في المشفى، وأمام غرفة العمليات، كانت تجلس سلمى منتحبة بأحضان نهاد التي يعتري ملامحها القلق. وكان جلال وعارف ومحمد يقطعون طرقة الاستراحة الخاصة بغرفة العمليات جيئة وذهابًا، وهم يتلصصون بين الفينة والأخرى على النافذة الزجاجية الصغيرة التي تطل على ممر غرفة العمليات، وهم يصارعون القلق منذ ما لا يقل عن ساعتين. وعندما وجدوا إحدى الممرضات في طريقها إلى الداخل، أوقفها عارف بلهفة قائلًا:
"من فضلك، ممكن تشوفيلنا حد من جوه يطمنا؟ الممرضة: "ما تقلقش حضرتك، إن شاء الله خير، وحاضر هتطمن وأطمنكم." وبعد مرور ما لا يقل عن خمسة عشر دقيقة أخرى، خرجت نفس الممرضة وعلى وجهها ابتسامة قائلة: "اتطمنوا خلاص العملية خلصت، وهو دلوقتي هيودوه على الأوضة بتاعته، وربنا يطمنكم." جلال بقلق: "يعني هو بقى كويس يا آنسة، ولا في لسه خطر عليه؟ الممرضة: "طالما خرجوه على أوضة عادية مش الرعاية يبقى خير إن شاء الله."
ليزفر الجميع أنفاسهم براحة ما عدا سلمى التي لم تنقطع لحظة واحدة عن البكاء والنحيب. فيقترب منها محمد ويجذبها إلى أحضانه قائلًا: "خلاص يا سلمى، اهدى يا حبيبتي هو إن شاء الله هيبقى كويس ودلوقتي هنشوفه ونتطمن عليه." سلمى وهي تشهق من أثر البكاء: "كان هيموت بسببي يا محمد، كان بيتخانق عشاني." محمد: "أنا لحد دلوقتِ ما فهمتش إيه اللي حصل بالضبط، وإيه اللي وداه عندك عند الجامعة."
لتقص عليهم سلمى من وسط شهقاتها كل ما حدث بالتفصيل. وقبل أن يعلق أحدهم بكلمة، انتبهوا على صوت عجلات الترولي وهو يحمل حسين الغائب عن الوعي إلى غرفته الخاصة، والتي طلب عارف أن يكون جناحًا خاصًا لتتسع لزائريه دون أن يسبب إرهاقًا لحسين. وانطلقوا جميعهم في أثره حتى يستطيعوا الاطمئنان عليه. وما أن استقر بغرفته حتى قال عارف موجهًا حديثه إلى جلال: "هنبلغ أمي ولا هنعمل إيه؟ جلال بتفكير:
"متهيألي نستنى لما نتطمن عليه عشان ما نخضهاش، ولو سألت نقوللها إنه مشغول في المستشفى." عارف: "ماشي." ثم نظر إلى محمد وقال: "معلش يا محمد تعبناك وعطلناك، خد أنت البنات وروحوا يلا أحسن الوقت اتأخر قوي." محمد: "عطلتوني إيه بس، مش كفاية إن كل ده بسببنا إحنا، والمفروض نشوف الولد اللي اتمسك ده عملوا معاه إيه." لتنخرط سلمى مرة أخرى في البكاء بعد أن انقطعت عنه وانهمكت في مراقبة حسين وهو نائم في فراشه. عارف بحنان:
"خلاص يا سلمى اهدى، أي راجل كان هيشوف اللي حصل ده كان لازم هيتدخل حتى لو ما يعرفكيش، ما بالك بقى أما يبقى عارفك، وبعدين يا ستي الحمد لله إنها جت على قد كده." سلمى بحزن: "لما هيفوق هيزعل مني." جلال باستغراب: "وهيزعل منك ليه، هو أنتِ اللي ضربتيه؟ سلمى وبدون تركيز: "مش عاوزاه يزعل مني." نهاد وهي تجذب سلمى لأحضانها مرة أخرى:
"معلش يا جماعة هي الظاهر اتخضت وأعصابها تعبت من منظر الدم اللي مغرق هدومها ده، وفعلًا محتاجة تروح تغير هدومها دي وتستريح." عارف بتفهم: "يلا يا محمد روح أخواتك، ونبقى بكرة إن شاء الله نشوف الدنيا فيها إيه." ليصحب محمد شقيقتيه إلى الخارج، بينما قال عارف لجلال: "أنا رأيي إن أنت كمان تروح عشان أمك ما تقلقش ولا تشك في حاجة، لكن أنا.. هي عارفة إني ممكن في أي لحظة أبات هنا في شقتي، فخليني أنا جنب حسين على ما نتطمن عليه."
جلال بعدم راحة: "طب وأنت هتفضل قاعد لوحدك كده طول الليل؟ عارف بمرح: "لا ما تقلقش، هنزل أجيب شاحن الموبايل من العربية، وأكيد نهاد هتكلمني تونسني." جلال باستسلام: "ماشي، طب مش عاوزني أجيبلك أكل ولا حاجة؟ عارف: "لو احتجت حاجة هتصرف ما تقلقش، خد أنت بالك من نفسك وأنت سايق." في منزل سالم، كانت نهاد ما زالت على بكائها عند عودتهم للمنزل، لينخلع قلب أمها رعبًا من مظهرها ومظهر ثيابها الملوثة بالدماء.
فيطمئنها محمد بأن أخبرها باختصار ما حدث. أم نهاد بقلق: "طب وهو عامل إيه دلوقتي، وإزاي تسيبوه وتمشوا كده؟ محمد: "عارف كان قلقان على شكل سلمى، وأنا كمان، فقلت أوصلهم، ويمكن شوية كده وأرجعلهم تاني." وفي تلك اللحظة، كانت نهاد تبعد الهاتف عن أذنها بعد أن هاتفت عارف لتطمئنه على عودتهم للمنزل كما أوصاها قبل رحيلهم، فقالت لهم: "عارف خلى جلال كمان يروح عشان خاطر طنط حسنة ما تحسش بحاجة." أم نهاد بتعاطف:
"يا عيني عليها، وهو يعني لما هيخبوا عنها مش هتحس، أكيد هتحس من غير حاجة، قلب الأم بيبقى دايمًا دليلها." ليأتي عليهم سالم هو الآخر، وقد كان ما زال بعمله بالخارج حتى تلك اللحظة، وما أن رأى سلمى وهلع من مظهرها، حتى أسرع محمد بتوضيح ما حدث لهم مرة أخرى فيقول سالم موجهًا حديثه لزوجته:
"كتر خيره، راجل وشهِم بصحيح، أنا لما أغير هدومي وآكل لقمة عشان ما أكلتش طول النهار، تكوني حضرتي أكل لعارف وحسين، وأنا هروح أبص عليهم مع محمد." أم نهاد: "هتروح الليلة دي ولا الصبح؟ سالم: "الليلة دي، ما يصحش أتأخر عنهم بعد اللي حصل." بعد عودة جلال للمنزل، وجد حسنة تجلس بانتظاره بقلق، وما أن رأته حتى قالت: "اتأخرت كده ليه يا ابني مش عوايدك وكمان من غير عطوة؟ جلال وهو يتصنع الهدوء:
"ما أنتِ عارفة يا أمي إني ما غيبتش شوية عن الأرض، والشغل ما بيخلصش." حسنة بقلق: "هو حسين ما كلمكش؟ جلال بارتباك: "لا ما كلمنيش، هو في حاجة حصلت؟ حسنة: "أصلي قلقانة عليه طول اليوم، ما كلمنيش ولا مرة، مش عوايده، وكمان اتأخر قوي." جلال: "هو عارف ما قاللكيش؟ حسنة: "وعارف كمان ما كلمنيش." جلال: "أصلهم بايتين سوا في طنطا." حسنة: "كده من غير ما يقولوا لحد ولا يطمنوني، ليه يسيبوني قلقانة بالشكل ده؟ جلال:
"ما هم اعتمدوا عليا إني هبلغك، بس حقك عليا أنا، أنا اللي اتأخرت." حسنة: "ربنا يصلح حالكم يا ابني ويخليكم دايمًا سند لبعض، طب أحضر لك لقمة تأكلها؟ جلال وهو يتجه لغرفته: "لا يا أمي تسلم إيدك، أنا محتاج أنام عشان عندي مشاوير مهمة بكرة، ويمكن أتأخر برضه عشان ما تقلقيش." حسنة: "الله يعينك يا ابني ويحفظك أنت وإخواتك من كل مكروه."
طمأن جلال والدته على أخوته، واتجه إلى غرفته ليأخذ قسطًا من الراحة، فقد كان اليوم مرهقًا للغاية. ولكنه بعد أن قام بتغيير ملابسه واتجه إلى القابس ليضع هاتفه على الشاحن الكهربائي وما أن قام بتشغيله بعد أن كان قد نفد شحنه منه أثناء الأحداث، سمع صوت هاتفه ليجد أن فؤادة هي من تقوم بمهاتفته. وعندما قام بفتح الخط سمع صوتها وهي تقول بلهفة: "جلال.. أنت كويس؟ أنت فين طول النهار وتليفونك خارج الخدمة؟ جلال بابتسامة:
"حقك عليا، أنا عارف إنك أكيد قلقتي، تليفوني كان فاصل شحن من بدري، بس لما هتعرفي اللي حصل هتعذريني." فؤادة بقلق: "وهو إيه اللي حصل؟ وبعد أن قص عليها جلال كل أحداث اليوم قالت فؤادة: "يعني أنت اتطمنت إنه بقى الحمد لله كويس؟ جلال: "الحمد لله، الدكتور طمنا إن الطعنة كانت بعيدة عن الأعضاء الحيوية في جسمه، بس طبعًا على ما نقلوه المستشفى، كان نزف كتير." فؤادة بتعاطف:
"لا حول ولا قوة إلا بالله، ربنا يقومه بالسلامة ويتم شفاه على خير، لما تروحله بكرة إن شاء الله ابقى كلمني من هناك عشان أتطمن عليه." جلال: "ماشي، وياريت كمان تبقى تتطمني على سلمى، أحسن لحد ما محمد أخدها روحها وهي كانت منهارة على الآخر." فؤادة: "يا عيني يا سلمى أنتِ كمان، حاضر هكلمها." في المشفى، كان قد بدأ تأثير البنج في الزوال، وكان حسين يجاهد كي يفتح عينيه، لينتبه له عارف ويقول برفق: "حسين.. أنت فوقت، حاسس بحاجة؟
حسين وهو ينظر لعارف بتيه: "سلمى، سلمى فين؟ عارف بمرح: "لا.. طالما افتكرت سلمى، تبقى فوقت الحمد لله." حسين: "سلمى.. كنت سايبها في العربية، قلتلها ما تنزلش منها، ونزلت، سمعتها وهي بتصرخ، هي فين يا عارف.. حصل لها حاجة؟ عارف بابتسامة: "لا يا حبيبي اتطمن ما حصللهاش حاجة، هي زي الفل، يا كش بس حاجات بسيطة يعني." حسين بانتباه: "حصل لها إيه يا عارف انطق، ما توقعش قلبي." عارف بخبث:
"سلامة قلبك يا عم العاشق، قلنا كده.. قلتوا اطلعوا من البلد." حسين ببعض الغضب وهو يضع يده على جنبه المصاب من الألم: "ما تنطق يا بني آدم.. سلمى حصل لها إيه؟ عارف باستياء: "ماتت من خضتها عليك، واتصفت وجالها جفاف من كتر الدموع اللي سحتها من عينيها عشانك، وجالها تشنجات من كتر الشحتفة وهي ما فيش على لسانها... غير كان هيموت بسببي." ثم قال بمرح: "صحيح يا جدعان..
الحب ولّع في الدرة، ما تخطبها بقى وتخلصنا من حالة الحب العذري اللي أنتوا الاثنين واقعين فيه لشوشتكم دي. حسين بأسى: يا ريتها كانت بالساهل كده. عارف: وهتصعبها ليه بس يا دكاترة، هو الجواز إيه غير طلب وقبول، صارحها بحبك وشوف رأيها إيه، رغم إني متأكد إنها بتبادلك نفس مشاعرك. حسين بحزن: وتفتكر يعني عم سالم ممكن يوافق على الكلام ده؟ عارف: وما يوافقش ليه؟
أنت راجل ليك وضعك ومركزك الاجتماعي والمالي، واللي يعتبر حتى أحسن وأرقى مني بمراحل كمان، يبقى هيرفضك ليه؟ حسين: أنت ناسي إني مطلق وعندي طفلين كمان مش طفل واحد، وإن سلمى لسه صغيرة، ولسه ما شافتش حاجة من الدنيا، ليه أظلمها معايا؟ عارف: وهو أنت لما تتجوزها وأنت بتحبها تبقى بتظلمها؟ حسين: مش لو اتجوزتها. عارف: أنا مش فاهم أنت تقصد إيه.
حسين بتنهيدة: أقصد إن حبي لسلمى من أول يوم شفتها فيه وقت حادثة فؤادة، وابتدى يزيد في قلبي لما قابلتها من تاني عند فؤادة في المزرعة، شفت بنت هادية وعاقلة ورقيقة، لكن في نفس الوقت روحها حلوة، شفت حنيتها وطفولتها وهي بتتعامل مع ولادي، عمري ما فكرت إنها ممكن تفكر فيا كراجل في يوم من الأيام، لكن الظروف جمعتنا من تاني في أوقات كتير، خلت حبي ليها يزيد أضعاف، وخلتني أحس بحبها ليا اللي باين في عينيها.
عارف: طب تمام أهو، إيه بقى المشكلة؟ حسين بحزن: المشكلة إني لو طلبتها من والدها، نسبة موافقته عليا هتبقى ضعيفة أوي يا عارف، ويمكن تكون كمان معدومة، ولو رفضني، هيحصل شرخ في علاقتها بأبوها بسببي، ومتهيأ لي كلنا لاحظنا إن رغم كل شيء حصل قبل كده، إلا إن سلمى متعلقة بأبوها أكتر من أخواتها بكتير، وأنا ما أحبش أبدًا إني أبقى سبب في شرخ علاقتهم ببعض، يبقى الأفضل ليها إني أنسحب من حياتها وأبعد تمامًا.
ليأتيهم صوت سالم وهو يقول: أنا الحقيقة كل يوم بكتشف فيكم طبع جديد يخليني أفرح أكتر بمعرفتكم. ليحاول حسين الاستقامة من رقدته ولكن جرحه منعه من ذلك، ولكنه يقول مرحبًا باضطراب: أهلًا يا سالم بيه، اتفضل. ليربت سالم على كتفه بمودة قائلًا: سلامتك يا ابني ألف سلامة. محمد: حمد لله على سلامتك يا دكتور، قلقتنا عليك. حسين: الله يسلمك، الحمد لله جت سليمة. عارف: ليه تعبتوا روحكم كده، الوقت اتأخر أوي. سالم بمرح لم يعتاده
عارف وحسين منه من قبل: حماتك يا سيدي وخطيبتك، ما هانش عليهم تقعدوا من غير أكل كده. عارف بامتنان: ليه التعب ده، تسلم إيدهم. ليلتفت سالم إلى حسين الشارد والذي كان يتساءل بينه وبين نفسه عن ما إذا كان استمع إليهم سالم ومحمد قبل دخولهم ويقول: لو عاوز تعرف أنا سمعت إيه فهقول لك، أنا لما دخلت من باب الجناح سمعتك وأنت عاوز تطمن على بنتي من أخوك، والحقيقة حواركم شدني، فقررت أستنى على ما أفهم الموضوع بالضبط.
حسين بصدق: اسمع يا سالم بيه، أنا بعترف قدامك إني بحب سلمى حب كبير جدًا، لكن من يوم ما عرفتها عمري ما وجهت لها أي كلمة تعبر عن مشاعري دي، وسلمى كمان بنت في منتهى الأخلاق والأدب ما شفتش منها أي حاجة تنتقص من أخلاقها ولا تربيتها. سالم بامتِعاض: أنت هتعرفني على بنتي يا دكتور ولا إيه؟ حسين بحرج: العفو حضرتك، أنا بس حبيت أوضح لك الصورة، عشان ما تفهمش الكلام اللي سمعته بشكل مش مظبوط.
سالم: ما أعتقدش إن في حاجة في الكلام اللي سمعته ممكن تتفسر غلط. حسين: طيب، طالما إن الموضوع وصل لكده، فأنا بعد إذنك بطلب منك إيد سلمى، وأوعدك بشرفي إنك لو رفضتني وده حقك، إن سلمى مش هتعرف أي كلمة من اللي حصل ده، لكن لو أكرمتني بموافقتك، فأنا بوعدك إني هعمل كل جهدي إني أسعدها طول عمري. محمد: بعد إذنك يا بابا... أنا موافق. سالم: ما فيش حد من حقه إنه يوافق أو يرفض غيري أنا وبس.
عارف: أرجوك يا عمي إدي لنفسك فرصة تفكر، بلاش تقول رأيك بسرعة كده، على الأقل تبقى متأكد إن قرارك صح مية في المية. سالم وهو ينهض من مجلسه وينظر لعارف بتهكم: تقصد إني لو وافقت دلوقت ممكن يبقى رأيي مش مظبوط؟ لينظر عارف إلى سالم بسعادة ثم ينظر لحسين الذي كان في حالة ذهول، واقترب منه وهو يعانقه قائلًا: مبروك يا حسين، ألف مبروك يا حبيبي. حسين: بجد يا عمي؟ تقصد إنك فعلًا وافقت؟
محمد بمرح: ما بلاش تشكك في اللي سمعته لا يرجع في كلامه. سالم وهو يتوجه إلى الخارج: أنا ما برجعش في كلامي، بس برضه لازم أسأل سلمى. رجع ببصره إلى عارف وقال: ولما تكونوا بتتكلموا تاني مرة ابقوا اقفلوا باب الأوضة عليكم، مش كل مرة بتبقى النتيجة بالشكل ده. حسين بلهفة: عمي سالم. ليلتفت له سالم بتساؤل فيقول حسين: ممكن لو سلمى وافقت على طلبي، نتجوز مع عارف ونهاد؟ محمد بضحك: كمان!!
طب يا أخي اصبر لما تعرف النتيجة، هو فيه تنسيق قبل النتيجة؟ فيقول سالم بابتسامة وهو يومئ لحسين برأسه: خف بسرعة عشان نقري الفاتحة. حسين بتسرع: طب ما نقراها دلوقت. ليقف سالم للحظات وكأنه يشير نفسه في عرض حسين، فيميل عليه محمد ويحتضنه بحب ويقول: يا ريت يا بابا، ده حتى يبقى أحلى خبر يفوق سلمى من الوجع اللي هي فيه. ليبتسم سالم، فقد أحس من احتضان محمد له بالفخر والحب الذي أفقدهم لسنوات طوال، فالتفت قائلًا
لحسين: طب وعلى كده حافظها ولا هقول وأنت تقول ورايا؟ في منزل سالم... بعد عودة سالم ومحمد من المشفى، كان أذان الفجر قد اقترب موعده، ولكنهم وجدوا سلمى تجلس مع نهاد في صالة المنزل، وعندما رآهم سالم قال بجدية: أنتوا إيه اللي مسهركم لحد دلوقت؟ ما عندكمش حاجة الصبح ولا إيه؟ لتقول نهاد
وهي تنظر لسلمى بقلة حيلة: أصل يا بابا بقى لي كتير كل ما أحاول أكلم عارف عشان نتطمن على الدكتور حسين، ما يردش علينا، فقلقنا عليهم، وقلنا نستنى حضرتك ومحمد تطمنونا لما تيجوا. لينظر سالم إلى سلمى فيجد عينيها محتقنة من أثر البكاء فيقول: ما تقلقوش هم كويسين، بس أكيد يعني محتاجين يناموا ويرتاحوا، وأنتم كمان لازم تناموا وترتاحوا. لتقول سلمى وهي تقاوم نوبة من نوبات
بكائها التي لم تتوقف: يعني لما روحتوا لهم يا بابا، لقيتوا الدكتور فاق؟ سالم: دكتور مين اللي فاق؟ سلمى: الدكتور حسين يا بابا. سالم بمكر: وأنتِ برضه هتفضلي تقوليله يا دكتور بعد ما تتجوزوا؟ سلمى بعدم فهم وهي تنتقل بعينيها بين أبيها وأخيها: هم مين دول اللي هيتجوزوا؟ محمد: بابا يقصدك أنتِ وشهيد الواجب. سلمى بقلق: أنا مش فاهمة حاجة، ومين ده اللي شهيد، هو حصل له حاجة؟ سالم: هو مين ده؟ سلمى بقلة صبر: حسين يا بابا.
ليتركها سالم ويتجه إلى غرفته وهو يقاوم ابتسامته ويقول: وأنتِ بتسأليني أنا ليه، ما تتصلي بيه أنتِ وتسأليه بنفسك، هو مش خطيبك؟ لتضع سلمى كفيها على وجهها وتدلكه بشدة وقد نال منها الإجهاد بشكل كبير، فتأخذ شهيقًا عاليًا وهي توجه حديثها لأخيها قائلة: محمد، أنا حاسة إني مش قادرة أستوعب كلامكم كويس، هو سؤال وعاوزة إجابته، لما روحتوا للدكتور حسين لقيتوه فاق ولا لسه؟
ليشفق محمد على مظهر أخته، فيتجه إليها ويحتضنها قائلًا: فاق يا سلمى، والحمد لله ابتدى يتكلم وطلب من بابا طلب كده وبابا وافق عليه مبدئيًا، بس طبعًا رأيك أنتِ هو الفيصل. سلمى بفضول: طلب إيه من بابا؟ محمد بابتسامة حنونة: طلب إيدك يا حبيبتي. لتنظر سلمى لأخيها بتيه وما هي إلا لحظات حتى سقطت بين يديه غائبة عن الوعي.
ليحملها محمد ويتجه بها إلى غرفتها بمساعدة نهاد، ويقوم بإفاقتها، وإسعافها، ثم يعيد عليها كل ما حدث مرة أخرى بهدوء وسلاسة، ليضيء وجهها من السعادة وتقول وهي تنظر لنهاد: الكلام ده بجد؟ لتقبلها نهاد بسعادة قائلة: بصراحة أنا مش مصدقة إن الحكاية حصلت كده ومشيت بالسهولة دي، صدق اللي قال اللي تخاف منه ما يجيش أحسن منه، ألف مبروك يا حبيبتي.
محمد وهو ينهض من مكانه: اعملي حسابك بكرة إن شاء الله هاخدك معايا أنتِ وأختك وأنا رايح أتطمن عليه، وهروح أنام بقى شوية أحسن خلاص فصلت ومش قادر أفتح عيني. في اليوم التالي بمنزل حسنة، كانت حسنة تجلس بحديقة المنزل وهي تراقب ندى وهي تلاعب صغيريها بالقرب منها، عندما هاتفها حسين، وعندما قامت بالرد قالت بلهفة: كده برضه يا حسين، بقى تبات بره من غير حتى ما تبلغني قبلها وتقلقني عليك بالشكل ده؟
حسين: سامحيني يا أمي، بس الظروف جت كده، وكمان أنا وعارف مع بعض، وعمومًا أنا قلت أبلغك من دلوقت إني هبات النهاردة كمان في المستشفى. حسنة: وليه يا ابني؟ هو في حاجة؟ من إمتى بتبات في المستشفى يومين ورا بعض؟ أنت كويس؟ وأخوك كويس؟ حسين: بخير يا أمي ما تقلقيش علينا. حسنة بقلق: أومال ليه حاسة إن صوتك مش طبيعي؟ حسين بمناورة: وهيبقى طبيعي إزاي بس؟ ده أنا عندي ليكي خبر هيخليكي تتنططي من الفرحة.
حسنة بابتسامة: طب ما تفرحني، إديني سامعاك أهوه. حسين: طب هو جلال نزل من عندك ولا لسه؟ عشان لو لسه عندك أفرحكم سوا. حسنة وهي تتعمد الحديث بصوت واضح: جلال يا سيدي بيحاول يلم كل اللي وراه عشان يعرف يرجع يجيب فؤادة من المزرعة ولما ييجي ميعاد الفرح يعرف ياخد شهر عسل زي أخوه. لتنتبه ندا إلى حديث حسنة بغل، لكنها لم تعلق، بل تابعت المكالمة بشغف. حسين: قصدك تقولي زي أخواته. حسنة بعدم فهم: أخواته مين؟
حسين ضاحكًا: جرى إيه يا أمي؟ ده أنا طول عمري بقول عليكي لبيبة. حسنة بلهفة دون أن تشعر: تقصد إن أنت كمان هتتجوز معاهم؟ حسين: أيوه يا ستي، ادعيلي أنتِ بس. لتنتبه حسنة إلى ندا التي نهضت من مكانها وهي تنظر لها بذهول جعلها تضطرب فتقول لحسين: طب، طب يا حبيبي، أنا شوية كده وهبقى أكلمك أفهم منك التفاصيل. ثم أغلقت الهاتف ونظرت لندا التي تقدمت منها بحقد وقالت: ابنك هيتجوز؟ هي حصلت؟
ده أنا يا دوب عدتي خلصانة من مافيش، لحق يبص ويختار وينقي ويخطب كمان، بس معلش ملحوقة. والتفتت بغضب متجهة إلى الخارج وهي تتوعد في سرها للجميع، حتى وصلت إلى منزل أبيها، وما إن دخلت حتى وجدت كريم يجلس مع أبيها وأمها في حالة وجوم، فلم تبالِ بمظهرهم وقالت لأبيها بانفعال: شفت ابن أخوك اللي دايماً تدافع عنه، وعلى طول تيجي في صفه وتطلعني أنا اللي غلطانة.
ابن أخوك اللي طلاقنا يا دوب عدى عليه أربع شهور، راح خطب، زي ما يكون ما صدق إنه خلص مني، ولا يمكن يكون كان على علاقة بيها من زمان وأنا نايمة على وداني، وكان مستني تجيله فرصة يعلنها. ليقول عزت بتأنيب: أنتِ اللي خربتي بيتك بإيدك، ياما اتحايل عليكي إنك تسيبك من الأوهام اللي في دماغك وتلتفتي له وتهتمي بيه، لكن أنتِ كنتِ شاغلة نفسك بحاجات تانية ما تخصكيش من الأساس، وآدي النتيجة.
ندا بغضب: أنت لسه برضه بتدافع عنه مافيش فايدة. كريم: أنتي عرفتي الموضوع ده منين؟ ندا بغل: البيه كان بيبلغ أمه بالخبر وأنا هناك، كان بيفرحها. التفتت إليهم وقالت بفضول: إنما يعني هو أنا ليه حاسة إنكم كنتم عارفين؟ عزت: حسين كلمني وبلغني، راجل وبيعرف في الأصول، وقال لي عشان ما أعرفش من بره وآخد على خاطري منه. ندا بسخرية: لا والله عداه العيب، وإيه بقى؟ ما قاللكش تبقى مين المحروسة اللي هتبقى مرات أبو ولادي؟ لينظر
كريم إليها بجمود وقال: بنت عم فؤادة. ندا بعدم تصديق: مش المفروض إن دي تبقى خطيبة عارف؟ كريم بتوضيح: أختها. لتصرخ ندا بغضب وكأن النيران قد اشتعلت بداخلها: فؤادة.. فؤادة.. فؤادة! من يوم ما دخلت بيننا وهي سبب الخراب، فرقتنا وطردتنا من بيتنا، وراحت احتلته هي وقرايبها.
كريم بغضب: ما تكدبيش الكدبة وتصدقيها يا ندا، أنتِ عارفة كويس أوي إن أنتِ السبب الوحيد في كل اللي حصل ده، أنتِ بعدتي جوزك عنك وكرهتيه فيكي، وأنتِ اللي هديتي بيتك بإيدك. ندا بتوعد: وههد بيتها برضه بإيدي ومش هسيبها تتهنى لحظة واحدة على وش الدنيا. وتتركهم وتتجه إلى الأعلى وهي في حالة غضب شديد، وما إن أغلقت عليها باب حجرتها حتى أخرجت هاتفها
وهاتفت شخص ما قائلة: لو عاوز فعلاً تضرب ضربتك، الفرصة جاتلك لحد عندك، هي حالياً موجودة لوحدها ومافيش معاها أي حد ممكن ينجدها.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!