الفصل 11 | من 30 فصل

رواية فراس ابن الليل الفصل الحادي عشر 11 - بقلم سلمي سمير

المشاهدات
20
كلمة
3,991
وقت القراءة
20 د
التقدم في الرواية 37%
حجم الخط: 18

ظلت مهرة تنظر طويلاً إلى قسماته الحادة وعيونه الغاضبة، والساكن فيهما حزن عميق وقاتل، ومن خلفهما حنان ليس له آخر. كانت هائمة مع عذب كلماته الرقيقة التي أطربت بها أذناها، واستكثرتها هي على نفسها، لأنه تعلم بأن فراس لن يكون له نصيب معه. ولكي تريح روحه المعذبة في عشقها، ردت عليه بحسم: "فراس، أنت عمرك ما تهون علي. مش لخاطرك، لكن لخاطر الغلبانة أختك اللي ما لها غيرك. أكيد بتمنا تعثر فيها وتعيشوا بسلام وما تتحرم منك."

ثم تنهدت بقوة وقالت: "أيوه يا فراس، أنا ما أريدش يصيبك سوء وربنا يطول في عمرك. بس وحياة كل غالي، هملني لنصيبي أنا، أنا مش ليك يا واد الناس، ولا عمري هكون ليك. نصيبي وجسمتي مع غيرك." غامت عيناه بشكل خطر جعلها ترتجف بين أحضانه، مما جعلها تحاول باستماتة أن تخرج من بين ذراعيه المطبقة عليها بقوة. ابتسم لمحاولتها الضعيفة بالنسبة إليه وقال بحسم وثقة:

"حضني هو سجنك اللي مش هتقدري تخرجي منه، أنت ملكي ومش هتنازل عنها. افهمي كده، هترتاحي وتريحيني." هزت رأسها بالرفض وأصرت على أن يطلق صراحها، إلا أنه ظل محتضنها كأنها الدنيا والحياة بالنسبة له. فقالت بضيق:

"بالله عليك يا فراس، هملني لحالي. أنا مش نصيبك ولا هكون ليك، لا برضايا ولا بالغصب. افهم، احنا مش لبعض. طريقك غير طريقي، أنت واد ليل والقتل والسرقة وأكل الحرام سبيلك. وأنا بت الخواجة سمعان حمدان، المربي الفاضل الوحيد اللي علم بنته بالبلد كلها. لا أعرف الحرام ولا عمره دخل جوفي. افهم أنت وريح بالك، وانزعني من جلبك لأجل ترتاح." أخذت تضرب على صدره بقوة وصاحت فيه:

"جلبك ده جلب الصخر الجاسي، جاسية عليّ كي الكل. وانساني بالله عليك، وبيكفي فضايح من مراجبتك ليا. أنا مش ليك ولا دنيتي دنيتك، افهم بقى إن... فجأة، وقبل أن تنهي حديثها الصادم، والذي يؤكد رفضها المستميت له، ضغط على رأسها بقوة ودفعها في جوف صدره لكي يسكتها، ثم أخذ نفساً عميقاً، حتى تهدأ أنفاسه الثائرة كي لا يغضب عليها، وقال بهدوء:

"يا ريت أقدر يا مهرة أخرجك من جَلبي وحياتي كلها، لكن أنت اللي سكنتي جَلبي بكيفك، أنا ما غصبتكيش. وأصلًا خرجت من الإصلاحية مش شايف غير أنتِ، جامي وتاري اللي هيطول الكل، والدم اللي لازم أسَيحه، وأشفي بيه غليله من كل اللي جم على أهلي وظلموهم، ومنهم أهل البلد اللي هملوا أمي بنت العز تتهان وأنكروا خير جدها اللي كان على الكل. ده غير أختي اللي هجت ومش مخبر فين أراضيها. وفي وسط المي وكل حياتي السواد، ريت عيونك طاقة النور

اللي نورت ظلمة أيامي. نظرت روحي الميتة حية فيهم، لما نظرت بعيونك قلقك وخوفك عليّ. خوفك من إني أموت قبل ما آخد تاري وأنتقم من اللي قتلوا براءتي واغتالوا أحلامي واتسببوا في موت أمي وأبويا. وقلقك إنّي مجدرش عليهم ويكسروني ومتنتقمش ليا قومها. أيوه يا مهرة، أنا عشقتك مش بكيفي، لكن لأنك دنيتي اللي اتحرمت منها. ولو اتحرمت منك هبقى كي الميت، وجلبي كي الصخر الجاسي كي ما قلتي، لكن ليكي بيلين. بلاش تقتليني يا مهرة أنت كمان، لأن

مليش غيرك. أنظر معاه فراس الإنسان، ولا أريداني أكون وحش كاسر ياكل الكل."

زفر أنفاسه بقوة لكي تخرج ما بداخله من ألم وأكمل: "يا مهرة، أنتِ الخير اللي جواتي واللي علشانك بحافظ عليه. بلاش تهمليني في الدنيا تايه من غيرك يا جليبي. ولو على إنّي من المطاريد، أنا مش منهم، لكن لي غرض معاهم. أول ما أوصل ليه، هتعرفي فراس على حقيقته. فلجل كل غالي على جلبك، بلاش تقفلي بابك في وشي وهملي حالنا للنصيب، وأنا عندي ثقة في الله، بأنك هتكون نصيبي وجسمتي وتعويضي عن كل اللي ضاع مني."

استكانت مهرة بين أحضانه بعدما سمعت حديثه عن عشقه لها الذي هو طوق النجاة له، وردت عليه بارتباك: "طيب هملني مدام خلصت حديثك، واسمعها مني وافهمها زين. لو على النصيب فهو غلاب صح، لكني بجولك وباكد عليك، أنا ما أريدكش. وأوعاك تتوقع إن في أب هيجي يجوز بنته ليك، حتى لو انصلح حالك، سمعتك سبقاك يا واد الليل." ضحك فراس وأطلق سراحها وقال بثقة وتصميم أدهشها:

"والله جلبك رايدني بس بتكابر، يابت سمعان الخوجا. بس مش ده الحديث اللي كنت رايدك فيه." انكست مهرة رأسها أرضًا، خجلة منه، لا تعلم مشاعرها تجاهه، هل هو إعجاب به وبقدرته على السيطرة على الكل، أم بوسامته وحدة ملامحه التي تأسر العيون والقلوب، أم إصراره على انتقامه الذي تعلم جزء منه وهو إصابة أبيه وموته. لكن إلى الآن لا تعلم سبب قتله للعمدة وشيخ الغفر بكل هذه القسوة. رفع وجهه إلى عينيها وابتسم من خجلها وتورد وجنتيها وقال:

"لو بيدي أكتب عليكي دلوقتِ وأخبّيكي في داري عن كل العيون لحد ما تجري بعشقك ليا رغم رفضك يا جليبي." ثم أخذ نفساً عميقاً وقال: "أنا عايش نفس حالتك يا مهرة، مع رئيسة، أنا رافضها وهي عشجانني. لكني عكسك متأكد من مشاعري، وده السبب اللي رايد أتحدد معاكي فيه." رمقته بتعجب واستغراب، ثم دفعته بحدة وسألته:

"مالي أنا برئيسة بت الغجر، هما دول حياتك وعيشتك اللي بتحياها والكل خابر إنها عشيجتك، ما تروح ليها وعيش بين أحضانها لياليك وانساني. مالك بي مدام هي معاك وحباك." ضحك بشدة وأرجع رأسه للخلف من قوة ضحكته الصاخبة وجذبها إليه فجأة وقال: "أباه، بتغيري عليا؟ والله أنا ساكن جلبك كي ما أنت ساكنة جَلبي يا جليب." "فراس، بس متقلقيش. أنتِ وبس اللي فيه. مهرة حبيبتي وفرستي الجامحة اللي مينفعش يكون ليكي شريك." أخذت تضربه بحرقة وغيرة

لا تعلم سببها ونهرت بعنف: "بيكفي مسخرة وحديث ماسخ، وبعد يدك عني وخلص في يومك ده، اتأخرت على مدرستي يا واد الليل." تنهد بقوة وأبعدها عنه بهدوء ورمقها بغموض وقال:

"رئيسة كارهالك وحاقدة عليكي، لأنك بتشاركيها فيّ. وبحجة ربنا، أنا خايف عليكي منها لتتهور وتأذيكي. خابر إنك بتتعاملي مع أنعام الغجرية الدلالة اللي بتشتري منها خلجاتك، وبتدخل داركم كتير. حذاري منها اليومين الجايين، لأنها ممكن تخدم رئيسة في أذيتك خدمة ليها، بما إن يدها طايلة ليكي. معلش يومين بس لحد ما ألاقي ليها طريقة أو أوقفها عند حدها معاكي." قطبت ما بين حاجبيها بغضب وعنفها بغيرة شديدة:

"آه، اللي كسبته منيك الكره والعداوة من ناس معرفهمش أصلًا. روح الله يسامحك. أنا همشي وبيكفي بقى، وحاضر لو ده هيريحك ويخليك تهملني لحالي، إني آخد بالي من نفسي. حاضر، هاخد بالي. يلا سلام بقى لأني اتأخرت." قبل أن تتحرك قيد أنملة، لم تشعر بنفسها إلا ويداه انتزعتاها عن الأرض واحتضنها بقوة واعتصر خصرها بين يديه وأخذ يتنفس بقوة وعمق، ثم حملها على حصانه وقال:

"أنا هوصلك أسرع من القطر. نمشي وسط زراعات القصب ومتقلقيش، محدش هينظرنا لأنه من بره البلد." قبل أن ترد عليه، جلس خلفها وانطلق مسرعاً إلى مدرستها، ولم تستطع أن تنطق من سرعة الرياح حولها، أو من دقات قلبه التي تسمعها وتصم أذانها. كانت تشعر أنها داخل كتاب للحوادث تعيش مغامرة مثيرة لم تشعر بالخوف منه أو اللوم من أحد. كيف تخاف وهي مع من وهبها قلبها ويخاف عليها أكثر من نفسه؟

أو قد يلومها أحد وهو كل من يعرفه بهابه ويخشاه. كانت رحلة قصيرة أم طويلة، لا تعلم، لكنها كانت تشعر بين يديه المطبقة على خصرها بأنها في الجنة تسبح مع الهواء ورياحه السريعة التي تنقلها من عالم إلى آخر. لم تشعر بنفسها إلا وهو ينزلها بعيداً، عن مدرستها حتى لا يراه أحد، وقال لها بعشق: "نزلتك بعيد لأجل ما حد ينظرِك معايا ويجيب في سيرتك. يلا همي روحي لمدرستك وأنا هراقبك لحد ما تدخلي."

هزت رأسها بالموافقة وهي تشعر بأنها تائه في بحر عيناه الغامضة والحزينة. وقبل أن تخطو بعيداً عنه، ناداها، فالتفتت إليه كالـهائمة، فقال وهو يبتسم لها بحنان: "هتوحشك جوي يا جليبي. بحبك يا مهرة وبعشقك موت."

توقفت مكانه لا تتحرك ساكنة. ابتسم فراس من صدمتها التي ألجمتها، وكاد يقترب منها إلا أنه لاحظ مجموعة من البنات تقترب، فابتعد حتى رآها تنضم إليهم وتسير معهم. لكن طول طريقها كانت تلتفت إليه تلقي عليه نظرة بين الحين والآخر، إلى أن دخلت مدرستها واطمأن قلب فراس عليها، فابتسم براحة وانطلق بحصانه إلى وجهته المعتادة. عاد فراس بعد أذان العصر إلى داره فرأى جعبل بانتظاره. قطب جبينه بضيق وإرهاق وسأله:

"خير يا قرد المطاريد، ريسك بعتك تاني ولا مصيبة إيه وراك؟ ضحك جعبل بمرح وود، فهو يعز فراس ويعتبره رئيسه وليس الغول، بعد موقفه معه أثناء مرض أمه، حين أخذها وذهب بها إلى مستشفى المركز وظل معه إلى أن أجروا لها جراحة لإنقاذها من الموت، ولم يتركه إلى أن اطمئن عليها، عكس رئيسه الذي كان يسخر منه ورفض مساعدته. دنا منه جعبل ولاحظ علامات الإرهاق على ملامحه بشدة فسأله بقلق حقيقي: "مالك يا ريس فراس، فيك إيه؟ وكنت فين من الصبح؟

جيت دارك كذا مرة أخبط عليك وملقيتكش. جولت أكيد عند مدرسة مهرة وانتظرت تعود بعد ما عدت لدارها، لكنك معودتش. أنت صح بتروح كل يوم فين بالوقت ده؟ أغمض فراس عينيه بتكاسل ورد بفتور: "ملكش فيه يا جعبل، رد جول رايد إيه؟ "مريجش ليك أنا." أقفل جعبل من عصبيته ورد بارتباك:

"جيت أبلغك إن الحمولة اتسلمت للتاجر كي ما جولِت ومفيش ناقص منها خردلة. وكمان رايدك تفهم إن الغول خابر مطرح خلدون وأكد على الكل ميقولش ليك، لأجل تفضل محتاج ليه." حدق فراس به بحدة ثم جذبه من جلبابه وثار عليه: "خابر لو حديثك ده صح، ريسك هعمل فيه إيه، قبل ما أدفن خلدون هكون دافنه قبله. حمشي من جدامي دلوقتِ يا جعبل، وجول لريسك إن فراس هيطلع ليه عشية لأني رايده في شغل كبير ومكسبه كتير. امشِ من جدامي بدل ما غصبي ما يطولك."

جرى جعبل من أمامه غير نادم على ما قاله، سعيد بأن فراس لن يرحم الغول الذي هضم حقه ورفض إعطاءه نصيبه، فيما أخذ من التاجر مثل كل الرجال، ساخراً منه بأنه ليس مثلهم.

دخل فراس الدار وهو يشعر بالإنهاك يأخذ منه مأخذه، نزع جلبابه وكل ثيابه، ولمس على الخطوط الحمراء التي طبعت على جسده من كتفه إلى منتصف صدره. أخذ قطعة مبللة من القماش وملس عليها، فاقشعر جسده بالألم. بعد ذلك أخذ منشفة ودخل المرحاض اغتسل وغير ثيابه، ثم تمدد على الفراش وأغمض عينيه وهو يشعر بالألم والحزن. إلا أن مر طيف مهرة في خياله فابتسم وغفا سريعاً.

كانوا ساعتين فقط الذي نامهم فراس، لكنهم كافين لكي يعود إلى قلب الأسد نشاطه ويقف على أقدام ثابتة من جديد. بعد ما انتهى من أعماله الروتينية، لبس جلبابه وربط الشال الأسود على رأسه، ثم خرج من داره وهو يزفر بضيق وعيونه يملؤها الغضب. أطلق صفيره الخاص، فأتت حصانه رماح ووقفت أمامه. امتطاها ولكمها بقوة وانطلق كالبرق إلى الجبل. لم يهدأ عن لكم حصانه إلى أن وصل إلى كهف المطاريد. ظل على حصانه ونادى بصوت كالرعد الساحق:

"غول يا غول." سمع الغول صوت فراس الحاد والقوي، شعر بأن وراءه شراً قادماً. خرج مسرعاً إليه ورحب به بارتباك: "أهلاً أهلاً بشيطان الليل، تفضل بيتك ومطرح يا واد عمي." أطبقت حدقتاه وأمسكه من جلبابه وبيد واحدة رفعه إلى مستواه، فأصبح طائرًا في الهواء وأقدامه لا تطال الأرض. وهو هكذا، لكم حصانه وقرب من أحد حواف الجبل وقال بحدة: "شايف شكل الجبل كيف من فوق؟

كله صخور وديابة متعطشة للدم. أنا هرميك من إنه لو منطقتش فيه خلدون وخيتي مهجة، وليه دريت عني مكانه وأنت خابر مطرحها." أخذ الغول يصرخ ويضرب أرجله في الهواء ويستنجد برجاله، الذي رأوا قوة وبأس فراس الذي حمل رئيسهم بيد واحدة كأنه طفل، فلم يستطع أحد أن يسعى لإنقاذه أو الاقتراب منه. أخذ الغول يسعل بشدة لشعوره بالاختناق، فتوسل إلى فراس أن ينزله قائلاً برجاء:

"أرجوك هملني يا واد عمي، وأنا هقولك كل حاجة، وكمان على مطرح خلدون. لكن أقسم بالله ما أعرف مطرح خيتك." غامت عينا فراس وبعده عن حافة الجبل وألقاه أرضاً وقال: "جول اللي عندك ومتكذبش عليا. بس اتأكد إن هودرك على كذبك عليا، وإنك خابر فينه خلدون ودريته كي أخوه اللي مش هرحمه، بس أوصله لول وبعد كده الحساب يجمع."

ابتلع الغول ريقه وأخذ يجفف عرقه عن جبينه ويداري نفسه بعيداً عن عين فراس الناظر إليه بازدراء بعد أن تبلل جلبابه بفعل الخوف. فنكس رأسه أرضاً وقال وجسده يرتجف بشدة:

"خلدون واد غلبان، وبوه الشيخ رجب كان راجل صالح. أنت نفسك أمنت على خيتك في داره لما وصلت ليه، فضل يترجاني ويبوس في يدي لأجل ما أدلك عليه. طاب مني أدريه عنيك مقابل أتوه أدفعه للرجالة. خابر إني غلطان، بس أنا ما أريد أخسرك. جيت لك ليه وجريك ورا تارك ما هيجلب لك إلا وجع الجلب مع الحكومة. يا فراس، أنت راجل شديد وجوي، ربنا أعطاك جوه في جسمك وعقلك. اللي زيك يحكم بلد بحاله مش مطاريد بس. طاوعني وأنا هخلي الكل يعرف قيمتك ويهابك ويطاطي راسه ليك."

ضغط فراس على أسنانه بقوة حتى سمع صوتها. الغول فارتعد من الخوف خوفاً من بطشه به بعد أن أغضبه إلى هذا الحد. فمد يده دخل جلبابه وأخرج حافظة نقوده وأعطاه له بيد مرتعشة وهلع كبير وقال: "خد العنوان في المحفظة، بس الله لا يسألك أسمع منه الأول." "الولد ميت في جلده، خايف من يومه. لجاه بيك." مد يده إليه وقال باستجداء:

"أما أنا فبطلب منك العفو. ارحمني يا واد عمي، ومن اليوم هكون تحت مداسك خدام مطيع. خلاص هيبتي راحت بين الرجالة ومعدش حد منهم هيحترمني أصل. أحب على رجلك ارحمني أو خليني أهمل الجبل وأروح أتاوى في مكان بعيد ميُعرفنيش فيه حد."

ترجل فراس عن حصانه ووقف أمامه، ثم أغمض عينيه بقوة وفتحهما، فرأى فيهما الغول نيران مشتعلة لها القدرة على أن تحرق الأخضر واليابس. فضغط على أعصابه بقوة حتى لا يزيد غضبه ويظلم من أمامه ببطشه، وأمسك الغول، أوقفه ونزل بيده على ذراعيه فكسرها. فصرخ الغول من شدة الألم، فقال له فراس:

"أنا عملت حساب للعشرة اللي بيناتنا، لكن أقسم بعزة جلال الله، اللي يوقف بيني وبين تاري لينال غضبي اللي ما هيقدر حد يوقفه أو يتوجع كي هو، وعر وصعيب." تركه يئن مثل النسوان من شدة الألم وعاد وامتطى حصانه، ثم اقترب من رجاله الغول وصاح فيهم: "من اليوم مفيش أمر بالجبل غير أمري، واللي يفكر يدس عني حاجة هخليه يتمنى إنه ما اتولد من أساسه." ثم أشار إلى الديب وقال:

"خد ريسك عالجه وبعد كده طلعه الجبل يجعد معاكم كي الحريم، ياكل ويشرب وبس. فاهم؟ أما له جميع الرجال بالطاعة والخنوع والاستسلام له فقد. كانت هذه أول مرة يروا فراس الذي لُقّب بالشيطان، ولم يعلموا لماذا؟ إلا الآن فقط عرفوا أنه في غضبه كالشيطان. تركهم وانطلق بحصانه قاصداً بيت الشيخ رجب. طرق الباب بعنف عدة طرقات متواصلة، فتح وهيب الباب بذعر، وحين رأى ملامح فراس الغاضبة توجس خيفاً منه وسأله: "فيك إيه يا فراس؟

هو كل يوم زيارة؟ مش اتحدت معاك عشية وجولتلك مخبرش مكان خلدون فين وأقسمت لك." ضحك بشر ومال إليه وسحبه من جلبابه وقال: "لأ، ما خلاص أنا عرفت مكانه، بس جيت أقولك جهز صوانه وجيم عزاه، لأني هدفنه حي بعد ما أكسر عظامه." أمسك وهيب يده وأخذ يقبلها برجاء:

"أحب على رجلك يا فراس، بلاش تموت خلدون خوي مظلوم. هو صح غلط، بس خيتك كي أنت حرة ومجبلتش يمسها، وطفت جبل حتى ما أحاول أصلح اللي عمله. كنت ناوي أخليه يكتب عليها، وتبجى مرته بالحلال. خابر إن ليك حق عندي، بس بلاش تموته، أنا مليش غيره. بيكفي ست سنين عايش فيهم كالميت مرعوب منك. أبوس إيدك ورجلك ارحمه، على الأجل لخاطر العيش والملح اللي كانو بيناتنا."

أمسك فراس من رقبته وكاد يضغط عليها، فاخذ يسعل بشدة ويرفس بأقدامه شاعرًا بالاختناق، فقال له بغيظ: "يعني كنت خابر أخوك عمل إيه في خيتي، كان رايد يفضحها، وأنت تجولي مجتلوش؟ أنت تحمد ربنا لو عرفت تلم لحمه. أنت حسابك معايا عسير لما أعود يا عويل. هبّت ولدك وخلي مرتك أرملة، ومفيش اللي ياخد عزاك أو يدفنك." ألقاه أرضًا بعدما سمع صراخ زوجته وطفله وكثير من الجيران كانوا يترجوه أن يرحمه، فصاح فيهم بشدة وقال:

"إن أنتم في سواد ليلكم وأيامك الجاية معايا، لو كانت خيتي ميتة أو بجت خاطئة، وجيتها جولوا على نفسكم يا رحمن يا رحيم، لأن بعدها معنديش لا عزيز ولا غالي أخاف عليه."

تركهم ينظرون إلى بعضهم البعض بذعر وخوف من انتقام فراس، الذي منع أن تقام أفراحهم سابقًا، وكان يأمرهم ألا يقيم أحد فرحًا قبل الرجوع إليه واستشارته، فأصبحت البلد لا يُقام فيها فرح أو زفاف إلا بإذنه، والآن يهددهم بالويل والثبور. أما وهيب، فنهض عن الأرض وكل عظامه تئن من الألم، كأن فراس ضربه ولم يلقيه فقط، وأخذ يدعو أن ينجي الله أخاه من شره وسر غضبه.

حمل فراس حصانه بعنف وسار إلى طريق طويل خارج البلد إلى أن وصل إلى العنوان الذي يسكن به خلدون. لم يطرق الباب، بل دفعه بيديه، فتحطم تحت قوة قبضته. فنهض خلدون من على فراشه ونظر إلى فراس وانهار تحت قدميه وبكى بحرقة وقال: "ريحني يا فراس، أنا خلاص لا حياة بحياها ولا دنيا عايش فيها. أنا كي الميت من يوم هجت مهجة وخدت روحي معاها، وإن آن الأوان أخلص من حياتي اللي بلا روح."

حدق به فراس بقوة وجذبه من رأسه، فأوقفه أمامه ورأسه تتدلى إلى الأسفل، وسأله فراس بصوت غاضب: "جول عملت إيه في خيتي وفين أرضيها يا ندل يا عويل." ابتلع خلدون ريقه بشدة وأخذ يقص عليه كل ما حدث منه. وبعدما انتهى، وضع فراس يده على رقبته وضغط عليها بشدة، فتناثر الدم من حوله ووقع خلدون أرضًا بلا حراك……؟

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...