بعد مغادرة فراس لدروب عائلة الجبري، ذهب راساً إلى دروب عائلة الجعافرة، وطلب من كبيرهم ابنته للزواج. لم يرده جابر خائباً، ووافق ليس خوفاً منه ولكن احتراماً له ولطلبه إعادة النسب الذي ربط بين عائلته وعائلة جده سويلم. الأول حين تزوج جده سويلم من ابنتهم وماتت أثناء الطوفان، وبعد ذلك حين تزوج أحد أبناءهم بابنة سويلم الوحيدة، ولأنها غالية عليه لم يرفض حين طلبوها. لكنها ماتت أثناء الوضع.
نظر إلى ابنته المنهارة وأخذ قراره دون الرجوع إلى ابنه الذي سيرفض حتماً، لأن أخته موهوبة لابن عمها المحكوم عليه بالموت بسبب الثأر. وقال له جابر بحزن: "وأنا موافق يا فراس، بنتي ما تغلاش عليك." تنهد فراس بقوة، ولكي يقطع عليه خط الرجعة قال: "مدام موافق، هما نكتب الكتاب دلوقتي، والفرح وقت ما تريد." استغرب جابر استعجاله، وهو من تزوج بالأمس، وسأله:
"ما أعرف سبب جوازك من بنتي، لكن ليه العجلة، اصبر أسبوع حتى على جوازك، ما أريد لك مشاكل مع حماك." ابتسم فراس بدهاء وأصر عليه بإلحاح: "كتب الكتاب يتم ودلوقتي، ومش هنا بدار المأذون، هما يا خال الوقت مش في صالحنا. وبعد ما يتم كتب الكتاب أنا هفهمك كل حاجة، وصدقني ما راح تندم." تنهد جابر بقلة حيلة ورد عليه: "وأنا واثق فيك ومش هأندم، وطلبك مجاب، يا ولد الغالين." نظر إلى ابنته الباكية بانهيار وقال بحزم وحدة:
"هما البسي خلجاتك يا زينب، هنكتب كتابك دلوقتي على فراس." صاحته ابنته بعويل ولطم خدودها وصاحت: "إيه يا بوي تجوزني لغير فيصل؟ أنا من صغري موهوبة ليه، أنا الموت عليا أهون من إني أكون لراجل غيره. بالله عليك يا بوي بلاش تموتني بحسرتي وتجوزني لفراس." ضغط أبوها على فكه بقوة ونظر إليه بغضب، وأمسكها من شعرها ودفعها إلى غرفتها وصاح فيها: "هو أنا مش راجل لما تريدني أقول كلمة وأرجع فيها؟
هما البس خلجاتك لجرك من شعرك لحد المأذون، وبعديها أرميكي لجوزك، يادب، هما ما تيجيش خلقي أكثر من كده عليكي." ابتلعت ريقها وكتمت دموعها وسلمت أمرها لله، وارتدت الملث (وهو لبس النساء بالصعيد) وغطت رأسها ولفت وجهها بشالها، وخرجت خلف أبيها، وهي تتمنى أن يخطفها الموت قبل أن يعقد قرانها وتكون زوجة لأحد آخر غير فيصل. خرج جابر بصحبة ابنته، فابتسم فراس برضا وقال: "هما يا خال، لجل نلحق المأذون في داره قبل ما يخرج لصلاة العصر."
لحقه جابر هو وابنته المتشحة بالسواد. وسأله بريبة عند رؤية جعبل يحادثه: "واه مين جاب ولد الليل ده هنا؟ فيه إيه يا فراس؟ أنت جاي ومعاك المطاريد ولا إيه حكايتك؟ ضحك فراس وأنهى حديثه مع جعبل قبل أن يرد عليه: "يلا يا جعبل، هما برماح واعمل اللي جلتلك عليه." أخذ جعبل الحصان وانطلق. ودنا فراس من جابر وقال:
"لاه يا خال، جعبل ده زي ضلي مش بيفارقني، ودايماً عينه مني بيحرصني، بالمحبة والتجدير. وأنا كلفتُه يراعي رماح لحد ما أعود، ما أريد حد يحس باللي هنعمله. وهخبرك كله بوقته يا خال، متجلقش." أسرع فراس الخطا، ومن خلفه جابر وابنته، إلى أن وصلوا إلى دار المأذون. طرق بابه وقال لابنه الصغير الذي فتح لهم: "بلغ بوك إن فراس معاه ضيوف ورايده ضروري."
جرى الطفل من أمامه واختفى داخل الدار. وبعد قليل خرج إليه الشيخ عبد القوي مأذون البلد مرحباً: "يا مراحب بالراجل الزين، ولد الأصول، ادخل يا عريس أنت وضيوفك على راسي." أفسح فراس المجال لكي يدخل جابر وابنته. فنظر إليهم المأذون بتعجب وهتف: "جابر ولد الجعافرة بداري؟ دا أنت شرفت دار وعليت مجامي بحضورك، والله لو دبحت جاموستي ما تكفي حق تشريفك. لي يا شريف يا ولد الأشراف، ادخل بارك داري."
ألقى عليه جابر السلام وجلس، وكذلك جلست زينب مستسلمة لقدرها. دنا منه فراس وقال له بحزم: "هما هات دفترك وجهز حالك لكتب الكتاب يا سيدنا." صاح المأذون بريبة واستغراب وسأله: "كتب كتاب مين، على مين؟ هو أنت هتتجوز على مهرة يا ولدي؟ صاحه فراس بشدة، وغامت عيناه بوعيد: "عندك مانع يا سيدنا؟ اسمع، أنا ما أريد حدا ياخد خبر بالزواج دي، حتى أنت نفسك تنسى إنك نظرتني أو جيت دارك أنا وخال جابر، ولا رايد أتم ولدك وادفنك حي دلوقتي."
هز المأذون يده برعب وأخذ يرجوه باستماثة: "لاه يا ولدي، هنفذ كل اللي أنت رايده، وسرك في بير ملهوش جرار. اتفضل اجلس هبابة على ما أجيب الدفتر." خرج مسرعاً من أمامه، ليأتي بدفتره. فسأله جابر بحيرة: "بين إنك ما تريد الجوازة دي يا فراس، ولا خايف على زعل مرتك لأنك اتجوزت عليها يوم صباحيتها؟ طيب ليه الجواز من أصله يا ولدي؟ ولا إيه حكايتك؟
حاسس إن وراك شيء تاني من جوازك ببنتي. بالله عليك طمن قلبي يا فراس وجولي رايد إيه من ورا الجوازة دي." أخذ فراس نفس عميق وابتسم حين سمع صوت حصانه بالخارج، فقال له بغموض أربكه: "هانت يا خال، دلوك هتعرف كل حاجة." تركهم وفتح باب الدار ليدخل جعبل ويقول له: "كله تم كي ما أنت رايد." خرج فراس مسرعاً، وعين جابر تلاحقه. لكن زينب كانت منكّسة رأسها باستسلام وخنوع، كأنها تُساق إلى الموت.
لم تفهم سبب شهقة أبيها مع عودة فراس، إلا حين سمعته يقول بتساؤل وريبة: "واه فيصول أهني بيعمل إيه؟ وإيه جابه؟ وجصدك إيه بعملتك دي يا فراس؟ رايد تطلعني صغير قدام ولد خويرفعت زينب عيناها وتحققت من فيصل الذي اشتاقت لرؤياها. همت أن تنهض لترحب به، إلا أن أباها أمسكها من يدها وأجلسها مكانها. فابتسم فراس بمودة، لأنه أكثر من تألم بالعشق والفراق ويعلم ما هو شعورهم الآن، فقال:
"ما قصدتش بعملتي غير كل خير يا خال. الليلة ودلوك فيصل هيكتب كتابه على بت عمّه، والليلة عشية هاخد موافقة عيلة الجبري على الصلح، اللي كان شرط الموافقة على الصلح إن سلطان ولد عثمان الجبري يتجوز زينب." صعقت زينب مما قال فراس، وكذلك فيصل وجابر، الذين كان أول مرة يسمعان بهذا الأمر. فقال جابر: "يعني بتي تكون شرط الصلح وأنت تجوزها لواد عمها؟ طيب كي يتم الصلح وهي هتكون مرت المطلوب فيها الثأر؟
وكمان ليه ما خبرتنيش إن فيصل اللي هيتجوزها؟ وإيه حكاية النسب اللي رايد تعودا والحديث الماسخ اللي جُلته؟ ضحك فراس بقوة وثقة، معبراً عن كشف مخططهم الدنيء:
"يا خال، أنا خابر سر طلبهم. سلطان خابر كيف جوازه من زينب يجهر فيصل ويجتله بالحي. ده غير انت اللي قلبك هيوجعك على بتك الوحيدة. حب يضرب كل العصافير بحجر واحد، ينتقم منيكم وياخد تار أخوه وينال الصلح بدون دم، لكنه خايب وما خبرش مجامكم زين. إنتو الجعافرة السلسال الشريف، من سلسال النبي محمد عليه الصلاة والسلام، محدش يشترط عليهم ولا يأمرهم. غبي كي كبيرهم اللي طاوعه، وأنا بأمر الله قادر أرد كيدهم في نحورهم. أما ليه طلبتها
ليا وما خبرتكش بموضوع فيصل، لأني واثق إنك هترفض. بعد ما طلبت من ولد عمها يكتب عليها قبل ما يهرب للجبل ورفض، لجل ما يربطها بيه. وكنت لازم أفسر لك اللي حصل واللي هيكون، وما كانش عندي وقت لده كله، فطلبتها لي لجل نخلص ونجي نكتب الكتاب وأشرحلك بعديها كل شيء بهدوء."
ترقرق الدموع في عين فيصل وعانق فراس بقوة: "والله يا واد عمي، لو تم الصلح، وانكتب لي عمر وعشت، لا أكون تابعك كي جعبل. فعلاً، ليه حق يقول عنيك إن أخوه وحياته في حياتك، أنت ونعمة الرجال." "ده نزل وراك وما فارقك. وأول ما دخلت دروب عيلة الجبري، جاه خبرنا وجلنا لو أذن العصر وما خرجت من عندهم، أقسم إنه هيحرج ديارهم واللي يحصل يحصل. وسألنا مين معاهم."
"الحج لله، ما حد قصر، والكل جاله معاك. ولما أدي يعسس عن أخبارك، رجعته بحصانك، خلعت قلوبنا. لكنه طمنا وقال إنك رايدني ضروري ولازم أدي معاه من الجبل. وما جالش لي على جوازي من زينب إلا لما قربنا من دار المأذون." زاد من احتضانه لفراس وهتف بحماس: "خابر أنا، حتى لو مت دلوقتي، بيكفيني إن كان لي أخ كيفك دور عليا وعلى صالحه وحاول يرضيني ويسعد قلبي قبل ما أموت." خرج فراس من حضنه وقال له:
"مد يدك في يد عمك واكتب كتاب عروستك، اللي ما هتتزف غير ليك، وهملوا الباقي عليا، أنا هتصرف فيه." عاد المأذون وبيده الدفتر، واستغرب وجود فيصل فقال: "هو مين العريس؟ أنت ولا فراس؟ ولما هو أنت يا فيصل، ليه فراس ما يريد حد ياخد خبر؟ وده حقك." أسبل فراس جفنه بتروٍ وتفكير عميق، واقترب منه هاتفاً:
"أنا مبخلفش حديثي يا سيدنا. الجوازة دي محدش ياخد خبر بيها، لأن اللي هتعمله دلوقتي هيكون أساس الصلح اللي هيكون بين عيلة الجبري والجعافرة. رايد تحضر الصلح بينهم ولا ترافق أهلك وبوك في جبره؟ تجنب الرد عليه بخوف وفتح دفتره دون النظر إليه، هرباً من تحديقه به، وأخذ يردد بضع آيات وقال بعدها: "يدك يا حج جابر، حطها في يد ولد خوك فيصل، ورددوا ورايا." هز جابر رأسه برفض ونظر إلى فراس وجعبل وقال بحزن:
"جولت إننا الأشرف من نسل الرسول، يرضيك يشهد على جواز بتي ولد ليل ملهوش نسب ولا أصل؟ لاه وأصل أنا مجبلش." ما إن انتهى من حديثه سمع طرقاً على الباب. أسرع جعبل وفتح الباب ليدخل شيخ الجامع ويقول: "السماح لو كنت أخرت عليكم، لكني ما كنتش بالدار ولا الجامع، وجعبل همل لي طلب فراس إني آجي هنا أول ما أوصل." جذب فراس يد والدخل وأجلسه بجوار جابر وقال له بثقة:
"محدش خابر، وما قدر مجامك قدري يا خال. شيخ الجامع شاهد، وأنا لو تقبلني شاهد، رغم إن جعبل راجل بحق ربنا، لكن أنتم الأشراف، واللي ينكتب اسمه جاركم لازم يكون في مجامكم." منكس جابر رأسه بخجل من فعل فراس الذي يثبت إنه راجل بكل ما تحويه الكلمة من معنى، ذكي ولماح ويعطي لكل ذي حق حقه بما يرضي الله. ابتسم فراس له ورفع رأسه وقال:
"مش الجعافرة اللي يحنوا رؤوسهم، لحد غير الله. هما يا خال، خلينا الحق أدبر حالي. جوز ولد خوك لبنتك وربنا يعيني على إني أكمل فرحتهم على خير." ثم ألقى نظرة تحمل الوعيد والتهديد إلى المأذون لكي يكمل عقد القران كما أمره وطلب منه: "هما اعمل كي ما جولتلك، وأنت خابر لو خلفتني، ما لك دية." تم كتب كتاب فيصل على زينب بخدعة ستجعل الكل ينهار أمام دهاء وذكاء فراس الذي لم يحسبوا له حساب.
بعد انتهاء مراسم كتب الكتاب، أخذ جابر ابنته التي كان قلبها يتراقص فرحاً بزواجها من عشيق روحها فيصل، التي وهبت له، وأخيراً أصبحت زوجته وحملت اسمه كما تمنت. فغادرت إلى دارها بعد أن ودعها فيصل هو الآخر وصعد إلى الجبل برفقة جعبل لكي يحميه كما أمر فراس. أما فراس، فانصرف بعد أخذ العهد على المأذون أمام شيخ الجامع بأن يحفظ سرهم وما اتفقا عليه مع فراس بحياته.
غادر برافقة شيخ الجامع إلى دوار العمدة، الذي صدم من رؤية فراس بداره لثاني مرة هذا اليوم، فقال له بعصبية ونزق: "وبعدهالك يا فراس؟ هو أنت ملكش شغلانة غيري تتسلى عليه، ولا إيه حكايتك معايا في يومك الأخبار ده؟ كتم فراس ضحكته حتى لا يعيب عليه شيخ الجامع الاستهانة به، وقال له مفسراً بهدوء مريب: "لا والله، هي جت كده. بس المرة دي جاي لك في خير واصل." وأكمل بتهكم واضح واستخفاف، فهمه مغزاه العمدة:
"وتقديرًا لمكانتك ومقامك العالي، يا عمدتنا يا سيد البلد." ابتلع العمدة غضبه وخفف من حدة نبراته وقال بتريث: "اجلس يا فراس، وأنت يا شيخ الجامع، وجول اللي عندكُم، لعله خير كي ما بيقول ولد الليل." حدث نفسه بترقب وحيرة من أمر فراس معه: "خير من متى بيجي لي من ورا فراس خير؟ ده ما يهمنيش غير إنه يهدم لي ويكسرنا قدام الخلق، لكن ما باليد حيلة، هسمعه." جلس فراس بجواره شيخ الجامع ونظر إليه بتحدٍ صارخ:
"أنا وشيخ الجامع رايدينك تيجي معانا عشية، ولجل تحضر مجلس عيلة الجبري، وتشهد على حسن نيتهم وسعيهم للصلح." قاطعه العمدة بذهول وقال بعدم تصديق: "صلح مع الجعافرة؟ قصدك إنك قدرت توفق بين عيلة الجبري والجعافرة وهتشهدني على موافقتهم للصلح؟ غمغم فراس بدهاء ورد عليه بغموض وابهام زاد من حيرته:
"ما جلتش هشهدكم على موافقتهم، جلت نيتهم، وأكيد ليهم شروط وهنعرضهم على الجعافرة، ولو حصل توافق بين العلتين، هينعقد مجلس الصلح بإشرافك وإشراف المأمور." ضرب العمدة يداه كفاً بكف، بدهشة لأفعال فراس التي تنافي مع كونه قاتل ذو شخصية قوية ومهيبة تبث الرعب في قلوب أعدائه، وانضمامه للمطاريد وتلقيبه بشيطان الليل، وبين ما يسعى إليه من إصلاح وتوبة المطاريد إلى إنهاء خصومة ثأرية دامت لسنوات، دون مقدرة أحد على إنهائها.
أخذ نفساً عميقاً وهو يتفرس ملامحه ليتأكد من ظنه، بأن ما يقوله فراس الواثق عن الصلح حقيقة لا جدال فيها، فقال: "ما أقدر أقول لا، أنتم خابرين إن بيني وبين عيلة الجبري نسب، وأحب ما على قلبي إن بحر الدم اللي بينهم ينتهي. حاضر يا فراس، بعد المغرب هسبقك على دار عثمان الجبري، وربنا يجعله خير ويصلح حالك وحاله." نهض فراس ورّبت على كتفه بقوة حتى كاد أن يكسره:
"ربنا يصلح حالي ويقويني، الدور والباقي على اللي جُبته كلها من حرام، ووكله حرام وجوف، وأولاده حرام، كيف ينصلح حاله؟ غادر مع شيخ الجامع لكي يرتب ما سيفعله عائلة الجبري، وترك العمدة يشعر بالحسرة والندامة على نفسه وما فعل أبوه معه ومع أولاده. وبين فراس المتباهي بفخر بأنه ابن حلال ومنبته حلال، لهذا أفعاله تدل على طيب أصله وخلفية تربيته. ليهتف بحزن يمزق أحشاء نفسه المهلكة بالذنوب:
"الله يسامحك يا با، أنت اللي عملت فيا كده. لو كنت راعيت ربنا فيا ورديت الحج لأصحابه، ما كان ده جي حالي وحال ولادي، اللي هيدوقوا المر كي ما أنا طافح على يد فراس، صاحب الحج وابن المظلومة اللي نهشت لحمها وكلت مالها. واهوه مالها كي النار بتحرق جثتنا، وشرفها إلى سرجتها خسف بكرامتنا الأرض وجل مجامنا، ولست فراس ما خلصش منا." وينزل على ركبتيه راكعاً إلى الله يطلب العفو والمغفرة:
"يارب عفوك ورضاك، يا الله طهرني من ذنب مش ذنبي، وتوب عليّ من مال حرام دخل جوفي، وجدرني أرد الحج لأصحابه وأخلص نفسي من نار مولعة جواتي ما بتخمد ولا تهد." لتكون هذه بداية صحوة ضميره الذي أيقظها فراس بقوة. في دار فراس، جلست مهرة واضعة يدها على خدها بعد أن أنهت ترتيب الدار التي كانت جديدة في كل شيء، فلم تفعل الكثير. رغم إحساسها بالراحة لغياب فراس عن الدار، إلا أنها شعرت بالملل. إلى أن طرق أحدهم الباب عدة مرات،
فسألت بخلعة: "مين بره؟ جوزي مش هنا، يلا بره، وما أقدر أفتح." أتاها صوت أبيها الحزين مردداً: "افتحي يا مهرة، أنا أبوكي، رايد أطمئن عليكي يا بتي." أسرعت مهرة بفتح الباب وألقت نفسها بحضن أبيها، وأجهشت بالبكاء وهي تعانقه وتتشبث به بهستيريا إلى أن هدأت. ثم جذبته من يده ورأت أختها معه، فجذبتها هي الأخرى وقالت: "ادخل يا بوي، أنا لحالي، ادخل، أنا هموت من جلجي عليكم."
دخل أبوها الدار على استحياء، واستغرب كيف صارت هكذا في يوم وليلة، لقد أصبحت داراً جديدة بأثاث جديد لتناسب عروساً من أبناء الأكابر. فرأى أمرًا ما أقام بالدار أكثر مما كان يتمناه لابنته. فجلس على أحد الأرائك وقال لها بحسرة: "كده يا مهرة؟ تكسري وعدك معايا وتوهبي نفسك لفراس؟ هزت مهرة رأسها برفض وأمسكت يده وجلست أمامه راكعة:
"يمين أتحاسب عليه أمام الله، فراس ما لمسني ولا دخل بيا. أقسم بالله يا بوي ما نظرة راجل كي فراس في الوفاء بكلمته. أنا لما وافقت أتجوزه، هو جالي إنه مش هيمسني غير برضاي. ويمكن ده كان السبب لموافقتي من خوفي، وده اللي حصل. ولو قصدك على المنديل، هو جرح حاله لأجل ما حد يعيب فيك وفيّ ويجولي إنك جوزتني ليه مجبور لجل يستر عليّ." انهض سمعان وجذب ابنته إلى صدره بقوة وأخذ يبكي بشكل هستيري جعل مهرة تشعر بالقلق عليه، فسألته:
"مالك بس يا با؟ بتك لسة بعفتها وشرفها، وعلى وعدها ليك، ويوم أخلف وعدي اعتبرني مت ولمنا جبر." قبل أبوها رأسها وقال بأحاسيس مربكة تختلج بداخله: "ما أعرف أقولك إيه ولا أعبر كي أعبر، فرحة قلبي الحزين بعد ليلة ما غمض لي فيها جفن. بس فراس لو راجل صوح، يهملك لحالك مدام رفضاه. أنا هفضل إنهي لحد ما يعاود، وهجوله يطلقك بالحسنة. لو رفض يطلقك، هفضحه وهقول إنه كذاب لأنه مش راجلك." وضعت مهرة يدها على فم أبيها
لكي لا يكمل ما يقول وقالت: "أحلفك برحمة أمي ما تتحدث فراس بحاجة، واصبر عليا شهر ولا اتنين، أنا هجننه يهملنا بالرضا، بعد ما يتأكد إني مريداه، بس بلاش الفضايح، لأنك كده بتمس هيبته وكرامته، وفراس عنيد وما له كاسر، ممكن ياخدني غصب." أخذ أبوها نفساً طويلاً وعميقاً، وفكره في كلام ابنته واقتنع بحجتها وقال بحسم: "هسيبك شهر وهجي أطلب منه يهملك ويفارقك، بس توعديني، أوعاكِ يمسك أو يكون راجلك، لاجل أقدر آخدك منه."
هزت رأسها بالموافقة، فقبل أبوها رأسها وتخللت الراحة إلى قلبه فابتسم. فقالت له بإلحاح: "اجلس جي كل معايا، مرت العمدة وخواته وبنات خالتي ومرت وهيب جايبين وكل كتير، ما أعرف هخلصه كله كيف؟ وافق أبوها على أن يأكل معها بعد أن اطمأن قلبه ثقة في أن ابنته لن تكسر عهدها وقسمها معه، فأقبل على الطعام بشهية كبيرة بعد أن ظل قاطع الزاد لأكثر من يوم. بعد أن غادر فراس دار العمدة، سأله شيخ الجامع: "على فين طريقك دلوقتي؟
ما تيجي تصلي معانا العصر وبعدها تحضر درس التلاوة؟ من فترة طويلة ما حضرت." ابتسم فراس للشيخ بمودة وقال: "مش وقته يا عم الشيخ، ورايا حوايج كتير شغلي باليوم مش مريحاني، لاجل أفكر في دروس القرآن والسيرة النبوية. سامحني يا شيخ وادعي لي." ابتسم له الشيخ بشباب وقال: "أنا اللي محتاج لك، بس نسيت من كتر ما أنت داير على هموم غيرك نسيت نفسك. عاود لمرتك، أنت لسه عريس، ما كان لك تهملها وتخرج من دارك اليوم."
وضع فراس يده على فمه وكتم ضحكته الساخرة من أنه عريس، وهتف قائلاً بوجه خالٍ من التعبير عما بداخله: "لاه، مش وقته. عروستي يكفيها الليل. أنا هروح لرئيسة، تعبان من وقت كنت بمصر، وأنت خابر ما فيش غيرها بتريحني." غمغم الشيخ بضيق وصاح فيه معاتباً: "بلاشها رئيسة يا فراس، جربها منك بيعيب فيك وفي أخلاقك، وما حدا هيصدق فيكم غير الشينة. بلاها يا ولدي، مش دول اللي تأمن لنفسك وسطيهم." فراس وهو يمسك كتفه بالم:
"يا عم الشيخ، أنت خابر حاجتي ليها، وما لي فيها حيلة، ورئيسة أمانة في رقبتي حملتُها لجدتها، وأنا ما أقدر أخون الأمانة ولا أتخلى عنها. ومتخافش عليّ، اللي معاه ربنا هو خير حافظ. وكي حفظني بالسجن من القتل وأنا لسه صغير، ما أقدر على الغدر، هيحفظني منها وأنا رجل كبير، أفهم اللي قدامي زين، وأوعى له من نظرة عيونه لو غدر." تأفف الشيخ بحزن وقلة حيلة: ومد يده على رأسه يقرأ ما تيسر من الآيات وأخرج من جلبابه ورقة وقال له:
"خد، خلي دي معاك، هتحفظك من شرهم وشر مكروهم وسحرهم. وإن شاء الله ربنا يعفيك منهم." شكر فراس وانطلق إلى رئيسة لكي تغير على جرحه الذي أهمله طول ثلاثة أشهر يبحث فيها عن أخته، بلا فائدة. ما إن دخل عليها خيمتها، رآها تبكي ودفنت رأسها في وسادتها. شفق عليها وعلى حاله، فقال باسمًا: "مالك يا بت؟ عيطة ليه؟ وجهرك حالك كده؟ إيه اتقتلت قتيل؟ ولا هيجوزوكي مجبورة؟
هبت رئيسة ناهضة من فراشه عند سماع صوته وألقت نفسها على صدره تتلمسه، لم تصدق أنه أتاها يوم صباحيتها، وقالت: "يا لسعدك يا رئيسة، ربنا رد لكِ حبيبك. أكيد خيبة أملك بت غالية وما قدرت تسعد سيد الرجالة." أبعدها فراس عن صدره برفق وكفكف دموعها بحنان: "مين قال بالعكس؟ أنا دخلت الجنة مع مهرة، وخلاص ارتاح بالي. هملي أنت الحديث عنها، هترتاحي كي ما ارتحت أنا بجوازي منها. وهما غيري لجرحي لأنه بيألمني قوي." قطبت ما بين حاجبيها بغضب
وحزن وأفسحت له فراشها: "اتفضل يا سيد الرجالة، ادي جرحك وجرحي بلمستي ليك." انتفض فراس من حديثها الذي يعتبر خيانة لزوجته، وأمسكها من يدها التي لامست ظهره برغبة، وطريقة جعلته يشعر بأنها تريده، فجفل منها وصاح فيها: "وبعدهالك يا رئيسة؟ ما أريد لكِ تفهمي، أنا اتجوزت وبحب مرتي وما أريد غيرها. بحذرك لو فضلتِ كده، الله في سماه ما هاجيلك تاني، حتى لو جرحي هيقتلني."
أمسكت رئيسة يده وجذبته لكي تعيده إلى الفراش، لكنه دفعها بعيداً عنه، ونهض وعدل جلبابه لينصرف. شعرت بحدة غضبه وحنقه عليها، فخافت تخسره، فجثّت أمامه وبكت برجاء: "وحياة أختك عندك ما تزعل مني، أنت مجرب العشق وخابر المه. خلاص حرمت، آخر مرة هقول اللي جلتُه، سامحني، وأنا هعمل اللي يريحك ووعد ما أزعلكش مني تاني." وغمامت عيناها بشر وحدثت نفسها بمن تضمره له:
"هتكون لي يا فراس، وأنت اللي اخترت. اعمل اللي هعمله معاك. يا حسرتي لما أشوفك لي مذلول، لكني رايدك مهما يكون." هدأت ملامح فراس الغاضبة وأخذ بيدها لتقف أمامه وقال: "يا رئيسة، ده آخر مرة هسمح لكِ تجولي اللي جلتيه. بعدها أنا لا هعاتبك ولا هتحدث معاكي من أصله، لكن هبعد عنيكي وأخلي مسؤوليتي منكِ، فاهمة؟ أجبر نفسه لكي يقسو عليها حتى لا تزيد فيما تفعل فيخسرها ويخسر احترامه لنفسه بتخليه عنها، حتى يتقي الله فيها.
خدعته رئيسة بالرضوخ له، ونظفت جرحه كالعادة وضمدته وقالت له باستغراب بعد أن انتهت: "واه ظهرك خف وبقي زين علاجه في مصر ولا إيه؟ نهض فراس وارتدى الصديري وبعده جلبابه وقال: "لاه، ما علجتوش. علاجي لما أختي تعود وأخلص من الدين اللي في رقبتي لبوي وأمي، وكله بأوانه." تركها ويخرج، ولا يعلم بأنها قد حسمت أمرها على أن يكون لها، حتى لو سحرت له. لهذا أخذت قطعة من الضمادة التي عالج بها جرحه، وذهبت إلى العرافة وداد وقالت لها:
"ده دمه وجطره، ودا من جطر مرته. رايداكي تفرجي بيناتهم، وبعديها تسحري ليه لجل يكون ملكي وحدي. رايدا كام ومتى السحر يصيبه ويفرجي بينه وبين اللي سرجتها مني." أخذت العرافة منها ما أتت به وتشممته، ثم وضعته على الموقد المشتعل أمامها وقالت بخبث:
"الرجال شداد ودمه حر، وبينه وبين ربه عمار كبير. السحر مش هيجوز فيه غير بالتعزيم عليه، ومع هلال العربي هيصيبه، في أول دقيقة هلّت الهلال. يومها هيجيكي، ولو ملكك يومها، هيصبح ذليل لكِ. موافقة؟ شرّدت رئيسة في أحلامها وهي بين أحضان فراس، فشعرت بالانتشاء والسعادة، متناسية عشقه لزوجته واحترامه الجم له، حتى أنه وضعها في منزلة الأخت. وقالت له والرغبة تسيرها كيفما تشاء: "موافقة، جولي رايدا كام لجل يتحقق المرام يا خالة."
رمقتها العرافة بشر وشراهة بحب المال وقالت: "كل اللي معاكي رايدا جرشنات كثار يا بت ود، لجل تنالي المرام ويتحقق أملك، ويكون رجلك السحر اللي هعمله ليه شديد، ولازم القربان لجل يتم المرام." أخرجت رئيسة كل ما في جعبتها وقالت لها: "خدي، ولو رايدا زيادة هجيب لك، بس يكون السحر كي ما بتجولي، يكون رجلي وسيدي. لكن مدام هيكون لي، ويفارجه عن عاشجته، أنا راضية." اختطفت منها العرافة المال وضحكت بشر قائلة:
"معادنا أول الشهر، مع هلت الهلال، هيبجي سيدك من عبيدك." وضحكت وهي تلقي تعويذتها وتتمم بالخبث على أشياء فراس ومهرة، لتعلو النار إيذاناً ببدء سحر شرير يجهز على قلب رجل عاشق وفتاة بريئة.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!