أشرقت شمس يوم جديد، لتفتح فؤادة عينيها، لتجد أنها نائمة فوق فراش أبيها وهي لا زالت تحتضن سلوى، ولكنها وجدت ذراع قوية تحيط خصرها بتملك. وعندما رفعت عينيها وجدت جلال غارقًا في نومه، وهو بجوار سلوى من الجهة الأخرى، يتوسد ذراعه، ومكبلاً إياها بذراعه الأخرى. وعندما حاولت إزاحة يده عنها لكي تعتدل، وجدته يهب من نومه وهو يتساءل بلهفة عما حدث، لتنظر له فؤادة مشدوهة، وما هي إلا لحظات إلا وغرقت في ضحكاتها بشدة وهي تشير إليه بسبابتها، لينظر
لها جلال في ذهول ويقول: "هو في إيه اللي بيضحكك أوي كده؟ فؤادة بخجل وهي تحاول السيطرة على ضحكاتها: "أنا آسفة، بس يمكن عشان أول مرة أشوفك وأنت صاحي من النوم." ليعود جلال برأسه على الوسادة وهو يراقبها بنعاس ويقول بابتسامة جميلة: "وهو أنا شكلي بيضحك أوي كده وأنا صاحي من النوم؟ فؤادة وهي تتلاعب بأطراف الدثار:
"لا طبعًا ما أقصدش، بس يعني فيه فرق كبير أوي بين جلال الشديد اللي دايمًا مكشر وكلامه كله أوامر، وجلال اللي صاحي من النوم وهو شعره منعكش وعنده قُصة على قورته." جلال: "أنا عندي قُصة؟ لتومئ فؤادة رأسها بابتسامة وبعض العبث، لينهض جلال من الفراش ويتجه إلى المرآة ليرى أن خصلة من شعره قد انسدلت بالفعل على جانب جبينه كالغُرة. فالتفت إلى فؤادة التي اعتدلت في جلستها وأخذت تراقبه بابتسامة حالمة، فاقترب منها
وجلس قبالتها وقال بعبث: "وأنتي بقى يا ترى القُصة بتاعتي عاجباكي ولا تحبي أحلقها؟ فؤادة بتسرع: "أوعى! وعندما أحست بتسرعها غلبها خجلها مرة أخرى، فأخفضت عينيها للأسفل وأخذت تأكل شفاهها من الداخل، ليمد جلال يده ليرفع وجهها وينظر إلى عينيها قائلًا: "كنت بموت من الرعب عليكي إمبارح، ولو كان عارف سابني أجي لوحدي، كنت أكيد عملت ستين حادثة على الطريق." فؤادة: "بعد الشر عنك." ليضمها جلال إلى صدره وهو يقول:
"نفسي أغمض عيني وأفتحها، وألاقي كل الكلام ده خلص وانتهى وما فاضلش غير إننا نعيش مع بعض في هدوء وبس." وعندما حل الصباح على الجميع اتجهوا إلى قسم الشرطة. كان جلال ومحمد قد اصطحبا الجميع حتى ماجدة إلى قسم الشرطة لتلبية استدعائهم لأخذ أقوالهم.
وبعد انتهاء التحقيقات، علموا بأن المقتحمين قد دخلوا المزرعة أثناء دخول وخروج سيارات النقل التي كانت تحمل الفاكهة، واعتقد الحرس أنهم تابعين للسيارات، واعترف أحدهم بأن الزيني هو من اتفق معهم على عمل ذلك وهو الذي كان يبلغهم بالتعليمات من داخل محبسه. وبعد عودتهم جميعًا مرة أخرى إلى المزرعة، ودعهم سالم ومحمد وعادوا مرة أخرى إلى طنطا لمتابعة أشغالهم، وبقي عارف مع جلال وفؤادة، وأثناء جلوسهم سويًا: فؤادة:
"أنا برضه مش فاهمة إزاي يبقى مسجون وقادر إنه يتواصل مع اللي بره كده بسهولة، معنى كده إنه اتحبس زي ما اتحبسش، شره هيفضل واصل لنا." عارف: "أي حاجة بتيجي بالفلوس." جلال: "وعشان كده النقيب حمدي هيبعت صورة من الكلام ده للنائب العام وهيعمل بيه بلاغ رسمي." فؤادة: "طب تفتكروا لو حققوا معاه، ممكن يجيب سيرة ندى؟ جلال بتنهيدة: "الحقيقة مش عارف، بس ما يتهيأليش." عارف:
"بس مش المفروض أبدًا إن اللي حصل من ندى ده يتسكت عليه يا جلال." جلال بقسوة: "ومين قال لك إني هسكت عليه، اصبر عليا بس لما أرجع." فؤادة بقلق وهي تراقب سلوى أثناء لهوها: "هتعمل إيه يا جلال، أوعى تنسى الكلام اللي سلوى قالته إمبارح." جلال: "ما نسيتش يا فؤادة، بس ده مش معناه إنها ما تتعاقبش." عارف: "ناوي على إيه؟ جلال: "سيبها على الله، المهم إحنا لازم نرجع النهاردة." فؤادة: "هتمشوا دلوقتي؟ جلال بإيضاح:
"هنمشي كلنا دلوقتي، أوعى تفكري إني ممكن أسيبك لوحدك هنا تاني بعد اللي حصل، أنتي خلاص الفاكهة اتسلمت والحمد لله، مطلوب منك بقى إنك تطلعي زي الشاطرة كده تحضري حاجتكم عشان نتوكل على الله." فؤادة بتردد: "أيوة، بس لسه في حاجات هنا محتاجاني." جلال بحزم: "عم نبيل موجود ولو احتاج وجودك في أي لحظة، أنا بنفسي هجيبك لحد هنا، وهفضل معاكي لحد ما نرجع سوا." وعندما لمح عارف أن التردد ما زال على وجهها قال:
"وكمان يا فؤادة، المفروض تبقي مع نهاد وسلمى الأيام دي، وعشان كمان تشوفي حاجتك معاهم، أنتي ناسيه إن فرحنا كلنا بعد أقل من حوالي شهر ونص ولا إيه؟ لتتنهد فؤادة بقلة حيلة وتقول: "أمري لله.. حاضر، هروح أحضر حاجتي وأخلي ماجدة تقفل البيت."
في اليوم التالي بمنزل عزت، وبعد صلاة العصر، وصل جلال وعارف، وكان بصحبتهم حسين الذي خرج للتو من المشفى وهو ما زال تحت العلاج، ولكنه كان يسير معهم ببطء وهو يتوكأ على ذراع عارف. وما إن وصلوا إلى غرفة الاستقبال حيث يجلس عزت وزينب وكريم، حتى قال جلال بصوت قوي: "السلام عليكم، إزيك يا عمي؟ عزت: "وعليكم السلام، أهلًا يا أولاد اتفضلوا." ليدخل الجميع ويتبادلون جميعًا السلام وبعد جلوسهم يقول عزت باستغراب:
"أنت تعبان ولا إيه يا حسين، شكلك مش طبيعي يا ابني.. فيك إيه سلامتك؟ حسين: "أبدًا يا عمي، الله يسلمك، بس ما تقلقش، دي حادثة بسيطة." كريم: "حادثة إيه؟ وليه ما حدش قال؟ حسين: "مش مستاهلة قلق يا كريم، وبعدين ده مجرد جرح في جنبي وابتدى يخف الحمد لله." زينب بجمود: "سلامتك يا ابني، وأمكم عاملة إيه والولاد؟ حسين: "الله يسلمك يا مرات عمي." جلال:
"أمي والولاد وكلنا بخير يا مرات عمي، وبعد إذنك يا عمي يا ريت حد ينده لنا ندى عاوزينها في كلمتين." زينب بترقب: "عايزينها ليه يا جلال؟ جلال بسخرية: "ما تخافيش يا مرات عمي، أكيد مش هنقتلها." لتنظر زينب إلى عزت الذي تبادل النظرات مع كريم ثم قال: "اطلع انده لأختك يا كريم." كريم بتردد: "حاضر.. حاضر يا بابا."
ليذهب كريم إلى الأعلى ويخرج من جيب بنطاله مفتاح غرفة ندى، والتي قد تم حبسها بها منذ الأمس بناءً على رغبة أبيها. وما إن فتح الباب حتى هبت من مكانها كالمجذوبة وهي تنقض على كريم قائلة بعدم تركيز: "قتلها صح.. ماتت.. مش كده؟ أنا عرفت إنها ماتت، بس هي برضه جت تضايقني تاني.. ما فيش فايدة فيها." كريم وكأنه يحاول معرفة ما يدور في ذهنها: "هي مين دي اللي جاتلك؟ ندى بغل: "فؤادة."
فؤادة جات لي، ووقفت لي على الشباك وقعدت تغيظني وهي عمالة تتنطط لي على الحيطان. كريم: انت مش بتقولي إنها ماتت؟ لتقترب منه ندى وهي تهمس له وكأنها تخبره بسر خطير: ما هي أصلها زي القطط بسبع أرواح، بس أنا بقى المرة دي اللي قتلتها بإيدي، بس هشششش. وأخذت تتقافز وهي تنظر حولها، ثم عادت لهمسها لأخيها مرة أخرى وقالت: أوعى تقول إن أنا اللي قتلتها. كريم: طب وإنتِ قتلتيها إزاي بس يا ندى وإنتِ هنا في أوضتك ما خرجتيش منها؟
ندى بذهول: لاااا، ما أنا لما لقيتها جات لي عند الشباك وبتغيظني، روحت ضربتها بالنار قامت وقعت من الشباك وماتت. وعندما نظر إليها كريم بذهول من حالتها، قالت مرة أخرى: انت مش مصدقني؟ طب تعالى، تعالى وأنا هوريهالك وهي واقعة في الجنينة. لتسحبه من يده حتى نافذة شرفتها وتشير له بإصبعها إلى الأسفل قائلة بفخر: بص، أهي مرمية على الأرض وغرقانة في دمها، أنا موتتها المرة دي خالص وخلصت منها.
وعندما نظر كريم إلى ما تشير عليه ندى وجد برواز كبير كان بداخله صورة لهدى، ملقاة أرضًا وزجاجها مهشم بالكامل. ليلتفت إلى ندى ليجدها تنظر إلى الصورة بغل وتقول: كانت فاكرة إنها هتاخد كل حاجة، لكن لا، أنا اللي هاخد كل حاجة، كل حاجة. ثم أخذت تهذي ببعض الكلمات المتناقضة وتضحك وتبكي في ذات اللحظة، ليتركها كريم ويغلق عليها مرة أخرى ويعود إلى الأسفل وهو في حالة من الذهول ويعلو وجهه الوجوم التام. وعندما وجدوه عائدًا بمفرده،
قال جلال بغضب: يا ريت تفهمها إني لغاية دلوقتي عامل اعتبار لعمي ولولاد حسين، لكن لو ما نزلتش من نفسها أنا هطلع أجيبها بنفسي حتى لو اضطريت إني أجرجرها من شعرها. زينب بقلق: اهدى بس يا جلال بالراحة، إحنا كلنا عارفين إنها غلطانة، بس بالهداوة يا ابني عشان خاطر عمك. جلال بعنف: أختك فين يا كريم؟ كريم بصدمة: ندى اتجننت. جلال بعدم فهم: وجنانها ده أنا اللي هعرف أحاسبها عليه، خليها تنزل لي هنا. كريم وهو
لا زال تحت تأثير الصدمة: لما طلعت لها لقيتها بتخرف، وعمالة تقول كلام غريب كله هلوسة، وبتقول إنها قتلت فؤادة ورميتها من الشباك وشدتني عشان أتفرج، لقيتها رامية صورة هدى وبتتشفى فيها على إنها فؤادة. عارف: يعني إيه الكلام ده؟ يعني اتجننت بجد ولا دي لعبة جديدة بتلعبها علينا؟ لتضع زينب يدها على صدرها وتقول بلهفة وهي تتجه إلى الأعلى: بنتي يا كريم، عملت إيه في أختك؟
ليذهب كريم خلفها وهو يحاول إسنادها، ليتجه جلال وإخوته خلفهم. وما إن فتح كريم الغرفة على ندى، حتى وجدوها تمسك بيدها مقصًا بطريقة هجومية وهي تتشاجر مع نفسها بالمرآة وتحدث نفسها على أنها فؤادة وتقول: هو أنا كل شوية هموتك وتصحي تاني؟ أنا زهقت منك خلاص، موتي بقى... موتي. لتدمر المرآة وتهشمها حين ضربتها بقوة بالمقص، فأسرع إليها كريم وهو يحاول إفلات المقص من يدها خوفًا من إيذاء نفسها،
فقالت بتبرير: ما هو مش معقول كده أبدًا، مش أنا لسه رمياها من الشباك؟ مش أنا وريتهالك؟ كل ما أموتها تطلع لي تاني. لتنصدم عينيها بأبناء عمها وهم يحاولون إسناد أمها التي تكاد تسقط من شدة لوعتها، وما إن تلاقت أعينها مع جلال، حتى أسرعت بالاحتماء وراء ظهر كريم وهي تنظر لجلال بخوف وترقب، وقالت: حوشه يا كريم، حوشه، ما تخليهوش يقرب لي.
ليقترب منها جلال ببطء وهو يتأمل ذعرها وانتفاضة جسدها وتلفتها حولها وكأنها متوقعة أن تتخطفها الشياطين في أي لحظة. ثم قال لكريم بإصرار: لازم تتعرض على دكتور نفسي، ويا ويلها مني لو طلعت بتمثل. زينب بنحيب: بنتي اتجننت يا جلال، أنتم اللي جننتوها، سيبوها في حالها بقى. ليلتفت جلال
بغضب إلى زوجة عمه وقال: بنتك بقت مجرمة يا مرات عمي، وتفكيرها كله إجرامي، لما توصل بيها الجرأة إنها تتفق على قتل مراتي يبقى لازم تتعاقب وتتعاقب بشدة كمان، لولا خاطر سلوى وخاطر عيالها، كان زماني راميها في السجن مع شركائها، لكن ده مش معناه أبدًا إني هسيبها كده من غير عقاب، لاا، ده أنا هخليها تندم على اليوم اللي اتولدت فيه.
ليتفاجأ الجميع بندى وهي تتجه بسرعة شديدة ناحية جلال وهي تمسك بيدها قطعة كبيرة من الزجاج نتيجة المرآة المكسورة ورفعتها عاليًا لتنزل بها على صدره، لولا أن سبقتها يد عارف، الذي قيد معصمها بيده، وهي تصرخ بشدة محاولة الفكاك من يده وهي تصرخ قائلة: هقتلك زيها، هقتلك زيها يا جلال، أنت السبب يا جلال، أنت اللي ضيعت كل حاجة من إيديا، أنت لازم تموت أنت كمان.
وفي أثناء محاولاتها الفكاك، ومحاولة عارف وكريم أن يأخذا من يدها الزجاج المسنن، يستمع الجميع إلى صرخة مكتومة تصدر من حنجرتها لينتبهوا إلى أن الزجاج الذي كان بكف يدها قد انغرز سنه المدبب في صدرها، لتصرخ زينب وهي تولول منادية على ابنتها، لينحني حسين بأقصى مقدرته عليها ليتفقد جرحها، محاولًا إسعافها، ولكنه يقول: الجرح جه في شريان حيوي، شوفوا لي حاجة اربطها لها بسرعة نأخر النزيف شوية واتصلوا بالإسعاف حالًا.
ليأتي إليه كريم بوساح خاص بندى فيقوم حسين بشرح طريقة شده عليها لعارف وكريم حتى يستطيعا وقف النزيف. كانت ندى خلال ذلك تنظر أمامها بشرود وهي تحدث كائنًا وهميًا وكأنها تهذي وتقول بنفي: أنا ما خنتكيش، هو اللي خانك، ما خنتكيش. عارف: أنا بقول ننقلها إحنا أسرع من إننا نستنى الإسعاف. حسين: شيلها بسرعة يا كريم، بسرعة على المستشفى أنا ربطت لها الجرح عشان النزيف.
ليحملها كريم ويسرع بها إلى الأسفل، ويسرع معه عارف، ليذهبا بها إلى المشفى. ليقوم جلال بإسناد زينب ويعودا إلى الأسفل، مع حسين ليقول عزت بهلع: في إيه يا أولاد؟ إيه اللي حصل؟ ندى مالها؟ جلال: خير إن شاء الله يا عمي، ندى انجرحت وإن شاء الله يلحقوها. ولكن كان للقدر كلمة أخرى، فقد فارقت ندى الحياة قبل أن يصلوا بها إلى المشفى. بعد مرور شهر على موت ندى.. في منزل حسنة، كانت تجلس حسنة وفؤادة بصحبة الصغار،
ليدلف إليهم عارف فيقول: السلام عليكم. فؤادة وحسنة: وعليكم السلام. ويسرع الصغار للارتماء بأحضانه مرحبين بعودته، فكان دائمًا عارف يمثل لهم الحنان والمرح. حسنة: جاي بدري يعني النهاردة. عارف: أبدًا ما لقيتش عندي مزاج أروح في حتة فخرجت من المدرسة على هنا على طول. فؤادة بمرح: إيه ده؟ وما شفتش نهاد النهاردة؟ عارف بامتعاض: نهاد! نهاد بنت عمك دي هتجيب لي الاستبحس. فؤادة بضحك: ليه بس يا عم عارف، عملت فيك إيه؟
عارف: ما صدقت إننا أجلنا الفرح شهرين عشان خاطر عمي ما يزعلش، وهي بلطت في الخط، كل أما أقول لها على حاجة نعملها أو نشوفها تقول لي لسه بدري، مستعجل على إيه. لتضحك حسنة وتقول: وأنت بقى كنت عاوز تجيب إيه وزعلان إنها قالت لك تستنى؟ عارف: كنت عاوز آخذها أتفق لها على مركز التجميل والاستوديو اللي هنتصور فيه، وكده يعني. لتنظر حسنة إلى فؤادة بذهول ثم يضحكان بشدة وتقول فؤادة: واضح فعلًا إن نهاد هي اللي هتجيب لك الاستبحس.
حسنة: ما هو فعلًا لسه بدري يا ابني، الكلام ده ممكن يبقى قبل الفرح بأسبوعين تلاتة. فؤادة: وبعدين ما تحملش هم مركز التجميل، أنا عندي أصحابي من إسكندرية هيجوا لنا مخصوص لحد هنا، ما تقلقش. ليأتيهم صوت جلال من ورائهم وهو يقول: طب أهي فؤادة حلتها لك، على الله تهمد بقى شوية. عارف باعتراض: آه يا أخويا وهو أنت خاسس عليك حاجة، مراتك في حضنك وقدام عينك أربعة وعشرين ساعة، كان فيها إيه يعني لو سيبنا كل حاجة زي ما هي في ميعادها.
جلال بجدية: لا طبعًا، أنت اتهبلت، مهما إن كان الأصول أصول. حسنة بتنهيدة: الله يسامحها بقى ويغفر لها، دمرت الكل بعمايلها قبل ما تموت وبعد ما ماتت. عارف: أنا بصراحة أكثر واحد زعلان عشانه هو كريم، نفسيته زي الزفت. جلال: ما تنساش برضه إن النيابة لما اتهمته بقتلها، خلته حس بالذنب من ناحيتها. عارف: لكن كلنا عارفين إن ده ما حصلش. جلال: ما هو لولا شهادتنا باللي حصل، ما كانش حد هيصدقه.
عارف بتردد: الحقيقة من حوالي أسبوعين كريم حكى لي على موضوع كده، وطلب مني أقول لكم عليه، وأطلب منكم إنكم تسامحوها وتدعوا لها بالرحمة، ومن وقتها وأنا بشاور روحي إن كنت أقول لكم وإلا لا. حسنة: موضوع إيه ده؟ وقبل أن يتحدث عارف أشارت له فؤادة بالسكوت ثم قالت للصغار: يا لّلا يا سلوى أنتِ وأدهم خدوا ليلى واطلعوا العبوا في الجنينة، بس خدوا بالكم من أختكم. وبعد
خروج الصغار قالت فؤادة: الأولاد ابتدوا ياخدوا بالهم من الكلام، ويا ريت كلنا ناخد بالنا من الحكاية دي عشان نفسيتهم. ليبتسم جلال ويربت على يدها بحنان ويقول لعارف: احكِ كنت عاوز تقول إيه. عارف: ندى كان لها دور غير مباشر في ضرب النار اللي حصل لفؤادة. فؤادة بشهقة عالية: إيه الكلام اللي أنت بتقوله ده، إزاي يعني؟
عارف: ده الكلام اللي كريم قاله لي، قال لي إنها كانت متفقة مع حد إنها تطلعك من البيت، بس أقسم لي إنها ما كانتش تعرف وقتها إن دي كانت نيته أبدًا، ولما حصل اللي حصل اتخانقت معاه. جلال: وهو عرف الكلام ده منين، ومين اللي كانت متفقة معاه ده؟
عارف: وقت ما سمعها وهي بتتكلم معاه في التليفون، اتخانق معاها وحاول يعرف منها هو مين، بس ما قدرش، لكن طبعًا كل اللي قدر عليه ساعتها إنه اتخانق معاها وبس، ما كانش متصور أبدًا إن الحكاية ممكن توصل للمرحلة دي. فؤادة بحزن: الله يرحمها ويسامحها. ليضمها جلال إليه مقبلًا رأسها بابتسامة واسعة حانية، لينهض عارف متأففًا ويذهب إلى الأعلى وهو يقول: خليك أنت مقضيها وحارق دمنا كده عيني عينك.
ليسمع ضحكاتهم العالية على كلامه، فيبتسم بصفاء وهو يدعو الله في سريرته أن يديم السعادة والهناء على قلب أخيه. بعد مرور سبع سنوات، كان يوجد احتفال كبير في مزرعة فؤادة، وكان يحضره الجميع. وكان الاحتفال بمناسبة حصول حسين على الدكتوراه الفخرية، فقررت فؤادة الاحتفال به في مزرعتها، وبعد الاحتفال وتحت ظلال القمر المكتمل.
جلسوا جميعًا في حديقة المنزل بالترتيب التالي، حسنة بجوار أم نهاد وهم يتجاذبون أطراف الحديث والذكريات ويجلس بجوارهم أرضًا أم إبراهيم وماجدة وهما يقومان بشواء الذرة للجميع. ثم كان هناك حلقة من الرجال الذين التفوا حول لعب الطاولة، فكان سالم يلعب مع العم نبيل بمرح شديد ومن حوله كان يجلس حسين وعارف ومحمد وكريم وهم تارة يقوموا بتشجيع سالم وتارة بتشجيع نبيل.
وعلى مقربة منهم كانت تجلس الفتيات نهاد وسلمى وعائشة وبصحبتهم نادين صديقة نهاد والتي تعرف عليها كريم أثناء زفاف أبناء عمه ووقعوا في غرام بعضهما البعض ليطلبها للزواج ويتم زواجهم بعدها بعام واحد، وكانت الفتيات يلعبون الورق بمرح كبير.
وكان هناك جمع من الصغار يلتف حولهم هنا وهناك وهم يلعبون بمرح وسعادة، فكان هناك نور ونورهان أبناء عارف ونهاد والذي أصر أن تبدأ أسماء أبنائه بأول حرف من حروف نهاد لتكون إمبراطورية ن، وهناك أيضًا حياة وزهرة وسالم، أبناء محمد وعائشة، وأيضًا نهلة وعلي أبناء كريم ونادين، وأخيرًا حسنة وسليم أبناء فؤادة وجلال. أما سلوى وأدهم فكانا يجلسان فوق أحد أفرع شجرة التوت وهما يتحدثان سويًا عن بعض الأحاجي التي يحاولان حلها سويًا.
أما فؤادة وجلال فكانا معًا عند البئر الشرقي، فعندما جلس الجميع لتقضية السهرة، سحب جلال فؤادة من يدها وقال لها: ما تيجي نطمن على الصوب والبئر. لتوافق فؤادة على الفور، فكانت تعشق التجول بالمزرعة ليلًا على ضوء القمر وقت تمامه، فكان يضفي على المكان رونقًا من السحر والخيال، وعندما وصلوا إلى البئر استند عليه جلال وجذب إليه فؤادة بروية لتجلس إلى جواره ضامًا إياها تحت جناحه وقال: المكان ده له ذكرى خاصة عندي.
فؤادة بابتسامة: وأنا كمان. جلال: أنتِ كمان إيه؟ فؤادة: أنا كمان المكان ده له ذكرى خاصة عندي. جلال وهو يشد على ضمها: طب ما تحكي لي. فؤادة بمكر: طب وما تحكي أنت الأول. جلال: أنا كده كده جايبك عشان أحكي لك. فؤادة: طب احكي يا لّلا أنا سمعاك. جلال وهو ينظر إلى السماء المرصعة بالنجوم التي تتلألأ ببريق ساحر حول القمر: أول مرة جئت هنا معاكِ، لما حاولوا يغرقوا لكِ المحصول.. فاكرة؟ فؤادة بمرح: وهي دي حاجة تتنسي برضه؟
جلال: يومها كنتِ عاملة زي القطة الشرسة، كنت حاسس إن جواكِ طاقة رهيبة مش ممكن تخلص أبدًا، لقيتكِ مسكتِ الفأس ووطيتي وابتديتِ تحفري قناية وأنتِ بإيد واحدة، ساعتها حسيت إني هتجنن منك. فؤادة: ما أنت ساعتها زعقت لي وأخذت مني الفأس. جلال وهو يزيد من احتضانها: يومها غيرت عليكِ أوي وأنتِ صوتك عالي وبتوطي قدامهم، وإيدك بإيدهم في كل حاجة، يومها ابتديت أخَانق في روحي بسبب انشغالي بيكِ. لتستكين
فؤادة بأحضان جلال وتقول: وأنا كمان، يومها كنت أول مرة أحس إني شايفاك بشكل ثاني، حسيت إنك بتحاول تحميني، وتقف في ظهري، اليوم ده بالذات على قد غضبي من اللي حصل، على قد ما حسيت إني لأول مرة من يوم موت بابا.. إني مش لوحدي. جلال: حسيت أيامها إن كلبشتك في هدومك قلت شوية، لكن رجعت ثاني لما عرفتِ إني مسافر.
فؤادة: الموضوع ده كان ابتدى معايا لما محمد قرر إنه يسافر ويسيب مصر، كنت بستقوى بيه بعد ما بابا مات، وأما فجأة لقيت روحي لوحدي، افتكرت لما كان بابا دايماً يقول لي سر قوتك جواكِ اتقوي بروحك وبنفسك، لما كنت بمسك في هدومي كنت بحس إني بشد نفسي، لكن من وقت ما حسيت بحبك واهتمامك بيا، حسيت إني بتقوى بيك، خصوصًا إنك كنت دايماً تصمم تمسكني من إيدي وتضمني، وده في حد ذاته كان بيديني إحساس رائع بالأمان، وشوية بشوية موضوع إيدي ده اختفى خالص.
لكن البئر ده له ذكرى ثانية عندي أغلى. جلال: إيه هي؟ فؤادة: يوم ما قدرت إني أقنعك إننا نخلف، أنت ناسي إنك فضلت مدة مصمم إننا ما نجيبش أولاد، أول مرة قلت لي فيها إنك موافق إننا نجيب أولاد كان هنا. ليقبلها جلال من رأسها ويقول: عاوز أعترف لك بحاجة. فؤادة: قول.
جلال: كنتِ كل ما تجيبي سيرة الأولاد والخلفة، كنت أفتكر إن هدى الله يرحمها راحت مني وهي بتولد سلوى، كنت ببقى مرعوب وأنا بتخيل حياتي من غيرك، لحد ما أمي في يوم.. قعدت اتكلمت معايا بالعقل والمنطق وطبعًا الدين وأخيرًا أقنعتني إن كل شيء نصيب، والحمد لله أهو ربنا رزقنا بحسنة وسليم ربنا يحفظهم لنا. فؤادة: ويحفظ لنا سلوى واللي جاي في السكة.
ليضحك جلال بشدة وهو يقول: وأنا عمال أقول إيه الطاعة دي، وأول ما قلت لك تعالي نبص على البئر والصوب وافقتِ على طول، أتاريك كنتِ بتستدرجيني. لتوكزه فؤادة في جنبه بامتعاض وتقول: إيه بستدرجك دي، ليه إن شاء الله حضرتك معترض وإلا حاجة؟ جلال بحب: وأنا أقدر أعترض على حبايب فؤاد فؤادة، طب تصدقي.. لو جاء ولد هنسميه فؤاد. فؤادة: طب ولو جاءت بنت؟ جلال وهو يقترب من شفتيها: لو بنت تبقى أكيد فؤادة.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!