الفصل 12 | من 30 فصل

رواية فراس ابن الليل الفصل الثاني عشر 12 - بقلم سلمي سمير

المشاهدات
20
كلمة
4,893
وقت القراءة
25 د
التقدم في الرواية 40%
حجم الخط: 18

جلس وهيب أمام زوجته، كسير الفؤاد، قليل الحيلة، بانتظار أن يأتيه فراس بجثة أخيه أو يخبره عما فعله به وعن مكانه. نهضت أنعام، زوجته، واحتضنت رأسه وأخذت تربت على ظهره بحزن، مواسية له في مصيبته التي هربًا منها كثيرًا. فجأت الفاجعة سريعة ومؤلمة. أخذ وهيب يبكي أخيه، وهذا أصعب ما يكون بكاء الرجل حين شعر بعجزه أمام جبروت فراس الذي لا يستطيع أحد مجابته أو الوقوف أمامه.

رفع كفيه يدعو الله باستجداء أن ينقذ خلدون من غضب فراس الذي عماه، فلم يراعي العشرة والعيش والملح بينهم. ظل يدعو ربه ويبكي بحرقة، إلى أن سمع طرقًا عنيفًا على باب داره. هبّ نهضًا وفتح الباب بلهفة، فرأى بوجهه فراس، ممتطيًا حصانه، وجثة أخيه ملقاة أمامه على الحصان. صاح بلوعة على فقد أخيه الوحيد الذي أوصاه به أبيه قبل مماته. جري عليه يحتضن بحسرة جثمانه المسجي بتراخي على حصان فراس. فتأوه خلدون متألمًا بصوت ضعيف:

"يدك عني يا واد بوي، جثتي أخوك مش متحملة لمستك." صدق وهيب نفسه بأن أخيه حي يرزق، وأن فراس قد أبقى على حياته ولم يقتله كما توعد. نزل أخيه من على الحصان وحمله على كتفه وهو يصرخ من شدة الألم، وأخذ ينظر إلى فراس بحيرة وشكر وامتنان للإبقاء على حياته. لم يسأله عما فعل به، لكن معنى أن أحضره إلى داره يعني أنه سمع منه وأعطاه فرصة. ساعد أخيه الذي كان جسده مسحوقًا ورقبته ورأسه ينزفان بشدة. أدخله الدار وعاد إلى فراس يشكره:

"واد أصول صح وطمر فيك العيش والملح. مخبرش أقولك إيه يا واد عم فودة." رفع فراس يده في وجهه ومنعه من الاسترسال ورد عليه: "متجولش حاجة يا واد الحج رجب، خوك أمانة عندك، لحد ما أعترف في خيتي. لو كذبت خد عزاه لأنه هفرفت روحه قدامك، ولو صدج هجوزهاله كي ما وعدتك. فاهم؟ خوك أمانة. لو خرج من دارك أو دسيته عني، يبقى يتمت ولدك وترملت مراتك. واصل سلام."

انطلق بحصانه، جاعلًا التراب خلفه غبارًا كثيفًا اختفى بداخله، مخلفًا وراءه ألف سؤال وسؤال، ليس له إجابة غير عنده وعند خلدون، بما دار بينهما، وجعله يعفو عنه حتى لو مؤقتًا. دلف وهيب إلى داره وهرع إلى أخيه الذي كان يصرخ من الألم وزوجته تضمد له جروحه وتسأله عن جرح عميق في رقبته، ينزف بشدة. كان أحدهم قد أدخل رصاصة إلى عنقه وتركها.

"ارحميني يا أنعام، بيكفي فراس واللي عمله في. الجرح ده من يده، غرز إصبعه في حنجرتي، كان هيخرجها لولا أقسمت له على كتاب الله أني ما مسيت خيته بسوء. وجف ضغطه على رجبتي، دوخت وجعت على الأرض. فحط رجله على رجبتي وفضل يضغط لحد ما كان دمي هيتصفى. وجلي جولي إيه، خلي خيتي هجت وهي في أمانتكم. اعملت معاها إيه؟ انطق أنجد بنفسك وجول الصدق وكل اللي حصل بيناتكم." ضمه وهيب إلى صدره وأخذ المنشفة من زوجته وراح يمسح الدم عن جرحه،

ودمعته لا تتوقف وقال: "كله بهون يا واد بوي، والحمد لله أن فراس سمع ليك، وصدجك ورجعت لينا حي. كنت خايف غضبه يغلب حلمه ويقتلك قبل ما يتأكد أنك مش السبب في هججان خيته. رغم غلطك في حقها واللي خدت جزاءك منه بتكسير عظامك." أخذ خلدون نفسًا عميقًا مما زاد إحساسه بالألم. فكشف أخيه عن ذراعه وساقه ليتأكد بأنها مجرد كدمات تحول لونها إلى اللون الأزرق، وهذا ما سيجعله يتألم ليالي طويلة.

طلب من زوجته إحضار إناء لعمل كمادات دافئة، وبعد ذلك دهن جسده بزيت الزيتون لكي يهدأ من الألم. ما أن انتهى، غفا خلدون بين يديه، لكنه ظل يأن وهو مغمض العينان. دثره وهيب وظل يقرأ له قرآنًا وقال لزوجته: "خدي سيف وادخلي انعسي. أنا هفضل جاراه. مش هاين عليا أهمله وهو تعبان كده. ده غير إني اتوحشته جوي. متخيلتش أنظره تاني بعد تهديد فراس ليه. بجد يا أنعام، عودة خوي دي معجزة من الله وبركة بوي الشيخ رجب الله يرحمه." ربتت

على كتفه وابتسمت له بحنان: "ألف بركة يا أخوي، رديته ل داره، عقبال ما يخف ويقوم لينا بالسلامة. إن شاء الله أنا هجهز ليك لقمة لأجل لو صحي تاكله. جسمه عدمان ومحتاج يتجوت لأجل يشد حيله ويقوم بالسلامة." أومأ له وهيب بالموافقة وشكرها على مساندته له وخوفها على أخيه، وأخذ يتأمله بفرحة غير مصدق عودته إليه سالمًا من شر فراس.

بعد مغادرة فراس دار وهيب، لم يعد إلى داره المجاورة له، بل انطلق إلى المقابر وشق سكون الليل وجلس أمام قبر أمه وأبيه وقال بحرقة وألم يتزايد بداخله:

"جايلك خزيان منيكي يا أمي. أقسمت يوم موتك قدام عيني إني هدفع كل من ظلمك وظلم بوي الثمن غالي، وهيكون من دمهم ومالهم وعمرهم أضعاف مضاعفة عن وجعك وألمك. لكن نسيت في عز انتقامي خيتي اللي أهملتها أمانة لحد ما أخرج من حبستي، وخرجت لجتها اختفت، ولحد دلوقت مجدرتش أعثر عليها. آه يا خجلي منيكي يا أمي من إني أوصل لمنصور الخسيس وأنتقم منه وأتحاكم عليه وأقابل وجه رب كريم قبل ما أطمن على خيتي وأطمنك عليها أو أغسل عارها لو خطت. آه يا أمي، آه يا أمي، مر لياليك الجاية يا فراس."

وردد فراس رثاء أمه قائلًا: "بكيتك أمي سرًا، بكيت ظلمكِ جهرًا، وبقدر عزك وحبك سأنتقم لك شرًا. حبيبتي لن تهدأ نار انتقامي حتى أحفر لهم قبرًا. سأعود لكي انتقم من من أبكى أمي وأحرقها قهرًا."

راح رأسه على قبرها ونزلت دمعته البيضاء من قلب مثخن بالألم. فتذكر حين كان سيقتل خلدون وأقسم له بكتاب الله وشرف أمه أنه لم يمس شرف أخته وهروبها كان بكيفها، لكنه هو الملوم. حين ذكر هذا، تركه فراس واستمع له، لعل يعرف سبب إقدام مهجة على عصيان أمره وترك البيت الذي تركها فيه.

تركه فراس وحده، فوقع على الأرض وسالت دماؤه، وظن لوهلة كل من رآه أن روحه فاضت إلى بارئها. إلا أنه سعل بشدة ورفع عينيه إلى فراس يترجاه أن يستمع له، ويقدر ما حدث وهو نصيبه معه. فأوضع فراس رجله فوق رأسه وقال بغضب: "هسمعك لأجل ما أحس إني ظلمتك. جول يا واد الشيخ رجب. إيه حصل بينك وبين خيتي خلاها هجت وأنت الملوم في إيه؟ حاول خلدون أن يبتلع ريقه فلم يستطع من شدة الألم، فسعل بشدة وبصق بعض الدم وقال بصعوبة:

"أنا هحكيلك اللي حصل. أنا بعد خيتي ما اتجوزت برة البلد، وأخوي وهيب خطب أنعام، طلبت من بوي أنا كمان أخطب، وبالذات أني بشتغل عند وهيب. وافج بوي وقالي: نجوز خوك وأنت السنة اللي وراها على ما أجهز ليك الدور الفوقاني. وسألني: عيني من بت مين من بنات أعمامك؟ قلت له: إن عيني من بتك اللي ربيته على يدك خمس سنين وأمانة عندك. رايد مهجة يا بوي، هي منايا وجلبي رايدها. فرح بوي ورحب وسأل مهجة اللي ما رفضتش،

لكن قالت له: أنا مجدرش أرفض خلدون اللي بيخاف عليا أكتر من نفسه وبيحرسني من النسمة الطايرة. لكن جواز وأخوي محبوس وجلبنا لسه حزين ومولع فيه نار على فراق بوي وأمي، لاه. كانت بترفض بشدة كأنك موصيها. احترم بوي رغبتها، لكننا جرينا الفاتحة وبقت مقسومالي لحد ما تخرج. لكن القدر كتب كلمته وبوي مات قبل جوز وهيب بشهر. وبجيت أنا ووهيب ومهجة لحالنا بالدار. وقبل ما يمر أسبوع على موت بوي، لقيت

خيتك بتلم خلجاته وبتجولي: هات مفتاح دارنا، أنا هروح أقعد فيها لحد ما أخوي ربنا يفك حبسه ويعاود لي بالسلامة. طبعًا رفضت وجلت لها: كيف أهملك لحالك؟ لو على وجودي بالدار وهي خجلانة مني، أنا ههمل الدار.

لكنها رفضت وجالتلي: إما تهمل الدار أو ما تهملهاش، أنا مليش قعاد فيها تاني غير لما يتجوز أخوك. قبل أكده لاه. مجدرتش أهملها تهمل الدار وتخرج، وجلت لها إني في حكم جوزها وإنه مقسومالي. والحل الأفضل إننا نتجوز، ولا إنها تجعد لحالها في دار أبوها. أنا جلت ليها كده ومخبرش جراله إيه، كأني ولعت فيه نار هبت فيا وودرتني وجالت: اتجنيت إنت؟

إياك يا خلدون. منكرش إني رايدك، لكن جواز، لاه. مفيش جواز ولا فرح يدخل جلبي، قبل ما أخوي يشفي غليله من اللي اتسببوا في حرق أمي لنفسها. أنا منتظرة فراس يخرج بالسلامة ويقتل الندل والعويل اللي فتح ليه داره. يمكن بعدها أتجوزك، أما ناري تبرد وخوي ينتقم لشرفنا وياخد بتار أمي وحق بوي. فهمت؟ جواز، لاه." حديثها لخبطني ومبجتش فاهم تقصد منين بالخسيس والندل، لكنها مفسرتش وأصرت تهمل الدار وتعصاني.

"النار ولعت فيا من الخوف عليها وجفت جدامها ومنعتها تخرج وفضلت أهز فيها. محسيتش بنفسي غير وهي وجعي قدامي مغمي عليها. شيلتها ونيمتها على السرير وخرجت أدور على حاجة أفوجها بيها. لجيت وهيب خارج يزور خطيبته وبتفق معاهم على ميعاد الزفاف، وبجيت أنا وهي لحالنا بالدار. دخلت وفضلت جارها لحد ما فاجت. أول ما شفتني دفشتني وخرجت من أوضتها تنادي أخوي وتشهد عليّ." "وهمتها إني أنا اللي دفعتها." فراسة في صدره بعنف وقال:

"كمل يا محروق. وهمتها بأنك فضحتها، مش كده؟ أنا دلوقتي فهمت ليه هربت، كانت خايفة من الفضيحة. ده أنا هصفي دمك وأكسر عظامك." وأخذ يركله برجله بعنف وقوة. صرخ خلدون وأقسم أن هذا ليس السبب وقال له: "اسمعني للآخر بالله عليك. فعلاً أنا وهمتها بكده، وجلت لها: لورايدك أستر عليك نكتب وناجل الزفاف لما تخرج. لكنها رفضت وفضلت

تلطم وتصوت وتصرخ وتجول: يا مركي يا فراس، خيتك ضيعت شرفك وشرف أبوها. فينك يا خوي تغسل عارك وتخلص مني ومن عاري. يا مركي يا حسنة، بتك اتسرقت شرفها كي ما اتسرجتي واتفرض عليكي. لكن كي ما طهرتي نفسك هطهر نفسي وأخلص روحي. وجريت على المطبخ وخدت السكين وكانت هتقتل روحها. مسكت يدها بالعافية، كانت شديدة وعافية وحرة بحق ربنا. نزلت على ركبي قدامها وفضلت أقسم ليها إني ما مستها وكنت بضحك عليا لأجل أجبرها نتجوز وما تهملش الدار وتعيش لحالها. لكني غلطت وهددتها لو رفضت تتجوزني هفضحها بجد واللي يحصل يحصل. لكن تخرج من الدار وتهملني مش هيحصل."

"شككت في كلامي وجابت لي المصحف أحلف عليه. إنها لسه بعفتها وإني ما لمست ثوبها الطاهر." "أقسمت لها ولأنها واثقة إني مش أنا اللي أقدر أأذيها، هديت وقالت لي: يعني أفهم من حديثك إنك مش هتهملني؟ أهمل الدار مهما حصل، ولا ما أتزوجك وتتدنس ثوبي بالغصب واصلًا." "تخبطت

في نخاعي وجولتلها: آه، لأني شاريها وجوازنا أسلم، بدل ما أهديها وأطمنها وأفهمها إن جوازنا هيكون مجرد حبر على ورق لحد ما تخرج إنت بالسلامة. خوفتها وخليتها تجر تهرب مني لأنها اتأكدت إني مش ههملها لحالها." "جيتها بتبتسم لي بمكر. يا ريتني

فهمته يومها لما جالتلي: وأنا موافقة يا خلدون، بكرة كلم أخوك واتفق معاه واللي يجوله وهيب أنا راضية بيه، بس خليك فاكر اللي عملته هتتحاسب عليه وحسابه هيبقى واعر. افتكر حديثي ده زين. بس صحينا تاني يوم لجيتها هجت، وأخوي شك إني مسيتها وخلاني أقسم على البشاعة من شكه فيا.

وجالي: يوم إنت ما تخرج من السجن هيكون آخر يوم في عمري، لأنك مستحيل تصدق إني ما مسيت خيتك بسوء. لكني أقسم برب العزة ما مسيتها. أنا كنت أعاشجها ورايد أتجوزها وأحافظ عليها. لو كانت قبلت، أنا ما كنت هلمسها غير لما تخرج وتوافق على جوازنا واصلًا." "وهو ده كل اللي حصل. خيتك عنيدة وقوية كي إنت بالظبط. خابر إني غلطان، بس من متى على العاشق ملام؟

كنت ريدها في حلال ربنا وما مستها بسوء. لكني غلطت وخوفتها مني وخليتها هجت هربانة من إرغامي ليها، رغم إنها ريداني." أنزل فراس قدمه عن صدره وقال له:

"كلامك زين وحاسس بصدقك. لكني مش هرحمك ولا ههملك لحالك غير لما أعترف عليها وأسمع منها. ومدام بوك قرأ فتحتكم وهي وافقت، أنا مرجعش في كلمتي. لو كنت صادق، خيتي من نصيبك وهجوزهالك. لكن كي ما جالت ليك عقاب عن اللي عملناه فيها وجلته ليها وخلعت جلبها وكانت هتموت حالها بسببه. وبسبب غباؤك إنت نولت عقابك على خداعك ليها وكذبك عليها بهروبك اللي شككني فيك وفيها. يلا، هما معايا أوصلك لخوك يرعاك وهتفضل بداره لحد ما أوصل ليها. وهي بس اللي هتحكم عليك، إما بموتك أو بجوازك منها. عد أيامك وادعي ربك إن خيتي تصدق على حديثك معايا."

حاول خلدون أن ينهض لكنه لم يستطع، فأمسك بجلباب فراس وطلب مساعدته، ثم سأله بريبة: "بس أنا ليا سؤال عندك. نفسي أفهم، هي بجد عما حسنة حرقت نفسها وكان السبب راجل ومسها بالسوء؟ حدق به فراس بشدة وضغط على فكه بحدة لكي يحكم السيطرة على نفسه حتى لا يقتله وقال: "أنا ممكن أسامح في أي حاجة إلا إنك تجيب في سيرة أمي بالسوء. حسنة أشرف حريم البلد كله. لو رايد أبقى على حياتك، تكتم خشمك وتنسى حديث مهجة للأبد. فاهم؟

خضع خلدون رأسه بالموافقة وقال له وهو يرتجف من الخوف: "اللي تجوله يا واد عمي هنفذه. وحديث مهجة عن عما حسنة نسيته. لاه، أنا مسمعتوش من أصلًا. زين أكده." غامت عيناه بشر وحمله فوق كتفه وألقاه على حصانه وقال:

"زين أكده، اشتريت عمرك يا واد الحج رجب، إنت وخوك وكل ناسك. وأنا عند كلمتي. لو صح حديثك عن خيتي، هجوزهالك. ومش هلومك على عشجك ليها وخوفك عليها، لأن ملناش على جلوبنا سلطان. أنا اكتفيت بإيذائك عقابك على خداعك. لكن عمرك رهن إشارته لما تعاود." ابتسم خلدون بصعوبة وحزن ورد عليه: "يا ريت تعاود ترد لي روحي. صدجني يا فراس، أنا ميت من يوم فراقها. خدت جلبي وروحي وهجت وقتلتني بهروبها."

كان حديثه عن عشقه لأخته دليلًا على براءته، لأن العاشق لا يؤذي من يحب، كم هو في عشقه لمهرة. غفت عيناه قليلًا، ومع أذان الفجر نهض من غفوته فجأة، نفض جلبابه وعدل هندامه وقال: "آه يا مهجة، يا ترى الوجوه هتتجابل ولا لجانا عند رب كريم؟ يا رب اعثر عليها وردها ليا بالسلامة حرة طاهرة عفيفة." ثلاث ليالي وفراس يخرج من الصباح الباكر يراقب معشوقتها ويختفي عن العيون إلى أن تعود إلى دارها.

كان يختفي عن نظرها ويلاحظ بحث عينيها عنه، وكان هذا يسعد قلبها ويؤكد أنها تكن له المحبة. في اليوم الرابع، ضاق صدره من عدم عثوره على أخته التي لم يترك مكان في قبلي كله إلا وبحثه فيه عنها. وأثناء عودته إلى داره بعد العشاء، طرق دار جاره وهيب. فتح صغيره سيف وابتسم في وجهه وقال: "عم فراس، اتفضل، أبوي وعمي جوي وأمي بتجهز الأكل، تعالي كل معانا. أنا بحبك جوي ورايد أكون زيك." ضحك فراس وحمل الطفل ذو الستة أعوام وقال له:

"رايد تبقى واد ليل وتقتل الناس وتخلع قلوبهم يا واد وهيب؟ هز الطفل رأسه وأردف وهو يحتضنه بحب: "لأ، رايد أكون شجاع وفارس بحق ربنا. يقدر يعمل كل حاجة وما حد يقدر يكسره أو يقلل منه ويدافع عن حقه بروحه."

انتفخت أوداجه بالسعادة لما قاله الطفل وشعر بالأمل يتغلغل بداخله. إذا كان الطفل رأى ما فعل فراس بعمه خلدون حقًا، إذا مهرة ستقدر قتله للعمدة وشيخ الغفر حين تعلم الحقيقة المرة التي لا يعرفها أحد غير فراس ومهجة. تنهد بقوة وقبل الطفل على خده وأنزلته وقال له: "ادخل خبر أبوك وعمك إني رايد أتحدت معاهم ضروريًا." أومأ الطفل برأسه وهرع إلى الداخل ليخبر أبيه. بعد قليل، خرج وهيب ووجهه شاحب ومرتبك وقال له:

"خير يا فراس، حصل إيه تاني؟ إيه وصلت لأختك مهجة؟ غامت عيناه بحزن وتنهد بقوة ورد عليه: "لأ، لسه مخبرش مطرحه. بس أنا رايد أتحدت مع خلدون." حدق به وهيب بذعر وتعرق وجهه بهلع وقال: "والله يا فراس، أختك هجت بشهور قبل ما يهرب خلدون. واسأل البلد كلها، هيقولولك إنه فضل يدور عليها شهور لحد ما عرف بخروجك، خاف منك وهرب من مواجهتك." خبط فراس جدار الدار بيه وصاح في وهيب قائلًا:

"لأن أخوك غبي وأنت أغبى منه. لما هي مقسومة له، مجاش لي وخبرني عن اللي حصل بينهم. كنت سامحته ولفلفت أنا وهو عليها، يمكن كنا عثرنا عليها، بدل ما كنت بدور عليها وعليها. منكم لله، ضيعتوا ست سنين من عمري بلفلف على سراب. فينه أخوك الغبي؟ رايد أسأله عن حاجة مش هسمعها." "أنا سلمت أمره لأختي لما تعاود." دعت روح وهيب رغم خوفه من غضب فراس وقال:

"اعذرنا يا فراس، جتلك للعمدة وشيخ الغفر بالبشاعة دي وانت لسة ابن ١٢ سنة خوفًا منك. وبعد ما خرجت، جتلك لفتوح المكاري بيدك موت أخوي في جلده وهرب. اتفضل خلدون في فراشه مش بيتحرك، جسمه كله كدمات زرقا وحاسس إن عنده ضلع في كتفه مكسور." زفر فراس بضيق وربط حصانه ودخل إلى غرفة خلدون الذي كان يرتعد بخوف. جلس أمامه ورفع ثيابه ومسح على ضلعه الذي يشك أخوه أنه مكسور.

ابتسم بغموض وفجأة حدق به بقوة مما جعل خلدون يهرب بعينيه منه. كانت هذه فرصة فراس الذي ضغط بقوة على ضلعه فصرخ خلدون بألم لكنه هدأ سريعًا. فقال له فراس: "يومين وهتطيب. أنا رديت ضلعك كان مخلوع مش مكسور. المهم دلوقتي، من حديثك إنك كنت قريب من خيتي، وأكيد كنت تعرف كل حاجة عنها. جولي خيتي كان ليها صاحبات أو بتروح تزور حد بالبلد، ولا كان وضعها إيه؟ ابتلع خلدون ريقه بقوة ورد بصوت متهالك:

"خيتك مكنتش بتخرج من الدار غير لدار الخوجا سمعان، كانت رايدة تتعلم. وبأمانة الله، كانت ذكية وشاطرة. وأنا ضغطت على بوي لحد ما وافق تكمل علامها. والخوجا سمعان شجعها تتعلم من البيت وكان بيخدها معاه أيام الامتحانات." حدق به بقوة وذهول وسأله لكي يتأكد: "يعني خيتي ومهرة كانوا صاحبات؟ الفرق في السن بيناتهم مش كبير، ٤ سنين. دلوقتي فهمت ليه مهرة مبتخافش مني." نهض فجأة وقال في سره:

"ياترى يا بت بوي، جولتي لـ مهرة سرنا كله ولا حافظتي على ستر أمي من الخوض في سيرتها الشريفة؟ خرج دون أن يستكمل حديثه معه، فقد ظهر أمامه طريق آخر سيسلكه من أجل الوصول لأخته وهو طريق معشوقته التي كانت تعلم سره أو بعض منها. ولهذا لم تلومه لقتله العمدة أو تخاف منه لقتله المكاري. أيضًا حرصت على أن يشفي ويقوم لهم ويكمل انتقامه. إذا، مهجة تعلم أين أخته. ولهذا قالت له إنها تتمنى أن يطيل الله من أجلها.

امتطى حصانه وانطلق إلى دار الخوجا سمعان. ركل بابه بقوة، فجعل سمعان وبناته ينتفضون من الخضة. طلب منهم أبيهم أن يدخلوا غرفتهم ويغلقوا الباب على أنفسهم. وذهب هو ليفتح الباب. حين رأى فراس بردائه الأسود شعر بالسوء وهاب من هيئته وقال له بتردد: "رايد إيه يا واد فودة على المسا؟ بجيت دي الأصول اللي اتربيت عليها، تخبط على الخلج بالطريقة دي وتخلع قلوبهم." ترجل فراس عن حصانه واقترب منه وقال بحسم:

"نادم على مهرة. هسألها عن حاجة وههملك لحالك. وأوعاك تفكر ترفض، لادخل دارك بالغصب وهحددتها على فرشتها. يلا، هما." ضغط سمعان على فكه بغيظ ورد عليه: "رايد بتي في إيه يا فراس؟ الدنيا ليل واللي بتعمله ده غلط كبير." تنهد فراس وأجابه بهدوء مخيف كالهدوء الذي يسبق العاصفة وقال بحسم: "بتك كانت صاحبة خيتي، وعرفت ده من خلدون. رايد أسألها عن حاجة وأقسم بالله ههملك لحالكم. ها، هتنادم عليها ولا أدخل أنا ليها. خلص في ليلتك."

أخذ الخوجا سمعان نفسًا عميقًا وقال له: "مدام جاي في خير، اتفضل ادخل. أنا هعتبرك ضيف." دلف فراس إلى داره وجلس على الدكة واستدعى سمعان ابنته التي أتت إليه وهي ترتجف ووقفت أمامه تسأله بتحدي: "رايد إيه تاني يا فراس؟ حدق في عينيها التي يعشقها ويدوب فيها. أليست دنياه التي يتمناها أن يحياها ويغرق في حسنها ودفاها؟ أغمض عينيه حتى يطرد أفكاره التي تروده عنها وقال بجدية:

"خيتي مهجة كانت صحبتك، متنكريش. خلدون قال إن بوكي كان بيساعدها تتعلم، وأنت البت الوحيدة اللي بالدار وسنكم متقارب من بعضه، صح؟ رد عليه سمعان وقال:

"حصل. خيتي كانت ذكية وعندها طموح تتعلم، وشاطرة. وقبل ما تطفر، أنا جبت لها الدوسية بتاعها لأنها خلصت الإعدادية بتفوق. بس خلدون رفض تكمل علامها وتروح البندر كل يوم. ده غير إني مكنتش أقدر أساعدها أكتر من كده. فاستكفى بنجاحها بالإعدادية وجالي إنه هيتجوزها بعد ما اتفق مع بوه عليها. أكده." ضاقت حدقتاه بحدة ونظر إلى مهرة وسألها: "وأنت يا مهرة، كان في بيناتكم أسرار ولا لأ؟ ويا ترى خيتي حكت لك عن سري؟

ولا عطفك عليا يوم جتل فتوح كان صدفة؟ ارتبكت مهرة من نظرات فراس لها التي تسبر أغوارها، أو نظرات أبيها المتسائلة عن عطفها عليه، فقالت لأبيها بتوتر: "بعد إذنك يا بوي، مهجة أوصتني أقول لفراس حاجة سر. ممكن تسمح لي دقيقة واحدة بس أقولهاله؟ تنهد الأب بحيرة. نعم، هو يثق في ابنته، لكن كيف يتركها مع شيطان الليل وحدهم؟ لكن أمام إصرارها وافق على مضض. تركهم ووقف خارج الغرفة، لم يطاوعه قلبه أن يبتعد أكثر من ذلك. اقتربت

مهرة من فراس وقالت له:

"يوم جيتلك لفتوح، البلد كلها كانت خابرة برجعتك. وكنت نفسي أشوف فراس اللي خيتك كانت بتحكي عنه بطولاته وإنه مجابتهوش ولاده لا قبله ولا بعده. كنت مبهورة بيك. رجبتك من بعيد لحد ما طخك فتوح. جلبي اتخلع عليك وعلى خيتك اللي كانت بتنتظر رجوعك بفارغ الصبر. وفضلت وراك لحد ما جيتلك فتوح، ووجعت بعيدها في ذراعات الجصبه. وده كل اللي حصل. لكن خيتك ما حكت عنيكم شيء غير إن جتلك للعمدة حقك، ولسه ليك حق كبير عند واحد اسمه منصور بيه. وهو ده اللي هربت من البلد علشان تلفلف عليه لأجل ما تعاود إنت تخلص منه طوالي. لكنها راحت ومرجعتش كي ما وعدتني. رغم إنه عاشج خلدون وعذرته في كذبه عليها، وجالت لي بالحرف...

"خرجت آه قوية من حلق فراس مزقت سكون الليل وقالت: يا ريتني ما جولتلك حاجة يا بت بوي. كنت صغيرة وحملتك الهم. لكن كيف كنت هتعذري خوكي في بعده عنيك واللي هيعمله في كل من ظلم بوي وأمي؟ يا وجع جلبي عليكي! ويا ترى لفين خدتك رجليك." تماسك سريعًا بعد عودة سمعان إلى الغرفة لدي سماع صرخة المه وقال لأبيها:

"مخبرش أشكرك كيف عن وقفتك جار خيتي مهجة، لكن ده مش هيخليني أرجع عن اللي في راسي. من إن بتك نصيبي وبعد امتحاناتها هكتب عليها. ووعاك تفكر تعاندني يا حضرت الخوجا. مهرة مقسومالي ومش هتكون لرجل غيري، فاهم؟ قبل أن يرد عليه، ألقى نظرة شاملة على مهرة وغادر داره.

لكي يبحث عن أخته التي ضاعت في زحام الحياة. وبعد ثلاث شهور عاد إلى البلد وهو منهك القوى، حزين لعدم عثوره عليها. وقبل أن يذهب إلى داره لكي يرتاح ويستعيد نشاطه، أخذ حصانه ومر على دار سمعان لكي يجدد حياته الضائعة بالنظر إلى معشوقتها التي تبث فيه الحياة. ليرى شادرًا منصوبًا أمام دار الخوجا سمعان، ليسأل بريبة: "معقول اتجنن وعملها واد حمدان النبراوي وجوز مهرة؟ دي يبقى قضي على روحي وعلى بنته." اقتحم الشادر ليفر

كل الموجودين عند رؤياه: "…؟!

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...