الفصل 20 | من 30 فصل

رواية فراس ابن الليل الفصل العشرون 20 - بقلم سلمي سمير

المشاهدات
22
كلمة
4,614
وقت القراءة
24 د
التقدم في الرواية 67%
حجم الخط: 18

لا قوة كقوة الضمير فهو القادر على تحريك أرواحنا وتحكيم عقولنا. حينها يتقن القلب الاختيار، ويكون الحب هو المسار. فالحب هو ذكاء المسافة، ألا تقترب كثيرًا فتلغي اللهفة، ولا تبتعد طويلًا فتُنسى. وتبدأ كل الآمال. عاد فراس إلى داره بعد أن رتب جميع أمور الصلح، لكي يغير ثيابه بعدما قامت رئيسة بمعالجة جرحه الذي لم يشف منذ ست سنوات. كأنه أصبح يعبر عن وجعه والألم الذي لن ينتهي إلا مع انتهائه من الانتقام لأمه والوصول لأخته.

دلف إلى الدار فرأى مهرة على سجادة الصلاة تقرأ القرآن. ابتسم لها وألقى عليها السلام: "السلام على أهل بيتي ونور حياتي." رفعت رأسها إليه وردت السلام وهي تنهض. مد يده وجذبها إلى حضنه بترفق وقال: "والله أنا في نعيم. لحد دلوق مش مصدق إنك في داري وبين أحضاني ووعيوني نضراكي، وأنفاسي لمساكي." تململت مهرة بين ذراعيه، فتركها بهدوء وسألها: "جوليلي يا جوليبي، حد زارك في غيابي ولا طول اليوم لحالك؟

استغربت هدوءه معها رغم شوقه إليها الذي يملأ عيناه. وردت عليه بارتباك وتوتر بالغ: "أيوة زارني بوي وخيتي، ودخلتهم لأنك سمحت ليا. غير كده ما كنتش هدخل حدا الدار." ربت على كتفها بحنان ثم تركها ودخل غرفته ليغير ثيابه. وسمعته يقول لها بثقة جعلتها ترتجف: "وطبعًا جولتيله إني مش راجلك ولا دخلت بيكي، مش كده؟ ابتلعت ريقها بتوتر، وشعرت أن الكلمات تحشرجت في حلقها ولم تعد تستطيع النطق. فصمتت.

خرج فراس من غرفته بعد أن غير ثيابه بجلباب أسود ولف رأسه بشال أسود، فأعطاه هيبة وطلة قوية. منحها ابتسامة حانية، بعدما تأكد من أنها أفشت سره. وقال لها: "ها، ما جلتليش بوكي جالك إيه بعديها؟ رضي عنيك ولا لسه غضبان؟ بس مدام أكل بداري يبقى راضي عنيك، ده يهمني إنك تنالي رضا بوكي لحد ما تبجي حلالي وتنالي رضايا." حامت عين مهرة عليه وسكن في قلبها إحساس قوي بالتميز لأنها زوجة هذا الرجل المهيب. وسألته بحيرة:

"خبرت منين إني جولت لبوي اللي حصل ليلة دخلتنا، أو إنه أكل بدارك؟ إيه جاسوسك؟ جعبل همله يراقبني كالعادة. ضحك فراس ووضع يده على وجهها ووجهها نحو إحدى الصواني التي أتت إليهم في الصباح وقال:

"الصينية فاضية وكان عليها أكل يكفينا أنا وأنت ويفيض. وأكيد يا باجلي ما أكلتش لحالك كل ده. ولأجل بوكي يأكل بداري ملهاش غير معنى واحد، إنك ترضيه. والحاجة اللي ترضي بوكي عليك مش منديلك اللي تشرف بيه لأ، الأهم إن ما بقاش راجلك. جوليلي بقى ناوي ميتي يجول إني كذبت ومدخلتش بيك، ويطلب إني أطلقك ليفضحني؟ اقترب منها إلى الحد الذي شعر به سيس أنفاسها وقال بغضب:

"جولي يا مهرة، بس أوعك تفكري لحظة إني هطلقك. ده على جثتي يا مهرة، أنا مش هطلقك لأنك ملكي وهتبجي مرتي." حدقت به مهرة بهلع وخوف وارتدت للخلف حتى ضرب ظهرها بالحائط. وقالت له بتوتر أربكها: "واه معقول هتخلف وعدك معايا وهتخدني غصب؟ دنا منها ووضع يده على الحائط لتصبح حبيسة ذراعيها دون أن يحضنها أو يمسها وقال:

"لأ، مش أنا اللي يأخد مرته بالغصب. أنتِ مرتي وبكيفك. وبوكي لو ظن إني ههملك خوفًا من الفضيحة، أنا ممكن أقتله ولا إني أطلقك. بوكي ما وعيش غضبي اللي هيبقى سواد عليه. وأنا لحد دلوق باجي عليه لجل خاطرك. وكمان لو فكر يجول إني مش راجلك لازم يثبت، وأظن أنت مش هتطوعيه لأنه هيكون عيب فيكي تعصي جوزك وتتمنعي عليه. ما فيش راجل هيرضى يتجوزك بعديها. يعني بالآخر الفضيحة ليكم مش لي. أنا مش راجل جلبه بيصيره يا بت سمعان. أنا كل خطوة بخطيها عقلي بيحسبها ألف مرة. حتى خطفك كان لجل أحافظ على حجي فيك. وواعي إنك ريداني كي ما أنا رايدك. ياريت تفكري بحديتي زين وتعجلي بوكي وترضي جوزك وتكوني حلالي برضاكي يا جليبي."

أنزل ذراعيه وجذبها إلى حضنه بحنان ولثم رأسها. ثم تركها وخرج دون كلمة، كأنه يقول إنه لا يخشى فراقها لأنها ملكه. غادر وتركها لنفسها تعاتبها وتلومها كيف جرحت كرامته، لكنها لم تقصد. كان هذا حق أبيها عليها أن توفي له بوعدها. لكن هل من حقها أن تفشي سر زوجها معها؟ لتحدث نفسها بعتاب:

"لا مش حقي فراس جوزي واللي بيحصل بينا بقي سري وسره ومينفعش أرضي أبويا على حسابه. أنا فعلاً غلطت بس غصب عني. لا أنا قادرة أرضيه ولا أكسر أبويا. سامحني ياربي."

خرج فراس من داره في جولة أخرى قبل أن يذهب إلى دروب عائلة الجبري. مر على دار وهيب وطلب منه أن يحدث زوجته. فأتت وألقت عليه السلام. شكرها فراس على ما أتت به لمهرة وطلب منها أن تبتاع لها كل ما تحتاج حتى لا تخرج من الدار وسيكون شاكرًا لها، لفترة من الوقت حتى تعتاد على حياتها معه. ابتسمت له زوجة وهيب وقالت بمودة:

"لأ، وهيب وصاني السبوع كله عليا وأنت عطيتني الجرشنات اللي أجيب ليها بها كلوببصراحة الجرشنات كتير. إن شاء الله من السبوع الجاي هسألها عن حوايجها وأجبهالها كل يوم. ما تقلقش مهره خيتي ومرت خوي." شكرها فراس لذلك وذهب وهو مطمئن بأنه استطاع أن يزرع المودة في قلوب من حوله دون عناء أو تقليل من هيبته.

بعدها غادر إلى بيت شيخ الجامع وطلب منه أن يسبقه إلى مجلس العائلة وسيلحقه هو والعمدة. وكذلك قال للعمدة نفس الكلام. وبعد أن تأكد من أن الجميع سيلاحقونه ذهب هو إلى دار جابر الجعفري. طرق داره ونزل عن حصانه احترامًا لأهل البيت الكريم وانتظر أن يفتح الباب. فتح له جابر وأخذه بالأحضان وجذبه إلى الداخل رافضًا أن يقف ينتظره في الخارج كما فعل بالصباح. دلف فراس إلى الداخل وألقى عليهم السلام، فأتـاه سليم ابن جابر وصافحه

بمودة وترحاب شديد وقال له: "جولي يا واد عمي، كي أقنعت فيصل بجوازه من زينب؟ ريقي نشف معاه أصل لكن دماغه مجفلة." جلس فراس وقال لسليم بهدوء:

"أنا وعدت فيصل أن زينب هتكون ليه. أنا مجرب العشق وخابر وجعه وألمه، وعلى عينكم نظرتوا عملت إيه لجل مهرة ما تكون لغيري. المهم يا عم، وأنت يا سليم هتكون مكان فيصل في الصلح. وقبل ما تتجوز فيصل من زينب هيقفل الطريق على سلطان ياخدها. وأنا خابر زين مدام الصلح هيتم لازمنا ياخد بت منيكم. ده تتفجروا عليه. لكن أنت هتحل محل فيصل لأخد بت من بناتهم. وهي دي القشة اللي هتجسم وسطهم وهيستسلموا لحكم المجلس العرفي اللي هيلزموا نفسهم بيه في الصلح. المهم إن العمدة وشيخ الجامع هييجوا معايا لحضور جلسة مجلسهم للموافقة شرط زينب لسلطان. واحنا هنوافق."

نهض جابر وجلس بجواره وابتسم له بحيرة: "كي بتي هي شرط الصلح وأنت جوزتها لواد خوي؟ أنت كده بتولعها نار والصلح هيترفض." هز فراس رأسه بالرفض وقال بثقة وتصميم ماكر:

"لأ، أنتو هتوافقوا والرفض هيكون منهم. وهيطبق عليهم الأحكام العرفية للمجلس، مدام وافقوا على الصلح يتموه. جولت ليك همل الباقي عليا وأنا جدها بإذن الله. كل اللي طالبه منك لما العمدة يجي معايا ويسألك موافقة على شرط الصلح جوله مبدئيًا أه. يومين هجمع كبارات العيلة وأرد عليك. بعد ردك هيتحدد مجلس الصلح وهيكون بدوار العمدة وهيحضره المأمور ورجل الدين والأمن. وقتها هنجول كلمتنا وهنشرط شرطنا وباذن الله هيكون الأمر لينا يا خال."

ضحك سليم وعدل من هندامه بثقة وقال: "واه يعني أنا اللي هدبس في بت عيلة الجبري؟ وماله بناتهم زين وولاد أصول. ومدام هتكون مرتي هتبقى طوعي، سواء بنت الجبري أو الجعافرة. المهم إني راجل وهتجي الله فيها وأشكمها زين. ويكفيها شرف إنها هتكون أم لأولاد الأشراف الجعافرة من سلسال الرسول ﷺ." ربت فراس على كتف سليم باستحسان وقال له بإعجاب:

"طلعت راجل زين يا واد عمي. ومدام هتنجي ربنا فيها بإذن الله هيرضيك ويرضيك. المهم همشي دلوقتي وكي ما اتفقت معاكم، هتوافق يا خال على شرطهم بدون ذكر زواج فيصل من زينب، اتفقنا." ضرب جابر يده كفًا بكف وقال: "حاضر يا ولد الغالين. لله الأمر من قبل ومن بعد. بس أمانة عليك تخلي بالك من فيصل ولو في شر هيصيبه نجيه وكن جار ده راجل صوح ويستاهل الخير اللي بتسعى ليه لجله. وبإذن الله هنفذ كل اللي جولتله لعله خير." ابتسم

له فراس وقال بمزاح ومرح: "واه مفيش كبابي شربات ولا بيت الإكرام ماراحش نكرم فيه؟ نادى سليم على أخته زينب طالبًا منها أن تقوم بواجب الضيافة مع فراس. فلم تتوانى زينب من فرحتها وأتت إليه بالغداء. لم يكسفها فراس وأكل مع أبيها وأخيها. وبعد ذلك أتت لها بالشربات كم طلب مباركة بعقد قرانه. بعد جلسة طويلة في دارهم غادر فراس قاصدًا دار عثمان الجبري الذي كان ينتظره مع مجلس العائلة الذي اجتمع لكي يحسموا أمر الصلح الذي عرضه فراس.

دخل فراس إليهم بطلته المهيبة وألقى عليهم السلام بشموخ. ناظرًا إلى الكل بتعال وغرور وقال: "السلام عليكم. أهل الخير الأكابر وولاد الأصول. جيناكم بالخير إن شاء الله مرحبين ولارافضين." أشار إليهم كبيرهم بالجلوس وقال بحكمة: "ما دخل دارنا سلم منا وليه علينا واجب الضيافة والإكرام حتى لو عدونا. وأنت جاينا بالخير وإن شاء الله مقضية. اجعد يا ولدي وهنرد على طلبك للصلح كي ما جـال عثمان." مال صفوان عم سلطان على أذنه وقال بغيظ:

"آخرتها نجعد مع ولد الليل لجل الصلح. والله عيب في حقنا وحق العيلة كلها. نحط يدنا في يد قاتل وجاطع طريقك." كتم سلطان غضبه وحقده على فراس ورد على عمه: "لو تجدر جوم جـول اللي جـولته لفراس. مجبورين يا عمي، لكن بشروطنا وأنا جـولتك هجهرهم وأخليهم يندموا على الصلح." أخذ نفس ونظر إلى العمدة وشيخ الجامع وإلى فراس الجالس وسطهم بشموخ وقال:

"قبل أي حديث يا عمدة أنت هتكون الشاهد على شروطنا للصلح وكبيرنا هو اللي هيحددها وما فيش رجعة فيها. صح فراس اللي سعى لكنك أنت الشاهد ومعاك شيخ الجامع." رد عواد عليهم بهدوء: "وماله أنا حاضر لجل أكده ومدام هيجي من وراه خير أنا معاكم. اتفضل يا شيخ راضي جـول شروطك." أخذ كبيرهم المدعو راضي نفسًا عميقًا ونظر إلى عثمان أخيه وولده سلطان وقال:

"فكرة الصلح ما كانتش مرامنا لكن مدام عثمان وولده راضين إحنا موافقين على الصلح بالنسب. ولدنا سلطان هياخد بنت منهم وهنعاملها معاملة الإسلام. وولدهم فيصل هياخد بت مننا وليها بالمثل كم لبنتهم. دي شروطنا للصلح لو مجبولة. حدد اليوم لعقد الصلح وننهي الخصام والثأر اللي بينا بإذن الله." طالعهم العمدة بحيرة ونظر إلى فراس الصامت بهدوء مخيف وقال بتعجب: "بس رايدين النسب ما فيش ليكم شروط تانية؟

واه غريب أمركم. ما ياما طلبنا منكم ومنهم الصلح سنين ورفضتوا ليه دلوقتي؟ رد عليه سلطان بخبث وقال: "لأ، بيكفيني النسب وهما خدوا منا جد ما خدنا منهم. ولحد كده زين. لكن شرطي اللي مش هنتنازل عنه وميلزمني الصلح بعديها، رايد بنت جابر تكون نصيبي. هو ده شرطي." تنهد شيخ الجامع واقفًا معترضًا على شرط سلطان وقال بحدة:

"لأ، بت جابر مقسومة لفيصل ومتتجوزش ليك. كل بنات الجعافرة شرف للنسب. خليك عنها واختار غيرها وبيكفي هتناسب الأشراف الكرام. ده غير إنك خابر غلاوتها عند جابر إلا لو قصدك من طلبك ده تخرب الصلح لأنهم هيرفضوا." نهض سلطان ووقف أمام الشيخ بتحدٍ وقال: "طلبتوا الصلح وده شرطنا. وافقوا حبنا يا زين، رافضوا ولدهم فيصل يعد أيامه لأني مش هصبر عليه أكتر من كده." اعترض الشيخ بشدة وقال محتجًا: "كي يعني تاخدها منه وهي في ذمة راجل؟

ده حرام وما فيش شرع حلاله. أنت كده مريدش صلح ريدها نار والعة." نهض فراس ووقف بينهم وحسم الجدال الدائر بينهم: "يا عم الشيخ ده شرطهم وهنجوله لكبير الجعافرة. وافقوا كي ما جـال سلطان حبنا يا زين، وافقوش يبجي الحال على ماهو عليه. وأنا واثق إن عم جابر راجل عاقل وحكيم وهيوافق لجل الشباب اللي بيضيع في النص. وبته مهما غلت ما تغلي على جوزها سيد الرجالة، ولا إيه يا عمدة؟

استغرب العمدة موقف فراس لكنه شعر بأنه لم يقدم على الموافقة هكذا إلا إذا كان أخذ وعدًا من جابر نفسه بالقبول على هذا الشرط الغريب الذي يخص فيصل أكثر. وقال: "على جـول فراس نعرض الأمر على كبيرهم. لو وافقوا يتم الصلح على خير." إلا أن فراس عاد وتدخل قبل أن ينقضي المجلس قائلًا: "رايد منيكم وعد إن كي ما والدكم اختار والدهم يختار. واللي يرفض منهم، يكون عليه حق عرب والصلح يتم بغيره."

كان طلب فراس في ظاهره طبيعيًا ولم يساور أحدهم الشك. وافق كبيرهم الشيخ راضي وأكـد عليهم عثمان وسلطان، لينقضي المجلس على شاهدة العمدة وشيخ الجامع على ما تم، في انتظار رد الجعافرة. خرج فراس من دارهم والبسمة تعلو وجهه. واحتار شيخ الجامع في أمره وسأله بحيرة: "كي يعني وافقتهم على حديث ولدهم سلطان الماسخ؟ والبت على ذمة راجل؟

هذا حرام شرعًا أن يخطب الرجل على خطبة أخيه. ده غير زواجه منها شرطهم لاما الصلح مش هيتم. جولي كي هتخرج منها يا واد فودة؟ ربت فراس على كتفه وقال لها بغموض: "هتعرف كي هخرج منها. سلمها لله وباذن الصلح هيتم. هما بينا. نحصل العمدة اللي سبقنا لدار الجعافرة." أسرعا الخطا للحاق بالعمدة الذي سبقهم في الكاريتة الخاصة به، ووصل إلى دار جابر الجعفري. رحب بهم جابر وولده سليم وسألهم عن سبب الحضور. استغرب العمدة أن جابر

لا يعلم سبب حضورهم وقال: "فراس حفيد السوالمة نسيبكم قبل سابج، سعى للصلح بينكم وبين عيلة الجبري. والناس مشكورة قبلت سعيه وموافقين على الصلح شرط النسب. إيه جولكم؟ ربت جابر على ظهر فراس بحماس وقال: "واد الأشراف. مدام سعى في الخير بيسيره ربنا. أنا موافق يا عمدة، بس لول أعرض الأمر على العيلة لأن يخصهم كلهم." تنهد العمدة براحة لكن القلق عاد وساوره حين قال:

"بس سلطان ولدهم شرط لجل يقبل الصلح في حق دم خوه إنه يناسبك أنت بالذات. إيه جولك يا جابر؟ أغمض عينيه حتى يداري علمه بالأمر وقال: "هقول إيه؟ لله الأمر من قبل ومن بعد. لو بتي هتفدي شباب العيلة أنا راضي. بس أرجع لرجلها لول واللي كانت مقسوماله. ده غير إن الأمر يخصه زيها بالظبط." طالع العمدة باستغراب غير مستوعب موافقة جابر بسهولة على زواج ابنته من سلطان، ومن هو رجلها؟

هل لأنها موهوبة لفيصل كما يعلم كل أهل البلد أصبح هو مالك أمرها؟ فرد عليه يريد أن يعلم سر قبوله: "جابر أنت واعي للي بتجوله؟ بتك ضى عينك كي ما بتجول عنيها. هتعطيها لابن اللي قتل أخوك؟ كي يعني رايدني أصدج إنك موافق إنها تفدي شباب العيلة، وسلطان اللي موهوب ليها إيه هيكون رده؟ هيهملها بالساهل أكده لجل ينجد روحه؟ طالع جابر بغضب وثار عليه بحدة:

"لأ، مش بالساهل يا واد عبد الرازق. بس أنا شاري حق الراجل اللي سعى للصلح بينتنا، اللي مقامه عندي من مقام جده الله يرحمه. وكمان ما فيش مرة تغلي على راجل. ولو كانت بتي السبب في إنها تعفي خوها وواد عمها من بحر الدم اللي ما بيجف أنا مش هبخل بيها. وكله نصيب. لكن هملنا يومين ثلاثة آخد الموافقة من رجلها ورجالة العيلة، لأن الصلح هيشملهم كلهم، ولا إيه يا عمدة؟ ثم استدار ونظر إلى فراس بامتنان:

"سعيك مشكور يا ولد الغالين. ولأجلك هحط يدي في يدهم وأناسبهم، وأعفي ولادنا من الدم. بيكفي اللي راح." عانقه فراس بمودة ونظر إلى العمدة بمكر وقال: "أظن الرد وصلك يا عمدة. تقدر تبلغه لولاد الجبري لحد ما يجتمعوا ويكون الرد رسمي." أخذ عواد نفسًا عميقًا وزفره نفسًا عن حيرته وقال: "تمام. هما يا شيخ الجامع نبلغهم بالموافقة مبدئيًا لحد ما ربنا ييسره ونعقد الصلح رسمي."

غادر العمدة ومعه شيخ الجامع ليبلغهم أن لديهم القبول وسياتي إليهم بالرد النهائي خلال يومين. وذهب إلى داره وهو محتار مما يحدث ومن سطوة فراس التي جعلت الكل يرصخون لسعيه. وشكر ربه أنه لم يكن سبب أذى كبير له، وإلا كان أصابه أكثر مما يراه منه آلاف المرات. لهذا حسم أمره وعزم على إنهاء إجراءات بناء المحلج في أسرع وقت لكي يتجنب أذاه ومكره الغامض.

عاد فراس إلى الدار وهو منهك مما قام به طول اليوم. فتح باب داره وكانت تجلس مهرة تنتظره. ابتسم لها وسألها: "واه خابر إنك بتنعسي بدري ليه؟ سهرانة لحد دلوق، معقول كنت مستنياني؟ اشتاقـتـي ليا يا جليبي كي ما اشتقت ليك؟ نكسـت رأسها أرضًا ولم ترد. فدنا منها ورفع وجهها لتنظر إليه وابتسم ومد يده فطفا القنديل وقال: "عيونك قمري بتنير ليلي. ليه رايدا تحرميني منه؟ جوليلي ليه سهرانة لحد دلوق؟ وأوعك تطاطي راسك لحد وأنا عايش."

ابتسمت بثقته فيها وهي من خانت ثقته وأخرجت سره. وقالت بألم وحسرة: "رايدة أعتذر منك على اللي جـولته لبوي. ما قصدتش أفشي سرك، لكن كي ما جـولـت أنا حبيت أرضيه. بوي ملهوش في اللي بيناتنا. حقي عليا أرضيه، بس مش على حسابك. حقك عليا." أخذ فراس نفسًا عميقًا وشدها إلى صدره وقال بمودة: "وأنا راضي. مدام بوكي راضي عنيكي ده شئ يرضيني. أنا مش زعلان لكني واجب تحذريه لأني مش هنتنازل عنيك. بجولك اتعشيتي ولا لسه؟

لو أكلتي تعالي أخـدك بحضني. مريدش حاجة من الدنيا غير نعيم جنتك يا مهرة." تململت مهرة بين أحضانه وقالت هاربة منه: "لأ، الأكل جاهز. تعالي كل لقمة اتجوت بيها أنت على فطورك من الصبح ولا أكلت بره؟ وكمان لو ما أكلتش كل ده هوديه فين؟ نظر فراس إلى الصواني التي مازالت على حالها وقال: "هاكل معاكي بس لجل الأكل ما يخرب. أنا هخلي جعبل يودي جزء منه للجامع. والباقي للرجالة في الجبل. ماشي."

ودخل غرفته وغير ثيابه وخرج لها. رآها أشعلت القنديل وجلست بانتظاره. أكل معها حتى تأكل وظل طول وقت طعامهم يتفرسها بعشق حالم. وحين انتهوا دخلت المرحاض غسلت يديها فرآته ينظر إليها ويدنو منها ويحملها بين يديه ويقول بشوق: "اشتقت لأحضانك تعوضني حرماني منك. سامحيني لو حضني فرضته عليكي، لكن مليش حيلة في نفسي. عاشـقـك يا مهرة وبصبر نفسي بقربي منك."

ابتلعت ريقها ونظرت إلى عينيه وشفقت عليه من شدة اشتياقه لها ورغبته بها. فدفنت رأسها في صدره وأغمضت عينيها. ابتسم ودخل بها إلى غرفته ومددها وتمدد بجوارها وسحبها إلى صدره وتنفس عبيرها ثم نام راضيًا بما ناله من قربها منه ونومها بحضنه كل يوم. مر اليومان وأرسل جابر إلى العمدة موافقتهم على الصلح وشرطهم على زواج سلطان من زينب مقابل أن يختار فيصل منهم من تناسبه كما اختار سلطان.

عرض العمدة عليهم الأمر ووافق سلطان وأبوه، ظنًا منهم أن ذلك سيجعل جابر وابنته وفيصل يموتون كمداً وحسرة. وعلى هذا الأساس تم تحديد جلسة الصلح بعد أسبوع في دوار العمدة بحضور المشايخ ورجال الدين وكبار البلد من أكبر العائلات وذوي السلطة والقيادات من مجلس العموم. عاد فراس سعيدًا إلى داره ليزف إلى مهرة خبر عقد الصلح، ليستغرب كل الطلبات ولوازم البيت التي كانت بأعداد كبيرة أكثر من استخدامه هو ومهرة. فسأل بحيرة: "ليه كل ده؟

هتجيبي فرح ولا وليمة؟ أكيد مرت وهيب تعبت وتصرفت كثير. أنا هروح أشكرها وأحاسبها على كل اللي جبته." أمسكت مهرة يده وقالت له بارتباك: "اجعد كل لقمة لول وأنا هقولك كل ده جه منين." كان ارتباكها ملحوظًا ولم يخفَ على فراس، فسألها بحدة: "أكل إيه؟ مش لما أعرف كل ده جبتيه ليه ولمين ولا لأيه؟ أنا حاسس إن الحوايج دي مش أنت اللي طلبتهم صح؟ ارتبكت مهرة وقالت له بقلق:

"لأ، الحوايج دي من بوي جابهم بعد ما خرجت. اجعد. كل بقى أنا جهزت الأكل بنفسي. مريدش تدوق عمايل يدي." حررت مهرة نفسها منه وبعدت عنه وأشاحت بنظرها بعيدًا عنه حتى لا تنظر إلى عينيه التي تقتلها بنظرات الغاضبة إليها. وقالت بارتباك: "بوي جالي مدام مش مرتك هو المسؤول عني. صح في دارك لكن هو اللي هيصرف عليا. وكل أسبوع هيجيب ليا طلباتي كلها وأقسم عليا ما آكل من مالك لأنه مش حقي." ضغط فراس على فكه بقوة وسحبها من يدها وقال بحنق:

"بوكي مريدش يجيبها لبر وأنت بتطوعيه. ولكل واحد ليه حاجة وأنا حاجتي نفذت يا بت سمعان، واتحملي مني بقى اللي جاي لأنه سواد عليكي وعليه." ويجذبها بقوة من ثيابها لـ...

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...