في دوار العمدة، كان العمدة يجلس مع بعض رجال البلد الذين أتوا إليه يطلبون منه مناشدة المسؤولين زيادة حصتهم في مياه الري. فجأة، دخلت زوجته الدار ومن وراءها صفية، زوجة أحد الغفر. نظر إليها العمدة مستغربًا خروجها دون إذنه. فاستأذن من الذين يجلس معهم وذهب إليها وسألها بغضب: "كنتِ فين يا فوز، وليه تخرجي من غير إذن؟
نظرت فوز إلى صفية وأشارت إليها بأن تدخل إلى المطبخ لكي تساعد البنات في طهي الطعام. تركتهم صفية وذهبت كما أمرتها سيدتها. طالعت فوز زوجها بضيق وردت على سؤاله بحديث مبهم وغاضب: "مش وقت الحديث دلوقتي يا عمدة، خلص مجلس الرجالة وتعالى فوق، في حديث بينا كتير رايداك فيه." أمسكها من ذراعها وهزها بعنف وهو يضغط على فكه بقوة من الغيظ وقال: "مالك يا فوز؟ أنا سألتك سؤال تردي عليه، كنتِ فين وجاية منين وليه تخرجي من الدار بدون إذني؟
اتجننتِ انتِ ولا إيه؟ يعني أحكم البلد ومقدرش أحكم داري ومرتي؟ جذبت ذراعها منه بعصبية ورمقته بنظرة مملوءة بالحقد وقالت: "قلت لك يا واد عمي مش وقت الحديث. اسمعي كلامي زين بدل الفضايح. خلص مجلسك مع الرجالة وتعالى فوق نتكلم براحتنا، ونخلص كل اللي بيننا من القديم والجديد." تركته وصعدت إلى غرفتها لكي تنتظره كما قالت له.
عاد العمدة إلى مجلس الرجال وأخذ يتشاور معهم كثيرًا إلى أن استقروا أن يرسلوا شكوى إلى مجلس العموم، وعلى أن يساعدهم بالموافقة على طلبهم عضو المجلس منصور بيه الدفراوي، ابن بلدهم. انتهى اجتماعه وانفض المجلس وانصرف الرجال، وصعد العمدة إلى غرفته. ودخل على زوجته والغضب يشتعل بداخله وقال: "ما أخبر جرى لكِ إيه، ومن مِتى بتتحديني؟ لكن الله في سماه لو ما نطقتِ دلوقتِ كنتِ فين، وإزاي تخرجي عن طوعي وكمان تتحديني؟
لا أقطع خبرك لأن كده كتير يا بت عمي، وأنا خلقي ضيق ميتحملش كل ده." نظرت إليه فوز بغل وقالت بغيرة: "كنت عند عروستك بطمن عليها وعلى حملها، ما شاء الله لقيتها بخير وفرحانة بجوزها وحياتها معاه." ارتبك العمدة وغامت عيناه بحيرة، وسألها مستوضحًا قولها: " قصدك إيه ومين عروستي دي؟ حد جالك إني رايد أتجوز؟ مش لما أخلص من بناتي وولدي أفكر بالجواز؟ انتِ اتجننتي ولا ضربتِ في نفوخك يا فوز؟ اقتربت منه ونظرت إليه بتحدٍ وأردفت:
"عن جد مصدق نفسك ولا مكذبني؟ أنا سمعتك بتتفق مع فضل الغفير، على طريقة تخلص بيها من فودة، بعد ما مراته حسنة تولد عشان تاخدها ليكِ. تنكر إن ده حصل؟ جولي بقى يا عمدة مين اتجنن فينا أنا ولا انت؟ البنت الصغيرة اللي كانت ربيتك وتحت وليتك طمعان فيها ورايد تاخدها من جوزها؟ وياترى هتتجوزها ولا رايد تفضحنا بأفعالك الشينة معاها؟
بس أقولك حسنة طلعت واعية، اختارت جوزها وحياتها معاها عنيك، وقالت لي بالفم المليان لو تجلها بالدهب أكوام أكوام، ورميت تحت رجليها مال قارون ما هتتنفعك ولا رايداك، وعمرها ما تفرط في جوزها لخاطرك." حدق بها العمدة بعصبية غير مصدق أن زوجته اكتشفت ما يخطط له، ولكن ما زاد غضبه رفض حسنة المستميت له وتفضيلها للغفير الفقير عليه. فرد عليها بغضب:
" اسكتي يا فوز، ومدام عرفتي أنا ما هنكرش. أيوه هطلق حسنة من فودة ولو ما طلقتهاش، هخلص منه لو فيها موته، وأخدها بالغصب. و هتبقى هي ست الدار غصب عنيكي يا حزينة، وبراحتك توافقي أو ترفضي، الباب يفوت جمل." ضحكت بغل والحقد يأكلها بسبب رغبة زوجها في من كانت خادمتها ونيته في تفضيله لها عليها، فردت قائلة بشر:
"وماله يا عمدة، انت راجل وليك بدل الواحدة أربعة وحسنة بنت مليحة وصبية زينة تشرح الجلب وترجع لك شبابك. لكن قبل ما تفكر تغير فرشتك، نظف ذمتك." رمقها العمدة بحيرة وسألها: " قصدك إيه يا حزينة؟ يعني إيه أنظف ذمتي؟ حد جالك كلت مال حد ولا ظلمت حد يا ست فوز؟ ضحكت بقوة وصفقت بيديها كأنها تثني على أداء ممثل قدير في مشهد ارتجالي وتهكمت قائلة:
"لا سمح الله ما في حد حجاني زيك يا عمدة، وأكيد هترد حق ثمن حيازة الأرض اللي استلفتهم من الحاج سويلم، وبسببها بقيت عمدة. ولا هتبلغ عن اللي دج النار في دار سويلم ولصالح مين؟ ولا أقولك هتحاسب نفسك عن اتفاقك مع منصور بيه اللي كان شاهد عليها الحاج بدران وشيخ الغفر." ارتبك عبد الرازق من حديث زوجته الذي يجعله تحت طائلة القانون، وإن حماه مركزه لن تسكت عنه حسنة في سرقته لمال جدها لأنها هي وريثته الوحيدة ومن حقها. وحدها.
ابتلع ريقه وغامت عيناه بحيرة وقلق ورد عليها: " أباه عليكِ يا بت عمي، معقول هتفتيني على جوزك واد عمك وأبو ولادك؟ ثم أنا عملت كل ده ليه ولمين؟ ما ليكي ولبناتك، وولدك اللي هيورث العمودية من بعدي، وكمان عليت مجامكم وبقيتِ انتِ ست الكل ومرت العمدة. أكيد ما يهونش عليكِ تضيعي تعب السنين علشان غلطة. حقك عليّا ولو على حسنة تغور في داهية هي وجوزها. جولت إيه؟ رفعت أحد حاجبيها وردت عليه بتعالٍ:
"دلوقتي بت عمك وأم ولاد. صحيح اللي قال رجالة ما تجيش غير بالعين الحمرا. اسمعني يا زين الرجالة، من اليوم وطالع تنسي حسنة نهائي وجوزها، مدام فرحانة بفقره وداعية عليها عيشتها معاه خلاص ملناش صالح. ولما تولد تعمل مع فودة الواجب كأي غفير عندك." هز رأسه بالموافقة وشدها إليه وقال:
" انتِ تأمري يا بت عمي ويا أم ولادي. من اليوم ما فيش حسنة ولا مال حسنة انسيه خالص خلينا نعيش في سلام، وبلاش كتر الحديث عنها. الحيطان ليها ودان يا مرتي." ابتسمت بحذر وأراحت رأسها على صدره، فضغط العمدة على فكه بغيظ وكتم غضبه وحقده عليها، بسبب تهديدها له الذي سيخسره حسنة التي رغبها لنفسه وقال:
"صبرك يا بت عمي، هطاوع للرياح عشان تعدي، بس هيجي وقت أحقق اللي نفسي فيه غصب عن الكل، وهاخد حسنة يعني هاخدها حتى لو كان بعدها موتي. ملكيش مهرب مني يا بت السوالمة مهما طال العمر." *** هناك في دار فودة. يعود فودة إلى داره بعد انتهاء دوام عمله. دلف إلى الداخل يبحث عن شمس حياته ودنيته التي لم يتخيل أن يحياها يومًا مع بنت أسياده، ودائمًا ما كان يقول لنفسه أنها ليست له.
جال بعينيه باحثًا عنها، وفجأة وقف برهة مصدومًا من رؤيتها ممددة أمامه تفترش الأرض ووجهها ملطخ بالدماء. جثا بجوارها وحملها بين يديها ومددها على الفراش وجذبها إلى صدره وأخذ يضرب على وجهها برفق لكي تستفيق: "حسنة حسنة ردي عليا، جرى لكِ إيه يا ضي عيني." فتحت عيناها بصعوبة وابتسمت في وجهه وعيناه الملهوفة والخائفة عليها بذعر وقالت: "أنا بخير يا جلب حسنة وفرحتها."
أراح رأسه على الوسادة و أتى بمنشفة وأخذ يمسح على صدغها المصاب والذي كان ينزف دمًا وقال بقلق وحيرة: "كنت أظنك بخير، إيه جرى لكِ من وقتها ومين شج رأسك أكيدًا." أخذت منه المنشفة ومسحت هي على جرحها، وبعد ذلك بللتها ومسحت وجهها. وبعد أن انتهت ألقتها بجانبه وعانقته بفرحة: "محدش شج راسي واللي جرى لي كثير وكبير جوي. أولها إني بقيت مراتك، وثانيها هبقى أم بسببك. أنا حبلى يا فودة."
ظل فودة محدقًا إليها صامتًا يطالعها بدهشة وعدم تصديق، وفجأة جذبها من الفراش وضمها إلى صدره بقوة وطوق خصرها وأخذ يلف بها كالمجنون من فرط سعادته. صاحت حسنة بذعر وهي تشعر بالدوار يضرب رأسها فهتفت: "اهدأ عليا يا فودة، أنا لسه في الأول وبدوخ." أنزلها على الفراش ومددها عليها ووضع رأسه على بطنها وقال بشوق جارف:
"ياه يا أغلى حلم ريته مستحيل واتحقق. في حشاكِ طفل مني هيكون عزوتي وأهلي ويكمل لمتنا ونكبر بيه ونبقى عيلة، ومش هيكون مقطوع كأنا وأنت." انتهت رأسها برفض ورفعت رأسه عن بطنها ونظرت إليه بثقة: "مين قال إننا مقطوعين؟
أنا وانت لبعض سكن ورحمة، ربنا ألف قلوبنا وأسسنا دار بالحب والمودة، وبكرة يبقى لينا بدل الولد عشرة وهنكون عيلة كبيرة تكبر ونكبر معاها. ثم يا أبو ولدي، المقطوع اللي ملوش لا أبو ولا أم، لكن لينا والحمد لله معروف من فين نسبنا ولفين، وعرقنا نضيف وأصلنا ثابت كالجدر الأصيل في الأرض الصالحة." أومأ لها وهو يعلم أنها تتحدث عن نفسها رغم أنه يعلم من هو أبوه وأمه، لكن لا يعلم أصوله. فابتسم لها وسألها بحيرة:
"جولي لي يا ست البنات، عرفتي كيف إنك حامل وإنتِ لسه بتقولي إنك في الأول؟ ربتت على كتفه وضَمَّته نفسها إلى صدره وقالت: "صفية مرة فضل كشفت عليّا وخبرتني. جَلبي طار من الفرحة وما صدقت حالي إن ربنا رضاني وحبلى منك يا عشق جَلبي. فضلت ألف كالمجنونة لحد ما خبطت في الباب ووجعت كالمخبولة على الأرض." ضحك من وصف حالتها، لكن ما حيره هو سبب حضور صفية التي تكبرها بسنوات كثيرة وليس بينهم صلة أو ما يستدعي زيارتها، فسألها مستفهمًا:
"طيب الحمد لله عرفنا سبب شج رأسك يا مجنونة، لكن اللي محيراش سبب زيارة صفية لكِ وإنتِ وهي مفيش بينكم عمار ولا مودة. إيه العمدة بعتها لكِ تتأكد من حملك؟ هزت رأسها بالرفض وقالت بهدوء نفس: "اقعد وأنا هقولك اللي حصل. إنت بعد ما خرجت لشغلك قمت وجهزت لنا الوكل، هبابة ولقيت الباب بيخبط فتحت، لقيت ست الحجة في وشي انخلعت من شوفتها ولقتها بتقولي، مالك يا حسنة نظرتي عفريت عشان تنخلعي كده."
طالعتها حسنة بريبة وأخذت تسأل نفسها عن سر هذه الزيارة الغريبة، وطال صمتها. ضحكت فوز وقالت لها: "وبعدها يا حسنة هتفضلي تبصي لي كده وهتهمليني واقفة على الباب مش هتقولي لي اتفضلي يا بت الكرام." بعدت حسنة عن الباب لكي تفسح لها مجال للدخول وقالت: "لا طبعًا يا ست الحجة اتفضلي، بس شوفت غريبة منكِ." دَلَفَت فوز ومن خلفها دخلت صفية التي لم تكن تعرفها حسنة جيدًا، فسألتها بريبة: "مين اللي معاكي يا ست الحجة وإيه سبب الزيارة؟
يارب خير." رمقتها بنظرات ثاقبة طالت بطنها وقالت بريبة: "دي صفية مرة الغفير فضل، متقلقيش أنا جاية في خير واصل، جيت أبارك لكِ على الحمل ولا إنتِ مش حبلى بجد." وضعت حسنة يدها على بطنها كأنها تداريها منها حتى لا ينكشف سرها بأنها ليست حامل، وقالت بنزق: "الله يبارك فيكي، ثم حبلى ولا مش حبلى شيء يخصني أنا وجوزي محدش له دخل فيه." أمسكتها من ذراعها بعنف ووضعت يدها على بطنها وقالت:
"حشاكِ فاضي يا بنت بدر، وباين لا في حمل ولا حاجة." دفعت حسنة يدها بعيدًا عنها وصاحت فيها بحدة: "إنتِ مالك يا مرة العمدة، كنتِ وليا عليا وعلى جوزي عشان تحسبيني حبلى ولا لأه." هزت رأسها بالنفي وقالت مؤكدة: "لا مش وليا عليكي يا بت السوالمة، لكنك لو مش حبلى الله في سماه ما هتباتي ليلة في البلد كلها لا إنتِ ولا جوزك. أما ترحلي لادفنك حية. تختاري إيه؟ ضاقت حدقتا حسنة بغيظ وثارت عليها: "ليه هتتحكموا في عباد الله؟
العمدة يغصب جوزي يطلقني وانتِ دلوقتي رايداني أهمل بلدي؟ لا مش هنخرج لو على جثتي دي بلدي وفيها جدري مش هتجطعيني منه." ضحكت بتهكم ونظرت إلى صفية وقالت: "متستعجليش على رزقك يا حسنة مش يمكن أدفنك معاهم وأخلص منكِ. خديها يا صفية وطمنيني حبلى ولا لأه، يمكن لأنها بكرية بطنها لسه صغيرة ومبيناش." جذبت صفية حسنة من يدها لكنها دفعتها وقالت لها بأمل:
"بعدي عني يا مرة، أنا هاجي معاكي لحالي، مش خوف منكم لكن عشان حاسة إن ربنا رضاني ونفسي أتأكد." دخلت حسنة مع صفية إلى غرفة نومها وقامت بفحصها. بعد قليل خرجت إلى زوجة العمدة وابتسمت بخبث وقالت: "حسنة حبلى يا ستنا بس لسه في أول الثاني مبروك." تنهدت فوز براحة وطلبت منها أن تنتظرها بالخارج ودخلت إلى حسنة التي كانت ترتدي ثيابها والفرحة لا تسعها وقالت:
"الفرحة اللي في عيونك بتقول إنك سعيدة بجوزك ومرتاحة معاه، ولأجل كده أنا هساعدك تعيشي مرتاحة بس تبعدي عن جوزي. وأوعاكي تفكري تغويه بشبابك وجمالك." ضحكت حسنة بقوة ونظرت إلى فوز بتعالٍ:
"جوزك مين يا أم جوز ده جوز حمام أحسن منه، بقولك انتِ اعملي عليه حلة محشي وكليه أحسن ما تخافي عليه مني. لكن أنا أنظره بعيني أو أتمناه ده يبقى المستحيل. أقولك الله في سماه لو تجلني بالدهب وفرش لي الأرض بالجرشنات ورمي تحت رجلي مال قارون ما يسوى في عيني بصلة. جولي لي هو يسيبني لحالي مع جوزي وولدي؟ نفسي أعيش مرتاحة وأتهنى ببجي عمري معاهم."
غضبت فوز من سلاطة لسان حسنة لكنها ارتاحت، لأنها لا تنظر إلى زوجها ومركزه وراضية بحياتها وسعيدة بها، فأردفت: "طيب يا أم لسان زالف، أنا مش هحاسبك على اللي جولتيه في حق العمدة لكني حذرتك. ومدام راضية بحياتك وسعيدة بيها أنا هساعدك، وخلي العمدة يسيبك لحالك إنتِ وجوزك للأبد. أتهني يا حسنة وربنا يكملك على خير يا بنت السوالمة." عادت حسنة ونظرت إلى زوجها بسعادة وقالت:
"بعدها خرجت وأنا بقيت ألف كالمجنونة فرحانة إن ربنا رضاني وحبلت واتخبطت في راسي ووجعت كأني دخلت وريتني. جولي بقى لو ربنا رزقنا بولد هتسميه إيه؟ ضمها إلى صدره بحنان وقبل رأسها قائلاً بفخر: "فارس هسمي ولدي فارس لجل يبقى خيال وفارس زمانه." هزت حسنة رأسها بالرفض وقالت بكيد: "مدام نفسك يكون فارس، يبقى فراس أحسن منها، فارس ويفرس ويكيد كل الأعادي." ضحك فودة من كيد الحريم وتفكيرها الذي يتسم بالدهاء وقال بحنان
وهو يضمها إلى صدره بفرحة: "والله ما هغيره خلاص لو ربنا رزقنا بولد هيبقى اسمه فراس." *** وتمر الأيام، وبعد ثمان شهور يأتي فراس إلى الدنيا وسط والدين، يسعيان إلى الحياة بالرضا والسعادة بالقليل، لكن كان يوجد من يتربص بهم ويستكثر هذا القليل عليهم. وفت فوز بوعدها وابتعد العمدة عن حياتهم تمامًا، لكي تستمر حياتهم صافية لا يعكر صفوها شيء إلا قلة المال، لكنهم كانوا يسعدان رغم ذلك بحبهم لبعضهم البعض ولمتهم سويا.
وبعد سنتين رزقهم الله ببهجة، وازدادت سعادتهم بعد أن كبرت أسرتهم. وبعد مرور ٨ سنوات أخرى، أصبح فراس بعمر العاشرة ومهجة بعمر الثامنة. وذات يوم عاد فودة إلى داره والحزن يكسو ملامحه، وكانت حسنة تحفظ أولادها القرآن الذي أخذاه في الكتاب. ما إن رأت وجوم زوجها طلبت من فراس أخذ أخته ومساعدتها في الحفظ على ما تحدث والده. كان فراس لماحًا وذكيًا فابتسم لأمه وقال:
"لا أنا هاخد خيتي وهروح لدار عم سعد أتْنافس مع ولاده على التحطيب وهدير بالي على مهجة زين متقلقيش." ابتسمت له وربتت على ظهره بسعادة. ولماذا لا وهو أصبح مع أخته وأبيه عائلتها التي تستقوي بها وتسعد بالحياة معهم. خرج فراس برفقة أخته وترك أمه تحدث إلى أبيه وتعرف ما يضايقه ويحزنه هكذا. دخلت عليه رأتْه جالسًا وواضعًا رأسه بين كفيه كأنها يحمل همًا ثقيلًا يثقل كاهله فسألت بقلق:
"مالك يا فودة سحنتك مجلولة ليه أكده، حتى ما أخذت الولاد بحضنك كأنا بتعمل كل ما تعود." رفع رأسه ونظر إليها بحزن عميق: "الظاهر أيام الراحة انتهت يا حسنة، إما نرحل ونهمل البلد، إما نتحمل المصايب والعذاب اللي راح لاحجنا من جاي وطالع." فزعت حسنة من حديث زوجها وجلست بجواره تستفسر عن سر ما يقول ولماذا الرحيل: "ليه بتجول أكده، كف الله الشر. هو العمدة حدتك في حاجة تانية؟ هو الراجل ده مش هيتّهد، ويحل عنا بقى."
أخذ نفسًا عميقًا لعل يستطيع التنفس جيدًا بعد شعور بالضيق وزفره بقوة وقال: "لا ما اتحدتش معايا في حاجة، لكن الجاي واعر ولازم ندبر حالنا قبل المجدر ما يقع ونضيع في الرجلين. زمان كنا أنا وانتِ لحالنا، لكن دلوقتي عندنا أولادنا اللي لازم نخاف عليهم." هزت رأسها بعدم فهم وسألته بتعجب من حديثه المريب: "الله لا يسيئك يا فودة فهمني، حصل إيه وليه نروح، وإيه المجدر اللي هيوجع وهيضيعني." شدها إلى حضنه وقال بحزن:
"المجدر موت الست فوز اللي كانت بتحمينا من شر جوزها وطمعها فيكِ. مرة العمدة بتموت يا حسنة." ضربت حسنة بيديها على صدرها بعنف وهلع وأردفت: "يا مراركي يا حسنة يا مرارك وسود عيشتك يا بنت بدر. بقولك إيه زمان رفضت أرحل مكنتش خايفة لأني كنت لحالي، لكن دلوقتي اللي تجولي هنفذه لو رايد نرحل قبل الفجر أجهز حالي ونمشي من البلد كلها. أنا في طوعك وتحت أمرك، يا فودة." تنهد فودة براحة وقال بسعادة، كأن أُزيح عن قلبه
ثقل كبير وقال بهدوء وراحة: "وهو ده الجول. يلا همي نجهز حالنا وقبل النهار ما يطلع نكون برات البلد. وربنا رب هناك المعين." دخل غرفته لكي يساعدها في لم حوائجهم ليتفاجأ بصوت حسنة يعلو بصراخ وعويل يرجف قلبه…؟!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!