الفصل 4 | من 30 فصل

رواية فراس ابن الليل الفصل الرابع 4 - بقلم سلمي سمير

المشاهدات
24
كلمة
3,599
وقت القراءة
18 د
التقدم في الرواية 13%
حجم الخط: 18

في دوار العمدة كان العمدة يجلس مع بعض رجال البلد الذين أتوا إليه يطلبون منه مناشدة المسؤولين زيادة حصتهم في مياه الري. رأت زوجته تدخل الدار ومن وراءها صفية زوجة أحد الغفر. نظر إليها مستغربًا خروجها دون إذن منه. فاستأذن من الذين يجلس معهم وذهب إليها وسألها بغضب: "كنت فين على الصبح يا فوز؟ وكي تخرجي من غير إذن؟

نظرت فوز إلى صفية وأشارت إليه بأن تدخل إلى المطبخ لكي تساعد البنات في طهي الطعام. تركتهم صفية وذهبت كما أمرتها سيدتها. طالعت فوز زوجها بضيق وردت على سؤاله بحديث مبهم وغاضب: "مش وقته الحديث دلوك يا عمدة. خلص مجلس الرجالة وتعالى فوق. في حديث بينا كتير رايداك فيه." أمسكها من ذراعها وهزها بعنف وهو يضغط على فكه بقوة من الغيظ وقال: "مالك يا فوز؟ أنا سألتك سؤال تردي عليه. كنتي فين وجاية منين وكي تخرجي من الدار بدون إذني؟

اتجننتِ انتِ ولا إيه؟ يعني أحكم البلد ومقدرش أحكم داري ومرتي؟ جذبت ذراعها منه بعصبية ورمقته بنظرة مملوءة بالحقد وقالت: "جولتلك يا واد عمي مش وقته الحديث. اسمعي حديثي زين بدل الفضايح. خلص مجلسك مع الرجالة وتعالي فوق نتحدث براحتنا، ونخلص كل اللي بينا من القديم والجديد." تركته وصعدت إلى غرفتها لكي تنتظره كما قالت له.

عاد العمدة إلى مجلس الرجال وأخذ يتشاور معهم كثيرًا إلى أن استقروا على أن يرسلوا شكوى إلى مجلس العموم، على أن يساعدهم بالموافقة على طلبهم عضو المجلس منصور بيه الدفراوي ابن بلدهم. انتهى اجتماعه وانفض المجلس وانصرف الرجال، وصعد العمدة إلى غرفته. ودخل على زوجته والغضب يشتعل بداخله وقال: "مخبرش جرالك إيه، ومن مِتِّي بتتحديني. لكن الله في سماه لو منطجتي دلوج كنت فين، وإزاي تخرجي عن طوعي وكمان تتحديني؟

لا أقطع خبرك لأن كده كتير يا بت عمي. وأنا خلقي ضيق ميتحملش كل ده." نظرت إليه فوز بغل وقالت بغيرة: "كنت عند عروستك بطمن عليها وعلى حملها. ماشاء الله لقيتها بخير وفرحانة بجوزها وحياتها معاه جوه." ارتبك العمدة وغامت عيناه بحيرة، وسألها مستوضحًا قولها: "قصدك إيه ومين عروستي دي؟ حد جالك إني رايد أتجوز؟ مش لما أخلص من بناتك وولدك أفكر بالجواز؟ بينك اتجننتي ولا ضربتي في نفوخك يا فوز؟ اقتربت منه ونظرت إليه بتحدٍ وأردفت:

"عن جد مصدق نفسك ولا مكذبني؟ أنا سمعتك بتتفق مع فضل الغفير، على طريقة تخلص بيها من فودة، بعد ما مراته حسنة تولد لأجل تاخدها ليكِ. تنكر إن ده حصل؟ جولي بجي يا عمدة مين اتجن فينا أنا ولا انت؟ البنت الصغيرة اللي كانت ربيتك وتحت وليتك طمعان فيها ورايد تاخدها من جوزها، ويا ترى هتتجوزها ولا رايد تفضحنا بأفعالك الشينة معاها؟

بس أقولك حسنة طلعت واعية، اختارت جوزها وحياتها معاها عنيك، وقالت لي بالفم المليان لو تجليتها بالدهب أكوام أكوام، ورميت تحت رجليها مال قارون ما هتنظرِك ولا رايداك، وعمرها ما تفرط في جوزها لجل خاطرك." حدق بها العمدة بعصبية غير مصدق أن زوجته اكتشفت ما يخطط له، ولكن ما زاد غضبه رفض حسنة المستميت له وتفضيلها للغفير الفقير عليه، فرد عليها بغضب:

"اكتُمي يا فوز، ومدام عرفتي أنا ما هنكرش. أيوه هطلق حسنة من فودة ولو مطلقهاش، هخلص منه لو فيها موته، وآخدها بالغصب. وأنا هبقى هي ست الدار غصب عنيكي يا حزينة، وبراحتك توافقي أو ترفضي. الباب يفوت جمل." ضحكت بغل والحقد يأكلها بسبب رغبة زوجها في من كانت خدامتها ونيته في تفضيله لها عليها، فردت قائلة بشر:

"وماله يا عمدة، انت راجل ولك بدل الوحدة أربعة وحسنة بنت مليحة وصبية زينة تشرح القلب وترجع لك شبابك. لكن قبل ما تفكر تغير فرشتك، نضف ذمتك." رمقها العمدة بحيرة وسألها: "قصدك إيه يا حزينة؟ يعني إيه أنضف ذمتي؟ حد جالك كلت مال حد ولا ظلمت حد يا ست فوز؟ ضحكت بقوة وصفقت بيدها كأنها تثني على أداء ممثل قدير في مشهد ارتجالي وتهكمت قائلة:

"لا سمح الله ما في حد حجاني زيك يا عمدة، وأكيد هترد حق ثمن حيازة الأرض اللي استلفتهم من الحاج سويلم، وبسببها بجيت عمدة. ولا هتبلغ عن اللي دج النار في دار سويلم ولصالح مين؟ ولا أقولك هتحاسب نفسك عن اتفاقك مع منصور بيه اللي كان شاهد عليها الحاج بدران وشيخ الغفر؟ ارتبك عبد الرازق من حديث زوجته الذي يجعله تحت طائلة القانون، وإن حماه مركزه لن تسكت عنه حسنة في سرقته لمال جدها لأنها هي وريثته الوحيدة ومن حقها، وحدها.

ابتلع ريقه وغامت عيناه بحيرة وقلق ورد عليها: "أباه عليكي يا بت عمي، معقول هتفوتيني على جوزك واد عمك وأبو ولادك؟ ثم أنا عملت كل ده ليه ولمين؟ ما ليكي ولبناتك، وولدك اللي هيورث العمودية من بعدي. وكمان عليت مجامكم وبجيتي انتِ ست الكل ومرت العمدة. أكيد مهونش عليكي تضيعي تعب السنين علشان غلطة. حقك عليا ولو على حسنة تغور في داهية هي وجوزها. جولت إيه؟ رفعت أحد حاجبيها وردت عليه بتعالٍ:

"دلوقتي بت عمك وأم ولاد. صحيح اللي قال رجالة متجيش غير بالعين الحمرا. اسمعني يا زينة الرجالة، من اليوم وطالع تنسي حسنة نهائي وجوزها مدام فرحانة بفقره ومرتاحة بعيشتها معاه. خلاص ملناش صالح، ولما تولد تعمل مع فودة الواجب كأي غفير عندك." هز رأسه بالموافقة وشدها إليه وقال: "انتِ تأمري يا بت عمي ويا أم ولادي. من اليوم مفيش حسنة ولا مال حسنة انسيه خالص خلينا نعيش في سلام، وبلاش كتر الحديث عنها. الحيطان ليها ودان يا مرتي."

ابتسمت بحذر وأراحت رأسها على صدره، فضغط العمدة على فكه بغيظ وكتم غضبه وحقده عليها، بسبب تهديدها له الذي سيخسره حسنة التي رغبها لنفسه وقال: "صبرك يا بت عمي، هأطاوع للرياح لأجل تعدي، بس هييجي وقت أحقق اللي نفسي فيه غصب عن الكل، وهاخد حسنة يعني هاخدها حتى لو كان بعدها موتي. ملكيش مهرب مني يا بت السوالمة مهما طال العمر." *** هناك في دار فودة

عاد فودة إلى داره بعد انتهاء دوام عمله. دلف إلى الداخل يبحث عن شمس حياته ودنيته التي لم يتخيل أن يحياها يومًا مع بنت أسياده، ودائمًا ما كان يقول لنفسه أنها ليست له. جال بعينيه باحثًا عنها وفجأة وقف برهة مصدومًا من رؤيتها ممددة أمامه تفترش الأرض ووجهها ملطخ بالدماء. جثا بجوارها وحملها بين يديها ومددها على الفراش وجذبها إلى صدره وأخذ يضرب على وجهها برفق كي تستفيق: "حسنة حسنة ردي عليا. جرالك إيه يا ضي عيني؟

فتحت عينيها بصعوبة وابتسمت في وجهه وعيناه الملهوفة والخائفة عليها بذعر وقالت: "أنا بخير يا جلب حسنة وفرحتها." أراح رأسه على الوسادة وأتى بمنشفة وأخذ يمسح على صدغها المصاب والذي كان ينزف دمًا وقال بقلق وحيرة: "كنت مهملك بخير إيه جرالك من وجتها ومين شج رأسك أكيد؟ أخذت منه المنشفة ومسحت هي على جرحها وبعد ذلك بللتها ومسحت وجهها. وبعد أن انتهت ألقتها جانبه وعانقته بفرحة:

"محدش شج راسي واللي جرالي كتير وكبير جوي. أولها إني بجيت مرتك وثانيها هبجى أم بسببك. أنا حبلى يا فودة." ظل فودة محدقًا إليه صامتًا يطالعها بدهشة وعدم تصديق، وفجأة جذبها من الفراش وضمه إلى صدره بقوة وطوق خصرها وأخذ يلف بها كالمجنون من فرط سعادته. صاحت حسنة بذعر وهي تشعر بالدوار يضرب رأسها فهتفت: "أهدي عليا يا فودة أنا لسه في الأول وبدوخ." أنزلها على الفراش ومددها عليها ووضع رأسه على بطنها وقال بشوق جارف:

"ياه يا أغلى حلم ريته مستحيل واتحقق. في حشاكِ طفل مني هيكون عزوتي وأهلي ويكمل لمتنا ونكبر بيه ونبجى عيلة، ومش هيكون مقطوع كي أنا وانتِ." انتهزت رأسها برفض ورفعت رأسه عن بطنها ونظرت إليه بثقة: "مين قال إننا مقطوعين؟

أنا وانتِ لبعض سكن ورحمة، ربنا ولف قلوبنا وأسسنا دار بالحب والمودة، وبكرة يبجى لينا بدل الولد عشرة وهنكون عيلة كبيرة تكبر ونكبر معاها. ثم يا أبو ولدي، المقطوع اللي ملوش لا أبو ولا أم، لكن لينا والحمد لله معروف منين نسبنا ولفين، وعرقنا نضيف وأصلنا ثابت كي الجدر الأصيل في الأرض الصالحة." أومأ لها وهو يعلم أنها تتحدث عن نفسها رغم أنه يعلم من هو أبيه وأمه، لكن لا يعلم أصوله، فابتسم لها وسألها بحيرة:

"جولي لي يا ست البنات، عرفتي كي إنك حامل وانتِ لسه بتقولي إنك في الأول؟ ربتت على كتفه وضمته نفسها إلى صدره وقالت: "صفية مرت فضل كشفت عليا وخبرتني. جلبي طار من الفرحة وما صدقت حالي إن ربنا رضاني وحبلى منكِ يا عشق جلبي. فضلت ألف كي المجنونة لحد ما خبطت في الباب ووجعت كي المخبلة على الأرض." ضحك من وصف حالتها، لكن ما حيره هو سبب حضور صفية التي تكبرها بسنوات كثيرة وليس بينهم صلة أو ما يستدعي زيارتها، فسألها مستفهمًا:

"طيب الحمد لله عرفنا سبب شج راسك يا مجنونة، لكن اللي مخبرهوش سبب زيارة صفية ليكي وانتِ وهي مفيش بينكِ عمار ولا مودة، إيه العمدة بعتها لكِ تتأكد من حملك؟ هزت رأسها بالرفض وقالت بهدوء نفس: "اجعد وأنا هقولك اللي حصل. انت بعد ما خرجت لشغلك قمت وجهزت لينا الوكل، هبابة ولقيت الباب بيخبط فتح، لقيت ست الحجة في وشي انخلعت من شوفتها ولجتها بتقولي: مالك يا حسنة؟ نظرتي عفريت لأجل تنخلعي أكده."

طالعتها حسنة بريبة وأخذت تسأل نفسها عن سر هذه الزيارة الغريبة، وطال صمتها. ضحكت فوز وقالت لها: "وبعدهالك يا حسنة هتفضلي بصة لي كتير أكده وهتهمليني واقفة على الباب مش هتجوليلى اتفضلي يا بت الكرام؟ ابتعدت حسنة عن الباب لكي تفسح لها مجال للدخول وقالت: "لا طبعًا يا ست الحجة اتفضلي، بس شوية غريبة منكِ." دَلَفَت فوز ومن خلفها دخلت صفية التي لم تكن تعرفها حسنة جيدًا، فسألتها بريبة:

"مين اللي معاكي يا ست الحجة وإيه سبب الزيارة؟ يارب خير." رمقتها بنظرات ثاقبة طالت بطنها وقالت بريبة: "دي صفية مرت الغفير فضل، متجلجيش أنا جاية في خير واصل، جيت أبارك لكِ على الحبل ولا انتِ مش حبلى بجد؟ وضعت حسنة يدها على بطنها كأنها تداريها منها حتى لا ينكشف سرها بأنها ليست حامل وقالت بنزق: "الله يبارك فيكي، ثم حبلى ولا مش حبلى شئ يخصني أنا وجوزي محدش ليه دخل فيه." أمسكتها من ذراعها بعنف ووضعت يدها على بطنها وقالت:

"حشاكي فاضي يا بنت بدر، وباين لا في حبل ولا حاجة." دفعت حسنة يدها بعيدًا عنها وصاحت فيها بحدة: "وانتِ مالك يا مرت العمدة، كنتِ وليا عليا وعلى جوزي عشان تحسبيني حبلى ولا لأه؟ هزت رأسها بالنفي وقالت مؤكدة: "لأه مش وليا عليكي يا بت السوالمة، لكنك لو مش حبلى الله في سماه ما هتباتي ليلة في البلد كلها لا انتِ ولا جوزك. أما ترحلي لادفنك حية. تختاري إيه؟ ضاقت حدقتا حسنة بغيظ وثارت عليها: "ليه هتتحكموا في عباد الله؟

العمدة يغصب جوزي يطلقني وانتِ دلوك رايداني أهمل بلدي؟ لاه مش هنخرج لو على جثتي دي بلدي وفيها جدي مش هتجطعيني مني." ضحكت بتهكم ونظرت إلى صفية وقالت: "متستعجليش على رزقك يا حسنة مش يمكن أدَفنك معاهم وأخلص منكِ. خديها يا صفية وطمنيني حبلى ولا لأه، يمكن لأنها بكرية بطنها لسه صغيرة ومبيناش." جذبت صفية حسنة من يدها لكنها دفعتها وقالت لها بأمل:

"بعدي عني يا مرة، أنا هاجي معاكي لحالي، مش خوف منكم لكن عشان حاسة إن ربنا رضاني ونفسي أتأكد." دخلت حسنة مع صفية إلى غرفة نومها وقامت بفحصها. بعد قليل خرجت إلى زوجة العمدة وابتسمت بخبث وقالت: "حسنة حبلى يا ستنا بس لسه في أوله. مبروك." تنهدت فوز بارتياح وطلبت منها أن تنتظرها بالخارج ودخلت إلى حسنة التي كانت ترتدي ثيابها والفرحة لا تسعها وقالت:

"الفرحة اللي بعيونك بتجول إنك سعيدة بجوزك ومرتاحة معاه. ولأجل كده أنا هساعدك تعيشي مرتاحة بس تبعدي عن جوزي. وأوعاكي تفكري تغويه بشبابك وجمالك." ضحكت حسنة بقوة ونظرت إلى فوز بتعالٍ:

"جوزك مين يا أم جوز ده جوز حمام أحسن منه، بجولك انتِ اعملي عليه حلة محشي وكليه أحسن ما تخافي عليه مني. لكن أنا أنظره بعيني أو أتمناه ده يبجى المستحيل. أقولك الله في سماه لو تجلني بالدهب وفرش ليا الأرض بالجرشات ورميت تحت رجلي مال قارون ما يسوي في عيني بصلة. جولي لي هو يهملني لحالي مع جوزي وولدي؟ نفسي أعيش مرتاحة وأتهنى ببجي عمري معاهم." غضبت فوز من سلاطة لسان حسنة لكنها ارتاحت، لأنها لا تنظر إلى زوجها ومركزه وراضية

بحياتها وسعيدة بها فأردفت: "طيب يا أم لسان زالف، أنا مش هحاسبك على اللي جولتيه في حق العمدة لكني حذرتك. ومدام راضية بحياتك وسعيدة بيها أنا هساعدك، وخلي العمدة يهملك لحالك انتِ وجوزك للأبد. اتِهني يا حسنة وربنا يكملك على خير يا بنت السوالمة." عادت حسنة ونظرت إلى زوجها بسعادة وقالت:

"بعدها خرجت وأنا بجيت ألف كي المجنونة فرحانة إن ربنا رضاني وحبلت واتخبطت في راسي ووجعت كي ما دخلت ورأتني. جولي بجى لو ربنا رزقنا بولد هتسميه إيه؟ ضمها إلى صدره بحنان وقبل رأسها قائلاً بفخر: "فارس هسمي ولدي فارس لأجل يبجى خيال وفارس زمانه." هزت حسنة رأسها بالرفض وقالت بكيد: "مدام نفسك يكون فارس، يبجى فراس أحسن منها فارس ويفرس ويكيد كل الأعادي." ضحك فودة من كيد الحريم وتفكيرها الذي يتسم بالدهاء وقال بحنان

وهو يضمها إلى صدره بفرحة: "والله ما هغيره خلاص لو ربنا رزقنا بولد هيبقي اسمه فراس." *** وتمر الأيام وبعد ثمان شهور يأتي فراس إلى الدنيا وسط والدين، يسعيان إلى الحياة بالرضا والسعادة بالقليل، لكن كان بوجود من يتربص بهم ويستكثر هذا القليل عليهم. وفت فوز بوعدها وابتعد العمدة عن حياتهم تمامًا، لكي تستمر حياتهم صافية لا يعكر صفوها شئ إلا قلة المال، لكنهم كانوا يسعدان رغم ذلك بحبهم لبعض البعض ولمتهم سويا.

وبعد سنتين رزقهم الله ببهجة، وازدادت سعادتهم بعد أن كبرت أسرهم. وبعد مرور ٨ سنوات أخرى، أصبح فراس بعمر العاشرة ومهجة بعمر الثامنة، وذات يوم عاد فودة إلى داره والحزن يكسو ملامحه، وكانت حسنة تحفظ أولادها القرآن الذي أخذاه في الكتاب. ما إن رأت وجوم زوجها طلبت من فراس أخذ أخته ومساعدتها في الحفظ على ما تتحدث والده. كان فراس لماح وذكي فابتسم لأمه وقال:

"لأه أنا هاخد خيتي وهروح لدار عم سعد أتَنافس مع ولاده على التحطيب وهدير بالي على مهجة زين متجلجيش." ابتسمت له وربت على ظهره بسعادة. ولماذا لا وهو أصبح مع أخته وأبيه عيلتها التي تستقوي بها وتسعد بالحياة معهم. خرج فراس برفقة أخته وترك أمه تحدث إلى أبيه وتعرف ما يضايقه ويحزنه هكذا. دخلت عليها رأتنه جالسًا وواضعًا رأسه بين كفيه كأنها يحمل همًا ثقيلًا يثقل كاهله فسألت بقلق: "مالك يا فودة؟ سحنتك مجلولة ليه أكده؟

حتى مخدتش الولاد بحضنك كي ما بتعمل كل ما تعاود." رفع رأسه ونظر إليها بحزن عميق: "الظاهر أيام الراحة انتهت يا حسنة. لاما نرحل ونَهمل البلد لاما نتحمل المصايب والعذاب اللي هيلاحقنا من جاي وطالع." فزعت حسنة من حديث زوجها وجلست بجواره تستفسر عن سر ما يقول ولماذا الرحيل: "ليه بتجول أكده؟ كفالله الشر. هو العمدة حدتك في حاجة تانية؟ هو الراجل ده مش هيتهد، ويحل عنا بجى؟ أخذ نفسًا عميقًا لعل يستطيع التنفس جيدًا بعد شعور

بالضيق وزفره بقوة وقال: "لا ما اتحدثتش معايا في حاجة لكن الجاي واعر ولازم ندبر حالنا قبل المجدر ما يوجع ونضيع في الرجلين. زمان كنا أنا وانتِ لحالنا لكن دلوك عندنا ولادنا اللي لازم نخاف عليهم." هزت رأسها بعدم فهم وسألته بتعجب من حديثه المريب: "الله لا يسيئك يا فودة تفهمني؟ حصل إيه وليه نروح؟ وإيه المجدر اللي هيوجع وهيضيعني؟ شدها إلى حضنه وقال بحزن:

"المجدر موت الست فوز اللي كانت بتحمينا من شر جوزها وطمعها فيكي. مرت العمدة بتموت يا حسنة." ضربت حسنة بيدها على صدرها بعنف وهلع وأردفت: "يامرك يا حسنة يا مرارك وسود عيشتك يا بنت بدر. بجولك إيه زمان رفضت أرحل مكنتش خايفة لاني كنت لحالي، لكن دلوك اللي تجولي هنفذه لو رايد نرحل جبل الفجر أجهز حالي ونمشي من البلد كلها أنا في طوعك وتحت أمرك، يا فودة." تنهد فودة بارتياح وقال بسعادة، كأن أُزيح عن قلبه

ثقل كبير وقال بهدوء وراحة: "وهو ده الجول. يلا همي نجهز حالنا وقبل النهار ما يطلع نكون برات البلد. وربنا رب هناك المعين." دخل غرفته لكي يساعدها في لم حوايجهم ليتفاجأ بصوت حسنة يعلو بصراخ وعويل يرجف قلبه…؟!

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...