بعد أن شعر فودة بالتهديد، عاد إلى حياتهم البسيطة مرة أخرى. خوفًا من وفاة فوز، زوجة العمدة، طريحة الفراش، طلب من زوجته الرحيل خارج البلد هربًا من العمدة الذي ما زال يرغبها، من كثرة سؤاله عنها بداعي أو بدون. وافقت حسنة على الرحيل مرغمة لشعوره بالمسؤولية تجاه أطفالها فراس وموهجة، اللذان قد يأخذهما العمدة ذريعة ووسيلة ضغط عليها لاستسلامها ويؤذونهم.
دخل فودة يجهز بعض ما يلزم للسفر، وكذلك حسنة. إلا أنه سمع صوت عويلها وصراخها فجأة. خرج يجري فرآها تمسك رأس خلدون، ابن جارهم رجب، لكي توقف نزيف رأسه وتسأل أخاه الأكبر الذي أتى به عن سبب جرح رأسه الغائر هذا، ولماذا أتى إليهم ولم يأخذه إلى الصحة؟ أجابها وهيب الغاضب بشدة: "يا عمة، أنا مش جاي أطلب منكِ تعالجيه. أنا جيت لجل أوريكِ افتري ولدك على أخوي. أنا لولا بعزكم كنت قطمت وسط فراس عن اللي عمله في خلدون." شهقت حسنة
بذعر وتسأل أباه بحيرة: "ولدي فراس هيشج رأس أخوك ليه وهو دايماً بيحب يقعد معاكم ويلعبوا وياكم؟ أثناء حديث فودة مع ابن جارهم، يدخل فراس وبيده أخته موهجة، التي دفعها برفق لكي تدخل إلى غرفتها وقال بحدة: "ادخلي أوضتك دلوقت يا مهجة، ومرايدش منكِ حد يِتكلم كتير." أومأت الفتاة الجميلة حسنًا كأمها وذهبت من أمامه. فنظر فراس
إلى ابن جيرانهم وقال بغيظ: "واه عليك يا وهيب، لما أنت عامل فيها راجل، ليه جاي تولول كي الحريم وتشكيني لأهلي؟ مش أنت اللي طلبت من أخوك يحطب بدالك، بعد ما خفت أجيبك الأرض؟ أمسكته حسنة بعنف وجذبته بعيدًا عن أبناء جيرانهم، الذين يكبرونه سنًا، وقالت بغضب: "مالك يا واد فودة؟ أنت رايح تتعلم منهم ولا تفتري عليهم؟ وليه أكده يا ولدي تخسرنا عشرتنا الحلوة مع أهل بيت الحج سعد؟ هي دي الأصول يا واد الأصول؟
اشتد فراس على اتهام أمه له بعدم اتباعه الأصول ورد عليها: "هي الأصول يا أمي إنه وهيب يخطف مني نبوتي لما وجعت أخوه، وبدل ما يعلن فوزي، يعطي نبوتي لأخوه يضربني بيه؟ ثار وهيب عليه وقال موضحًا: "أيوه خطفته منك لأنك كنت هتجطم وسط أخوي، ولأنك كسرت نبوته. خدت نبوتك وأديتهوله علشان يقدر يقف في وشك مش يضربك. وأنت عملت خطفته مني كسرت، وبيدك شجيت رأسه وسيّحت دمه."
نظر فودة وحسنة إلى ابنهم الذي ينظر إلى وهيب وأخيه بعيون غاضبة يملاها الثقة والتحدي. دنا أبيه منه وأدار فراس إليه وسأله بتعجب ودهشة: "انت شجيت رأسه بيدك كيف؟ كنت بحسبك ضربته بنبوتك على رأسه شجيتها، لدرجة دي أنت عافي وشديد؟
رد عليه وهيب الحانق على قوة فراس قائلًا: "أيوه يا عم فودة، ولدك عافي ويتخاف منه لأنه هيفتري على الناس بصحته وعافيته. أنا جيت أحذركم من إنه يبقى ظالم ومعملش حساب ضعف اللي قدامه. خلي ولدك يجي الله وما يستعفاش على الغلابة، لجل ربنا يبارك ليكم فيه. أنا وأخوي مظنش بعد النهاردة هنلعب مع ولدكم لجل ما يجي يوم ويقتل حد فينا ويقول كنا بنلعب."
أخذ وهيب أخيه السائح دمه وخرج لكي يداويه، وترك حسنة وفودة ينظران إلى ابنهما بتعجب. فضحكت حسنة وحضنته بفرحة جعلت فودة ينهرها بعنف: "فرحانة يا بنت الأشراف إن ولدك هيبقى ظالم ومفتري على خلق الله بعافيته؟ جرالك إيه يا حسنة؟ دي ربيتك فيه." هزت رأسها بالنفي واحتضنت ولدها
بقوة أكبر وقالت بفخر: "لاه يا فودة، أنا مفرحناش إن ولدي هيبقى مفتري، لآني مربياه زين واللي دخل جوفه حلال عمره ما يفتري على خلق الله بالظلم. لكني فرحانة إنه شديد وعصبه ناشف وعوده قوي ميقدرش حد يكسره. وبكده هيبقى السند والضهر لأخته اللي مالهاش غيره بعدنا بالدنيا. هيبقى جوتها وأهلها وعزوتها اللي ما يقدر حد يكسرها ويقل منها."
فهمت لماذا فرحانة. لكن قبلها أنا هسألك يا فراس، ليه يا ولدي جيت على خلدون بالجوي أكده وأنت كنت رايح ضيف حداهم؟ بتحب تلعب معاهم. أكده خسرتهم وأنا مريداكش تكون مكروه بين الناس."
هز فراس رأسه بالنفي ورد على أمه مفسرًا: "والله ما افتريت عليه يا أمي. أنا دخلت أختي عندهم وخرجت أحطب معاهم. لول كنت بلعب بسلكن، لما خلدون خرج من الدار بعد ما كان راح يشرب وقال لي إن المية من يد أختي كي السكر زيها. زعطت فيه غيرة على أختي من حديته. فجأة لقيت وهيب بيرفع نبوته في وشي ويقول لي: 'لاه راجل ودمك حامي يا واد حسنة، وريني تقدر تقف جدامي كيف؟
مدام بتزعط في أخوي وأنت بدارنا.' ما حسيتش بحالي غير وأنا بعاركه لحد ما وجعته. بعدها وقف أخوه بوشي وقال لي: 'مش هصغر نفسي جدامك، مش أخوي اللي زعلك، حطب معاه'. بس هي ضربة من نبوتي كسرت نبوته أخوه وجلت خلاص خلصنا وحاولت أهدى نفسي. لكن وهيب ولعها لما
خطف نبوتي مني وقال لأخوه: 'اضربه أنت قريب من سنة ومحدش هيلومك لو ضربته، لكن أنا كبير عنيه وهيعيبوني. يلا اضربه واكسر عظامه وهو ممعهوش اللي يدافع بيه عن نفسه.' كلامه فور دمي، وأخدت النبوت من أخوه وكسرته، وجلت له دلوقت هو أعزل وأنا أعزل ونشوف دراع مين ياكل التاني. وضربت أخوه بسيف يدي على رأسه ليجي الدم خارج من رأسه كي النفورة كي ما رأيت. مقصدتش أأذيه، كنت أريد أدبه على غلطه هو وأخوه في حقي. بعدها هملتهم ودخلت جيبت أختي من دارهم وجيت. فين غلطي وافترايا عليهم؟
وهما اللي كانوا يريدين يضربوني ويكسروا عظامي." ربت فودة على كتف ولده وشد عليه بقوة وقال: "زين ما فعلت يا ولدي، بس أنا بحذرك. ربنا وهبك نعمة لجل تحمد وتشكر، أوكاك تفتري بيها على الناس. الافتري آخره ظلم والظالم منه لله عقابه. أوكاك يا ولدي تكون ظالم. كفاية اللي جسته أنا وأمك من الظلم والظلومه. وهلا هما جهز حوايجك لأننا هندلو مصر بعد الفجر لجل نزور أولياء الله الصالحين، وندعي ربنا يبارك لنا فيك أنت وخيتك."
تلت أسارير فراس وقال بمرح: "جد يا بوي، بس هندلو بدري نزور الأولياء ليه؟ والشهر الجاي مولد السيدة زينب. أوعدني ندلوه وجيته تاني." أومأ أبيه بالموافقة لأنه يعلم جيد أنهم لن يعودوا إلى الصعيد. دخل فراس إلى أخته ليخبرها.
ونظر فودة إلى حسنة وقال: "الحمد لله ربنا عوضنا خير في ولدنا ومن صغره راجل وليه هيبة. بكرة لما يبقى راجل الكبير والصغير هايهبوه ويخافوا منه ومن إنهم يغضبوه. يلا بجي نهمل البلد ونرجع ليها لما يكبر ويقدر ياخد حقك اللي عالم هو مع مين، وأولها أرض دار عيلتكم اللي اتحرجتوا وخدها العمدة ليه. جهزت رأسها بالموافقة وبدأت تجمع ما قد تحتاجه في غربتهم.
وبعد وقت ليس قليل من تجميع أشياءهم وتجهيز نفسهم للسفر، يسمعان صوت شيخ المسجد يعلن عن وفاة زوجة العمدة فوز. لطمت حسنة خدها وصرخت بعويل: "ياسواد عيشتك يا حسنة، راحت اللي كانت بتحميكي من شرهم. الله غالب يحمينا منهم وبعمي عيونهم عني لحد ما نهمل البلد. يلا يا فودة نمشي دلوقت مش هنستنى للفجر." أمسكها فودة يدها
وأرجعه عما تفكر به وقال: "عيب يا بنت الأشراف، مدام ماتت، نجدم واجب العزاء وبعديها نرحل قبل ما يفكروا في أذيتنا. همي البسي عبايتك وروحي عزّي بناتها والست حسيبة مرت ولدها لاجل العشرة وحق حمايتها لينا السنين اللي فاتت." شعرت حسنة بالقلق من أن تظل بالبلد ليلة أخرى بعد موت فوز، لكن ما باليد حيلة، ستقدم واجب العزاء وبعدها ترحل. ...
تم دفن فوز وأقيمت سرادق كبير للعزاء. وذهبت حسنة لتقديم واجب العزاء إلى بناتها وزوجة ابنها حسبية، التي تزوجت من عواد ورزقها الله منه بنت وولدان، وكانت على علاقة جيدة بها. ثم عادت بعدها إلى دارها لكي تنهي استعدادها للسفر. وظل زوجها في سرادق العزاء إلى أن انتهى.
دخل العمدة الدوار ووراءه بعض الغفر، ومنهم فودة. وقبل أن يستأذن لكي يعود إلى داره هو الآخر، طلب منه العمدة الانتظار قليلاً. ثم طلب من الغفر انتظاره بالخارج وحدثه قائلًا بحقد: "اسمع يا فودة، من بكرة مرتك تجي تخدم في الدار. الست حسيبة حامل ومحتاجة وحدة بتثق فيها تساعدها." طالع فودة بغضب وقال ساخطًا عليها وعلى ظلمه وقال: "لاه مرتي بنت الأشراف متخدمش وأنا على راسها، لو كلنا تراب أشرف لينا من إنها تخدم في دوارك يا عمدة."
أمسكه العمدة من جلبابه وصاح فيه: "أنا جلت كلمة وهتنفذها يا ابن الرفدي، حسنة تكون في الدوار من الصبح بدل ما أبعت الغفر بجروها دلوقت من دارك، فاهم؟ رفع سلاحه الميري في وجه العمدة بتحدٍ وقال محذرًا: "يبقى حدا يجرب منها وأنا أدفنه مطرحه. وبجولهالك ولآخر مرة يا عمدة، على جثتي لو دخلت مرتي دارك." استدار مغادرًا دواره، عازمًا على مغادرة البلد قبل أن يطلع النهار. ضحك العمدة ونادى أحد رجاله وأعطاه أمرًا
وقال بشر: "ارمح ورا فودة، ولما تجتله لتكسر عظامه. ما عايزيش يقدر يمشي عليهم تاني، رايده كي الرمة ملوش عازه." وأكمل حديثه لنفسه بتهكم بعد أن انصرف الرجل لينفذ ما أمر به: "انت اللي جلت يا فودة، مش هتدخل دواري إلا على جثتك، وهيحصل بإذن الله، يا واد المحروق." كانت حسنة ترتب بعض أغراضها والخوف يملأ قلبها، لا تعرف لماذا. نظرت إلى أولادها فرأتهم نائمين بعد أن طال انتظار عودة أبيهم لكي يسافروا كما وعدهم.
جلست على إحدى درجات السلم تدعو الله أن يعيده إليها. وإذا بها تسمع طرقًا شديدًا على الباب جعلها ترتجف. فسألت بتوتر من الطارق. فرد عليها الطارق بارتباك: "افتحي يا ست حسنة، أنا جارك الحج سعد." فتحت حسنة ونظرت إليه فرأت الخضة على وجهه. فسألته: "جري إيه يا حج سعد؟ ولدك خلدون جرى له حاجة؟ أنا محروجة ليك على اللي عمله فراس معاها، بس لسته صغار وبيلعبوا."
رأس خلدون بحزن وقال بتردد: "سيبك من فراس وخلدون دلوقت. الحج فودة جوزك لجوه دمه سايح على الزراعية، والرجالة طلعوا بيه على مستشفى المركز، همي نحصلهم. ربنا يسترها عليه وتيجي سليمة." لبست طرحتها على شعرها وارتدت عباءتها السوداء وخرجت تجري معه مذعورة على زوجها. وصلت مستشفى المركز. وكان بعض رجال البلد بالانتظار خارج غرفة العمليات. اقتربت منهم وسألتهم بلهفة وقلق: "جراله إيه فودة؟ كان زين في عز موت العمدة. جراله إيه؟ قولوا."
ربت على كتفها شيخ المسجد وقال: "اهدئي يا حسنة، إن شاء الله خير. لجوه غرقان في دمه على الزراعية، والرجالة كتر خيرهم حملوه وجابوه للمستشفى بسرعة، وباذن الله ينجدوه." ضربت بيدها على صدرها وأخذت تنتحب بحرقة وقالت: "حسبي الله ونعم الوكيل في اللي كان السبب. انتجم منه يارب ووريني فيهم يوم. أكيد مفيش غيره العمدة الظالم." بعد فترة انتظار طويلة من القلق والترقب، خرج الدكتور من غرفة العمليات وسأل عن أهله.
فردت عليه حسنة بعجل: "أنا مرته. طمني عليه يا دكتور، جراله إيه وعامله إيه؟ أخذ نفسًا عميقًا وزفره بضيق وحزن وقال: "للأسف حالة جوزك كانت مدمرة ورجله تقريبًا مكنش في عضمة سليمة فيها. واضطرينا نعمل بتر علشان نوقف النزيف." سندت بظهرها على الحائط ونزلت منهارة وقوست قدميها أمامها وأخذت تلطم خديها بعويل ونحيب: "يا عمري اللا ضاع يا راجلي، يا شبابك اللي فنيته في خدمة الكلاب وأذوك يا نظري، يارب انتجم من كل ظالم."
أمسك يدها الدكتور وساعدها على النهوض وقال: "أنت كده بتموتيه بالبطيء. جوزك محتاج مساندتك ووقوفك جنبه بكل قوتك. ربنا يصبركم ويصبره." كانت صدمة فقد زوجها لأقدامه فوق قوة احتمالها، لكنها لم تتوان عن خدمته. ومرت الأيام وخرج فودة من المستشفى.
بعد شهر خرج وهو لا يقوى على الحركة، وقد تم إحالته إلى المعاش وأصبح معاشه لا يكفيهم قوت يومهم. لم يكن أمام حسنة إلا العمل، لكنه رفض. وخرج يزحف ويلم أعقاب السجائر لكي يأتي لهم بقوت يومهم.
كثيرًا ما كانوا يعطفون عليه ويعطونه الإحسان، وهذا ما جعل حالته تزداد سوء والتهب جرحه وأصبح مهددًا بالإصابة بالغرغرينة. فلم يكن من حسنة إلا أن تلجأ إلى العمدة الظالم، الذي طردها من بيته بعد بلاغها عنه بأنه هو كان السبب وراء إصابة زوجها. هذا وقد حفظت النيابة التحقيق لعدم وجود الأدلة التي تثبت ضلوعه في الحادث.
حاولت كثيرًا أن تنزل الأرض مثل أغلب بنات البلد لتحصد القطن، لكنها كانت لا تجيب هذه الأعمال. سنة مرت عليهم وأصبحت حالتهم عدم، لا يوجد ما تعالج به زوجها أو يقتات منه أولادها. فذهبت ذليلة إلى العمدة تطلب الخدمة بداره. وبضغط من حسبية، وافق العمدة. وكان ولده عواد سعيد وقال لأبيه: "جت لينا برجليها، واللي مقدرناش نأخده منها زمان، دلوقت هنجدر نأخده وهيكون بكيفها." ضحك
أبيه بشر وضربه في كتفه: "مش دلوقت، لسه عفيفة وكرامتها وجعاها. اصبر لما تتذل أكثر وتنكسر، بعديها هتسلم وهتكون تحت رجلي وطوع أمري." ... كانت خدمة حسنة في دار العمدة الألم الذي لم يعد يتحمله فودة. ومن خوفه عليها لعلمه بنيتهم، طلب من فراس مرافقتها كظله وحكى له عن ما أراد أن يفعله بها عواد ابن العمدة زمان قبل أن يتزوجها.
كان فراس شديد المراس، رفض عمل أمه كخادمة. لكنه كان صغيرًا على أن يتحمل هو إعانتهم. فاستسلم لأمر أبيه، وصار مرافقًا لأمه، وهذا ما منعهم من النيل منها. شهور مرت وكثير حاول العمدة أن يستفرد بها، لكنه لم يستطع، حتى أنه يأس من أن ينال مبتغاه منها.
وذات ليلة، استيقظت حسنة على صوت زوجها يئن من الألم. فوضعت يدها على جبينه تتحسسه، فصدمت من حرارة جسده العالية. انتفضت من جواره وخرجت مسرعة من الدار وطرقت الباب على جيرانهم، لعل أحد ينقذه ويأتي بدكتور المركز. ذهب وهيب بصحبة ابنها وأتيا بالطبيب الذي قال: "للأسف الغرغرينة وصلت لمرحلة خطيرة وجسمه كله تسمم. لازم ينزل مصر يتحجز في المستشفى العام، لحد ما تتحسن حالته ويتحمل إجراء جراحة، غير كده جوزك هيموت."
لم يكن معها ما يجعلها تستطيع السفر به إلى مصر وعلاجه. تركت ابنه وابنتها مع زوجها وهرعت مسرعة إلى دوار العمدة تستنجد به لمساعدته في علاج زوجها. وكان من سوء حظها أن حسيبة وزوجها في مصر من يومين. ذهبت الطاهرة إلى الذئب تستنجد، فكانت فرصته لينال منها ومن شرفها. لم يرأف بحالها وحال زوجها الذي تسبب بما حدث له، أو أعطاه من مال جدها الذي ينعم به. لكنه لم يفكر كيف ينتقم منها لرفضه له. دخلت من الباب مهرولة إلى
دواره وأخذت تنادي عليه: "يا حضرة العمدة، يا حضرة العمدة، ارجوك أنقذني وانقذ جوزي. أريد جرشات أسافر بها لمصر، احجني بيهم الله لا يسيئك." نظر إليها بخبث وقد رآها فريسة سهلة بدون ابنها الذي كان يحرسها وقال لها برغبة: "وماله يا حسنة، اطلعي لستك حسبية، خدي منها اللي أنتِ تريداه. هي بأوضتها جت تعبانة من السفر، اطلعي ليها، هي بتعزك ومش هتبخل عليكي. يلا همي خليكي تلحقي راجلك."
لهفتها على زوجها وخوفه عليه لم يجعلاها تلاحظ نظرات العمدة الخبيثة إليها. صعدت مسرعة إلى غرفة حسيبة فرآها فارغة. وقبل أن تخرج، كان العمدة أمامها وجذبها إلى غرفته بالقوة وأغلق عليهما الباب ونظر إليه بشر وقال: "كنت أريدك بالحلال، لكنك تمسخرتي بيا وجليتي مني عشان خاطر العويل جوزك. دلوقت هاخد منكِ اللي أنا رايده وهدنس توبك الشريف يا بت الأشراف."
دفعها على الفراش. كانت منهكة ومحطمة نفسيًا وقلبها كسير وجسدها هزيل من قلة الأكل. لم تستطع مقاومته كثيرًا لينال منها ومن شرف زوجها وينتقم منها على ذنب لم تقترفه. نهض عنها بعد أن أنهكها وهتك عرضها. ألقى في وجهها مبلغ كبير من
المال وقال وهو يبتسم بشر: "خدي دول هيكفوكي وزيادة، ولما تريدى تاني أديكي عرفتي الطريق السهل اللي يغنيكي وأنا هرضيكي وأصل. وأوعدك اللي بيناتنا هيفضل سر محدش هياخد باله. يلا هما روحي لزوجك، ويا رب يموت وترتاحي منه لجل تعيشي لنفسك."
أخذت المال وملت شرفها المدنس وهرعت إلى زوجها وقد انطفأت روحها بعد أن نَهَش جسدها الخسيس ودنسها بالعار. أما هو، فأخذ يضحك بانتشاء لنيله ممن أرادها سنوات طوال، غير ظنه بأنها ستكون له كما يريد وبدون عناء أو زواج يقيده. دخلت حسنة على زوجها المسلوب شرفه وطلبت من أولادها يتجهزوا للسفر. وطلبت من جارها أن يحجز لها للسفر إلى القاهرة، بأسرع وقت أو يحجز لها عربة لسفر خصوصي.
نظر إليها فودة باعياء وسألها كثيرًا، من أين أتت بالمال. وحين أخبرته أن العمدة عطف عليها وأعطاها له رافًفا بها، لكنه لم يقتنع وأخذ يسألها لماذا أعطاها العمدة المال. وكانت إجابتها عليه البكاء والنحيب والهروب منه لأنها لم تقو على مواجهته بعد أن دنس شرفه بسببها. لم تقل له أو تتكلم معه، لكنه علم وأحس بألمها وما قد يكون حدث لها مقابل هذا المال. فقال: "دنست توبك بمرضي يا شريفة، ياريتني كنت مت قبليه."
لم ترد عليه وظلت تبكي إلى أن وصلت بها السيارة التي استأجرها جارها إلى القاهرة. دخلا بها إلى المستشفى وبدأوا يفحصوه وهي ظلت بالخارج مع أولادها تنتظر النتيجة. من الممكن أن يقهر المرض الجسد، لكن يستطيع الإنسان أن يعيش أيامًا وسنوات بمرضه. لكن حين يقهر الرجل الحر في أعز ما يملك، وهو شرفه وكرامته، لا يستطيع أن يحيا دقائق أو ساعات بدون شرف.
مات فودة كمداً وقهرًا وحزنًا على حسنة التي ضاعت ودنست وسلب شرفها عنوة، ولم يستطع أن يحميها كما كان يفعل. خرج الطبيب الذي كان يفحصه وهو يستغرب حالته وقال: "للأسف المريض مات حتى قبل ما نيفحصه، كأنه رافض الحياة، واستسلم للموت. البقاء لله، المريض مات." تجمدت الدموع في عينيها وتحجر الألم في قلبها، الذي مات مع هتك شرفها. لم تعد تقوى على أي شيء بعد أن سلب مع شرفها روحها على يد العمدة الخسيس.
عادت إلى البلد لكي تدفن زوجها. وبعدها حبست نفسها بدارها. وفي أول ليلة بعد وفاته وأبناؤها جالسون من حولها يبكون. أتت بمال العمدة وحرقته. فسألها ولدها فراس بحيرة من أمره: "ليه يا أمي حرقتي الجرشنات واحنا محلتناش غيرهم؟
قالت له بإباء وعزة نفس سلبت غدرًا: "لأنه مال حرام. أول ما دخل علينا أخذ الغالي معاه. أبوكم مات لأن جسمه متحملش الحرام. أريدكم تاكلوا حرام وأحرق جوفكم بيه وأموتكم بيدي. لآه يحرم عليّ المسّه أو أصرفه منه ميلم علينا." ...
مرت الأيام واشتدت الأيام قسوة على حسنة، ولم يكن لها ملجأ إلا الخدمة لدى بيت العمدة أو أبو حسبية الحج بدران. فطلبت من حسيبة أن تتوسط لها عند أبيها لتخدم بداره. وافق بدران بعد أن كان رافضًا بشدة خدمتها لديه، على أن يعطيها إحسان، لكنها رفضت وفضلت الخدمة على أن يعاير أولادها بإحسانهم إليها.
لكن الغريب أنه رفض تخدم في داره وطلب أن تذهب في دار أول البلد توضبها لأنه سينتقل إليها قريبًا. استغربت في بادئ الأمر طلبه وأخذت ولدها معها كما هي العادة وتركت ابنتها مع الجيران. لكن حين وصلت للدار رأت فيها بعض النسوة يعملون على توضيبها وتركو لها إعداد الطعام. فارتاح قلبها واطمأن قليلًا.
انتهت النسوة من التوضيب ورحلوا. وظلت هي مع ولدها تنهي إعداد الطعام. وأثناء ذلك حضر الحج بدران ومعه شيخ الغفر والعمدة، الذي لم تره من يوم ما حدث بينهم بداره. فكان هو الساعي للقاءها. دخل إليها المطبخ وقال: "واه بين وكلك زين كي زينك يا حسنة، همي خلصي، عندنا ضيوف وعلى وصول." اطمأن قلبها بعد أن قال إن في ضيوف سياتون، إذن لم يخدعها الحج بدران وأتى به إليها.
بعد وقت ليس بالقليل حضر رجل له هيبة، عرفت أن اسمه منصور، الرجل الذي يساعد أهل البلد في مجلس العموم، ومعه اثنان من حرسه الخاص. دخل إليها شيخ الغفر وقال لها بعجل: "همي يا حسنة، حطي الأكل البيه مستعجل، رايد يمشي." خرجت حسنة لكي تضع الأكل لهم بسرعة وتركت ابنها فراس ينتظرها بالمطبخ حتى ترحل معه بعدما تضع الأكل لهم. إلا أن العمدة طلب منها أن تصعد به إلى الأعلى لتضع الأكل لمنصور بيه بغرفته التي يستريح بها في الأعلى.
صعدت حسنة مرغمة ودخلت الغرفة التي أشار لها بها العمدة. فرأت منصور بيه ممددًا على الفراش وقال لها عند رؤيتها: "حلوة يا عمدة، ذوقك اتحسن عن زمان كتير. يلا اخرج أنت وسيبني معاها، وخذ الباب في يدك." طالعت حسنة العمدة ومنصور بغضب وحيرة وثارت عليهم: "يهملني معاك ليه وبتاع إيه الأكل قدامك وأنا خارجة؟ نهض منصور بيه من على الفراش ووقف أمامها وسحبها إليه وقال للعمدة بغضب: "قصدها إيه يا عمدة؟
هو أنت جايب واحدة شريفة وغاصبها ولا عايزة زيادة؟ أنا موافق، دي جميلة جدًا." ضحك العمدة وقال بشر وخبث: "شريفة إيه يا سعادة البيه، دي كانت معايا من شهر وقضيت معاها أحلى ليلة بالعمر كله. كنت نفسي تكون ليك لو بس جلت أشوف معاها سكة الأول ووافجت وأسألها حصل ولا لأ إنها كانت معايا." هزت حسنة رأسها بعنف وراحت تحاول تخليص نفسها من يد البيه وهي تتوسله أن يرحمها. فسألها البيه بغموض: "هي كلمة يا حلوة، كنت مع العمدة ولا لأ؟
انطقي." ارتبكت ونظرت إلى العمدة بغضب وحسرة: "حصل بس مش كي هو ما بيقول. أنا والله شريفة." لم يدعها تكمل كلامها وألقاها بعنف على الفراش وقال للعمدة اخرج: "أنا هعرف لين دماغها وكفاية إنها كانت ليك قلبي." وهجم عليها وهي تصرخ وتستغيث وتتترجاه أن يستمع إليه، لكن لا حياة لمن تنادي. لقد ألقاها الذئب الحقير إلى أسد جائع لكي يلتهمها وينهش جسدها ويكمل عليها تحطيمها وتدنيسها.
خرج العمدة وهو يهني نفسه على الانتقام منها. كان بينهم ثأر قديم يخلصه منها وليس مجرد رفضها له وتفضيل زوجها عليها. أخذت حسنة تصرخ وصوتها وصل إلى المطبخ. فسمعه فراس وخرج مسرعًا يبحث عنها فلم يراها، لكنه سمع صوتها يأتي من الأعلى. فصعد والعمدة يطلب منه ألا يصعد، لكنه لم يعيره اهتمامًا. فأخذ ينادي عليها وهي تستغيث إلى أن خفت صوته. تتبع الصوت فرأى بابًا وعليه الحرس الخاص للبيه.
فقال لهم: "بعدوا منكم ليه عن الباب أمامي جوه لازم أدخل ليها أنجدها." ضحك الحارسان عليه وقالوا له بسخرية: "يلا امشي يا ولد، العب بعيد ولما تخرج ماما هتجيب لك حاجة حلوة يا شاطر." رمقهم بغضب وتقدم منهم ودفعهم بكل ما أوتي من قوة ودفع الباب فوقع تحت قوته. فرأى أمه في منظر لم يستطع عقله استيعابه أو عيناه التي رأت أمه وهي تقهر ويُغتال شرفها غصبًا وعنوة. شهق
بقهر وصرخ من أعماق قلبه: "راه أمي نظراته إليها، فأغشي عليها من صدمة أن يراها ابنها أثناء هتك عرضها ونهش جسدها هكذا. قبل أن يقترب منهم دخل الحارسان وطوقوه بالقوة وتأسفوا من البيه الذي أكمل ما يفعله براحة بعد أن أغمي عليها. كان عنفوان فراس وقوته شيئًا غريبًا عليهم لصغر سنه ولم يستطيعا وحدهما أن يقيدانه. وانضم لهم العمدة وشيخ الغفر. وثبّتوه بصعوبة
على الأرض وهو يصرخ فيهم: "انقذوا أمي حرام عليكم يا ظلمه، الله في سماه ما هيرحمكم. يا خسيس يا ظالم منك ليه، أنا هقتلكم كلكم وأحرق قلوبكم. حلو عني يا ظلمه، انقذوا أمي، انقذوا أمي." ظل يعافر ويحاول معهم كثيرًا ولم يهدأ إلا أن نزل البيه من الأعلى
وهو سعيد وقال للعمدة: "اسمع يا عمدة، أنا أريدها. ابعثها لي كمان يومين على فيلتي بمصر، تكون المدام سافرت هي والأولاد. ومكافأتك اعتبر مركز العمودية من النهارده ورث لك ولأولادك. يلا سلام عشان اتأخرت على المؤتمر."
خرج وتبعه الحارسان بعد أن تركوا فراس الذي أتعبهم وأصابهم الإجهاد من الإمساك به وتقيده في محاولة منعه الصعود لأمه. فك فراس قيده وصعد إلى أمه المنتهكة بضراوة. فهربت منه كي لا يلمسها وصرخت فيه ألا يقترب منها. ونزلت تجري إلى المطبخ وقالت له وهي
تسكب الكيروسين على نفسها: "أميّتك ضاعت يا ولدي، والخسيس والعويل دنسوها ويريدون يتاجرون بعرضها. سامحني يا ضي عيني وخلي بالك من أختك. أما أنا فاللي انكتب عليّ زمان وهربت منه هنفذه لأنه أمر الله، ويارب." لم يفهم فراس كلامها، لكنه رآها تشعل النار في نفسها ولم تحرك ساكنًا، كأن النار لم تحرق جسدها، لأن روحها قد ماتت قبل ذلك وقتلت ألف مرة ومرة بعدما رآها ولدها وهي تنتهك. ومات زوجها كمداً على شرفه وشرفها الذي هتك وضاع.
علا صراخ فراس والنار المشتعلة في أمه تتأجج في عينيه حتى حرقته قبل أن تحرقها وقتلت فيه طفولته وروحه الطيبة لتحوله إلى وحش كاسر لن يكون لأحد قدرة على ردعه. وللحديث بقية.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!