوقتِ، أنا عاوز تلات رجالة يفضلوا سهرانين جنب البير هنا، ويتعمل وردية تتغير كل اتناشر ساعة، وكمان البير التاني نفس القصة. لتنظر فؤادة إلى أحد السيدات قائلة: عاوزة الناس اللي هتبقى حراسة دي يتعمل لها الأكل ويجي لها لحد هنا، مش عاوزاهم يتحركوا من مكانهم. لينظر محمد إلى جلال ويقول: أنا شايف إنك المفروض تختار الرجالة دي بنفسك. جلال: ماشي. وبدأ في اختيار وتقسيم الرجال إلى ورديات، ثم ذهب إلى فؤادة التي قد نال
منها الإرهاق مبلغه وقال: أنتِ مش قلتِ إن في كاميرات مراقبة مغطية المزرعة كلها؟ فؤادة: أيوه، بس محتاجين نرجع البيت عشان نقدر نراجعها. جلال: طب يلا بينا. فؤادة: عاوزة أتطمن على عمي نبيل الأول. جلال: أنتِ محتاجة ترتاحي، وكمان أرهقتِ دراعك جدًا النهاردة. فؤادة بإرهاق: أتطمن على عمي نبيل الأول. وتركتْه واتجهت إلى جوادها وامتطتْه عائدة بقوى خائرة، ليلحق بها الجميع.
وعند دخولهم سكن العم نبيل، وجدوه يحاول النهوض من فراشه متكئًا على السائس، فيسرع حسين باتجاهه قائلًا: رايح على فين حضرتك؟ المفروض ترتاح. العم نبيل: عاوز أتطمن على اللي عملتوه. لتجلس فؤادة بإنهاك قائلة: ما تقلقش يا عمي، الحمد لله لحقنا الدنيا على قد ما قدرنا وصرفنا الماية. ليعود نبيل إلى الفراش ليجلس عليه بإعياء شديد فيقول جلال: لو حضرتك تقدر تتكلم يا عم نبيل، فياريت تحكي لنا على اللي حصل بالضبط.
العم نبيل: أنا كنت باشقر على الأرض، ورجلي خدتني لحد البير الشرقي، لمحت اتنين بيحاولوا يفتحوا رشاشات الري، صرخت فيهم وسألتهم هم مين و بيعملوا إيه، فجأة حد منهم ضربني بعصاية خشب على دماغي، حاولت أستنجد بحد، ما عرفتش، وخصوصًا إن تليفوني كان فاصل شحن وكنت سايبه هنا عشان يشحن، بس ما قدرتش أفضل كتير، وقعت من طولي قبل ما أوصل لحد، وما حسيتش بحاجة تاني لحد ما فوقت وشوفتكم. جلال: الاتنين دول كانوا مين يا عم نبيل؟
العم نبيل: عمري في حياتي ما شفتهم قبل النهاردة يا ابني. فؤادة: طب دخلوا المزرعة إزاي؟ محمد: يبقى لازم نشيك على أسوار المزرعة بالكامل، ما نضمنش هم ممكن يدخلوا لنا تاني منه وإلا إيه. لتنهض فؤادة قائلة بخفوت: هبعت لك أكل يا عمي، وهشوف إيه الأدوية اللي هتحتاج تاخدها وهبعت أجيبها لك، وأنت استريح. وبصت للسائس وقالت له: خليك معاه يا إبراهيم، أو ابعت له محمود يقعد معاه، أوعوا تسيبوه لوحده.
والتفتت وخرجت دون أي كلمة أخرى، فيذهب محمد خلفها مسرعًا وهو يأخذها تحت جناحه أثناء سيرها داعمًا إياها، وخرج جلال وإخوته خلفهم، ليعودوا جميعًا إلى المنزل، لتستقبلهم النساء بلهفة وجزع، ولكن محمد وعارف قاموا بطمأنتهم، وطلبت فؤادة أن يرسل أحدهم طعامًا إلى العم نبيل، وطلبت من حسين برجاء مهذب أن يكتب كل ما يحتاجه العم نبيل من أدوية حتى ترسل في طلبها، واتجهت إلى غرفتها لتغيب ما لا يتعدى العشرون دقيقة، لتعود إليهم بعد أن اغتسلت وبدلت ثيابها، واتجهت من فورها إلى غرفة المكتب الخاصة بأبيها
لتناديها حسنة قائلة: مش هتاكلي لك لقمة يا بنتي، ده أنتِ على لقمة الفطار. فؤادة: اعذريني يا أمي، اتفضلوا أنتم كلوا، وأنا هراجع حاجة وبعدين هاكل على طول. ليذهب جلال خلفها وأغلق الباب دونهم ثم قال بتعاطف: فؤادة. وكانت قد جلست خلف مكتب أبيها وقامت بإخراج شرائط المراقبة وتجهيزها لكي تقوم بمشاهدتها، ولاحظ إنها تحرك يدها السليمة ببعض الثقل، وعندما قام جلال بالنداء عليها رفعت إليه عيونها فقال مستكملًا
حديثه: أنتِ النهاردة أجهدتِ روحك أكثر من اللازم، وحاسس إن حركة كتفك مش تمام، أنتِ كتفك بيوجعك؟ لتعود فؤادة بعينيها إلى الأجهزة أمامها وتقول باقتضاب: أما أعرف الأول هم دخلوا منين وإزاي، أبقى ألتفت لأي حاجة تانية. ليتنهد جلال ويجلس بالقرب منها متسائلًا: هو مش المفروض إن بيبقى في حد شغلته الشاشات دي، ويبقى مراقبها باستمرار؟
فؤادة: الشاشات دي في نسخة تانية منها عند البوابة، وما حدش يعرف إن النسخة دي موجودة هنا غير أنا وبابا وعمي نبيل. جلال: يعني المفروض الأمن كان شايف اللي حصل ومتابعه لحظة بلحظة؟ فؤادة: المفروض. جلال بحدة حاول السيطرة عليها ولكنه فشل فشلًا ذريعًا: يعني في حد من الحرس اللي على المزرعة خان وباع؟ فؤادة بحزن: ما لهاش تفسير تاني، بس لازم أتأكد الأول قبل ما أحكم على أي حد.
وقامت فؤادة بتشغيل أشرطة المراقبة شريطًا تلو الآخر حتى وجدت بأحد الأشرطة في السور الخلفي للمزرعة، والتي تفصل أرض المزرعة عن مزرعة الزيني، شاهدوا من يخرج من الأرض في بقعة معينة ووراءه شخص آخر وهما يتلفتان يمينًا ويسارًا، وبعد أن شاهدوا جميع ما حدث، وجدوهم يعودون من حيث أتوا. فؤادة ببهوت: دول حفروا نفق من عندهم لعندنا، طب لو ردمناه دلوقتِ، هنضمن منين إنهم ما يعملوش غيره؟
جلال: الشرايط دي أكبر دليل عليه وعلى اللي عمله، ولازم تتقدم للبوليس. فؤادة: أنا حاليًا يعتبر ما عنديش محامي. جلال: ما تقلقيش، المحامي بتاعي موجود وأمين، وأهل للثقة، هكلمه يجي لنا فورًا، بس مبدئيًا لازم يبقى في حرس على النفق ده، ومش المفروض نردمه قبل ما البوليس يعاين ويتأكد من صدق كلامنا. فؤادة بامتنان: أنا متشكرة أوي، تعبتك معايا النهاردة بزيادة.
وقبل أن يجيبها جلال بأي كلمة، يستمعون لطرق خفيف على الباب، وعندما سمحوا للطارق بالدخول، وجدوا حسنة بصحبة ماجدة وهي تحمل بعض الطعام لتضعه أمامهم، ووجدوا حسنة قد أغلقت الباب خلفهما، وقالت: أنا عوزاكم تاكلوا، وأنتم بتاكلوا تسمعوا ماجدة كويس عشان هتحكي لكم على حاجة مهمة، بس الكلام اللي هتسمعوه ده مش عاوزة حد غيرنا يعرفه. فتبادل جلال وفؤادة نظرات مليئة بالدهشة ثم أشار جلال لماجدة سامحًا لها بالحديث،
فقالت بوجل: أنا خالتي تبقى أم سالم اللي بتشتغل في بيت عم حضرتك يا سى جلال، والست ندا هي اللي خلتني أجي أشتغل هنا عند الست فؤادة، عشان أنقل لها أخبار الست فؤادة وأخبار المزرعة أول بأول.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!