الفصل 21 | من 30 فصل

رواية فراس ابن الليل الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم سلمي سمير

المشاهدات
18
كلمة
4,603
وقت القراءة
24 د
التقدم في الرواية 70%
حجم الخط: 18

مؤلمة تلك الدمعة التي تسقط، وأنت صامت تسقط من شدة القهر، والألم. فلا أحد يشعر، ولا جديد يذكر. غير أن بداخلي حنين فتك قلبي، وشوق يريد تمزيقي، وذكريات مؤلمة تسيطر على ملامحي. كل ما أحتاجه حضن حنون أرمي به ولا أجد. غير نفوس ضعيفة سودتها تشوه الحقيقة، فكنت أنا الملام ولا أحد غيري تحمل النتيجة وهي الوحدة والعذاب.

لم يتمالك فراس نفسه أمام تعسف سمعان معه وتقبل ابنته لكل ما يفعل. راه فيها البنت البارة بأبيها والزوجة العاصية. كانت على النقيض في كل ما يخصه، فظلمته وجارت عليه. وهذا ما جعله غاضبًا منها، لأن بيدها تستطيع أن تضع حدًا لكل ذلك. لهذا ثار عليها وعنفها قائلًا بغضب: "وبعدهالك يا بت سمعان، أنت وبوكي اللي ما يريدش يجيبها لبر معايا. ليه رايد يشوف مني العفش ومنضرش أفعالي الزين في حجك وحجه؟ خَبَر بعملته بيوصلني.

أهجذبها بعنف من ثيابها حتى كاد أن يمزقها من عليها وقال: "دلوك الوكل وبكرة خلجاتك وبعديها نومتك، وأنت راضية وساكته للعيب في حجي. جوليلي يا مهرة، أتصرف كيف مع بوكي لو عملت ليكي خاطر؟ أنا فين خاطري عندك؟ ولو جيت عليه ما هسامح نفسي عن دمعة اتسببت فيها ليك. جيليلي يا بت غالية، آخرتها إيه وريدين مني إيه؟ أنا خلاص تعبت ومريدش غير هدنة أراح فيها لجل الجاي. كتير عليا أعيش في سلام وراحة، حتى لو أيام."

بكت مهرة على نفسها وعلى حالها. لقد تأكدت من عشقها لفراس، لكن كيف ترضيه وترضي أباها. لقد كتمت عنه ما قاله حتى لا تجرح كرامته كرجل، حين قال لها: "مدام مش مرته، أوعاكي تاكلي من ماله الحرام، هيحرج جوفك. بيكفي تعيشي في داره لحد ما ربنا يأذن وأخلصك منه. أوعديني يا مهرة، أنك هتحرمي عليكي ماله لاجل ربنا يعافيكي من النار، كي ما قال في الحديث الشريف." قال رسول الله ﷺ: "أيما جسم نبت من الحرام فالنار أولى به."

تحدثت مع نفسها: "كل ما فيك زين إلا مالك الحرام، وجتل النفسمالي حيلي يا ربي. جوزي جلبي عاشقة، رغم سوء نفسه وجسمه اللي وكله الحرام. وبوي مجدارش أخالفه، لأنه ما يتحمل عصياني ليه. وعهدي مالي طاقة أخلفه وياه." كان كثيرًا عليها ما يحمل قلبها الصغير، فانهارت راكعة أمامه وبكت بحرقة أوجعت قلبها وقالت:

"خابرة أنا غلطت في جحك، بس جولي. كنت رايد أقول لبوي إيه وهو جايب خزين لبيتي. حسبتها هدية منه، لجيته قال اللي جاله. كنت ممكن أدس عليك، لكني معرفش الكذب ولا اتعودت عليه. لو حديثك ضايجك، سامحني، وأنا محجوالك." شفِق عليها قلب فراس العاشق لها من الصراع الذي وضعها فيه، وقال بحزم لعلها تفهم: "أسامحك كي سابج، لما فتشتي سري. جوليلي لميتي يا مهرة؟ هتحمل وهجدر على إهانة بوكي لي؟

أنا أجدر أقطع عليه كل عيبه وأدخل بيكي، لكني مجدرش أأذيكي وأخلف عهدي معاكي. لكني طجيت وزهجت. آخرتها إيه معاه؟ ارتجفت مهرة على ذكر أنه باستطاعته إجبارها، وإتمام زواجه بها. لم تخشاه، لكنها تمنت أن تتخيل كيف سيكون عشقه لها وهو بهذا القدر على الصبر والاحتمال لخوفها عليها وحنانه لها. من المؤكد أنه سيكون عشقًا حنونًا، وستعيش معه أجمل إحساس ستحياه أنثى مع رجل عشقها حتى النخاع.

طال صمتها، فشعر فراس بقلة حيلتها وعدم وجود ما تجيب به عليه. فمد يدها وجذبها إليه لكي تستقيم، ونظر إلى عينيها الباكية وقال برقة أذابتها: "لو ترضي هتجفل باب الشيطان، وبوكي هيبعد عنا. صوح هيزعل منك، لكن مش هيغضب عليكي. ربنا هيحاسبك عليا أكثر مني. خلي بالك، عصيانك عليا يحرم عليكي الجنة. لكني مسامحك وهسامحك مهما حصل، بس امنحيني السلام." نظرت إلى عينيه الواثقة وقالت بارتباك:

"خابرة كل حديثك، بس أنا مليش في نفسي حيله. بوي ناضرك سرجتني منه ومش هيسامحك ولا هيرضي على جوازنا مهما حصل. يا فراس، أنت كسرت بوي جدام نفسه. ما نكرش إنك رجال زين وولد حلال، وكلمتك سيف ما ترجعش فيها. لكن بوي ناضرك ولد ليل وجاتل، فاهمني؟ شدها إليه بقوة ونظر إلى عينيها وضغط على عظام فكه بغضب، وصاح ثائرًا فيها وهو يضمها إلى جوف صدره بتملك: "أرضي أنت وحليني من وعدي وريحيني من ذنبه."

ثم زفر بقوة وهو يضغط عليها في جوف صدره، كأنه يحارب نفسه ليسطر على غضبه واحتياجه إليها، وقال بشغف حارق: "واه يا مهرة، بوكي بيدفشني دفش لجل أكون عفش معاكي وأأذيكي. وبدل ما أنظر حبي في عنيكي اللي بتنور دنيتي، أنظر كرهك وخوفك." أخرجها من صدره ودفعها برفق بعيدًا عنه: "همليني لحالي دلوك يا مهرة، أنا مطيجش حالي. ومريدش أنظر لشياطين الجن والانس يغلبوني. لجل أكسر بوكي بجدول. أقولك أنا مهملك الدار كلها." هما أن يخرج،

فأمسكت به وقالت برجاء: "طيب اجعد كل لقمة معايا، أنا هبطخ ليك الوكل بيدي." ابتسم بحنان وربت على خدها بعشق يقتله بين جوانحه:

"مش أنا الراجل اللي آكل من شقي غيري يا بت غالية. لما تجهزي الوكل من جرشناتي، هاكل. غير أكده يحرم عليا أدس لقمة في خشمي بالدار. متجلجيش عليا، أنا بجالي ست سنين بدبر حالي وباكل زين. مفرجش دلوك وجودك معايا كتير. يكفيني حضنك في ليلي اللي بعتبرها تعويض عن صبري. لكن وكل لاه، لو هصوم الدهر، أنا هملك براحتك وليكي حرية الاختيار يا جليبي."

تركها وخرج يجتر الألم والوجع بداخله، فلقد كان وجعه منها أكبر من طاقة احتماله، ولا يعلم إلى متى سيتحمل كل هذا. شرد فراس بحصانه الذي ساقه إلى المكان الوحيد الذي يرتاح فيه. كان رماح يعلم بما ألم بصديقه من ضيق وحزن. ابتسم فراس حين وصل إلى الزاوية (هي مسجد صغير) التي كان لها باب مطل على المنبر، فكان يجلس خلفه ويصلي كل فروضه حاضرًا دون أن يراه أحد إلا شيخ الجامع الذي كان يعتبره كصديق وناصح ومرشد له.

رآه شيخ الجامع خلف الباب كعادته من وقت خروجه من الإصلاحية. أنهى ما كان يفعل ودلف إليه، فرآه يصلي ويبكي بين يدي الله بخشوع، ويدعوه برجاء، دعاء نبي الله ﷺ قائلًا: "اللهم إليك أشكو ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس. أرحم الراحمين، أنت أرحم الراحمين. إلى من تكلني؟ إلى عدو يتجهمني، أو إلى قريب ملكته أمري؟

إن لم تكن غضبان علي، فلا أبالي. غير أن عافيتك أوسع لي. أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة، أن تنزل بي غضبك، أو تحل علي سخطك. لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك." دنا منه الشيخ وربت على كتفه وقال له بتعجب: "مالك يا ولدي؟ من هبابه هملتني؟ وكنت فرحان إن الصلح هيتم واتحدد ميعاد لعقده. جرالك إيه وجع جلبك وخلاك أكده؟ كفكف فراس دموعه وابتسم إلى الشيخ بمودة: "وفيه إيه يا عم الشيخ؟

لم أكون عبد ذليل لربي ليعفو عني ويرحمني. أنت خابر من وجت ما سافرت مصر جليت تقربي لله، ويمكن ده اللي تاعبني ومشندل حالي." ضحك الشيخ وأمسك يده وضغط عليها برفق وقال: "اديك جولت أهوّه شندل حالك. احكيلي يا ولدي، أنا كي بوكمهرة. لسه عاصية عليكي؟ ولا في أخبار عن خيتك؟ أخذ فراس نفسًا عميقًا وأسبل عينيه بالماء وقال: "مهرة مش عاصية، مهرة حيرانة ومتشندل حالها بيني وبين بوها. اللي مش رايد يهدى ويهملها لحياتها معايا."

أومأ الشيخ رأسه متفهمًا وقال: "جولها يا ولدي وريح بالها، خبرها ليه. جَتلت العمدة وشيخ الغفر. ليه ما وقفتش حياتك ومهملت مالك وحجك عند العمدة وبدران لحد ما تعثر على خيتك وتاخد تار أمايتك من اللي اتسبب في موتها كي ما أخذت تارك من العمدة؟ وضع فراس رأسه على قبضة يده وقال بحرقة:

"لاه، مهرة ميخصهاش سر أمي ده. حقي أنا وخيتي وبس. ولولا أنت خبرتني إن أمي جاتلك وحكت ليك اللي عمله العمدة، أنا ما كنت جولتلك اللي حصل مني. ومن بدران الجبان والعويل فضل والخسيس ولد المحروج منصور." شد على يده الممسكة به وقال مهدئًا: "يا ولدي، دي مراتك ومن حقها تعرف إنك مش قاتل ولا قاطع طريق. أنا جولتلك سابقًا، لمتك على المطاريد هتخليك واحد منهم، وما حدا هيصدق إنك راجل زين وصاحب حق." نهض فراس وعدل هندامه وقال بضيق:

"صوح، مراتي، لكنها لسه مش شريكتي. لما تحمل في حشاها مني، ويكون في من دمي ودمها اللي يربطنا، وجتها بس هجولها سبب كل اللي أنا فيه. ادعيلي يا عم الشيخ، ربنا يهديها عليا وتكون لي الزوجة والحبيبة وتعوضني اللي نضرته بحياتي المرة اللي ما نضرت فيها يوم حلو من موت أبوي." جذبه الشيخ من يده لكي يجلس مرة أخرى وسأله:

"معلش يا فراس، رايد أسألك عن حاجة. كل ما افتكر أسألك عنها يتوه من بالي. من يوم قابلتك في الإصلاحية، وكنت الدارس ليكم وخصيتك أنت بالذات، لأني كنت نظرتك شجي وعاصي. جَتلت العمدة وشيخ الغفر وأنت لستك طفل صغير. لكن لما قربت منك عرفت إنك جواتك نار وهم ثقيل خلتك راجل قبل الأوان. كنت خابر شينة العمدة في حق أميتك، لأنها جاتلي. داري وفاضت بسره وشكت لي همها. فاكرة كي امبارح." فلاش باك.

كان الشيخ يجلس مع زوجته وابناءه، وطرق الباب. نهضت زوجته وفتحت الباب، فرأت حسنة المتشحة بالسواد وعيونها حمراء من كثرة البكاء، فطلبت منها الدخول: "ادخلي يا حسنة، خر يا خيتي الدار دارك. فين ولادك؟ ردت عليها حسنة بروح هائمة وقلب مكسور: "فين عم الشيخ؟ ريداه في مشورة ضروري. ممكن تنادمي عليه؟ جذبتها زوجة الشيخ وقالت: "طيب، جولي مشورتك. لو مجدرتش أفيدك، هجوله أنت. خابري الشيخ ما بيحدد حريم." أخذت حسنة نفسًا بضيق وقالت:

"أنت خابرة إن فودة مات، ومهملش لينا ميراث بالدار. أتجوزت بيها أنا وولاده. وأنا دلوك لسه في شهور العدة. يجوز أخرج أشتغل ولا حرام؟ غمغمت زوجة الشيخ وقالت لها: "لاه، دي مجدرش أتحدت فيها. أنا هنادم على الشيخ يرد عليكي. اجعدي هبابة لحد ما يجي." جلست حسنة مرغمة، وظلت تفرك في يدها وتزفر بعصبية، كأنها على جمر من النار. إلى أن دلف عليها الشيخ، فنزلت على ركبتيها أمامه وقالت برجاء:

"الحجني يا عم الشيخ، ريداك في مشورة بيدك تنجدني. لا أخرج من عندك أدفن نفسي." أشار إليها أن تنهض، وشعر بأن ما أتت إليه به ليس عن حداد عدتها، لكن شيء آخر أكثر خطورة. طلب منها الجلوس ونادى على زوجته قائلًا لها بحسم: "يا خضرة، ادخلي جهزي أكل زين للست حسنة على ما أخلص حديثي معاها. يلا همي بسرعة." أطاعته زوجته وجلس الشيخ أمام حسنة، التي كانت تنكس رأسها وقال: "جولي يا بتي، سرك في بير. رايدا تسألي عن إيه؟

أخرجت حسنة مبلغًا من المال ووضعته أمامه وقالت بحسرة: "ده ثمن شرفي وعزتي وكرامتي اللي داس عليه الخسيس. ده ثمن كرامة جوزي اللي مات بحسرته لما خبر إن شرفه دنسه الندل، وهو ملوش حيلة في نفسه يرد حجه أو يصون شرفه. ده ثمن بت الأشراف اللي الزمن جار عليها يا عم الشيخ، لجل تطاطا وتسلم وتكون كي الغواني." نهض الشيخ مذعورًا وأخذ يستغفر: "استغفر الله العظيم. من ده اللي عمل أكده؟

وأنا هجيم عليه الحد. وأنت يا بت الأصوال، عمر ما هيكون ليكي ثمن، لأنك غالية. ولو كان جوزك مات مجهور، ربك موجود يرد حجك، هو القهار الجبار المنتقم العزيز. جوليلي مين، وأنا مش هرحمه." ابتسمت حسنة بتهكم وذرفت عيناها الدموع وقالت:

"العمدة يد الحكومة والينا وولي الأمر علينا. أنا جيالك عشان أسألك، مش لجل أفضح نفسي. أنا أكده خاطئة وعليا حد يتجام، ولا مظلوم وشريفة وربنا هيغفر لي ويسترني على ذنب ما عملتوش، لكن اتغصبت عليه. والجرشنات دول حلالي، لأنهم من مالي اللي العمدة سرقه في حج دار جدي اللي بنى عليها دواره الجديد. ولا حرام، لأنهم ثمن شرفي اللي دنسه. جولي وطمني قلبي يا عم الشيخ."

وضع الشيخ يده عن وجهه بغضب وقلة حيلة. إن فضح العمدة كانت الفضيحة الأكبر لحسنة. وإذا طلب بإقامة الحد عليه، لن يسمح له أحد. فتأكد أن حسنة لم تلجأ له إلا لطلب المشورة وتبرئة ذمتها من ذنبها، فقال لها بثقة:

"أنت لستك بشرفك، لأنك ما فرطتي فيه بكيفك. والمال حرام، لأنه ثمن لمتعة حرام. اتصدقي بيه، وأوعاكي تخليه في دارك أو توكلي منه أولادك، لتبقي نار تحرق جوفهم. أما حجك في أرض جدك، اطلبيها. وأوعاكي تتنازلي عنها. صح هتتعبي كتير لحد ما ترجعيه، لكنه حجك، حاربي عليه. وربنا ينتقم من اللي ظلمك ودنس توبك يا شريفة يا بت الأشراف."

تنهدت حسنة براحة بعد أن علمت ببراءتها أمام الله، وفوضت له أمرها في العمدة. وسألته عن عملها في فترة حدادها وعدتها التي بدأت لتوها، فقال لها إن الشرع سمح بخروجها للضروري، وبما أنها العائل لأولادها، فهذه ضروري. باك. عاد الشيخ من رحلة ذكرياته وقال لفراس: "أنت واثق إن أمايتك ما جالتش ليك على سوها من فين عرفت اللي عمله العمدة معها وجتلته، وعمل إيه فضل شيخ الغفر لجل يقتله؟ ومين اللي كان رايد يقتلك بالإصلاحية؟

غمّت عينا فراس بحزن وتذكر كل ما مر به وعاشه طوال ١٢ سنة. وطالع الشيخ بألم وقال:

"عرفت ونظرت كل حاجة يوم موت أمي. بعد ما سمعت صراخها. كنت معاها بالمطبخ، ولما غابت خرجت أدور عليها. سمعت صوتها بتصرخ وتستنجد. جريت على صوتها، كان في اثنين واقفين على الباب. بجيت أبعدهم لجل أدخلها، دفشوني. جيت أستنجد بالعمدة وشيخ الغفر والحج بدران، لكنه زعطوني وجالي العمدة ادخل المطبخ لندبحكم. ما حسيتش بنفسي غير وأنا بضرب الرجالة اللي على الباب وبكسرهم. ونظرت أمي في حضن الخسيس منصور، ما رحمش توسلها ورجاها وكمل معاها ورجالته. والعمدة مسكوني وخرجوني. شفت أمي بتموت من الوجع لحد ما غمي عليها. بعد ما خرج من عندها، سمعته بيقول للعمدة إن أمي قوية وريدها تدل لي مصر. كنت أمي بتلبس خلجاته، وسمعت اللي سمعته،

فضلت تلطم خدها وتجول: خلاص يا حسنة، باعوكي الأندال وهيتاجروا في عرضك. يا ريتني كنت مت معاك يا فودة. وأدلت للمطبخ وحرجت روحه. أمي ما ماتتش من الحريق، أمي ماتت وهي في أحضان الخسيس. نظرت النور اللي في عيونها انطفى. بعدتني عينيها وجالت لي: خيتك أمانة وتاري من الظالمين أمانة في رقبتك ليوم الدين. أنا عمري انتهى كي نهاية أهلي، وده قدري وقسمتي. سامحني يا رب. نظرتها والعة، لكنها مرتاحة. لا صرخت ولا بكت."

أغمض عينيه بقوة، كأنه يرى النار التي أشعلت جسد أمه أمامه. فدمعت عينه لهذه الذكرى المؤلمة. كفكف دموعه وأكمل: "قعدت على الأرض أنظر جتت أمي اللي النار خلصت عليها، بعد ما حاول شيخ الغفر يطفيها، مجدرش. وجت الحكومة وشالتها. وبعد ما المأمور جاله للعمدة إنه هيقيدها موت خطأ، خرج وهمله مع بدران وفضل شيخ الغفر. ونسيت إني موجود. وسمعت حديثهم. لجيت شيخ الغفر بيسأل العمدة: جولي يا عمدة، هي حسنة كانت عشيقتك بحق؟

لأني سمعت جولت لمنصور بيه إنها كانت معاك قبل سابق." ضرب العمدة الطاولة التي أمامه بعنف وغيظ:

"لو كانت عشيجتي ما كنت سمحت لحد يلمسها. صوح قضيت معها ليلة، لكن كانت بالغصب. ضحكت عليها يوم ما جت تطلب مساعدة لجل تدلي بجوزها مصر، وجولت ليها تطلع لحسيبة والدار كانت فاضية. وخدتها أوضتي وخدتها غصبًا. وأديتها جرشنات كتار، ظنيت هتجبل الحرام وتجيني بعد موت جوزها اللي كسرت أنت رجله وعجزته لجل نكسرها. لكنها كانت قوية وهدتني إنها هتطلب حقها في أرض جدها اللي أسست عليها دواري الجديد. خفت لما تقدم شكوى بحقي، تعرف إن حيازة

الأرض كلها ملك لجدها وتاخدها مني وتسجني. كنت لازم أكسرها لجل ما تقوم ليش جومة تاني. لما شرفها ينداس مع كذا راجل. عشان أكده لما طلب مني منصور بيه بنت يقضي معاها ليلته، طلبت من بدران يجيب شغالة عنده ورتبت كل حاجة، وجولت بعديها هتسلم وتبجي طوع لي. لكنها انتصرت عليا، ورحمت نفسها مني وحرجت روحها ووجعت قلبي على فراقها. واه، كنت ريدها لي وحدي، حتى لو بالحلال. لكنها عنيدة وعزة نفسها اتسببت في موتها، وكان أكرم ليها."

رد عليه بدران بالم وقال: "أنا السبب. لو كنت أعرف إنك هتبيعها لمنصور بيه، كنت رفضت تيجي الدار. دي بتي حسيبة موصياني عليها. أقولها إيه دلوك وأنا اتسببت بموتها؟ محروق كأنه قدرها تموت موتة أهله." نظر إليه العمدة بسخرية: "هتندم على إيه ولا إيه يا بدران؟ ما تخلي الطابق مستور. لو كنت سرجت جدك وخدت حيازة الأرض، أنت واعي عملت إيه وخدت إيه. جفل أحسن لك واكتم." دخل شيخ الغفر في الحوار وقال بغيظ:

"يعني أنت أخذت حيازة الأرض ونلتها وخدت أرض دراهم أسست عليها دوارك، وبدران أخذ مكانة جدها وتجارته. وأنا أخذت إيه مقابل عجز فودة غير إني شيخ الغفر؟ لاه يا عمدة، أنا رايد جرشنات تعويض لجل أسكت على اللي حصل. أهنه." دفع العمدة في صدره بقوة وصاح فيه:

"اتكم يا بو، وشوف لينا صرفة في ولدها اللي نظرت كل حاجة وممكن يفضحنا بالبلد. الولد ده لو كبر على قوته دي هيقتلنا واحد واحد، وما حدا هيقدر يقف بوجهه. لازم نخلص منه قبل ما ينطق ويجول كل حاجة. هم روح خلص عليه، وبعد ليلة سبوع ولد ولدي هخلي منصور بيه يكافئك، وأنا كمان هكافئك. جولت إيه؟ ابتلع فضل ريقه بشراهة لحبه للمال وقال: "موافق. بس هو منصور بيه هيجي يحضر السبوع؟ أومأ العمدة رأسه بالموافقة:

"أيوه، وهعمل ليلة كبيرة قوي دبايح ووليمة وسهرة للصبح." أسند فراس رأسه على الحائط خلفه وأكمل بغضب: "سمعت كل حديثهم ونيتهم في قتلي. روحت داري وجولت لخيتي كل حاجة وطلبت منها تجعد في دار الحج رجب، لأني هقتلهم قبل ما يقتلوني. ووصيتها لو ما ارتاحتش تروح دار الجعافرة، هيصونوها لحد ما أخرج. ياما عرض عليها خال جابر على أمي تيجي وتجعد في دارهم بعد موت أبوي، لكنها رفضت. ولما كنت أسألها ليه،

تجولي: ما ريداش حد يكون له جميل عليكم. جدي كان خيره على الكل، رايدني أمد يدي على آخر الزمن. لاه يا واد بطني، أنا عندي أجوع ولا أن آخذ إحسان من حد."

بعد ما وصيتها واطمأنت عليها، خفيت عن البلد وبجت أرتب كي أتخلص منهم كلهم في يوم واحد. لحد يوم سبوع ولد عواد، روحت لشيخ الغفر وجولت ليه إن العمدة رايده عند الزراعية عشان يخلص معاه كل اللي اتفقوا عليه. كنت خابر إنهم اتفقوا يخلصوا عليا، وظن شيخ الغفر إن العمدة بيسحبني ليه لجل يغرجني في المشروع.

وفعلاً، جه شيخ الغفر يدور عليا أنا والعمدة، لكني لحقته بضرب رجله وكسرتهم، كي كسر رجل أبوي. فضل يصرخ كي المرة لحد ما قضيت عليه ودفنته حي في المشروع. وشفت السمك بيكل في رجله وهو حي لحد ما مات غرقان، لأنه مجدرش يعوم. وبعديها روحت لدار العمدة، وكانت الليلة كبيرة والخلج كتار. فضلت متربص ليه، وعرفت من حديثه مع بدران إن منصور مش هيقدر يجي. ووجت ما طلع أوضته يغير ثيابه، لحقته بضرب على راسه وسحبته لسريره وربطته كي الخروف. واستنيت يفوق. أول ما شافني اترعب وفضل يترجاني ويصوت، لكن محدش سمعه.

كتمت خشمه بشاله وشققت بطنه، وتركته يتألم. وعيونه من الألم بجت تجيب دم. ما حسيتش بنفسي غير وأنا رايد أشفي غليلي وأقطع جثته حتة حتة، وأجوله: مش ده السرير اللي دبحته أمي عليه؟ أنا هقطعك عليه كي ما قطعت خلجاتها وسرقت شرفها. ما هديت ناري غير وأنا بخزق عيونه اللي كانت كلها رعب. نزلت ليهم بخلجاته كلها دم، وجريت على بدران رايد أخلص عليه هو كمان، لكنه خد باله

وفضل يصرخ عليهم ويجول: الحجوا فراس قتل العمدة، فراس قتل العمدة وهيقتلني ويقتل شيخ الغفر. حذروه، لكن رد عليه واحد وجاله: أنا كنت جاي أخبر العمدة إنهم لقوا جثة شيخ الغفر غرقانة في المشروع ورجله متقطعة. مسكوني وفضلوا يضربوا فيا. ما كنتش حاسس بالوجع. كل وجعي إني مجدرتش أخلص على بدران ومنصور. وأخدوني رموني في الإصلاحية. وبعد أسبوع، لجبتهم جايبين لي أكل.

وكل واحد بيجولي: ده ليك، اتجوت أنت ضعيفان. كنت قاطع الذات حزين على تاري اللي ما خلصش، وخيتي اللي مهملها لحالها. لجيت ولد من اللي معايا قرب وخطف الأكل وكله. هي ربع ساعة ولحقته متململ جدامي بيعوي ويصرخ من بطنه،

وجالي: سممتني يا فراس. وجتها خبرت إنهم مش هيرتاحوا غير لما يقتلوني. بقيت ألزم المسجد ومخرجش منه لحد ما جيت أنت وقربت مني وفهمتني إن اللي عملته حقي، لأنه داس على شرف أمي. ساعتها أمنتك على سري، وبجيت كي خوي. وأنت علمتني كل حاجة وخلتني أكمل علامي وساعدتني.

وجلت كلمة لسه في نفوخي: ممكن بجوتي أغلب عشرة وأنا قادر آكلهم وكل، لكن بعقلي وذكائي أغلب الفلجل. أكده اتعلمت واتنورت وأخذت شهادتي بمساعدتك. ده غير إنك بجيت تخليني أقرأ كتير. وعلمتني الراجل الصح اللي يوفي بكلمته، لأنه سيف على رقبته. ومرت الست سنين وخرجت وأنا أجوى منهم بعلمي وذكائي وقوتي. كي ما جولت إني أقدر أغلبهم بعقلي قبل يدي. وده اللي حصل، كسبت كل من وقف جدامي بعقلي، رغم إن قوتي كانت سبب لخوفهم مني، وجت ما استخدمها. وبحمد الله إني نفذت وصية أمي وأبوي، وعمري ما استخدمتها في الظلم. لجل أكده جدرت بعقلي وذكائي آكل عيلة الجبري كلها من غير ما أمد يدي."

ابتسم له الشيخ وربت على كتفه بحنان: "ولولا إنك نظرت الخير اللي جواتك، ما كنت سعادتك. والحمد لله، بجيت على عهدك وكمان بتمشي في الخير. لكن اللي رايد أعرفه دلوك، كي هتجدر تعقد الصلح وزينب مرات فيصل، وده شرطهم لجل يتموه؟ ضحك فراس بقوة ونهض وعدل هندامه وقال: "هجولك، بس ده سر بينا، وكي ما بيجولوا، على الباغي تدور الدواير، وهما مش مجدرين مجام الأشراف الكرام." اسمع يا شيخنا، سلطان.؟

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...