وقف جلال بجانب فؤادة وهي تحتضن سلوى في وداع محمد وصديقه طبيب العلاج الطبيعي. وبعد أن اختفت سيارتهما عن الأنظار، التفت جلال إلى فؤادة وسلوى قائلًا: يا ترى هتستضيفوني معاكم اليومين دول لحد ما نرجع سوا على العقيقة بتاعة بنت محمد، وإلا أروح وأبقى أرجع لكم تاني؟ فؤادة: يا خبر يا أستاذ جلال، ده البيت بيتك، إزاي تقول كده؟ سلوى: هتفضل معانا عشان عايزة أوريك إزاي أنا بقيت أعرف أطلع على شجرة التوت وأنزل من عليها لوحدي...
ماما علمتني حتى شوف. لتسرع سلوى إلى شجرة التوت، ولكن جلال قال مسرعًا: لا يا سلوى أحسن تقعي. سلوى: تعالى بس اقف جنبي وهتشوف إني مش هقع. فؤادة بعتاب لسلوى: وهو ده برضه اللبس اللي بنطلع بيه على الشجرة يا سلوى؟ لتضرب سلوى على مقدمة رأسها قائلة: يوه نسيت... أنا آسفة، هروح ألبس بسرعة. لتسرع سلوى إلى المنزل وتختفي عن أعينهم. ليلتفت جلال إلى فؤادة متسائلًا بفضول: وهو الشجرة ليها لبس معين عشان تطلعوا عليه؟ فؤادة بخجل:
آه طبعًا، لازم تبقى مستورة، ما ينفعش تطلع بفستان. لينظر إليها جلال بنظرة لم تدرِ معناها، فهي نظرة لعدة مشاعر مختلطة، ما بين الحب والامتنان والإعجاب في ذات الوقت، ولكن فؤادة أحست بالخجل الشديد من نظرته وأعادت عينيها للأسفل. وسرعان ما عادت سلوى إليهم بعد أن ارتدت بنطالًا أسفل ردائها الطفولي وهي تقول: أهو يا ماما لبست بنطلون، يالا يا بابا تعالى. فؤادة بتشجيع: ما تخافش عليها، بس روح فعلًا اقف جنبها عشان تبقى متطمن عليها.
جلال وهو ينظر لسلوى: طب استني أما أجيلك. ليذهب إليها ويقف يراقبها وهي تتسلق الشجرة بسرعة ومهارة لم يتوقعها حتى جلست على أحد فروع الشجرة من الأعلى. جلال ضاحكًا: إزاي اتعلمتي تعملي كده وإمتى بالسرعة دي؟ سلوى ضاحكة بصوت عالٍ وهي تقول: ماما كانت كل يوم بتعلمني شوية كتير، ومستنية أدهم ييجي عشان نعلمه هو كمان، ونطلع نقعد كده سوا. جلال بابتسامة: ويا ترى هتعرفي تنزلي بقى على كده؟ سلوى بحماس:
آه طبعًا، استني خليك واقف عشان أوريك. لتهبط سلوى وسط تحفز جلال لسقوطها في أي لحظة، ولكنها كما صعدت بسهولة، هبطت أيضًا وبكل يسر. وما إن هبطت سلوى من على الشجرة حتى أسرعت بإلقاء نفسها بين أحضان فؤادة بسعادة وقالت: عايزاكي بقى تصوريني وأنا قاعدة فوق الشجرة وباكل التوت. فؤادة بحب: بس كده، حاضر. جلال وهو يحاول مشاركتهم الحوار: ولما ماما دراعها يخف خالص، تبقوا تطلعوا أنتم الاثنين وأصوركم جنب بعض. لتصفق سلوى بسعادة وتقول:
طب هتروح تركب معايا الحصان؟ جلال: ما تبقيش طماعة بقى، خلي الخيل لبكرة إن شاء الله، روحي أنتي اتمرجحي شوية على ما أقعد استريح شوية أنا ومامتك. لتذهب سلوى للعب ويجلس جلال وفؤادة يشاهدانها في صمت وفؤادة ما زال قلبها يرقص من وصف جلال لها بأنها أم سلوى، وكانت تتساءل بين نفسها إن كان سيستمر ذلك الوضع كذلك كثيرًا أم أن للقدر رأي آخر، حتى قال جلال بهدوء: شكرًا. لتنظر فؤادة له بانتباه وتقول: شكرًا على إيه؟ جلال:
على كل اللي بتعمليه مع سلوى، أنا عمري ما شفتها بالسعادة والحيوية دي قبل كده. لتعيد فؤادة نظرها إلى سلوى قائلة: سلوى بنت جميلة ورقيقة، وفوق كل ده ذكية جدًا وحنينة قوي، يا بختك بيها. جلال بابتسامة:
ويابختها بيكي، من يوم ما ماتت أمها وأنا مش قادر أتعامل معاها، وكنت حاسس إني هفضل كده طول عمري، كانت دايمًا أمي تقول لي قرب من بنتك، بلاش تبقى يتيمة الأب كمان وأنت عايش على وش الدنيا، بس ما كنتش بقدر أتعامل معاها من كتر إحساسي بالذنب إني ما قدرتش ألحق أمها. فؤادة: بس مهما كنت عملت، ما فيش مخلوق يقدر يمنع أو يأجل ميعاد الموت ولا الولادة، الاثنين دول بالذات ما فيش مخلوق يقدر يتدخل فيهم. جلال بابتسامة:
رغم إني عارف الكلام ده كويس، بس سيبت دوامتي تاخدني وتحبسني جواها، لحد ما جيتي أنتي وظهرتي في حياتنا. ليعتدل جلال وينظر لفؤادة وهو يكمل حديثه فقال: صدفة ظهورك في حياتي غيرت فيا حاجات كتير قوي يا فؤادة، وأولهم علاقتي بسلوى. سلوى اللي أول واحدة لفتت نظري إن أنتي وهي ظروفكم واحدة، أول مرة حكيتي لأمي حكايتك، وما كناش لسه نعرف عنك أي حاجة، ولما أمي خرجت حكت لنا كل اللي أنتي حكيتيهولها لقيت سلوى بتقول بزعل:
يعني هي كمان ما عندهاش ماما زيي؟ لأول مرة وقتها كنت أحس قد إيه سلوى حاسة بيتمها رغم وجود أمي وأخواتي وخالتها اللي ما أقدرش أنكر أبدًا إنها كانت بتهتم بيها جدًا. يومها خفت على سلوى لما سمعت حكايتك، رغم الفرق الشاسع اللي بين أخواتي واللي حكيتيه عن عمك وقتها، بس لقيت برضه فرق شاسع من اللي عمله معاكي أبوكي واللي أنا بعمله مع سلوى. يومها بيني وبين نفسي قررت إني أحاول أقرب من بنتي على الأقل تفتكرني بذكرى حلوة بعد موتي.
لتقول فؤادة بجزع: بعد الشر عليك، ليه بتقول كده؟ ليبتسم جلال قائلًا: تصدقيني لو قلت لك إني كنت بتمنى الموت في كل لحظة لحد ما قابلتك؟ لترفع فؤادة وجهها إليه بفضول فيكمل قائلًا: كنت عايش زي الآلة، حياتي كانت كلها عبارة عن روتين ممل ومميت، لكن كنت دافن نفسي فيه بإرادتي الكاملة لحد ما دخلتي حياتنا.
ما أنكرش إني في الأول، كنت بعتبر وجودك في حياتي مجرد انتقام من الهلالي، أو تكدير ليه، لكن أول ما حسيت إني جبت حق مراتي منه، ابتديت إني أحس بحاجة جوايا بتتغير شوية بشوية، حسيت إني مسؤول عنك، لقيتني فجأة بغير عليكي حتى من أخوكي ومن أخواتي، كنت بستمتع جدًا وأنتي واقفة قدامي تعترضي على حاجة قلتها أو عملتها وأنتي بتناطحيني كلمة بكلمة، كنت بتمتع وأنا شايفك بتدوري بعينيكي وأنتي بتفكري في كلامي وفي الرد اللي هترديه عليا، في الأول ما كنتش فاهم وكنت بتعصب عليكي من غير ما أفهمك سر عصبيتي بس ده كان لإن أنا نفسي ما كنتش فاهم.
فؤادة ودقات قلبها تتسارع بشدة لدرجة أثرت على نبرة صوتها: وإيه هو اللي ما كنتش فاهمه؟ جلال: إن مش بس سلوى اللي حبيتك واتعلقت بيكي، إني لما كنت بركز مع كلامك وأنتي بتدافعي عن حقك، ما كانش مجرد إعجاب بشجاعتك، وإنك وقت ما كنتي بتحاولي تقنعي محمد إنه يصلح علاقته بأبوه رغم كل اللي حصل لك بسببه، ما كانش مجرد إعجاب بمبادئك. فؤادة: أومال كان إيه؟ جلال بحب:
كان حب يا فؤادة، أيوه يا فؤادة، أنا فجأة لقيت نفسي بحبك، مش هكدب عليكي وأقول لك إني ما قاومتوش حبك ده، ولا إني ما كدبتوش وحاولت أدفنه جوايا، بالعكس أنا عملت كل ده، بس لقيت إن حبك جوايا أقوى من كل ده، اليومين اللي غبتهم عنك خلوني أحس إن في حاجة كبيرة ناقصاني...
لقيتني بنده لك جوايا وأقول لك وحشتيني، لقيتني مش هقدر إني أخرجك من حياتي تاني، لإني ساعتها هبقى بنزع قلبي من جسمي بالكامل، لقيتني مش هقدر أرجع زي الآلة اللي كنت متعايش معاها قبل كده، اللي داق العسل مش سهل إنه يرجع للمُر من تاني. لتغمض فؤادة عينيها بشدة وهي تحاول السيطرة على أنفاسها المتلاحقة، ولكنها لم تستطع السيطرة على بعض العبرات التي هربت من بين جفنيها فيظن جلال لوهلة أنها دموع الحزن أو الرفض فيقول بخفوت:
أنا آسف لو كنت ضايقتك للدرجة دي. لتحرك فؤادة رأسها نفيًا وهي لا زالت مغمضة عينيها قائلة بخفوت: أنت ما ضايقتنيش. جلال بفضول: أومال دموعك دي ليه؟ فؤادة وهي تحاول منع صوت نشيجها ولكنها لم تستطع:
كنت مرعوبة من اليوم اللي هتقول لي فيه خلاص كده، التمثيلية خلصت، كنت مرعوبة من اليوم اللي هتاخد فيه سلوى من حضني وتقول لي إنها مش من حقي، مرعوبة من اليوم اللي هتخرجني فيه من حياتكم وأرجع لوحدي من تاني بعد ما اتعودت إني أبقى وسطكم وتحت جناحكم. ليقترب جلال منها ويمد يده ليضمها إليه بهدوء خوفًا على كتفها ويقول بحنان: ولو قلت لك إن أنا اللي كنت مرعوب من كل ده أكتر منك؟
وقبل أن ترد فؤادة وجدوا سلوى تهبط من أرجوحتها وتأتي إليهم مسرعة وهي تقول بلهفة: هي ماما بتعيط ليه؟ هي إيدها بتوجعها تاني؟ ليمد جلال يده الأخرى لسلوى ليضمها إلى صدره مثل فؤادة ويقول: لا يا حبيبتي، دي بس ماما فرحانة إننا هنفضل مع بعض على طول. سلوى بفرحة: بجد يا بابا؟ جلال بابتسامة: بجد يا حبيبتي، يالا روحي كملي لعب. وعندما عادت سلوى لأرجوحتها، حاولت فؤادة الخروج من تحت جناح جلال، ولكنه أعادها إليه
مرة أخرى وقبل رأسها وقال: أفهم من كلامك اللي أنتي قلتيه ده من شوية، إنك موافقة إننا نكمل حياتنا سوا؟ ولكن فؤادة لم تستطع الرد خجلًا، وعندما طال صمتها قال جلال: أنا مش هغصب عليكي أبدًا بأي حاجة، ولا هستعجلك، أنا عارف إن الطريقة اللي اتجوزنا بيها بعيدة تمامًا عن أحلام أي بنت. أكيد كان نفسك يتعمل لك فرح وتحسي إنك عروسة وتفرحي زي كل البنات، وأنا مش هبخل عليكي بده...
لو وافقتي إنك تكملي حياتك معايا، هنعمل فرحنا مع عارف ونهاد.. إيه رأيك؟ لتعتدل فؤادة وتقول: ومامتك وإخواتك هيقولوا إيه؟ وعمي و... جلال ضاحكًا: بس بس، ده انتي شوية شوية وهتقولي أم إبراهيم هتقول إيه. بس عمومًا يا ستي متقلقيش، وافقي انتي بس وأنا هتصرف. فؤادة: أيوة يعني هتتصرف هتقول لهم إيه؟ جلال: هقول لهم ببساطة إن ظروف جوازنا خلتنا ملحقناش نفرح كويس، فهنفرح من تاني معاهم. فؤادة: وتفتكر عمي هيقتنع بالكلام ده؟ جلال:
اسمعي يا فؤادة: لازم تعرفي إن أهم حاجة والواقع اللي مفروض على الكل، إنك فعلًا مراتي، وإن مفيش حد أبدًا مهما كانت صفته له الحق إنه يتدخل بيننا.. انتي فهماني؟ فؤادة وقد انتشت أوردتها بسماع وصفه لها بزوجته والتي أقرها كواقع مفروغ منه لا تراجع فيه فقالت بابتسامة: أيوة.. فهمتك. جلال: وكمان على ما ييجي وقتها يكون كتفك ودراعك بقوا تمام، وأنا بنفسي اللي هساعدك على التمارين بتاعتك كل يوم. فؤادة بخجل: أنا هعرف أعملها لوحدي.
جلال: لأ طبعًا.. الدكتور قال في الأول لازم حد يساعدك عشان متحمليش عليها. فؤادة باستسلام: إن شاء الله ربنا ييسر الأحوال. جلال: يبقى تجهزي نفسك إننا هنحدد معاد فرحنا في عقيقة بنت محمد، زي ما عارف بلغني إنه هيتفق مع عمك يومها على معاد فرحهم. فؤادة: هم هيتجوزوا على طول كده من غير فترة خطوبة الأول؟ جلال بخبث: أيوة يا ستي، أصل عارف مبيحبش يضيع وقته، أكتر حاجة بتعجبني فيه إنه دايمًا محدد أهدافه وبيشتغل عليها بضمير.
في منزل سالم، كان سالم يجلس بغرفته مع أم نهاد التي تقول: عارف عاوز يحدد معاد للجواز. سالم: تقصدي الشبكة؟ أم نهاد: لأ، الجواز، عاوز يعمل كله على بعضه، ولو عاوز الحق، طالما إنه ابن حلال وكويس وجاهز، يبقى لزومه إيه التأخير؟ سالم: أيوة، بس لسه مقالش هيقعدوا فين. أم نهاد: هو قال إنه عنده شقة في كفر عصام، وعنده زي شقة صغيرة في بيت أبوه، وقال لنهاد تختار عاوزة تقعد فين، عشان تنقي العفش على أساسه.
سالم: وهو شافها فين وقال لها الكلام ده؟ أم نهاد بحذر: هو كلمها في التليفون وقال لها. سالم بفضول: وهي بقى قالت له إيه؟ أم نهاد: قالت له لازم آخد رأي بابا وماما الأول. سالم: اممم، وبعدين؟ أم نهاد: أبدًا، قال لها خدي رأيهم واللي هتقولوا عليه هعملهولكم، وطلب منها تستأذنك إنه يتفق معاك على كل حاجة يوم عقيقة زهرة. سالم برضا: كويس إنه فاهم الأصول، بس بلغي بنتك إنها تقصر معاه في الكلام لحد ما يبقى في بينهم حاجة رسمي.
أم نهاد: من غير ما تقول، ما أنت عارف نهاد، ملهاش في مواويل البنات دي من أصله. سالم: طب روحي بقى هاتيلى زهرة لما أقعد معاها شوية قبل ما أنام. في غرفة محمد، كانت نهاد وسلمى تجلسان بصحبة عايشة وهما يحاولان مساعدتها في تغيير ملابس الصغيرة، وعند دخول أم نهاد ورأت ما يفعلون: هو أنتو بتعملوا إيه؟ عايشة بضحك: سلمى بتضب أغراض الصغيرة، ونهاد بتفركشها.
نهاد بضجر: أنا عاوزة السالوبيت الأبيض اللي جبتهولها عشان ألبسهولها ومش لاقياه. لتميل أم نهاد وتحمل الصغيرة بحنو وهي تعدل من هندامها: أنا لسه غسلاه الصبح، وبعدين ما كانش سالوبيت جبتيه عاوزاها تفضل لابساه على طول، دي يا بنتي بتغير هدومها مرتين تلاتة في اليوم. نهاد: خلاص، هبقى أجيب لها تاني بكرة. عايشة: والله ما في لزوم، الصغيرة راح تكبر بسرعة، وراح يصغروا عليها وما عم تستنفع بيهم.. حرام.
أم نهاد: صح يا نهاد، مرات أخوكي عندها حق، اصبري لما تجيب شهرين حتى، أو لو حبيتي تجيبيلها حاجة متجيبيش حديثي الولادة هاتي أكبر شوية. وعندما اتجهت أم نهاد بالصغيرة إلى خارج الغرفة صاحت نهاد باعتراض قائلة: إيه يا حاجة انتي واخداها من وسطنا كلنا كده ورايحة على فين؟ أم نهاد بتحدي: أبوكي عاوز يقعد معاها شوية قبل ما ينام.. إيه.. أبعتهولك يستأذن منك؟ نهاد
وهي تحك رأسها من الخلف: أنا مش عارفة انتي بقيتي تقفشي بسرعة ليه كده، اتفضلي حضرتك ولو تحبي أوصلهالك لحد عنده والله. لتتركها والدتها وتتجه لغرفتها، وتضحك سلمى قائلة: أنا مش فاهمة الناس اللي دايمًا بتحرج نفسها دي. نهاد بغيظ: متبسي انتي، متخلينيش أتكلم. سلمى وهي تخرج لسانها: وهتتكلمي تقولي إيه بقى؟ نهاد بمكر: أبدًا يا حبيبتي، كنت هسألك على التبرعات الإنسانية اللي بتعمليها، وإني عاوزة أنضم للنشاط الاجتماعي بتاعك.
لتعتدل سلمى باضطراب ويبهت لونها بشدة وتقول بارتباك: أنا نسيت إن عندي محاضرات بدري، وعاوزة أروح أحضر نفسي. لتستدير للخروج من الغرفة بسرعة لتصطدم بمحمد الذي يقول بمرح: إي، إيه يا بنتي ده، قطر معدي، ما بالراحة شوية. ولكن سلمى لا ترد بأي كلمة وتتجه إلى غرفتها، ليقول محمد: هي مالها؟ عايشة بسرعة: أبدًا حبيبي، راحة تجهز حالها لجامعتها بكير. محمد وهو ينظر للفراش: إيه ده.. بنتي فين؟ نهاد
وهي تغمز بعينيها بمرح: أمك وديتها لأبوك عشان ياخد الجرعة قبل ما ينام. ليخبط محمد أخته على رأسها من الخلف قائلًا: يا بت احترمي نفسك وانتي بتتكلمي، جرعة إيه دي اللي أبوكي هياخدها. نهاد بضجر وهي تدلك رأسها: يا أخي اتجوزت وخلفت ولسه إيدك مرزبة زي ما هي، ثم نظرت إلى عايشة وهي تقول: بتعملي معاه إيه ده الله يكون في عونك. محمد بسماجة: ويكون في عون الغلبان اللي حظه وقعه فيكي. نهاد وهي تدعي الغرور: وهو كان يطول؟ محمد
وهو يطردها خارج الغرفة: أهو طال يا أختي، ربنا يستر وميرفعش علينا بعد كده قضية غش تجاري. ليجدوا والدتهم عادت بزهرة في أحضانها وقالت بعد أن سمعت مناغشتهم لبعضهما البعض: مالكش انت دعوة، هو عارف هبلها وراضي بيه. لينفجر محمد ضاحكًا وهو يخرج لسانه لنهاد التي نظرت لأمها وقالت بغيظ: نفسي حتى تعامليني زي ما الخنفسة بتعامل عيالها، للدرجة دي مش محصلة في عينك حتى خنفسة؟
محمد من بين ضحكاته: ويا ترى بقى أم الخنافس بتعمل إيه مع ولادها الخنافس؟ نهاد: مسمعتش المثل اللي بيقول.. خنفسة شافت ولادها على الحيط قالت لولي ومتعلق في خيط. محمد وهو يقبلها بعنف من وجنتها مداعبًا إياها: ده انتي أحلى لولاية في اللولي كله. وعندما عادت نهاد إلى غرفتها وجدت سلمى قد وضعت نفسها بالفراش لتجلس نهاد بجوارها وهي تزيح عنها الغطاء وتقول: أنا عارفة إنك صاحية، اتعدلي عشان عاوزة أتكلم معاكي.
سلمى: أنا عندي محاضرة بدري وعاوزة أنام يا نهاد أجلي الكلام لبعدين. نهاد: اتعدلي يا سلمى لأني مصممة نتكلم. لتعتدل سلمى بتأفف ولكنها لا ترفع عينيها إلى أختها وتقول: اديني اتعدلت، عاوزة تقولي إيه؟ نهاد: أنا بس عاوزة أسألك.. انتي شايفة إن اللي انتي بتعمليه ده صح؟ سلمى بخفوت: أنا معملتش حاجة غلط. نهاد: يمكن لحد دلوقتي، لكن وآخرتها؟ سلمى بحزن: مش عارفة. نهاد: حبيتيه؟ لتنخرط سلمى في البكاء وهي تقول: وإيه الفايدة بس؟
نهاد بشفقة: ولما انتي عارفة ده، ليه بتعذبي نفسك بإيدك يا سلمى؟ سلمى: مش قادرة يا نهاد، عمري ما اتصورت إني أقابل بني آدم بالنبل ده، طول عمري أسمع عن ناس كتير بيدخلوا الطب عشان يبقوا دكاترة كبار ويتشهروا ويكبروا ويتغنوا، ورغم إني طول عمري أسمع إن الطب رسالة سامية لكن عمري ما شفت حد بيطبق الرسالة دي بحذافيرها غيره. نهاد: طب احكي لي من الأول إيه اللي طور الموضوع كده؟
سلمى: في البداية خالص سمعت ماجدة اللي بتشتغل عند فؤادة وهي بتحكي لأم إبراهيم عن اللي عمله مع أمها، عجبني اللي عمله، عجبني حب بنته وتعلقها بيه وحنيته عليها وهو طول الوقت واخدها في حضنه من غير ما يزهق ولا يتعصب، استغربت لما عرفت إنه مطلق، قلت في بالي مين دي اللي تضحي براجل زيه، ورجعت قلت يمكن تكون المظاهر خداعة. لحد ما حصل اللي حصل في الكلية أول يوم في الدراسة بعد إجازة نص السنة. نهاد: وإيه اللي حصل؟
سلمى: واحدة صاحبتي مجاتش الكلية رغم إننا كلنا كنا متفقين إننا هنتقابل أول يوم، ولما سألنا عليها عرفنا إن باباها تعب فجأة ولما طلبوا له الإسعاف جت ونقلته المستشفى اللي بيشتغل فيها.
ولما عرفنا قلنا واجب إننا نزوره، ولما روحنا لقيناه واقف قدام الأوضة مع أخو صاحبتي اللي كان منهار لأنه عرف إن أبوه عنده أنيميا حادة ونقص شديد في الصفائح الدموية واللي الكبد بيكسرها باستمرار بسبب حالة التضخم الشديدة اللي فيه وإن حالته متأخرة، وهم كلهم اتفاجئوا بده لأن أبوهم طول عمره كان وسطيهم ومشتكاش أبدًا، وعرف إن فصيلة دم أبوه نادرة ومش موجودة ولقيت حسين بيطبطب عليه ويقول له.. وحد الله، وبدل ما تنهار كده أنا هقول لك على الأماكن اللي ممكن تسأل فيها على البلازما اللي محتاجينها وإن شاء الله هتلاقي، وعلى ما تلاقي أنا فصيلتي زي باباك بالظبط وهتبرع له على ما أنت تتصرف.
لقيت أخو صاحبتي بيبص له بذهول وهو مش مصدق وكل اللي حسين عمله إنه زقه بهزار وقال له.. أنت لسه هتتنح؟ يالا يا عم عشان أكتب لك العناوين اللي هتروحها. وأخذه تحت ذراعه وراح به على مكتبه. وقبل ما نمشي من هناك، كان فعلًا اتبرع بدمه، وخلى التمريض يعلقوه لأبو صاحبتي. نهاد: وشافك هناك؟ أخذ باله منك يعني؟
سلمى: أيوه، لما كان رايح يبص عليه لقاني قاعدة بره معاهم، لقيته اتخض وجه جرى عليا وسألني أنا موجودة ليه، ولما شرحت له، اتطمن وقال لي إني لو احتجت أي حاجة أروح له على طول. ولما رحت زرتهم تاني مرتين كمان، شفته إزاي بيتعامل مع الناس، شفت الناس قد إيه بتحبه بجد، شفت وسمعت دعوات الناس ليه بصدق من قدامه ومن وراه. يتحب يا نهاد، صدقيني يستاهل إني أحبه. نهاد بشفقة: طب وآخرتها إيه بس يا سلمى؟ سلمى: مش عارفة.
نهاد: طب وإيه حكاية الخدمة المجتمعية دي بقى؟ ومين اللي اقترحها عليكي؟ سلمى: ده نشاط تبع الكلية، وأول ما عرفت إنهم بيروحوا عنده المستشفى انضميت لهم، ما بنعملش حاجة وحشة، إحنا بنزور العيانين اللي مالهمش حد، بنتبرع بالدم، وبنحاول نساعد المرضى المتعسرين ماديًا، لينا زمايل بيحاولوا يعملوا لهم علاج على نفقة الدولة أو يلموا لهم تبرعات، وكمان بيتواصلوا مع صيدليات معينة بتتبرع بأدوية من عندها.
نهاد: أنا عارفة يا حبيبتي إن كل دي حاجات جميلة جدًا، بس كان هيبقى ثوابها أعظم لو كنتي بتعمليها لوجه الله، لكن... سلمى: والله أنا لما بعمل أي حاجة بعملها بنية خالصة لله، وبعدين إحنا بنروح أماكن كتير غير عنده، لكن مش هنكر إني ببقى رايحة عنده وأنا نفسي أشوفه. نهاد: طب هو أنتِ حاسة بحاجة من ناحيته ليكي؟ سلمى: مش عارفة، هو بيتعامل معايا برقة شديدة، بس أعتقد إن ده طبعه.
نهاد: عمومًا يا سلمى أنا اتكلمت معاكي لأني خايفة عليكي، وبعترف إني مش خايفة عليكي من حسين لإن حسين فعلًا إنسان مهذب وأخلاقه عالية جدًا، لكن خايفة عليكي من ظروفه، يعني تفتكري مثلًا لو حسين بيبادلك نفس مشاعرك دي، إن بابا ممكن يوافق عليه وهو مطلق وعنده طفلين؟ سلمى بحزن: مش عارفة يا نهاد. نهاد: كل اللي هقدر أقولهولك، إنك لازم تمنعي نفسك عن المرواح عنده، على الأقل تعلقك بيه ده يمكن يهدى شوية ومع الوقت يمكن تنسيه.
سلمى باهتمام: هو أنتِ عرفتي إزاي؟ نهاد: عرفت بالصدفة، لما لقيت عارف بيسألني إن كنت مشتركة في أي نشاطات مجتمعية زيك ولا لأ، ولما لقيت إنك مخبية عننا كلنا ابتديت أفهم. سلمى: أوعي يا نهاد تجيبي سيرة أي كلمة من الكلام ده قصاد عارف. نهاد بابتسامة: أنا هبلة أه، بس مش للدرجة دي.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!