كانت فؤادة تعيش أسعد لحظات عمرها، وهي تعرف للمرة الأولى معنى أن تحب شخصًا ما، وأن يبادلها ذلك الشخص تلك العاطفة الجياشة. جلال، ذلك الرجل الذي كان دائمًا يعلو وجهه الجمود والغضب، والتي كانت تحاول تجنب الدخول معه في أي حديث، ولكنها كثيرًا ما كانت تفشل في ذلك. ذلك الرجل الذي كانت تتشبث بملابسها أثناء وجودها أمامه أو الحديث معه. أين الصلة بين هذين الرجلين؟ أين الرابط بين هذين الجلالين؟
فجلال الأمس.. ذلك الرجل الصارم المتشبث برأيه دائمًا دونما أي اعتبار لمشاعر من حوله، وجلال اليوم.. ذلك الرجل الذي لا تفارقه ابتسامته المتأملة دائمًا في وجهها، جلال الحنون الذي يهتم بكل شؤونها. فبين ليلة وضحاها، جعلها تنسى كل ما مر عليها في حياتها، ولا تتذكر سوى عشق هذا الجلال لها.
كانا يجلسان ليلًا بحديقة المنزل، وكانت تجلس بجواره وهي معلقة بصرها بالسماء تراقب النجوم، وجلال ضامًا إياها إلى صدره، وهما مستمتعان بهدوء المكان بعد أن خلدت سلوى إلى النوم. ليقول جلال وهو يعبث بأصابعه في كتفيها: "مش بردانة؟ فؤادة: "احنا على أبواب الربيع، الجو ابتدى يدفى." جلال: "بس لسه الشتا ما خلصش لحد دلوقتي." فؤادة بابتسامة: "دي بالذات ما ينفعش أنساها، ما تقلقش." جلال: "بيقولوا هيبقى في مطرة تاني على آخر الأسبوع."
فؤادة: "من غير ما يقولوا، ده بيبقى معادها، أنت ما شفتش الدنيا لما بتمطر هنا بتبقى الدنيا عاملة إزاي! جلال بفضول: "بتبقى عاملة إزاي؟ فؤادة: "أحيانًا بتبقى عاملة زي السيول." جلال: "المطرة دي بتبقى رزق وخير من عند ربنا." فؤادة: "الحمد لله." جلال: "ما قولتيليش، عاوزانا نتحرك إمتى بكرة واحنا ماشيين؟ فؤادة: "زي ما تحب." جلال: "عشرة كويس؟ فؤادة: "كويس أوي." جلال: "عاوزة تحضري حاجة معينة عشان عمك أو محمد؟ فؤادة:
"أنا وصيت عمي نبيل يحضر لنا فاكهة عشانهم وعشان والدتك وإخواتك، وهيبقوا جاهزين الصبح إن شاء الله، والستات كمان من بدري هيجهزوا من خيرات الله." جلال: "وأمي كمان جهزت عندها حاجات زي كده عشان عارف ياخدها معاه وهو رايح، ولو تحبي نعدي على عمك الأول قبل ما نروح نوديلهم الحاجات دي ماشي." فؤادة بابتسامة: "متشكرة أوي يا جلال، تعبتك معايا." جلال بحب: "أوعى تقولي كده، أنا ما عنديش أعز منك."
وفي اليوم التالي، بعد أن تم تجهيز كل ما طلبته فؤادة، قاموا بتوديع الجميع بعد أن أوصاهم جلال على المزرعة، ووعدتهم فؤادة أن غيابها لن يطول عن بعض الأيام القلائل.
واتجه جلال بسيارته مصطحبًا فؤادة وسلوى وماجدة التي كانت في قمة سعادتها بأنها أخيرًا ستلتقي بأهلها بعد غيابها عنهم تلك الفترة الطويلة بالنسبة لها. وقبل التوجه إلى بلدتهم، قاموا بالمرور أولًا على منزل عمها، لتساعد ماجدة حارس العقار على توصيل كل ما تم تجهيزه لأسرة عمها، ثم اتجهوا بعد ذلك إلى منزل جلال.
وما أن وصلت سيارة جلال إلى السياج الخارجي للمنزل، حتى وجدوا أدهم وليلى يسرعان إليهم بفرحة عارمة، وهما يتبادلان التحية الحارة وسط ضحكات جلال وفؤادة العالية، ليقول جلال: "ياللا طيب دخلونا وإلا فاكرينا هنرجع تاني؟ أدهم: "لا يا عمو، لو رجعتوا تاني هاجي معاكم." ليأتيهم صوت حسنة وهي تقول بسعادة: "ومين ده اللي هيخلي حد فيهم يروح في حتة تاني؟ لتسرع إليها فؤادة وتحتضنها بحب شديد قائلة: "وحشتيني يا أمي، وحشتيني أوي." حسنة بحب:
"وأنتِ يا بنتي وحشتيني أكتر، المفروض إننا كلنا نكافئ عارف وأبو زهرة إنهم اتسببوا إنك تجيلنا هنا من تاني." ليأتي إليهم جلال ويحتضن أمه ويقبل يديها، ثم يضم فؤادة تحت جناحه وهو ينظر لأمه ويقول بابتسامة: "ويا ترى لو أنا اتسببت إنها تفضل معانا على طول، هتكافئينى أنا كمان بإيه؟ حسنة بشهقة عالية وهي تضع كف يدها تغطي فمها وهي تنظر بذهول إلى فؤادة التي تورد وجهها خجلًا وجعلت تنظر للأرض: "جد يا فؤادة؟ طمني قلبي يا بنتي."
لتومئ فؤادة رأسها بخجل فتنظر إليهم حسنة في سعادة بالغة وتضمهم إليها بكلتا ذراعيها وهي تقول بفرحة عارمة: "ده يبقى يوم الهنا والسعد، ربنا يهدي سركم ويبعد عنكم كل حاجة وحشة يا رب." وعند دلوفهم إلى الداخل تفاجئوا بندا وهي تقف تراقبهم في صمت شديد وإن كانت أعينها تمتلئ بالدموع، وما أن رأتها سلوى حتى جرت إليها محتضنة جذعها قائلة: "خالتو ندا، وحشتيني." ندا وهي تنظر لسلوى بعتاب: "وحشتك إيه بقى؟
ده أنتِ نسيتيني خالص، وما كلمتينيش حتى ولا مرة." سلوى ببراءة: "أصل أنا كنت عاوزة أفضل مع ماما هناك، عشان المزرعة بتاعتها حلوة أوي." ندا بحدة: "مين ماما دي؟ سلوى بتلقائية شديدة: "ماما فؤادة." ندا بغضب وهي تمسك ذراع سلوى بعنف: "أنتِ أمك اسمها هدى، وأمك ماتت ومالكيش أم تانية، وإياكِ أسمعك بتقولي كلمة ماما دي لأي حد تاني... أنتِ فاهمة؟ جلال بغضب:
"ندا.. الزمي حدودك، أنتِ مالكيش هنا أي صفة أصلًا عشان تتكلمي في حاجة ما تخصكيش من الأساس." ندا بحدة ووجهها غارق بعبراتها: "قدرت تنسى هدى، قدرت تحط واحدة تانية مكانها، سمحت لبنتك تنده لواحدة غيرها بكلمة ماما اللي منعتها تقولهالي رغم إن أنا اللي ربيتها طول السنين دي، إزاي قلبك سمح لك تعمل كده إزاي.. أنت مش أكتر من راجل خاين." جلال بعنف: "أنا عمري ما كنت خاين." ندا بعنف مماثل:
"لا خاين، لما تنساها تبقى خاين، لما تستبدلها بواحدة غيرها تبقى خاين، وأوعى تفكر إنك لما تجيبلها بديلة تشبهها ما تبقاش خنت يا جلال يا جوز أختي." لتتركهم ندا مهرولة إلى الأعلى وهي تبكي بشدة، بينما يقف جلال بشموخ رغم انتفاضة جسده الواضحة للعيان نتيجة غضبه الشديد.
أما فؤادة فكانت تضم سلوى بأحضانها وهي تربت عليها بحنان بينما عيناها لم تترك وجه جلال للحظة واحدة، فكان رغم جموده، إلا أن عينيه كانت تشتعل غضبًا وحزنًا في ذات الوقت مع تنفسه الحاد الواضح للعيان، فكان صدره يعلو وينخفض بشدة وكأنه في حلبة سباق.. مما جعلها تعتقد أنه قد ندم على تصريحه بحبه لها، وقد كان اعتقادًا قاتلًا موجعًا بشدة.
وكانت على وقفتها لا تعلم ماذا تفعل أو ماذا تقول، حتى راودها عقلها أن تعد من حيث أتت، إلا أن صوت حسنة قد انتشلها مما هي فيه حين قالت بهدوء: "ياللا يا أولاد غيروا هدومكم، زمان عارف وحسين جايين، عشان نلحق نتغدى ونستعد للي ورانا." ليقول جلال بجمود: "معلش يا أمي، أنا هروح أبص على الأرض على ما إخواتي يرجعوا، وهاجي على معاد الغدا."
وتركهم وانصرف دون أن ينظر إليها نظرة واحدة، فكانت ما زالت تشعر باحتياجها لنظرة من عينيه تطمئنها أنه لا زال على عهده معها، وأنه لم يندم على طلبه توطيد علاقتهما. فكانت تضم سلوى بيد واليد الأخرى تعبث وتتشبث بشدة بثيابها مما لفت انتباه حسنة، فاقتربت منها وربتت على كتفها قائلة بحنان: "ما تخليش اللي حصل ده يشغل بالك يا بنتي، ولا تخليه يعكر صفو حياتك، ياللا اطلعي غيري هدومك وتعالى، سلوى هتوريكي أوضة جوزك." فؤادة بشرود:
"لا يا أمي، الوضع مش زي ما أنتِ فاهمة، لسه شوية، من فضلك أنا هرجع نفس الأوضة اللي كنت فيها." سلوى وهي تتشبث بفؤادة: "لا يا ماما، خليكي معايا في أوضتي، عاوزاكي تنامي معايا زي ما كنا هناك... عشان خاطري." لتومئ فؤادة رأسها بقلة حيلة في صمت شديد، وتتجه مع سلوى إلى الأعلى، وما أن دلفت إلى غرفة سلوى حتى قالت: "ادخلي ياللا اغسلي وشك وتعالى عشان أساعدك تغيري هدومك."
وما أن دلفت سلوى إلى الحمام إلا والتفتت فؤادة باتجاه خزينة الملابس لتجد صورة كبيرة لشابة جميلة معلقة فوق الفراش، ولأول وهلة علمت أن تلك الشابة ما هي إلا هدى. لتقف وهي تتأملها في شرود ليأتيها صوت ندا من خلفها وهي تقول بغل دفين: "عرفتي اتجوزك ليه؟ عرفتي عاوز يقلب التمثيلية حقيقة ليه؟
عشان كربونة منك، من يوم ما دخلتي البيت ده وأنا عارفة إنه هيشوفها فيكي، من أول لحظة عرفت إن ده هيحصل، وحاولت أمنعه بكل قوتي، بس في الآخر برضه حصل. أوعى تفكري إنه هيحبك في يوم من الأيام،" ثم أشارت إلى الصورة المعلقة وقالت بقسوة: كل مرة هيعترفلك فيها بحبه هيكون بيعترف لهدى. كل مرة هياخدك في حضنه هيتخيلك هي. كل كلمة حلوة هتبقى ليها وكل لمسة هتبقى هي اللي قصاده. رميتي نفسك في وهم كبير أوي...
اكرملك تاخديها من قصيرها وترجعي لحياتك وتسيبينا لحياتنا اللي خربتيها من يوم ما دخلتي بيننا. ثم تركتها وانصرفت. وليس من الغرفة فقط بل من المنزل بأكمله. أما فؤادة فكانت تسمع لكل كلمة وهي شاردة مع ملامح هدى. فحقا يوجد هناك شبه كبير فيما بينهما إلى تلك الدرجة. وأخذت تربط بين كلمات ندى المسمومة، وبين ملامحها الشبه متطابقة لملامح هدى وقد أصبحت شبه متيقنة من صحة كل ما قالته لها ندى. لتهوي بجسدها على الفراش وهي
تفكر في اتجاه واحد فقط: كيف لها أن تترك جلال دون أن يؤثر ذلك على زواج نهاد وعارف؟ لتنهض من مكانها فجأة وتخرج هاتفها وتقوم بالاتصال بمحمد على الفور. عند عودة جلال من الخارج، كان الجمود مازال مرتسمًا على ملامحه. ووجد إخوته في انتظاره، وحسنة تجلس معهم بصحبة الصغيرين أدهم وليلى. ولكنه لم يجد من بينهم فؤادة أو سلوى. وبعد أن تبادل التحية مع إخوته قال: "أومال فؤادة وسلوى فين؟ حسنة وفي نبرتها بعض العتاب لجلال:
"محمد جه أخد فؤادة عشان محتاجلها معاه النهاردة، وسلوى شبطت فيها فأخدتها معاها هي وماجدة." جلال بغضب: "وإزاي يعني تروح من غير ما تقوللي ولا تستأذني؟ حسنة وبغضب لم يره جلال من أمه منذ سنوات: "وتقول لك بمناسبة إيه؟ بمناسبة إنك سيبتها ومشيت من غير حتى ما تطيب خاطرها بكلمة واحدة بعد السم اللي سمعته من ندى." حسين باستغراب: "ندى... هو إيه اللي حصل يا أمي؟ حسنة:
"اللي حصل إن أخوك الكبير العاقل اللي دماغه توزن بلد، أول ما سمع كلمتين خايبين من ندى، ساب البنية واقفة في وسط هدومها وهي مش عارفة راسها من رجليها. كان لسه بيقوللي إنهم خلاص هيفضلوا مع بعض على طول وفرحانين ببعض، يقوم أول ما ندى تفكره بهدى، ينسى كل حاجة ويجري يهرب ويسيبها." جلال بدفاع: "أنا ما هربتش يا أمي." حسنة بحزم: "لا هربت. تقدر تقوللي كنت فين؟ سيبتها ودمعتها على خدها وروحت فين يا جلال؟ وإلا تحب أقول لك أنا؟ لينظر
لها جلال بحزن فتكمل قائلة: "روحت لهدى مش كده؟ لينكس جلال رأسه فتقول حسنة مرة أخرى: "اسمع يا ابني... ربنا قال في كتابه الحكيم: (وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل) ولو مش هتبقى عادل مع مراتك... سيبها تشوف حياتها وعمرها. ما تبقاش أنت والزمن عليها. الهلالي كان طمعان في أرضها وأنت طمعان في عمرها وياريتك هتقدره وتصونه." جلال باستغراب: "أنتِ شايفاني أناني كده يا أمي؟ حسنة بتأكيد:
"أيوه أناني يا جلال. اسمعها مني يا ابني... أنت النهاردة ما بصتش غير على وجعك أنت وبس. طب ووجعها هي يا ابني؟ ذنبها إيه تتوجع الوجع ده وأنت حتى ما تفكرش تطمنها ببصة واحدة من عينك." حسين بقلة صبر: "ممكن حد يفهمني ندى قالت إيه خلت كل ده يحصل؟ لتقص عليهم حسنة ما فعلته ندى وقالته عندما رأت جلال مع فؤادة وعند سماعها لسلوى وهي تناديها على أنها أمها. عارف:
"ممكن تفكوا التنشنة دي شوية وتروقوا كده، وخلونا في زيارة النهاردة، وإكيد جلال هيلطف الجو مع فؤادة أما يشوفها، وإلا إيه يا جلال؟ ليذهب جلال من أمامهم متجهًا إلى الأعلى دون أن ينطق بكلمة واحدة. عند سالم... كان الجميع مشغول بتحضيرات العقيقة التي أعدها سالم ومحمد من أجل زهرة. حتى فؤادة تناست مؤقتًا كل ما حدث واندمجت مع الجميع وهي تساعدهم في تلك التجهيزات.
وقام سالم ومحمد بتجهيز سطح البناية بمساعدة الحارس وبعض الجيران حتى يقوموا بالاحتفال بداخله. وقد قام محمد بإنارته وتجهيزه بالموائد والمقاعد.
وكان هناك جمع من المعارف والزملاء والجيران متواجدين بالفعل قبل وصول جلال وإخوته ووالدته. وما أن دلفوا إلى المكان إلا ووجدوا محمد وسالم في استقبالهم. وما أن رحبوا بهم حتى اصطحبوهم إلى مائدة كبيرة وهي تبدو أنها المائدة الرئيسية في الاحتفال. فقد كان يجلس إليها جميع أفراد أسرة سالم بما فيهم فؤادة والتي وجدوها تحتضن سلوى والتي كانت هي الأخرى تحتضن زهرة الصغيرة بفرحة شديدة تحت رعاية فؤادة التي كانت تراقبهم بحنان بالغ والتي سرقت به أعين جلال التي سافرت مع ابتسامتها إلى مكان بعيد يخلو من جميع من حوله حتى انتبه على
صوت محمد وهو يقول بمرح: "مراتك وبنتك من ساعة ما جم وهم مستولين على بنتي ومش مدين فرصة لحد يلمسها." لترفع فؤادة عينيها لتصطدم بعيني جلال المسلطة عليها، لتهرب منهما سريعًا إلى محمد وهي تقول: "معلش، سيبنا نشبع منها شوية، قبل ما كل واحد يروح لحاله."
لم يدرِ جلال سر تلك القبضة الحديدية التي لكمت قلبه بقوة عند سماعه لتلك العبارة. كان يتمنى أن ترفع وجهها إليه لكنها أبت أن تفعل ذلك. وقبل أن يفيق من شروده، وجد محمد يسحبه بعيدًا عن الجميع وهو يقول له في فضول: "إيه اللي حصل؟ جلال باستفسار: "حصل في إيه؟ محمد باستياء: "أنا سيبتكم في المزرعة وكانت الحال غير الحال، إيه اللي حصل بينكم خلاها في الحالة دي؟ ليستدير جلال سريعًا وهو يلقي بنظره على فؤادة بتركيز ويقول متسائلًا
بلهفة: "مالها فؤادة؟ محمد: "أنا اللي بسألك يا جلال... مالها فؤادة؟ فؤادة مش في حالتها أبدًا، وواضح إن حصل حاجة كبيرة." ليقص جلال على مسامعه ما حدث باختصار شديد. لينظر له محمد بخيبة أمل ويقول: "ليه يا جلال؟ ده أنا فرحت لما كلمتني في التليفون وحكيتلي على التطور اللي حصل بينكم." جلال: "ما كنتش أقصد صدقني، بس أنا ناوي أصالحها، بس فهمني إيه اللي حصل؟ محمد بسخرية:
"أنت عارف إنها مش هتقول حاجة، بس أنا حسيتها مشحونة، ومش لاقية متنفس تفضي الشحنة اللي جواها، بس اللي لفت نظري أكتر إنها وهي بتتكلم مع بابا سمعتها بتقول له إنها راجعة المزرعة تاني بكرة، ولما بابا سألها إن كنت هتبقى معاها وإلا لا، نفت ده، وقالت إنك مش فاضي، وعندك مشاغل كتير هنا محتاج لك." جلال بغضب مكبوت: "ومين اللي هيسمحلها تعمل ده؟ محمد: "أعتقد إنك عارف كويس إن فؤادة ما بتجيش كده أبدًا." جلال:
"عمومًا، أنا هتصرف ما تقلقش." محمد بتمني: "ربنا يستر." جلس جلال بصحبة عارف وحسين مع سالم ومحمد لتحديد موعد زواج عارف ونهاد، وطال نقاشهم، حتى نهض سالم قائلًا بصوت عالي: "يا جماعة، طبعًا إحنا كلنا متجمعين مع بعض النهاردة عشان نحتفل مع بعض بزهرة بنت محمد ابني... وأول حفيدة ليا، لكن الحقيقة في مناسبة تانية لازم نحتفل بيها."
ليشير سالم إلى نهاد لتذهب إليه وتقف إلى جواره وهو يحيطها بجناحه، ومن الجهة الأخرى يقف عارف وهو يبتسم بسعادة شديدة بينما يقول سالم: "إحنا الأسبوع اللي فات، يوم ولادة زهرة قرينا فاتحة عارف على نهاد بنتي، وحددنا الجواز إن شاء الله بعد شهرين من دلوقتِ." ليعلو صوت الزغاريد والتهاني من الجميع، وهم يتبادلون التحية مع عارف ونهاد.
طوال فترة الاحتفال كانت فؤادة تتعمد عدم النظر نهائيًا إلى جلال، وظلت جالسة بمكانها لم تبرحه. حتى أعلن عمها عن موعد زواج نهاد وعارف، فاختلط المدعوون، وتبادل الجميع الأماكن فاضطرت فؤادة إلى الابتعاد قليلًا عن التجمع الموجود خوفًا على زهرة، وجذبت معها سلوى بعيدًا عن الازدحام. وعندما لمحها جلال، ووجد أنه أخيرًا سيستطيع التحدث معها فذهب إليها وجلس بجوارها وقال: "ليه ما استنيتنيش لما أرجع عشان تقوليللي إنك هتيجي هنا؟
لتنظر له فؤادة نظرة محملة بالألم الشديد وقالت: "يمكن يكون الكلام ده شرعًا من حقك، لكن الكلام ده لما اللي بيننا يبقى بيسمح بده." جلال بذهول: "وهو اللي بيننا ما يسمحش بده؟ فؤادة وهي تنظر للا شيء: "إحنا متجوزين لهدف معين يا أستاذ جلال، والهدف ده خلاص اتحقق، ويمكن ظروف جواز عارف ونهاد أخرت انفصالنا شوية، لكن موضوع انفصالنا ده أمر مفروغ منه." جلال بدهشة: "إيه التخريف اللي أنتِ بتخرفيه ده؟
أعتقد إني لما صرحت لك بحقيقة مشاعري... ورغبتي إننا نكمل سوا... بادلتيني نفس الرغبة دي، ووافقتيني إننا نبتدي مع بعض من أول وجديد... ده إحنا كمان اتفقنا إننا هنعمل فرح مع عارف ونهاد... وإلا نسيتِ ده كمان؟ فؤادة بجمود: "الحقيقة ما نسيتش، بس لما وصلنا هنا... حسيت إني مش هقدر أسيب أرضي وحياتي وأجي أعيش هنا." جلال: "ومين جاب سيرة العيشة هنا أو هناك؟ ومين قال إني هخليكِ تسيبي حياتك هناك أو أجبرك إنك تعيشي هنا؟
لتنظر له فؤادة نظرة ممزوجة من الألم والعتاب وتقول: "ما أعتقدش أبدًا إنك هتسيب النسخة التانية من مراتك الأولانية تعيش بطريقة مختلفة عن عيشتها اللي كانت عايشاها." جلال بعدم فهم: "إيه الكلام اللي أنتِ بتقوليه ده؟ أنا مش فاهم حاجة." فؤادة بألم وهي تنظر للا شيء: "بس أنا بقى فهمت يا أستاذ جلال، فهمت لما شفتها." جلال بفضول: "شفتِ مين... فهميني." فؤادة: "شفت صورتها... صورة أم سلوى، شفتِ قد إيه تشبهني؟ أو أنا اللي أشبهها؟
ما أعرفش مين فين بالضبط اللي نسخة من الثانية. فهمت ليه ندا عملت اللي عملته، زي ما أنا فهمت إيه اللي غير موقفك من ناحيتي. جلال وهو يحاول السيطرة على غضبه: لازم تفهمي إن كل الكلام اللي أنتِ بتقوليه ده مش أكتر من أوهام في دماغك. فؤادة بنبرة تحدي: لازم أنت اللي تفهم إني مش هسمح أبدًا إني أبقى مجرد مسخ أو صورة من حد أنا ما أعرفوش، ولا عمري هابقى لعبة في إيد حد، حتى لو روحي في إيده.
جلال بلين: يا فؤادة، أقسم لك إن كل الكلام اللي ندا قالته النهاردة ده ما لوش أي أساس من الصحة. فؤادة ببسمة سخرية: فعلًا، بإمارة ما كل كلمة قالتها كانت بتنهش من قلبك وروحك معاها، بدليل إنك بدل ما تاخدني في حضنك وتقول لي أنا هنا معاكي، سيبتيني تايهة لوحدي وأنا مش عارفة أخطّي أي خطوة ولا في أي اتجاه. للأسف، أنت سقطت في أول امتحان ليك يا جلال، وياريتني كنت حتى أنا اللي عاملاهولك.
جلال: أنا ما أقدرش أنكر أبدًا إني كنت ومازلت بحب هدى، لكن أنتِ غير يا فؤادة. فؤادة وهي تنهض من مكانها وزهرة بين أحضانها: أرجوك كفاية، أنا مش عاوزة أسمع أي كلام تاني في الحكاية دي. أنا لولا خاطر نهاد وعارف.. كان زماني رجعت المزرعة من ساعتها. لكن عشان تبقى عارف، أنا طلبت من عمي نبيل يبعت لي عربية من المزرعة تاخدني الصبح بدري، وأول ما هتوصل، أنا هروح على شقتي في إسكندرية، لأني محتاجة إني أصفي حساباتي مع نفسي.
جلال: ومين هيسمحلك إنك تعملي كده؟ لتلتفت إليه فؤادة وتقول بإصرار: أعتقد إن مهمتي خلصت لحد كده، وبيتي أولى بيا، واللي بيننا وبين بعض خلاص، في أيامه الأخيرة. وتتركه فؤادة وتتجه إلى عمها وأبنائه ساحبة سلوى بيدها، وتحاول الاندماج معهم حتى حان موعد رحيلهم. وعند عودتهم، وما إن دلفوا إلى المنزل حتى توجهت فؤادة مع سلوى إلى غرفتها دون أي حديث مع أحد، وباتت ليلتها وهي تتأمل الصورة المعلقة أعلى الفراش وهي تترك لعبراتها العنان.
أما جلال فبات ليلته بغرفة مكتبه، وهو يلعن ندا وكلماتها أشد اللعنات، ولا يدري كيف له أن يعيد وصال فؤادة من جديد، حتى سمع آذان الفجر، فصعد إلى غرفته لكي يتوضأ ويستعد للصلاة، وأثناء مروره بغرفة ابنته سمع: سلوى ببكاء: عشان خاطري يا ماما، خديني معاكي ماتسيبينيش. فؤادة بحزن: حبيبتي أنا لو أعرف إن باباكي ممكن يوافق، ما أسيبكيش عمري كله. سلوى: طب هو مش هيوافق ليه؟ ما هو وافق المرة اللي فاتت.
فؤادة بتنهيدة: يعني، في حاجات كده اتغيرت. سلوى: طب هو أنتِ مش عاوزاني معاكي؟ فؤادة: أنا... أخص عليكي يا لولو، ده أنا لو أطول أخليكي معايا على طول، بس مش من حقي. سلوى وقد زادت وتيرة بكائها: لو ما أخدتينيش معاكي هاجيلك لوحدي.. أنا هعرف. فؤادة بلهفة: أوعي يا سلوى.. أوعي تخرجي من البيت من غير بابا وتيتا ما يبقوا عارفين أنتِ رايحة فين. سلوى: خلاص خديني معاكي. فؤادة وقد اعتلى
النشيج نبراتها هي الأخرى: يا حبيبتي مش هينفع، وبابا مش هيوافق أبدًا. لتأتي فكرة ما على بال جلال، فتعتلي البسمة شفاهه ويذهب لأداء صلاة الفجر والاستعداد لتنفيذ ما جال في خاطره. وفي تمام الثامنة صباحًا، تستمع فؤادة إلى نفير إحدى السيارات لتعلم أن السيارة التي طلبتها من المزرعة قد وصلت إليها، لتهبط إلى الأسفل بحقيبتها، وسلوى من ورائها وهي مستمرة في البكاء، لتجد حسنة تجلس بالأسفل، ولا يوجد معها سوى ماجدة وأم إبراهيم.
فتحييها فؤادة وتقوم بتوديعها بعد أن شكرتها على كل ما قامت به من أجلها، ورفضت تمامًا محاولات حسنة لاثنائها عن تلك الخطوة، وقامت بتوديع سلوى التي لم تكف لحظة عن البكاء. وما إن خرجت من المنزل، إلا ووجدت جلال يقف بجانب سيارته، ولا توجد أي سيارة أخرى فقالت بدهشة: أنا سمعت عربية كانت بتزمّر، وفكرتها عربية المزرعة. جلال: عربية المزرعة مش جاية. فؤادة: ليه؟ وإزاي عم نبيل ما يقولليش؟
جلال: أنا اللي قلت له ما يبعتش حاجة، ما ينفعش أبقى موجود وأسيبك تركبي مع حد غريب. فؤادة: مين ده اللي غريب؟ ده سواق المزرعة. جلال: أياكش يكون سواق الجن الأزرق، وياللا اركبي وأنا هوصلك المكان اللي أنتِ عايزاه. سلوى ببكاء: عايزة أروح مع ماما يا بابا، خليها تاخدني معاها. جلال وهو يتصنع عدم المبالاة: والله أنتِ ومامتك حرين مع بعض، ما تدخلونيش بينكم. سلوى: يعني أنت موافق؟ جلال: ما قلت لك أنتُ حرين مع بعض.
كانت فؤادة تنظر له بدهشة شديدة فقد اعتقدت أنه سيمنع سلوى من الذهاب معها لأي مكان ولكن عندما سألتها سلوى: هتاخديني معاكي يا ماما؟ نظرت فؤادة إلى ماجدة وقالت: اطلعي بسرعة هاتي حاجتها وتعالي، مش عايزين نتأخر أكتر من كده.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!