تخاطبني كلمات الحب والأشعار وفي قلبي أحاديث كثيرة يكنها لك. فأنت الذي جئت على هيئة حياة وليس بشر. فأصبحت أمنيتي الوحيدة الآن أن أغوص في عمق قلبك وأسرح في نظرات عينيك لأرى فيها كل الجمال والحب واستمتع بدف القلب ومشاعره معك. باغت فراس مهرة بتودده الجرئ إليها لكي يتخذ منها زوجة بعد أن أكدت له عن رضاءها التام بزواجها منه ورغبتها في إتمام زواجهم، حتى تصبح امرأته.
لم تمر بينهم دقائق قليلة إلا وانتفض فراس بذعر وابتعد عنها وهو ينظر إليها بغضب ويصيح مرددًا بجنون: لاه مستحيل كي جدر يعملها، كي إذاها واتحمل المها، فين الرجولة في اللي عملته يا منصور واصل، كي جدرت تتحمل اذاها والمها وكملت معاها، وانت بتنهش جتتها كي ترضي نفسك يا ظالم، اه من وجعت جلبي اه من الم روحي يارب يارب سامحني يارب سامحني. ارتعدت مهرة من صراخه وعويله، وقامت من فراشها بصعوبة وتحملت على آلامها التي انتشرت بجسدها.
ودنت منه بعد أن ارتدت ثوب نومها وقالت له بارتباك وخجل: مالك يا فراس حصل ايه وليه غضبان على حالك أكده، ومين منصور ده اللي عم بتتحدد عنه، وجدر واذي مين فاهمني. قامت عيناه بشر ودفعها بعيدًا عنه وصاح فيها: بعدي عني يا مهرة أنا مطيجش حالي دلوك بعدي، أو روحي لحالك يا بت الناس. ارتجفت شفتاها بتأثر وخافت من غضبه الذي لم تتوقع أن تراه ذات يوم، وهتفت باستجداء:
أبعد كيف يا فراس أنا جلجانه عليك ورايدة أطمن، إيه سبب اللي حاصل ليك، جولي صدر مني إيه غضبك أكده، أظن ده حقي لأني مرتك وشريكة حياتك. هز رأسه بعنف وثارت ثائرته وردد بنفي قاطعًا: لاه يا مهرة أنت لا مرتي ولا ليكي عليا حقوق. خارت قواها ونظرت إليه بألم وقالت وهي تشير إلى ما في يدها بحسرة وندم: بس أنا بجيت مرتك بحق يا فراس وده شاهد عليك، أنت ناسي اللي حصل ولا جرالك إيه. رفع رأسه إليها وغامت عيناه وجذب
منها المنديل وقال بأسف: حقك عليا مجصدتش أأذيكي، مكتش خابر إن واعر وصعيب جوي أكده وفي أذي وألم ليكي، والله ما قصدت. كانت نبرات الندم في صوته الحزين سبب لتماسكها من جديد، فقامت وجلست أمامه وابتسمت بخجل:
بس أنت ما آذيتنيش يا فراس، بالعكس كنت حنين جوي، والألم ده طبيعي عما حسيبه وخالتي والنسوان يوم الحنة خبروني بكده وفهموني زين، لكنك بحنانك هونت عليا، وأنا قدامك أهوه زينة ومليحة وما صايبني أذي ولا حاجة، هو بس هبابة بياخد وجته ويعدى. رفع عينيه إليها وابتسم بحنان وتنهد بقوة وهو يملس على شعرها المنسدل بارتياح على كتفها وقال بلوعة عاشق:
أنا عاشجاك يا مهرة، أكثر من روحي وكان صعيب عليا أأذيكي، لكن الحمد لله طمنتي قلبي، المهم إنك بخير وزينة. هزت رأسها بالإيجاب وقالت وهي تقبلها كأنها تصالحه وليس هو من يسعى لذلك: طالعها فراس باستغراب وسألها: واه إيه الحنان ده كله، ممكن أعرف أنت بتضحكي على إيه وبوستي راسي ليه، معقول لدرجة دي فرحانة إني بجيت رجلك، ولا حكايتك إيه يا جليلة. عضت على شفتيها بخجل وانكست رأسها وقالت بتردد:
أصلك طلعت راجل زين جوي جوي وواد حلال ووفي وكل الحاجات الحلوة فيك، الله يباركلي فيك يا فراس. غمغم بحيرة من أمرها وهدأت روحه المعذبة بتذكره آلام أمه وقت اغتصابها فظن نفسه آذاها، فكاد يكره نفسه إلا أن أكدت له بأن هذا متوقع. وجالت عيناه بشوق على صفحة وجهه المشربة بالحمرة وقال: أنت واعية لروحك، كل ده خبرته لما بجيت رجلك معقول يا مهرة قلبك القاسي حس بيا وبعشجي ليك.
هزت رأسها بالإيجاب وتنهدت بقوة ثم تأملت ملامحه الحادة الرجولية وعنفوانه وهتفت بعذوبة نابعة من سعادة قلبها بانتسابها له: أيوه حصل، لأني اتأكدت إنك عمرك ما كنت عاشق لغيري ورئيسة كذبت علي وأنت ما عاشقها ولا لمست غيري في حياتك كلها ولا هتمس غيري بأمر الله. طالعها بحيرة لثقتها فيما تقول وهي حقيقة لم يؤكدها بل العكس كثيرًا ما أراد إثارة غيرتها بها، فسألها بريبة:
جوليلي لول رئيسة كذبت عليكي في إيه وميتي، وكي خبرتي إني ملمستش مرة غيرك، ولا حتى بنت ود كانت عاشقتي. سبلت عيناها وهي تنظر إليه بعشق وفرحة تتراقص داخل قلبها العاشق بتملك، قالت بثقة ويقين: فزعتك من ألمي وسؤالك إذا كنت آذيتني ولا لأ، كل ده بيأكد إنك ما عشقت غيري واتأكدت أكثر إن قلبك القوي ده عشقني بحق ربنا، لأن العاشق ما يخون صح.
بس اللي هيجنني ليه كنت بتروح ليها، إذا كان عمرك ما لمست حرمة، ده غير عشقي مالي جلبك وروحك، جولي يا فراس إيه بيناتكم وريحني. أمسكها من كتفها العاري وضغط عليه بتملك لتغرس أصابعها فيه، فاستشعر الرغبة تعود إليه فقال بغموض: جوليلي لول كذبت رئيسة عليكي في إيه وميتي، وهو ده سبب إنك رضيتي على جوازنا، خوفك منه.
رفعت وجهها إلى وجهه المشتعل بالاشتياق، فتلاقت عيناهما وأسبلت جفناها بهيام، فضغط فراس على فكه بقوة محاولًا السيطرة على نفسه، إلا أن تنهيدتها، وارتخاء جسدها بين يديه باستسلام جعله على شفير الهاوية. فهزها بقوة لكي يحثها على الكلام فقالت بصوت خامل: لاه يا فراس مش حديث رئيسة ولا غيرتي عليكي بس، اللي خليتني رضيت على جوازنا، أنت يا فراس اللي سرجتني من روحي وبقيت لا قادرة أعيش ولا أتنفس من غيرك.
لو خفت فإنا خفت أبعد عنيك، حتى مع علمي بأن رئيسة عاشقتك كنت رايداك رجلي وجوزي ودنيتي لأنك جلبي كي أنا جليبك. لم يتركها تكمل ما تقول، فعذوبة حديثها مع استسلامها التام، وحرارة أنفاسها، أشعلت به الرغبة فأراد امتلاكها ولم يعد في مقدوره السيطرة على نفسه أكثر من هذا. فضمها إلى صدره ولثم ثغره بقوة إلى أن غرقت في بحر عشقه ليسكت بينهم الحديث وتتحدث الأحاسيس وتتراقص القلوب وتهفو الروح إلى سمو العشق.
في وقت سابق بعد مغادرة فراس ليلة العرس، كانت رئيسة تنظر إليه وهو يغادر بصحبة مهرة، ولم تلاحظ جعبل الذي أتى خلفها وقال لها بحزم: واقفة أكده ليه مش فراس جالك تمشي لخيمتك. طالعتها بتهكم واستدارت عائدة إلى الشادر غير عابئة بالرد عليه، وهي تسير بين الرجال حاول أحدهم إمساكها، فنهره من يجاوروه وصاح فيه بتحذير: هملها يا ضمراني لجل فراس ما يجيب خبرك. التفتت إليهم رئيسة وسألتها باهتمام:
هو حصل إيه من درويش ليلة زفاف فراس وهو عمله إيه أو جاله إيه. انطرح بعد الرجل نفسه عنها وقال بخوف: هملينا يا بت ود محدش ليه طاقة بفراس، هو محرم حدا يتحدث عنك أو يجرب منيكي وجال إنك كي خيته واللي يمسك بالحديث العفش أو اليد هيدفنه حي. أمسكته من طرف ياقة جلابابه وسألته بإصرار: أنا رايدة تخبرني اللي حصل، مش تحكي فراس جاله إيه. خلص الرجل نفسه منها ودفعها عنه برفق لتبعد عن طريقه وقال بحنق:
بعدي عنا يا رئيسة أنا منقصل فراس يحط عليا ويشندلنا بسببك اتوكلي على الله، من هنا وارحم الناس من أذاك لأن فراس عنده استعداد ياكل عشرة بدراعها لو حد اتحدث في حقك بنص كلمة، روحي مضاربكم وارحمينا. تكابلت الحيرة بداخلها وأرادت معرفة ما قال فراس وجعل الجميع يخاف من التقرب منها هكذا، كان دائمًا ما يقتصر حمايته لها على مضاربهم لكن وصل الأمر إلى رجال البلد وهذا ما زاد من حيرتها.
فلم تجد أمامها غير جعبل صديقه الأمين الذي لا يفارقه، وكاتم أسرارها. اقتربت منه على مضض وتمايلت عليها بدلال وقالت: بأقولك يا جعبل أنا رايداك توصلني لمضاربنا ممكن ولا تحب أقول لفراس إنك رفضت وأنت خابر اللي يزعلني يزعله. ضحك جعبل بسخرية وأمسكها من ذراعها بعنف:
مش أنا يا بنت الغجر اللي يتلعب بيه، قولي رايدة إيه وخلصي في ليلتك، صح أنا تابع فراس لكني راجل وواعر جوي وطبعي صعيب، وشغل النسوان ده مش عليا، قولي دوغري رايدا إيه وأنا هريحك. ابتلعت ريقها واستغربت عنفه ونظراته الحادة إليها وقالت: رايدة تخبرني باللي حصل من درويش ليلة زفاف فراس، وإيه حصل من فراس خلي الخلق يخافوا مني أكده. ابتسم بغموض ودنا منها وهمس في أذنها وقال:
طيب البسي الملثم وهما أوصلك وبالطريق أحكيلك، بيكفي عليكي أكده الليلة وفراس موصيني مبعدش عيني عليكي. لعلمك هو بيعزك جوي وبيقدرك كي خيته صح. همي يا رئيسة الطريق طويل واللي عندي كتير رايدك تسمعيه. ارتدت رئيسة الملثم على عجل وتركت الشادر وذهبت خلف جعبل الذي سبقها بمسافة أمان، فسألته: ها جول أنا نفذت حديثك، وجيت وراك خبرني إيه اللي حصل. رمقها بنظرة من جانب عينيه وتنهد بقوة وأردف:
فراس عاشق مهرة يا رئيسة، عشقها كأنها الحياة، لو حرمتيه منها هيكون كي الميت. أنا مرافقه من أربع سنين ما بشوف الضي بعينه غير لما يلمحها، بلاش تدفشي حالك في حياتها وتفرضي نفسك عليه، أنت ليكي معزة عندي حافظي عليها واحمدي ربك إنك وصلتي ليها. جليل جوي اللي ليهم معزة في جلب فراس، حديثي ده خديه نصيحة ليكي قبل ما تخسريه وتندمي العمر كله عليه. تأففت من حديثه المبطن بالاتهام كأنه يعلم ما تدبره لفراس وقالت بضجر:
أيه لزمته الحديث ده دلوك، أنا سألتك سؤال ورايدة إجابته إيه حصل ليلة زفاف فراس. ابتسم بتهكم وقال ساخرًا من ضجرها: لازمته إنك تعجلي وتفكري في صالحك وكفاكي مطاردة لفراس لأنه مش ليكي، لكن هأقول إيه مفيش فايدة جلب المرأة لما يسيرها بيقتل عجلها، هأقولك اللي حصل لجل يهدى بالك. درويش ليلة فرحه قال عنيك إنك زينة ومرة صح بعد ما كانت صاحبتك عوالي بتغوي فراس برقصها.
جاء ليه فراس وكان هيفرفط روحه وجال إنك أشرف بنت صحيح من الغجر لكنك كي خيته حرة وشريفة واللي هيمسك بسوء هيدفنه. حاطلته رئيسة بدهشة لم تتخيل أن فراس يتباهى هكذا بها أمام الجميع وليلة زفافه التي قالت ما ليس فيه لزوجته لكي تكيد لها غيرة منها وحقداً عليها. شعر جعبل بصراعها بعد أن أطلق فراس حمايته عليها أمام الجميع دون خجل من أصلها متباهيًا بتخذها أخت له وقال:
أوعي لحالك يا رئيسة ولفراس خسارته واعر وليك أنت بالذات، أنا قلت اللي عندي وعجلك في راسك تعرفي خلاصك، صح خسرتي عشجه لكن كسبتي حبه هتفضلي غالية على جلبة ومعزتك بتزيد بأفعالك. حسني من روحك معاه هتسكني جلبة طول عمره، ويكفي إنك في منزلة الأخت اللي من دمه. حديثي ده خديه نصيحة ليكي قبل ما تخسريه وتندمي العمر كله عليه. تاففت من حديثه المبطن بالاتهام كأنه يعلم ما تدبره لفراس وقالت بضجر:
أيه لزمته الحديث ده دلوك، أنا سألتك سؤال ورايدة إجابته إيه حصل ليلة زفاف فراس. ابتسم بتهكم وقال ساخرًا من ضجرها: لازمته إنك تعجلي وتفكري في صالحك وكفاكي مطاردة لفراس لأنه مش ليكي، لكن هأقول إيه مفيش فايدة جلب المرأة لما يسيرها بيقتل عجلها، هأقولك اللي حصل لجل يهدى بالك. درويش ليلة فرحه قال عنيك إنك زينة ومرة صح بعد ما كانت صاحبتك عوالي بتغوي فراس برقصها.
جاء ليه فراس وكان هيفرفط روحه وجال إنك أشرف بنت صحيح من الغجر لكنك كي خيته حرة وشريفة واللي هيمسك بسوء هيدفنه. حاطلته رئيسة بدهشة لم تتخيل أن فراس يتباهى هكذا بها أمام الجميع وليلة زفافه التي قالت ما ليس فيه لزوجته لكي تكيد لها غيرة منها وحقداً عليها. شعر جعبل بصراعها بعد أن أطلق فراس حمايته عليها أمام الجميع دون خجل من أصلها متباهيًا بتخذها أخت له وقال:
أوعي لحالك يا رئيسة ولفراس خسارته واعر وليك أنت بالذات، أنا قلت اللي عندي وعجلك في راسك تعرفي خلاصك، صح خسرتي عشجه لكن كسبتي حبه هتفضلي غالية على جلبة ومعزتك بتزيد بأفعالك. حسني من روحك معاه هتسكني جلبة طول عمره، ويكفي إنك في منزلة الأخت اللي من دمه. سلام وكلمة أخيرة في قلوب تحب وقلوب للعشق، اختاري صح الجلب اللي يكون ليكي قبل ما يكون لغيرك.
تركها شاردة في أفكارها التي ستدمر علاقتها بفراس كدرع أمان وحامي لها بعد أن تسلبه عزة ويصبح خادم لها، سيصير عاشق لها لكن ستضيع روحها حين تفقده ما يميزه قوة بأسه وعنفوانه. لم يطل بها التفكير، جرت من فورها إلى خيمة العرافة وجلست أمام موقدها تنهج وقالت برجاء:
خلاص يا خالة مريدش عشجه مريدش غير جلبة الحامي عليا، العشق بيزول لكن الأخوة عمرها ما بتختفي، الله لا يسئك يا خالة ابطلي العمل مريدش أأذي سندي وقوتي في هيبته ورجولته ده يموت فيها، كان فين عجلي لما ظنت إن العشق معاها نهاية المطاف بين. نظرت إليها العرافة بابتسامة خبيثة وقالت: جلبك رهيف يا بت ود بسرعه أكده سلمتي وهتملي رجلك لغيرك. انهارت باكية ونظرت إليها بحزن وقهرة:
فراس عمره ما كان رجلي، طول عمره سندي وقوتي، ظهري وعزوتي، جوليلي هكسب بجسده إيه وهو كي جثته، لا هيكون راجل ولا يملي عين حدا، وجدتي هبقى ملطشة للكبير والصغير، لاه يا خالة. الاحترام اللي نظرته في عين الخلق كسبته من هيبة فراس واحترام الخلايج ليه، مريدش أخسر الاحترام ده ومعاهم فراس، أنا عشجاه كي ماهو أكده بجوته وهيبته، فراس الأخ اللي بيعلي مجامي، ريداني أضحي بكل ده من أجل عشق زايل، لاه يا خالة فكي العمل خلاص مش ريداها.
خرجت من جعبتها عروسة ومعها أشياء فراس ومهرة وقالت لها قبل أن تلقيها بالنار: وعي لحديتك ده، لو حرقت اللي عملته عشجهم هيقوى وهيكون دمها من دمه وما هيفرجهم عن بعض إلا الموت. أخذت نفس عميق وقالت بحسم: حقها وحلاله واللي جمعهم ربنا ما يفرجهم عبد، هما يا خالة خلصيني من ذنب كنت هأقع فيه وهندم عليه العمر كله. ألقت العرافة ما بيدها لتعلي النار بشكل غريب وفجأة تجسد أمامها شكل فراس ومهرة ويده قابضة على يدها بقوة.
ابتسمت العرافة وقالت: أتولفت القلوب والعشق بينهم صار، واللي اتكتم في السر سنين باح بيه اللسان وبقي عشقهم لبعض خالص ووفاهم ملوش مثيل. تنهدت رئيسة بحرقة وبكت عيناه بألم وقالت: مبارك عليهم حياتهم، ربنا يهنيهم ويسعد لياليهم. أمسكتها العرافة من يدها وقالت: نصيبك كان معاك مبعدش عنيكي، وفي الخارج عينه منك ودايمًا عليكي، شاوري جلبك هيدلك عليه وربنا هايهدي نفسك ليه، مشي الله يصلح حالك بيه.
خرجت وعيناها زائغة وباكية لا تعلم من هو نصيبها أو كيف عيناه عليها، وهي لم تراه. بحثت بعينيها يمين ويسار لم تر أحد، لأنها لم تشاور قلبها الذي رآه وهو يترصدها من بعيد ويتمنى قربها. نعود إلى زفة العرسان. بدأت بانصراف فيصل وزينب الذي كانت فرحتهم لا تضاهى. دخل فيصل داره المزينة بإتقان وحملها ودخل غرفة النوم. أنزلها قرب الفراش وقال لها بعدم تصديق:
واه قلبي مش متحمل الفرحة معقول يا زينب اتجفل علينا باب وبجيتي حلالي الله بنصرك يا فراس. جلست زينب بتوتر على الفراش ونكست رأسها أرضًا وقالت: الله يعطيه ما يحرمه فراس ابن حسنة ويعتّره في خيته، بس لو أنت فرحان جيراطي أنا قلبي يساع الدنيا من الفرحة. دنا منها فيصل وقال بمكر:
وأنا رايد أملك الدنيا بيكي آه يا زينب، ياما حلمت بالليل دي ولما حصلت مخبرش أعمل إيه، حاسس إني خايف ليكون حلم وأصحى الصبح الجيني متلجح في الجبل كي المقطوع. رفعت عيناها إليه وقالت: طيب جوم كل لقمة أنا اللي جهزت الوكل مع فاطمة، هتوحشها جوي ويا عالم هننظر بعض تاني ميتي وكيف. اقترب منها فيصل وضمها إلى صدره: طيب وأنا مش اتوحشتك، يا بت أنت بجيتي مرتي حلالي. باه أنا رايد حد يضربني على دماغي لجل أصدق.
شدها إليه وكاد يقبلها، دفعته وخرجت تجري منه فلحقها قبل أن تصعد إلى الأعلى وحملها مثل طفل بين يديه وقال: في حد يهرب من جدره، ثم خدي هنا بوكي اللي بره ده أجوله إيه مجوزتش بتك لراجل أهدى أكده عليا واتحمليني، عدي الليلة دي بس، وبعدها ادلعي كي ما بدك يا روح وعشق فيصل. ألقاها على الفراش وأغلق الباب خلفه وضمها إلى صدره بحنان وقال لها: بعشقك يا زينب ورايدك ملكي وحلالي موافقة. لم تمضي دقائق وخرج فيصل من غرفته وفتح باب الدار
وألقى لعمه منديلها وقال: مبارك يا عمي أمانتك وصلت، ياريت تطمني على خيتي. دفعه عمه إلى الداخل وقال له بحزم: اطمن يا ولدي خيتك جعافرية حرة، مبارك ليك يا زين الرجال وربنا يسعدك أنت وبتي. رفع سلاحه يطلق الأعيرة النارية ابتهاجًا وفرحة بشرف ابنته. دلف فيصل إلى زينب غرفتهم وضمها إلى صدره بحنان وعشق وقال لها: مبارك يا مرتي، أباه الليلة ليلة العمر كله مع مليكة قلبي. ليطفئ القنديل ويضيء حبهم ليلهم الطويل بالعشق والحب.
في دار عثمان الجبر. دلف سلطان إلى الدار وهو يحمل فاطمة التي كانت ترتعش بقوة بين يديه وأنزلها وقال: مالك يا فاطمة بتنفضي ليه كي البسة اللي وقعت في الميه. تلربكت فاطمة وجالت بعينيها في أرجاء الدار وقالت: فينها أوضتي رايدة أغير خلجاتي لجل نصلي. يضحك سلطان بتهكم وأشار إلى غرفتهم وقال: هما غيري خلجاتك بسرعة خلينا نخلص من الليلة دي. ابتسمت بهدوء وقالت: كله بيخلص بأوانه اصبر على رزقك ربنا كتبلك الخير بإذنه.
دلت إلى الغرفة التي أشار لها عليها وغيرت فستان زفافها وتوضأت وانتظرته. لم يغب عنها كثيرًا ودخل إلى الغرفة فرآها تجلس على سجادة الصلاة بانتظاره لكي يصلي معها كما تمنت. ضحك وقال بسخرية: لاه والله هنصلي وناكل وندلع واللي بره الدار يصبروا للصبح صح، قومي فزي خلينا نخلص. نهضت فاطمة وعلى ثغرها ابتسامة عذبة وقالت:
أهدى يا واد عمي كل شيء بإذنه، أنت مش غشيم ولا ظالم ولكن جواتك خوف أنا زيك بس عندي ثقة في الله، هما اتوضأ وتعال صلي ركعتين لله يهدا حالك ونبدأ حياتنا برضا ربنا علينا، الصلاة مش هتاخد خمس دقايق أحسن ما تناحي معايا للفجر، وأظن أنت مريدش تأذيني لأنك زوجي ورايد تتجي ربنا فيا لجل ما تتحاسب عليا. كانت كلماتها الهادئة مثل البلسم الذي هدأ من أعصابه المتوترة، لكن عناده لم يهادن معها وقال:
حاضر يا ست فاطمة هصلي لو ده اللي هيخليني نخلص الليلة دي. دخل مرحاضه توضأ وخرج فراها تنتظره مثل البدر بوجهها الصبوح وابتسامتها الهادئة. صلى بها ودعا ربه أن يوفقهم سويا ونهض وأخذ بيدها وقال: ها أديني طاوعتك وخلصنا ممكن نخلص وهأملك بعدها ترتاحي براحتك. ابتسمت على استحياء ورددت بخجل وارتجاف خفيف يسري بجسدها وقالت: وأنا تحت أمرك يا سلطان اللي تجوله هأعمله شوفي إيه اللي يرضيك. تلاقت عيناه بعينيها البريئة وقال:
أنا مريدش منك حاجة أهلك اللي ريدين أمانتهم وأنا رايد أخلص حاسة حمل ثقيل على جلبك. دنت منه وقالت بعذوبة وثقة في الله: سلامة جلبك يا رجلي، أنا ميهمنيش أهلي ولا ناسي، لأنك أنت بجيت كل ناسي ودنيتي واللي يهمني دلوك رضاك مش حدا تاني، وجلتلك سابج أنا تحت أمرك واصل جلت إيه.
ضرب رأسه بكف يديه وهو يطالعها بانبهار، لم يصدق أن الله راضي عنه إلى هذه الدرجة لكي يوهبه هذه الدرة النفيسة، واقترب منها إلى الحد الذي جعله يسمع هسيس أنفاسها المتوترة مثله. لكن تسلحها بالإيمان جعلها قوية فقال لها بشوق وهو يدنو منها ويتشجع لكي يحتضنها: هأقول إيه بعد اللي جلتيه، أنا ربنا بيحبني جوي إنه وهبني بيكي الزوجة الصالحة والشريكة الزينة لحياتك.
بأقولك إيه يا ست البنتين وتاج راسي نخلص من ناسك ونعطيهم أمانتهم ونجيلك نحكي ونتحاكي ونعرف إيه حكايتك يا فرحة قلبي وعوضي الغالي من الله. أومأت لها فاطمة برضاء فحملها بين يديه برهبة وأجلسها على الفراش ودعا ربه يوفق بينهم ويهدي لهم بالهم وحالهم. بعد قليل خرج مندفعًا من غرفته إلى خارج الدار وسلاحه في يده أطلق عيارين في الهواء بسعادة وقال لأخاها الصغير وأعمامها:
نسبكم شرف وبنتكم الغالية من الليلة نوارة داري وحياتي كلها ادعولنا بصلاح الحال والذرية الصالحة. وألقى إليهم منديلها فحضنه أبيه عثمان الذي كان آتيًا لتوه من عند أخته ورد وهو حاملًا منديلها أيضًا. فتعالت الطلقات والأعيرة النارية تضيء سماء البلد ليعرف القاصي والداني أن الشرف الغالي مصان والنسب والصلح أصبح حقيقة. في دار جابر الجعافري.
دلف سليم إلى الدار حاملًا خديجة التي ما أن أغلق الباب خلفه، نزلت من بين يديه وأخذت تلف وتدور كالمجنونة بالدار وتقول بمرح: أخيرًا حلمي اتحقق وبجيت مرة سليم الجعافري، أباه على قلبي هيفط من الفرحة وأصل. أخذ سليم يضحك بسخرية من جنون زوجته وقال: لاه أنت مجنونة بجد مكدبتش خيتي زينب لما جالتلي إنك دماغك طايرة، اجعلي يا بت واهدي على حالك. جرت إليه ووقفت أمامه وقالت بفرحة وهي لا تهدأ أو تستكين لحظة:
يبوي أصلك ما تعرف أنا فرحانة جد إيه، من أول يوم كنت بتحفظنا فيها القرآن وأنا بتمنا أكون مرتك، كان حلم مستحيل لكن ربك كريم جعل بينتنا الصلح وبجيت نصيبك مني. يريدني أبجي أكده عادي لاه أنا رايدة أطير وأرفرف بالسما وأزغرد ووووو. أمسكها قبل أن تلف حول نفسها مرة أخرى بجنون وقال: طيب غيري فستانك وتعالي نصلوا قبل ما أطيرك أنا من على وش الدنيا بيني اتجوزت مجنونة صح.
دلت جري إلى غرفتهم وغيرت فستانها وانتظرت دخوله إليها كما تمنت، إلا أنه لم يأت. وحين تأخر عليها خرجت إليه فرأته يتلو بعض الآيات القرآنية بخشوع. وقفت وراءه وقالت: هو أنت سايبني وبتعمل إيه هنا، ما تعرف ليه حساك مش عريس أكده وفرحان بعروستك كي العرسان، هو أنت اتلبست فيا ولا نضرتني عفشة، قول قول أي حاجة منك جبلاها بس متبعدنيش عني. أغلق المصحف وضحك من قلبه بقوة وقال:
لاه أنت مالكيش حل، أنا جولت أهملك تاخدي راحتك لكنك مش صابرة على حالك، و متهورة اهدى يا خديجة الجاي واعر عليك والظاهر فرحتك نستك اللي هيكون بيننا. عضت على شفتيها بخجل وقالت: أنا مخايفاش منك وقلبي مطمن جوي ليك ونفسي أكمل حياتي كلها بين يديك. وتنهدت بقوة وأكملت: شوقي لحياتي معاك غلبني أعمل إيه، عشقك واصل يا سليم إيه مخبرش يعني إيه عشق. غامت عيناه بتعجب وقال:
لا خابر وخابر زين، بس الصبر حلو، يلا همي نصلي وبعدها نشوف حكاية الشوق دي هتوصلنا لفين. صلى سويًا وبعد ذلك دعا لهم بصلاح الحال. أخذت خديجة تنطط وتفقز برعونة وتهور وقالت بفرح ظاهر وسعادة تخللت قلبها البريء: ها وبعدين هنعمل إيه دلوك، طمني خلاص هبقى مراتك أنا فرحانة جوي. حدق به سليم بدهشة من أفعالها المجنونة واندفاعها بتهور وقال: اللهم لا أسألك رد القضاء ولكني أسألك اللطف فيه، نصيبي يارب وراضي بيه والرضا بالمقسوم عبادة.
حاضر يا خديجة هحقق أمنيتك وهتبقي مرتي. دنا منها حتى حصل المراد ليراها تبكي وتنكمش على نفسها بحزن وخوف. ربت على كتفها فإذاحت يده بعيدًا عنه وقالت ببكاء: أنت طلعت عفش وأنا مريدش أعيش معاك، ظنت إني مجنونة بعشقي وجتلت فرحتي بعملك ليه أكده يا سليم، دا أنا مرتك. ابتعدت عنها سليم بتردد واستغرب رد فعلها وقال بحزن شاعرًا بالذنب لأنه أبكاها في ليلة زفافها وكسر فرحتها كما تقول:
ما قصدتش أأذيكي واصل، بس مش بإيدي حقك عليا، انعسي أنت وأنا هأنس بره بس هخرج لأبوكي أمانته لو. تركها وخرج إلى أبيها المنتظر بقلق خارج الدار، داري حزنه باغتصابه. ابتسامة هادئة منحها إلى أبيها وهو يعطيها أمانته فبارك له وباركاه أبوها جابر سعيدًا بزواج ابنه وابنته في نفس الليلة. بعد انصرافهم دلف إلى الدار وتوسد أحد الأرائك وقبل أن يغمض عينيه رآها مقبلة عليه وجلست أمامه وقالت:
حقك عليا أنا واعية اللي حصل لكن اللي بكاني إنك مش فرحان بيا رغم إني طايرة بيك من الفرحة. ابتسم لها سليم وقبل رأسها بحنان وقال: مين جاله أكده، أنا فرحان بيكي وبروحك الخفيفة دي، بس حاسك طفلة رغم إنك بجتي مرة دلوك رايدك تعجلي أكده وترتزي يا أم أولادي وذريتي بإذن الله و يلا همي ادخلي انعسي وارتاحي. هزت رأسها بقوة وجذت يده وقالت:
مش هأنس غير في حضنك أنا عايشة لليوم اللي أصحى فيه وأنا بين أحضانك وعلى نظرة حلوة من عيونك رايد تحرمني منها ليه. يضحك سليم وحملها وقال: بس أكده من عيوني يا مجنونتي، أجولك تعقلي متعقليش أنت لذيذة أكده وملكيش حل وهكمل حياتي معاكي وأنا سعيد وراضي بقلبك العاشق الشقي ده. ودخل غرفتهم سعيد بها ليكمل حياتهم سويا التي بدأت للتو. في دار فراس. استيقظت مهرة على هفيف الهواء الساخن المنطلق من فم فراس، أغمضت عينيها بكسل وقالت:
هملنا يا فراس رايدة انعس، مكفاكش طول الليل مسهرني معاك. ابتسم بحنان ولثم ثغرها وقال: قومي يا كسلانة جعان مأكلتش من العصرية، وتعبتيني معاكي جوي. وأنا نعسان معاكي، جمت صليت الفجر ولسه معاود وأنت لا حسبتي بيا ولا جمتي من مطرحك. ضغطت على فكها بغيظ: ليك حق ما أنا اللي طاوعتك، حاضر هأقوم أجهزلك الأكل يا راجلي. ثبتها مكانها ولثم ثغرها بعذوبة ثم نهض مسرعًا وأتى بصينية أكل عليها كل ما لذ وطاب وقال:
مريدش حبيبة قلبي تتعب، الأكل جاهز بس أنا اللي جعان ورايد آكل معاكي ومن يدك. نظرت إلى الطعام بريبة وسألته بتوتر: من فين جبت الأكل ده، معقول طلبت من مرة وهيب تعملنا أكل تاني. هز رأسه بالرفض ومد يده يأكلها من يده وقال: لاه مش من مرة وهيب دي هدية من الحج جابر الجعافري. تهنئة منه لفرحة بنته وولده وبيجولي كي ما بعت ليهم بعت ليكي وجالي أنت عريس زيهم ولازم تتجوز صح. جوليلي خبر من فين إني عريس.
تنهدت براحة بعد أن تأكدت أنه ليس من مال فراس والتهمت ما في يده وفعلت مثله وأكلته إلى أن شبعا. وحمل فراس الصينية وأدخلها إلى المطبخ وعاد إليه بحماس: تعالي بجي نكمل اللي كنا بنجوله عشاء. دفعته بعيدًا عنها وقالت: لاه لول جولي إيه بينك وبين رئيسة، وإيه سبب معزتك ليها، وليه كذبت عليا وجلتلي إنها عشيجتك، وليه بتروح ليها وجلت إنها بتريحك. رجع فراس رأسه على قائم الفراش وقال:
رئيسة أمانة ووعد قطعته على نفسي لجدتها بأني أحميها كي خيتي وعمرها ما كانت غير أكده، أما كذبها عليكي فإنا هحاسبها عليها لأنها قالت عني ما ليس بينا ولا هيكون، أما بتريحني فعلا بتريحني والسبب إنها بتنضف ليا جرح الرصاصة فكراها. حدقت به بقوة وقالت بذهول: الرصاصة ست سنين وما طابتش كيف بعني أكيد مش بتنضفها زين وبتعاود تحمل وتلتهب، أنا هعالج جرحك، ومريداش لا تروح ليها ولا تعاتبها خلاص ربنا يصلح حالها. جذبها إلى
صدره وملس على شعرها وقال: مأقدرش يا مهرة دي أمانة ومتجلجش مفيش حدا بالقلب غيرك أنت وبس اللي سرجاني برضايا من نفسي. ابتسمت وأبعدت نفسها عن صدره وقالت: طيب تعالي أعالج جرحك وأريحك. غامت عيناه بالرغبة وقال: ما أنت ريحتيني خلاص بعشقك تعالي أجولك كيف. دفعته بعيدًا برفق وقالت بهدوء: أهدى عليا بافراس وتعال أعالج جرحك وجولي إيه حكاية منصور ده ومين اللي آذاها. أظلمت عيناه بغضب وقال: مش وجته يا مهرة،
ووضع يده على بطنها وقال: لما يكون في حشاكي ولدي أوعدك أحكيلك كل حاجة. وأعطاها ظهره وقال: كلي ليكي وريني كيف جرحي هيطيب على يدك يا جليبي. بدأت مهرة تعالج جرحه ولاحظت شدة التهابه فكان من حسن حظها أنه كان لديه قرفة فوضعته على جرحه لتخفيف شدة الالتهاب وضمدته وقالت له باستغراب: مخبراش إيه الخطوط الحمرا اللي على ضهرك دي سببها إيه، المهم بكرة تنزل المركز وتطلب ثلاثة حقن بنسلين بالكثير هيخلو الجرح يطيب.
أوّما لها وقبل أن يقوم أخذت تملس على جرحه بحنان ورفق، فجذبها من يدها وأتاها بها أمامه لينظر إلى عيناه وقال: لم تستيقظ بعدها إلا على يده وهو يبتسم في وجهه ويقول: قومي يا مهرة بوكي بره ورايد مني أطلقك. حدقت به مهرة بذعر فاستغرب رد فعلها وسألها بغضب: انطقي يامهرة كنت خابرة إنه جاي وهيطلب اللي طلبه، طيب على أساس إيه انطجي. نظرت إليه ولم تنطق ببنت شفا ليقول؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!