في صبيحة اليوم التالي، كانت الساعة قد تخطت التاسعة ببضع دقائق، وكانت فؤادة تقف على باب المنزل وهي تراقب لهو الصغار ومرحهم بابتسامة واسعة، وهم يتناولون إفطارهم بين اللهو والضحك. فقد أصرت فؤادة عليهم أن يتناولوا إفطارهم حتى تتركهم للهو، ولكنها رضخت لإلحاحهم بأنهم سيتناولون طعامهم وهم يلعبون بالحديقة. وكانت حسنة تجلس معهم وهي تراقبهم بابتسامة عذبة، ثم نظرت لفؤادة قائلة:
"عمري ما شفتهم قبل كده وهم مبسوطين وبيلعبوا بالشكل ده، الله أكبر عليهم من عينيا." فؤادة وهي تبادلها الابتسام: "ومن عينيا أنا كمان." وفي تلك اللحظة سمعت فؤادة صوت زمير عالي علمت على الفور أنه لسيارة أبناء عمها، وما كادت تعتدل في وقفتها حتى لمحت سيارتهم وهي تمر من البوابة المصفحة قبل إغلاقها مرة أخرى، لتسرع فؤادة وهي تعدو اتجاه السيارة حتى هبط منها شاب وسيم عريض الصدر وهو يسرع إلى فؤادة ليلتقطها في أحضانه ويرفعها من
على الأرض وهو يقول بمرح: "قطيعة تقطع الغربة وسنينها، وحشتيني يا زقردة." لتضحك فؤادة عاليًا وهي بين أحضانه متشبثة به بذراع واحدة قائلة: "أنت وحشتني أكتر يا قلب الزقردة من جوه." لينزلها أرضًا وهو يتجول بعينيه في وجهها بمرح ثم يقول بعتاب ذي مغزى: "ما خلاص بقى، القلب انشغل بغيري واللي كان كان." لتفهم عليه فؤادة فتقول ضاحكة وهي تغمز بعينيها: "بس سيبك أنت، أنت برضه الحبيب الأول." كانت الفتيات قد هبطن من السيارة لتقول نهاد:
"بت أنتِ، هو من لقى أحبابه نسي أصحابه واللا إيه؟ واللا نرجع إحنا وكفاية عليكي سي محمد." فؤادة بمرح: "ودي تيجي برضه يا نونو، تعالى في حضني." وقامت باحتضان نهاد بمرح، ثم التفتت لاحتضان سلمى هي الأخرى، ولكنها تفاجأت بشابة جميلة تخلب الألباب تقف خلف سلمى، فتحتضن سلمى وهي تهمس بأذنها بصوت مسموع قائلة: "إيه الصاروخ الأرض جو اللي أنتم جايبينه معاكم ده؟ لتجد محمد قد ذهب إلى تلك الفتاة وسحبها تحت جناحه قائلًا:
"دي يا ستي تبقى عايشة... مراتي." فؤادة بشهقة عالية: "أنت اتجوزت! ليشير محمد إلى بطن عايشة المنتفخة بشكل لطيف وقال بمرح: "اتجوزت وهبقى أب بعد شهرين إن شاء الله." ثم نظر إلى عايشة وقبّل رأسها وقال وهو يشير إلى فؤادة: "ودي بقى يا ستي زقردة اللي شفطت اللبن بتاع أمي وشاركتنا فيه." عايشة بابتسامة جميلة: "مرحبًا فؤادة، كيفك؟ فؤادة بابتسامة: "بالحضن يا مراة أخويا." محمد بمرح: "بس بالراحة على بعض عشان الإصابات." فؤادة:
"أنتِ جميلة أوي يا عائشة ما شاء الله." لتضحك عايشة وتقول: "اسمي عايشة مو عائشة." فؤادة بضحك: "يا أختي دايما عايشة وبخير، تعالوا ياللا ندخل." وعندما استدارت تذكرت أن حسنة خلفها فاستدركت قائلة: "تعالوا أعرفكم الأول." وأشارت إلى حسنة قائلة لمحمد وعايشة: "أقدم لكم حسنة هانم، والدة الأستاذ جلال جوزي، سلمى ونهاد اتعرفوا عليهم قبل كده." ليتبادل الجميع السلام، ثم تجد الصغار قد التفوا حولها فتقول ضاحكة:
"شفتي يا عايشة، أنا أجدع منك أنا لسه هحمل وأولد ووجع قلب، أنا جبت عيال جاهزة على طول." ثم تشير إلى سلوى قائلة: "العسلاياية دي سلوى، تبقى بنت الأستاذ جلال، والقمر ده أدهم ودي ليلى أخته، باباهم يبقى دكتور حسين وولاد عم سلوى." بعد دلوف الجميع إلى داخل المنزل قال محمد: "أومال جوزك فين؟ فؤادة: "خمس دقايق ويبقى هنا، أصل عربية أخواته عطلت في السكة فراح يجيبهم بعربيته." نهاد: "آه، ما أنا شفتهم واقفين على الطريق."
محمد باستغراب: "طب ما قولتيش ليه يا بنتي إنك تعرفيهم، كنت وقفت وشفت محتاجين إيه." نهاد: "ما أنا قلت أكيد في حد هيلحقهم عشان قريبين من المزرعة." لتنفخ سلمى بملل وهي تضرب نهاد على رأسها من الخلف قائلة: "الله يكون في عونه يا شيخة." ما هي إلا دقائق حتى سمعوا صوت زمير سيارة جلال وهو يدلف إلى المزرعة، وعندما وصلوا إلى مدخل المنزل جرى الصغار نحوهم وهم يرحبون بحسين بشدة وتعلقت سلوى بخصر عارف قائلة:
"أنا مستنياك من امبارح عشان تشيلني ونلعب سوا." أما ليلى فعندما رأت حسين تشبثت به ورفضت تمامًا أن تتركه لحظة واحدة، فاضطر أن يحيي الجميع وهو حاملًا إياها في أحضانه. فؤادة وهي ترحب بحسين: "نورت المزرعة يا دكتور حسين، أنا بجد مبسوطة جدًا إنك أخيرًا اقتنعت تيجي تقعد معانا شوية." حسين بابتسامة: "أعمل إيه بقى، عارف لما عرف إني إجازة النهاردة صمم إني أجي معاه، وبيني وبينك، البيت وحش أوي من غيركم ومن غير أمي." حسنة:
"حقك عليا يا ابني، خلاص ما تزعلش أنا هرجع معاك." سلوى باعتراض: "لا يا تيتا إحنا عاوزين نفضل هنا مع طنط فؤادة." جلال وهو يرحب بالجميع ويقوم بدور رجل المنزل: "حمد لله على السلامة يا أستاذ محمد." محمد بابتسامة: "الله يسلمك ومبروك على الجواز ولو إنها جت متأخرة حبتين." ليقول جلال بابتسامة وهو ينظر إلى فؤادة: "الله يبارك فيك ومبروك عليك أنت كمان."
كان عارف يضاحك سلوى وأدهم ولكن انتباهه بالكامل كان مع نهاد التي لم تنظر إليه بالمرة، بينما سلمى كانت تتابع نظراته لشقيقتها بعبث وهي تبتسم بخبث أثناء مراقبتها لهما. لتأتي أم إبراهيم قائلة: "الفطار جاهز يا فؤادة يا بنتي." لتنهض فؤادة وهي تقول: "تسلم إيديكي يا خالتي، ياللا يا جماعة اتفضلوا الفطار، جوعتونا على ما جيتوا."
ليذهب الجميع إلى مائدة الطعام ليجدوها تمتلئ بما لذ وطاب، وكانت فؤادة قد طلبت من سيدات المزرعة إعداد الفطير المشلتت لأنها تعلم عشق محمد له. نهاد وهي تجلس مسرعة وتختطف قطعة من الفطير: "الله الله الله، إيه الجمال ده كله، طبعًا الحاجات دي للعزيز الغالي مش كده، بس طبعًا إحنا هينوبنا من الحب جانب." ليضحك محمد وهو يساعد عايشة على الجلوس وهو يقول: "طول عمرك ما بتستريش قدام الأكل." نهاد بلا مبالاة: "يا ابني المثل بيقول إيه؟
فؤادة: "إيه يا فيلسوفة؟ نهاد: "كُلي وبحلقي عينيكِ... أكلة واتحسبت عليكِ." فؤادة ضاحكة: "طب كُلي وبحلقي بعينك كويس." نهاد ضاحكة: "أنا هبحلق ببقى." لتميل سلمى على فؤادة قائلة بحنق: "الجزمة هتطير الراجل من إيدها بهبلها ده." فؤادة بفضول: "راجل مين؟ سلمى وهي تنظر لعارف: "الهيمان السرحان... عارف أخو جوزك." فؤادة باستغراب: "وعرفتي منين إن عينه منها؟ سلمى ضاحكة وهي تهمس بإذن فؤادة: "كل لبيب بالإشارة يفهم يا أختي."
لتضحك فؤادة بشدة تلفت إليها أنظار الجميع فيقول محمد: "ما تضحكونا معاكم يا جماعة." فتنظر فؤادة بتلقائية إلى عارف وتضحك مرة أخرى وهي تحاول السيطرة على ضحكها بيدها وما إن تمالكت أنفاسها قالت لمحمد: "أنا عاوزة أعمل تحليل دي إن إيه عشان أتأكد إن العيال دول أخواتك." محمد ضاحكًا: "تصدقي الفكرة دي جات لي قبل كده بس خفت أعملها." نهاد بامتعاض: "وليه بقى يا خفيف؟ محمد بابتسامة: "شكلنا هنطلع كلنا مش من السلالة."
رغم ابتسامة محمد الواسعة إلا أن الجميع قد أحسها تقطر بالمرارة الشديدة. كان حسين يجلس لتناول الطعام وليلى بأحضانه، وعرضت حسنة أن تأخذها منه ولكن ليلى رفضت وتشبثت بأبيها أكثر وأكثر وكأنها تعوض بُعده وبعد والدتها عنها في آن واحد، فاتجهت فؤادة إلى ليلى في محاولة منها أن تأخذها من حسين حتى يستطيع تناول الطعام فقالت: "تعالي يا لولو كُلي معايا توت." فالتفتت ليلى إلى فؤادة ومدت يديها إليها كي تحملها، فقال حسين:
"بقى تبيعيني بشوية توت؟ حسنة: "يا بنتي تقيلة على إيدك." فؤادة بابتسامة: "على ما بس دكتور حسين يعرف ياكل." كانت فؤادة كلما التفتت تجد جلال ينظر إليها بحنق لا تدري سببه، ولكنها قررت أن تتجاهل نظراته حتى تأتيها الفرصة لمعرفة سببها. بعد الانتهاء من تناول طعام الإفطار، اتجهوا جميعًا إلى الحديقة لتناول المشروبات فقالت نهاد: "دراعك عامل إيه دلوقتِ يا فؤادة؟ فؤادة بابتسامة: "الحمد لله، أحسن." محمد باهتمام:
"لينا قاعدة طويلة مع بعض يا فؤادة." فؤادة: "أكيد يا حبيبي طبعًا، بس لو عايشة محتاجة ترتاح شوية ممكن تدخل تستريح." عايشة وهي تنظر لمحمد: "يا ريت يا محمد أنا فعلًا محتاجة أفرد ضهري شوي." لتنهض فؤادة وتتجه بصحبة محمد وعايشة إلى الداخل مستأذنة من الباقين. لتتجه إلى غرفة بالدور الأرضي وتدلف إليهم قائلة: "تقعدوا هنا أحسن عشان عايشة ما تطلعش وتنزل السلم وتتعب." عايشة بمرح: "والله كلك مفهومية تسلمي يا عمري." فؤادة:
"تسلمي يا حبيبتي، أنا هخلي حد يجيب لكم الشنطة بتاعتكم." محمد: "لا ما فيش داعي... أنا هجيبها.
ليذهب محمد إلى سيارته مرة أخرى، ويخرج الحقائب ويدخلها إلى المنزل، ثم يأخذ حقيبته ويعود إلى عايشة. ولكنه في أثناء ما كان يجلب الحقائب، كان يدور بعينيه بين المتواجدين، ولاحظ أن الإخوة الثلاثة كل منهم يصوب عينيه إلى جهة واحدة لا يحيد عنها. فجلال يركز مع تحركات فؤادة، وعارف مع تحركات نهاد، والتي كانت سلمى قد نبهته إلى ذلك دون علم نهاد. أما ما أدهشه حقًا فكانت نظرات حسين إلى سلمى التي كانت غافلة تمامًا عنها كغفلة نهاد تمامًا، ولكنه قد انتابه الضيق من نظرات حسين فهو قد رأى أطفاله. ولكنه تذكر أن جلال أيضًا له طفلة، ولكنه علم من شقيقتيه أن أمها توفيت منذ سنوات.
فأخذ يتساءل: هل توفيت والدة الصغيرين أيضًا؟ يا إلهي ما بال تلك العائلة التي يموت إناثها بهذا الشكل؟ وعندما أوصل محمد الحقيبة لزوجته ووضعها على الفراش وفتحها وقال لها بحب: "البسي حاجة مريحة وريحي شوية، تحبي أساعدك؟ عايشة برقة: "تسلم لي حبيبي، أنا بشوف حالي، لا تشغل حالك." ليقبلها محمد على جبينها ويتركها ليعود إلى إخوته بعد أن قال لها: "لو احتجتي أي حاجة رني عليا."
ليعود محمد إلى المجلس المجمع بالحديقة ليجد نهاد تلعب الكرة مع الصغار، وتشاركهم فؤادة بمرح بحذر خوفًا على ذراعها، بينما سلمى كانت تحمل ليلى الصغيرة من جزعها وتلعب معهم وسط الضحكات الشديدة لليلى كلما لامست الكرة. وكانت حسنة كل فينة تصرخ على فؤادة محذرة إياها من أن يصيبها أي مكروه، بينما جلس الأشقاء الثلاثة وعلى وجه كل منهم قصة تحكي على ما وراء العيون.
فكانت نظرات جلال تنم عن غيظ مدفون، كاد محمد أن يقسم أنها نظرات حانقة تكاد تقتل فؤادة. فكان لا يعلم أهي نظرات غيظ من الخوف عليها من الإصابة مرة أخرى أم هي نظرة غيرة أم هي شيء آخر لا يعلمه أحد. أما عارف فكانت نظرات عاشقة، فكانت عيناه تتابع محبوبته لا تخطئها أبدًا. كانت الابتسامة تزين عينيه قبل شفتيه كأنها ابتسامة رضا.
أما حسين فكان يتابع سلمى وعلى وجهه اهتمام لم يدرك محمد مغزاه. فكان حسين وكأنه يحلل شيء ما أو كأنه يحاول حل نظرية رياضية. فبدا وكأنه غارق لأذنيه في عملية حسابية دقيقة، مليئة بالتعقيدات والألغاز. لتلمح فؤادة محمد وهو يتابع الوجوه محاولًا قراءتها، لتنسحب من اللعب وتتجه إلى محمد لتدس نفسها في أحضانه قائلة بمرح محبب: "هو أنت مش هتنسى مهنتك دي أبدًا؟
من ساعة ما وصلت وأنت عمال تحلل في كل واحد شوية، مش عاوز تنسى أبدًا إنك دكتور نفساني." محمد وهو يهمس بأذنها: "هو حسين ده إيه حكايته؟ لتنظر فؤادة إلى حسين قائلة بفضول: "ماله؟ محمد: "فين مراته؟ ميتة برضه؟ فؤادة: "لا بعد الشر، بس هم منفصلين، بتسأل ليه؟ محمد: "مش ملاحظة مركز عينه فين؟ وعندما فهمت عليه فؤادة قالت:
"لا يا شيخ، ده بس عشان بنته معاها، لكن دكتور حسين ده شخصية محترمة جدًا فوق ما تتصور، وكمان ولاده بيعشقوه، لولاه هو وعارف الله أعلم كنت وصلت المستشفى حية واللا ميتة." محمد وهو يلتقط نظرات جلال التي تدور في فلك فؤادة: "بس واضح إن جلال بيحبك ومتعلق بيكي أوي." فؤادة بسخرية وامتعاض داخلي: "آه طبعًا، أومال إيه يا ابني! محمد وهو يضربها على رأسها من الخلف بخفة: "شوف إزاي! فؤادة باعتراض:
"يا أخي هو أنت تغيب مهما تغيب وترجع لعادتك دي ما تغيرهاش؟ محمد وهو يضمها تحت جناحه: "وحشتني المناكفة معاكي." فؤادة: "طب تعالى نقعد بقى أحسن تعبت." ليقتربوا من مجلس الإخوة وحسنة، ليجلسان بالقرب من جلال الذي يدير وجهه عنهما ويتابع لعب الصغار. فؤادة بفضول وبصوت منخفض ولكنه كان يصل لجلال: "مش ناوي تشوف عمي ولا تعرفه إنك موجود؟ محمد بجمود: "لا." فؤادة: "يا محمد ما ينفعش، ده مهما إن كان أبوك، هتفضل مقاطعه لإمتى؟ محمد:
"لحد ما يرجع لربنا يا فؤادة، المفروض إن هو اللي يدلنا على طريق الهداية مش العكس أبدًا، لولا ماما الله يبارك لها كان زماننا طلعنا كلنا زيه، ولعلمك وقت ما نهاد بلغتني باللي حصل لك ما كانش عندي أي شك إن هو اللي وراها، ولحد دلوقتي ما استبعدتوش رغم شكك في غيره." فؤادة بشهقة استنكار: "اخص عليك يا محمد، لا طبعًا عمي لا يمكن أبدًا يعمل فيا كده مهما حصل، بقى عمي يفكر إنه يموتني بإيده؟ محمد:
"وهو ما كانش هيدفنك بالحيا لما كان عاوز يجوزك اللي اسمه الهلالي ده، تقدري تقولي لي إيه الفرق؟ فؤادة بتفكير: "لا برضه يا محمد، مهما إن كان في فرق كبير، وبعدين يا محمد هو إحنا برضه يعني لينا مين غيره؟ حاول تفتكر له كل حاجة حلوة عملها عشانك أنت وإخواتك في يوم من الأيام." محمد بسخرية: "ولا حاجة." فؤادة بغيظ: "يا مفتري، بقى أنت مش فاكر له أي حاجة كويسة؟
طب على الأقل افتكر له إنه اختار إن مرات عمي العسل السكر دي تبقى مامتكم، افتكر إنه اهتم بتعليمكم." ثم أكملت بنبرة حنين: "كان دايماً بيهتم إننا نبقى متجمعين سوا مهما بعدت المسافات، وحاجات كتير ياما، ما ينفعش ننسى كل ده عشان طبع واحد مش حابينه فيه." محمد بأسى: "هو الطمع والجشع ده أي طبع برضه يا فؤادة؟ الطمع في أي حد وفي كل حاجة." لتتنهد فؤادة ولكنها تقول بمكابرة:
"برضه ما ينفعش تقاطعه كده، مهما إن كان ده أبوك، افرض لا قدر الله حد فيكم حصل له حاجة وأنتم مقاطعين بعض كده يبقى كويس يعني؟ محمد وهو يزفر أنفاسه: "أنتِ عاوزة إيه دلوقتي؟ لتضحك فؤادة وهي تنظر له بمكر وتقبل وجنته قائلة: "تقول حاضر وتسمع الكلام." ليضحك محمد بشدة وهو يقول: "يا بنتي ده أمي اللي هي أمي عمرها ما عملت معايا كده." فؤادة بمكر: "طب وعايشة يا قلب عايشة؟ ليضربها محمد على رأسها من الخلف قائلًا:
"شفتي أهو أنتِ اللي بتجيبي لنفسك التلطيش، خليكي في حالك." ليسمعوا حسنة قائلة بابتسامة: "ربنا يخليكم لبعض ويحفظكم من كل شر يا رب." لينظرا حولهما ليجدا أن الجميع كان يتابع حوارهما باهتمام شديد، لتنكس فؤادة رأسها وتنهض قائلة وهي تتجه إلى الداخل: "هخليهم يجيبوا لنا فاكهة." عارف: "يا بنتي ما الفاكهة كتير أهيه قدامنا." نهاد بصوت عالٍ: "أنا عاوزة توت يا فؤادة." لتقول سلوى وهي تجذب نهاد من يدها:
"تعالي أقول لك تجيبي توت منين." لتتصنع نهاد الجهل قائلة: "منين؟ لتشير سلوى إلى شجرة التوت قائلة: "اطلعي فوق الشجرة دي وهزي الفرع جامد هينزل توت كتير كتير، وإحنا هنلمه ونديه لدادا ماجدة ودادا أم إبراهيم عشان يغسلوه لنا قبل ما ناكله عشان بابا ما يزعق لناش." لتعض نهاد على شفتيها وهي تهز رأسها وكأنها استوعبت ما تقترحه عليها سلوى وتقول: "وتفتكري يا سلوى يا أختي أطلع أتشعبط على أنهي فرع؟ سلوى وكأنها تفضي إليها بسر حربي:
"طنط فؤادة اتشعبطت على الفرع القريب عشان كتفها ما يوجعهاش تاني، لكن أنتِ كتفك مش بيوجعك، اطلعي على الفرع اللي فوق خالص." نهاد وهي تهز رأسها للأسفل والأعلى مع كل كلمة تقولها سلوى ثم قالت: "يعني أنا أطلع فوق خالص وأهز لكم الفرع وأنتم تلموا التوت؟ سلوى بحماس: "أيوه ياللا بسرعة." نهاد وهي تحك رأسها بتفكير: "طب التوت لما يقع على الأرض أنتُ هتلموه عشان يتغسل؟ طب أنا لما أقع مين هيلمني؟
وتفتكري ينفع أتغسل بعدها واللا هيعتبروني شهيدة ويدفنوني ملفوفة في ورقة توت؟ لتنظر لها سلوى بتفكير ثم تنفجر ضاحكة بعدما تبينت مداعبة نهاد.
ليأتيهم محمد وهو يضحك بشدة ويتجه إلى الشجرة ليتسلقها بمهارة فائقة ويهز لهم أفرع الشجرة بشدة لتتساقط عليهم حبات التوت وهو يتقافزون بمرح تحتها، وجرت نهاد إلى المائدة الموضوعة لتفرغ حبات الفاكهة على المائدة وتلتقط الوعاء وتعود إلى تحت شجرة التوت وهي تشجع الصغار على مساعدتها لجمع حبات التوت. وعندما هبط محمد أرضًا مرة أخرى كانت فؤادة قد عادت إليهم وهي تقول بمزاح:
"لا والله تعبي معاك ما راحش على الفاضي، ده أنا قلت عيشتك مع الخواجات نستك العلام اللي علمتهولك." محمد بفخر زائف: "يا بنتي دايماً التلميذ بيتفوق على أستاذه." ثم يعود محمد ليجلس بجوار جلال قائلًا: "وأنت أخبارك إيه يا جوز أختي؟ عرفت من البنات إنك بتدير الأرض بتاعتك." جلال:
"والدي الله يرحمه كان عنده أرض جزء منها جناين وجزء بنزرعه محاصيل عادية، وإخواتي قرروا إن أنا اللي أشرف عليها وأراعيها، الدكتور حسين مشغول بشغله والعيانين بتوعه، والأستاذ عارف عايش حياته ما بين التدريس وقصر الثقافة والندوات بتاعته." محمد وهو ينظر لعارف: "تصدق من ساعة ما شفتك وأنا عمال أقول شفتك فين قبل كده؟ دلوقتي بس افتكرتك." عارف بابتسامة: "الحقيقة أنا افتكرتك من ساعة ما شفتك بس ما حبيتش أتطفل عليك." فؤادة:
"إيه الحكاية؟ أنتُ تعرفوا بعض واللا إيه؟ عارف بابتسامة: "هي مش معرفة مباشرة، بس أنا حضرت أكتر من ندوة كان بيشارك فيها دكتور محمد وهو كمان حضر لي أكتر من ندوة." حسين باستغراب: "حضرتك دكتور؟ محمد: "دكتور أمراض نفسية وعصبية، وحضرتك؟ حسين: "تشرفنا، أنا باطني، لكن إن شاء الله بعد ما أخلص الدكتوراه بتاعتي هتخصص دكتور باطنة وقلب." محمد:
"ربنا يوفقك إن شاء الله، أنا الحقيقة استغليت الفترة اللي سافرتها وخلصت الماجستير بتاعي هناك، عايشة الحقيقة ساعدتني مساعدة عمري." فؤادة: "هي عايشة جنسيتها إيه صحيح يا محمد؟ محمد: "عايشة من سوريا، لكن تعتبر عايشة طول عمرها في فرنسا مع عمها، هو اللي مربيها." فؤادة بفضول: "واتعرفت عليها إزاي احكي لي؟ محمد بضحك: "هو أنتِ يا بت مش هتبطلي الحشرية دي؟ فؤادة بتوعد:
"ماشي ماشي، مش عاوزة أعرف حاجة، بكرة تيجي تتحايل عليا عشان تحكي لي وأنا اللي ما أبقاش عاوزة." محمد بمغزى: "هبقى أحكي لك بعدين، بس قولي لي دلوقتي أخبار الراجل اللي عامل لك مشاكل ده إيه؟ فؤادة: "ما أنت عارف، بيفضل مستخبي في الدرة وتلاقيه فجأة عمل لك أي مشكلة كده ويرجع يختفي تاني." محمد: "عمل لك حاجة تاني من ساعة ما جيتوا؟ فؤادة وكانت تشير إلى جلال: "الحقيقة لا، بس الأستاذ.... لتصمت فؤادة وهي تبتلع لعابها، ثم أكملت
بعدها بشيء من التردد: "أقصد يعني إن جلال عاوزنا نعمل اجتماع مع أصحاب المزارع اللي حوالينا بما فيهم هو بحيث إننا نشوفه وجهًا لوجه." محمد بإعجاب بالفكرة: "وليه لا، أنا شايف إنها فكرة كويسة، أحيانًا لما بتشوفي عدوك وجهًا لوجه بتقدري تحددي الطريقة المناسبة اللي تحاربيه بيها، وياريت الاجتماع ده يتعمل وأنا موجود." فؤادة: "أنا مش معترضة على الفكرة بس أنا عارفة إن الزيني جبان واحتمال كبير ما يحضرش." محمد:
"تبقى ما خسرتيش حاجة، وكل أصحاب المزارع لما يعرفوا إنك مش لوحدك وحواليكي جوزك وأخوكي، أكيد الكلام هيوصل له وهيعرف إنك ما بقيتيش لوحدك." عارف: "أنا ممكن أجي لكم يوم الاجتماع ده أحضره معاكم بس عرفوني المعاد قبلها بيوم." حسين: "وأنا كمان لو قدرت أجي معاه هجي لكم." فؤادة بامتنان: "أنا مش عارفة أشكركم إزاي." حسين بابتسامة: "أنتِ إنسانة جميلة يا فؤادة، وكلنا ممنونين جدًا للقدر اللي خلاكي موجودة وسطينا."
محمد وهو يشاغب فؤادة: "طب ما تحكي لي أنتِ بقى اتعرفتي على جلال إزاي وإمتى رغم الحراسة المشددة اللي كانت عليكي؟ لتلتفت فؤادة لجلال وهي زائغة الأعين لا تدري بماذا تجيبه، ليقول جلال بمرح: "وليه الإحراج ده بس يا دكتور، في حاجات كده لما بتفضل مستخبية، بتفضل محتفظة بجمالها." محمد بمرح وهو ما زال على مشاغبته لفؤادة: "يا زيدي يا زيدي على الكلام الحلو، ماشي يا عمنا ربنا يهنيكم ويسعدكم جميعًا."
ليأتي أدهم ويرتمي في أحضان أبيه قائلًا: "مش هتيجي تتفرج معايا على الخيل بتوع طنط فؤادة يا بابا؟ دي عندها حصان حلو أوي وأنا ركبته وقعدت ألف بيه كتير." حسين بابتسامة: "لو طنط فؤادة وافقت نروح." فؤادة بترحيب: "يا خبر يا دكتور، اتفضل، وخد راحتك البيت بيتك والمزرعة مزرعة أختك." حسين بود: "الله يكرمك." لتقول نهاد: "ياللا يا محمد نروح إحنا كمان." لتنهض فؤادة قائلة: "خلاص، تعالوا ياللا نروح كلنا على هناك على ما الغدا يجهز."
كانت ماجدة تنصب أدوات الشواء في الحديقة بالقرب منهم فالتفت إليها حسين بدهشة قائلًا: "إيه ده، إزيك يا ماجدة، والدتك عاملة إيه دلوقتي؟ لتترك ماجدة ما بيدها وتقترب من حسين مرحبة برؤيته وتنحني على يده في محاولة لتقبيلها ولكن حسين يبعد يده عنها مستغفرًا. ماجدة: "إزيك يا دكتور، يا ألف مرحب، أمي دايماً بتدعيلك وكلنا بندعي لك والله كل ما نبص في وشها." حسين: "وهو أنتِ بتشتغلي هنا، إيه اللي حدفك بعيد كده؟ جلال:
"لما طلبت من أم إبراهيم تشوف لي واحدة تهتم بفؤادة وتساعدها عشان دراعها جابت لي ماجدة." ثم أكمل بفضول: "أنت تعرفها منين؟ حسين: "كانت أمها عندنا في المستشفى، كان عندها مشاكل كبد على سكر على ضغط، وهم حالتهم على قدها، فما كانوش بالوعي الكافي إنهم يلحقوها من زمان، والمستشفى كانت في أدوية كتير مش متوفرة لحالتها، فكانوا بيشتروها من بره." جلال: "طب وهم برضه يقدروا على المصاريف دي؟ حسين:
"ما أنا خليتها خرجت من المستشفى، وكنت بروح لها البيت، وربنا كرمني وقدرت إني أوفر لها العلاج بتاعها لحد ما حالتها اتحسنت، وساعدتها تعمل بعد كده علاج على نفقة الدولة عشان حالة الكبد بتاعتها محتاجة رحلة طويلة شوية." ماجدة بامتنان: "كانت أول مرة نعرف إن الدنيا فيها خير بصحيح، ربنا يكرمك ويديك كل خير من عنده يا رب." حسين: "شكرًا يا ماجدة، تسلمي." لتقف ماجدة بتردد وتقول:
"إنما يعني ما تؤاخذنيش يا سي الدكتور، هو حضرتك تقرب للست فؤادة؟ حسين بابتسامة: "أنا أخو جوزها يا ماجدة، ولو عاوزة تشكريني بجد، خلصي الشوي بسرعة عشان أنا بعشق المشويات." لتسرع ماجدة بالعودة إلى ما كانت تفعله وهي تقول: "من عينيا يا دكتور." لينهض الجميع متجهين إلى إسطبل الخيل لتمضية وقت لطيف.
ولكن حسنة اعتذرت لهم وأصرت على البقاء بحجة عدم قدرتها على السير كثيرًا، وأنها ستتولى الإشراف على تحضير الغداء حتى يحين موعد عودتهم. وبعد انصراف الجميع لاحظت أن ماجدة تقف أمام الشواء وهي توزع الهواء من حوله وهي مدمعة العين وتمد يدها بين الحين والآخر لتمسح دموعها، فظنت أنها لا تتحمل دخان الشواء فاقتربت منها قائلة: "لو الدخان هيتعب عينك يا بنتي كده، روحي أنتِ وأنا هقف بدالك." ماجدة باعتراض وصوتها يعلو بالنحيب:
"لا يا ست الحاجة تسلمي." فأدركت حسنة أنها تبكي لسبب آخر فقالت لها: "مالك يا بنتي؟ في حد ضايقك؟ لتتفاجأ حسنة بماجدة وهي ترتمي عند أقدامها باكية تحاول تقبيلها وتقول من بين نحيبها: "سايقة عليكي النبي يا ست الحاجة تسامحيني وتخليهم يسامحوني، ما كنتش أعرف إنكم أهل الغالي أبدًا." حسنة بعدم فهم: "نسامحك على إيه يا بنتي؟ أنا مش فاهمة حاجة." لتعتدل ماجدة قائلة من بين بكائها:
"أنا هحكي لك على كل حاجة يا ست الحاجة، ومش هخبي عليكي أيتها حاجة."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!