بعد مرور شهر على زواجهم، أتى يوم زفاف فيصل على زينب، وأطراف الصلح سلطان وسليم على فاطمة وخديجة، الذين تم عقد قرانهم منذ أسبوع، وكل واحد منهم كان سعيدًا بما قسمه له الله. وانضم إلى زفافهم الكبير زفاف منصور ورد، فأصبحت ليلتهم من أكبر الليالي التي أقيمت بالبلد.
أما مهرة، فتجسدت فرحتها بزواج صديقتها زينب ممن تحب، مما جعلها تطلب من فراس أن تحضر عرسها وتكون بجوارها. وافق فراس مرحبًا. كل ذلك دون علم مهرة بأن زوجها هو من كان السبب في هذا الزواج والصلح بين العائلتين. في المساء، وبعد إقامة الولائم وذبح الذبائح، أقيم سرادق كبير للعرسان الأربعة، وفي الداخل كانت العرائس: زينب وفاطمة من عائلة الجعافرة، وخديجة وورد من عائلة الجبري. وكل بنت تتباهى بعريسها ونسبها وما أتى به لها زوجها.
كانت تنظر إليهم مهرة حزينة على نفسها بأنها لن تستطيع أن تتباهى مثلهم بزوجها من ابن الليل. إلى أن دخلت عليهم إحدى الغجريات وقالت بحماس: "هموا يا بنات، العرسان هيحطبوا. الله كريم يسترها. سلطان مع فيصل وسليم مع منصور." نهضت العرائس والذعر يتملكهم خوفًا من تجدد الثأر بينهم. أسرعوا إلى النوافذ ليروا العرسان وعراك التحطيب بينهم.
لم يتصور أحد أن التحطيب بين العرسان سيكون بهذا الشكل الودود، الذي جعلهم يتبارون فيما بينهم بمحبة وفرحة، كأنه تأكيد بأن ما فات قد مات، ومن اليوم صفحة جديدة للكل، بالمودة والنسب. كانت فرحة العرائس ليس لها مثيل عندما احتضن سلطان فيصل، الذي أصبح أخو زوجته فاطمة، التي جلست معه بعد كتب الكتاب، فسرقت قلبه بروحها النقية وحسن معشرها ولسانها الذاكر بحمد الله.
وكذلك سليم، معلم أصول الدين الشيخ الأزهري، الذي كان يدرس للبنات في الإعدادية وخطف قلب خديجة الشقية. ما إن جلس معها بعد كتب كتابهم، أعادت معه ذكرياته كمدرس لها، فكسبت قلبه بمرحها وشقاوتها. لهذا، بعد تحطيبهم، صافح أخاها بمودة ومحبة لأجل خاطر زوجته.
كانت الأجواء هادئة تسودها المودة والإخاء، ويحطبون بشكل تمثيلي لا يرتقي لعريس ليلة زفافه يريد أن يظهر لزوجته عنفوانه وقوته. إلى أن دخل في وسطهم فراس، ورفع نبوته أمام الأربعة وقال بتحدٍ وثقة: "مين فيكم رايد يحطب بجد ويتباهى بقوته قدام عروسته؟ نظر الأربعة لبعضهم البعض بارتباك من عرض فراس لهم، وخافوا على منازلته حتى لا يكسر هيبتهم أمام زوجاتهم. ليتفاجأ الجميع بخلدون يتقدم إليه رافعًا نبوته وقال:
"أنا رايد يا ولد عمي أحطب قدامك، بس توعدني قدام الخلق كلها يوم رجوع مهجة بالسلامة تكتب عليها. لو فزت، ندينا منك." فراغ فراس ورفع نبوته بوجهه وقال: "وريني كيف راح تفوز لأجل تستحق خيتي يا ولد الشيخ." رفع خلدون نبوته، فناوره فراس كثيرًا كي لا يصيبه من أول مرة. تركه يباريه لكي يثبت حقه في منافسته، واستغرب حماسه وهو يعلم جيدًا بأنه لن يستطيع هزيمته، لكن رغبته في إثبات أحقيته بأخته جعلته يحاول بكل الطرق هزيمته.
ظل التنافس بينهم متكافئًا، إلى أن بدأ النزال من فراس يأخذ طابع الجدية، فلم يستطع خلدون الصمود أمامه كثيرًا. وقعت نبوته من أول ضربة قوية لفراس. نظر إليه خلدون بانكسار لخسارته وخسارة فرصته للزواج من أخته. إلا أن فراس انحنى وأخذ نبوته وأعطاه له وقال:
"انت راجل زين يا خلدون وخسارتك ما تقل منك. انت بنظري كسبت، يكفي ما هربتش من التحطيب قدامي كي العرسان اللي خافوا من منازلتي. وليك كلمتي ويشهد علي الله أمام الكل، يوم تعود مهجة بالسلامة هعقد لك عليها بإذن الله." ثم ربّت على كتفه وشد عليها وقال: "يا بخت مهجة بيك، هتاخد راجل يصونها ويحميها بروحه." جذبه إلى صدره واحتضنه بأخوة، فصفق لهم الجميع. إلا أن فراس وقف أمام العرسان وقال بثقة:
"قلت لكم رفضتوا تنازلوني، كل واحد لحاله. أنا جاي رايد إنزالكم كلكم، واللي يوجع منكم نوبتي، الله في سماه لأزفه إلى داره وأنا حامله على كتفي. ها، متفقين يا رجالة؟ تحمس الشباب وتجرأوا جميعًا على منازلته، فكانت ملحمة والتنافس بينهم على أشده، لكن لم يستطع أحد أن ينال من فراس، بل أوقع هو نبوتهم جميعًا، ليصفق الجميع له.
وتستمر الليلة الجميلة التي كانت السعادة تعم قلب الجميع، بعد أن انتهى الثأر والدم وعاد الوئام والسلام بينهم. إلا مهرة، التي كانت تتوسط البنات وقلبها يحترق شوقًا إلى زوجها، الذي كان حديث النسوة والبنات بعد تنافس التحطيب. وكلهم كانوا يحسدون مهرة عليه، وكيف أنها استطاعت أن تكسب قلبه، هذا الرجل المهيب الشجاع.
لكن ما جعلها تشعر بالفخر حين تحدث الجميع عما فعل في الصلح، وحكت لها زينب كيف جمعها مع فيصل. كم سمعت عن أماني البنات والنسوة بزوج مثله، عاشق حنون، ورجل تخشاه الأسود وقلب لا يعرف الخوف. كل هذا جعلها تشعر كم هي محظوظة بزوجها، برجل مثله أصبح حديث الكل، يحترمه الكبير والصغير، لتشعر بالفخر بانتسابها إليه وأنها هي وحدها من تملك قلبه.
إلى أن رأت رئيسة، التي كانت تتمايل على فراس بطريقة جعلتها تثور على زوجها، كيف يتشدق الجميع بحسن ما فعل ويترك نفسه لعبة لهذه الغجرية تسرق مجده. خرجت من وسط الحريم لكي تطلب منه أن يضع حدًا لهذه الغجرية اللعوب، إلا أن قابلها أبوها وأوقفها قائلًا:
"اسمعي يا مهرة، بعد حكاوي جوزك اللي الكل بيمجده بيها بعد اللي عمله في الصلح، واتسبب في تخليص البلد من سرقة المطاريد والجميع، بيقدره وبيحترمه. أظن لو طلبتي الطلاق منه دلوقتي مش هيرفض، لجل ما يضيع هيبته." ثم رمق فراس الجالس وسط الناس بسعادة والكل يتقرب إليه ليكسب ثقته ومودته، من المأمور للعمدة والأكابر، وأكمل:
"أنا جاي بكرة آخدك وأطلب منه يطلقك، بدل ما أفضحك، وهجيب معايا شيخ الجامع، هو بيحترمه وبيسمع له. فاهمة حديثي زين؟ المهم تروحي الليلة معاه، بس لمي خصلاتك وحوايجك لحد ما أجيلك بكرة آخدك. اتفقي؟ نظرت مهرة إلى أبيها بذهول وحزن كامن في عيناها: "هل آن الأوان لفراق فراس؟ كيف وهي تذوب به عشقًا ولم تعد تحتمل فراقه أو البعد عنه وتغير عليه بجنون؟
لم يعطها أبوها فرصة أو مهربًا لكي تأجل ما عزم على فعله، وانتظار ردها، بل تركها وعاد إلى مكانه وسط الرجال.
وقفت مهرة حزينة أمام الباب لا تعلم إن عادت إلى الداخل وتسمع انبهار الجميع بفراس، كيف يرونه فارس مغوار ورجل بمعنى الكلمة، غير حسدهم لها لأنها زوجته، حتى وصل الأمر أن تمنت، أحدهم لو أصبحت زوجة ثانية له وتشاركها فيه. أم تظل مكانه ترى تودد الغجرية إلى زوجها، تلك المرأة التي ملكته وأرضته، في حين هي من يتمناها لم تنل عشقه إلى الآن، رغم غفوها يوميًا بين أحضانه.
لمحها فراس تقف حائرة، فأرسل إليها جعبل لكي يسألها عن سر وقوفها هكذا وعدم جلوسها بين النسوة. "دنا منها جعبل وسألها إن كان تريد شيئًا يفعله لها، فقالت له بغيرة تأكلها: "أيوه يا جعبل، قول لفراس إني تعبانة ورايدة أروح الدار أرتاح. هيجي يوصلني ولا تيجي أنت معايا؟ استأذن منها جعبل ليبلغ فراس بما طلبت. ذهب إليه وأبلغه ما قالت. ارتبك فراس من قولها بأنها تعبانة، فقال له بلهفة:
"روح بلغها تجهز حالها. هاخدها وأروحها، بس لو سمحت من الرجال، وأحصلها." وأثناء خروجه، أمسك رئيسة من يدها وجذبها للخارج وقال: "أنا رايد أفهم يا رئيسة، ليه الرقص وسط الرجالة كده؟ هو أنا مش بعطيكي اللي يكفيكي وزيادة؟ يا بت، ودرّدت عليه بتنهيدة وقالت: "حصل، بس الليلة فرحة للبلد كلها، وأنا رقصت لأجلك يا سيد قلبي وسيد الناس وتاج راسي." طالعها فراس بعصبية ونهرها بحدة:
"وبعد ده كله يا رئيسة، خلصي في حكايتك. أنا ماشي دلوقتي وأنت كمان امشي بعدي، يكفي عليكي كده وروحي لخيمتك." هزت رأسها بالموافقة، قالت له بإصرار: "حاضر من عيوني، بس أنا رايدة تمر عليّ بكرة عشية. أوعاك تنسى، محتاجالك في موضوع ضروري." ربّت فراس على خدها وقال لها بحنان أخوي: "وليه بكرة؟
أنا هعاود مهرة للدار وهمر عليك. بالمرة تغيري على الجرح، لأنه بيألمني عن كل مرة. الظاهر إنك آخر مرة ما نظفتيهوش زين. المهم، هما خلصي أنت وعودي لخيمتك، على ما أوصل مهرة وأمر عليك." ارتبكت رئيسة ونظرت إلى القمر الذي اختفى من السماء، وقد أوشك على حلول الهلال الجديد في اليوم التالي، الذي سيكون بداية العمل السفلي لكي يقع صريع هواها، كما قالت لها العرافة. فابتسمت باستحياء وخبث وقالت له برجاء:
"وحياتي عندك يا فراس، خليها لبكرة. أصلًا هروح تعبانة، وأنا رايدة أقعد معاك هبابة زي زمان. ولا خلاص جوازك من بت الخوجة نساك خيتك رئيسة، كي ما بتقول؟ تأفف فراس من إصرار رئيسة لحضوره بالغد، وقال لها على عجل حين رأى مهرة تنتظره: "اسمعي، أنا تعبان. لو قدرت أتحمل لبكرة، تمام، هجيلك بكرة. ما قدرتش، هجيلك بعد ما أوصل مهرة. سلام." تركها وذهب إلى مهرة التي كانت تنتظره على أحر من الجمر.
ودون أن يحدثها، أخذها عائدًا إلى داره، وهي تمشي وراءه والغيظ والغل والغيرة تحركها. ما إن دلفت إلى الدار، سألها فراس بقلق: "طمنيني، إيه اللي تاعبك؟ كنتِ زينة قبل ما نخرج. إيه قلتي حاجة في الليلة تعبت معدتك، كالعادة؟ ردت عليه باقتضاب وقالت:
"لأ، تاعبني أفعالك. ليه دسيت عليّ إنك السبب في الصلح وكل اللي حصل الليلة كان بسببك. الكل نظر لك رجل ما جابتهوش ولاده، وكلهم بيتمنوا رجالتهم يكون في هيبتك ومقامك. كنت فخورة بيك كي العرايس اللي بيحكوا وبيتحاكوا بنسبهم." ابتسم إليها فراس بألم حزين من موقفها تجاهه وقال: "زين إنك كنتِ فخورة بيا. مش خجلانة إنك مرتي؟ والحمد لله إنك بخير دلوقتي. أهملك أنا وأروح أكمل الليلة."
ليسمع طلقات نارية متعددة، إعلانًا بانتهاء الليلة وزف العرسان إلى عرائسهم، فضحك وقال: "طيب، زين إنها خلصت لأني تعبان وما كنت هقدر أكملها. يلا ادخلي أنت، غيري خصلاتك، ولو اتأخرت، انعسي." أمسكت ذراعه حتى لا يتركها ويغادر، وسألته بحيرة: "على فين رايح دلوقتي؟ ما الليلة خلصت، وأنت قلت تعبان. ادخل ريح جتتك، ولا أنت غاوي تعب؟ نزع يده عن ذراعها ونظر إليه بشوق قاتل، وزفر أنفاسه الحارة في وجهه بنفاذ صبر أوشك على الانفجار وقال:
"أنا تعبان قوي يا مهرة، وراحتي مش بيدك، لأنك مريداني. روح لرئيسة تريحني. أهملني لحالي، الله لا يسألك." شعرت مهرة باستنزاف قواه، أشفق عليه من عشقه الذي يشعل نارًا والاحتياج بداخله، فقالت برجاء: "بالله عليك يا فراس، بلاها رئيسة الليلة. مش الكل يحلف بيك وبرجولتك، وأنت تضيع كل ده في حضن الغجرية؟ ادخل اتوضى وصلي ركعتين لله واستغفره، وبعد عن الحرام." أمسكها من كتفها وهزها بقوة وصاح فيها بقلب أضناه الشوق:
"واه، ومين بيدفعني للحرام؟ مش مراتي اللي مريداني تيسر لي الحلال؟ أهمليني يا مهرة، وبيكفي عليكي وعدك لأبوك." ضغط على فكها بغيظ، وهي تراه يجهز حصانه، وقالت بحدة: "لو رايد تروح للغجرية، وديني دار أبويا. لا أقسم بالله العظيم هتخرج من هنا، وأنا هخرج لحالي في العتمة، أروح ليه." نظر إليها فراس شزرًا ودفعها إلى غرفة نومه وقال:
"ماشي يا مهرة، بكيفك. غيري خصلاتك، وهما لأجل أوصلك لدار أبوك يا بت سمعان. أنا هستناكي بره. هما، خلصي حالك." خرج وتركها وحدها تغير ثيابها، وأمسك لجام حصانه وجذبه بغيظ من عنادها معه وقسمها عليه. وطال انتظاره ولم تخرج. شعر بالقلق عليها، فدلف إلى الدار وأخذ ينادي عليها، لكنها لم تجبه، مما جعل قلقه يزيد عليها. فطرق باب غرفتهم ولم ترد. دفع الباب بقوة ودلف إلى الداخل، ليرى من خلال ضوء القنديل الخافت جسدها المسجى على الفراش.
جرى وزاد من إضاءة القنديل، فراها بهيئة لم يتخيلها يومًا. كانت ترتدي ثياب نوم حريرية حمراء ذات ألوان زاهية ولامعة، وأطلقت شعرها الذي حرصت على ألا يراه من يوم زواجهم، وتوسدت الفراش بأريحية، فأشعلت مشاعره بها. فسألها بتوتر: "أباه عليكِ وعلى دلالك يا مهرة. جولي لي، هتروحي لأبوكِ بخلجاتك وشكلك ده ولا إيه حكايتك؟ رفعت ساعديها واتكأت عليهم، ناظرة إليه بخجل:
"لأ، أنا مش ههمل داري ولا أنت كمان هتهمل الدار. أنا مريداني ما تضيع أفعالك الزينة في الحرام. هما اطلع أجري انعس."
غامت عيناه بشكل خطر، وأخذ ينظر إلى عينيها اللامعة ببريق ينير عتمة ليله، وجيدها المرمري الذي ظهر بوضوح من خلال ثياب نومها المكشوفة، وراح يتأملها بعشق من عينيها التي تشع ببريق لامع وشعرها الأسود الذي ينسدل بانسيابية على كتفيها وظهرها، إلى جيدها الناصع البياض، وشفتاها الخمريتان، فأراد التهامهما ليروي ظمأ شوقه إليها، ووجنتاها اللتان تضرعتا بحمرة الخجل، فصارت الدماء تغزوهم بشدة كأنها ستخرج من خلالهما.
أخذ نفسًا عميقًا ملأ به صدره الذي ضاق من سرعة تنفسه، وملس على وجنتيها لعلّه يستشعر سخونتهما الذي جعلتهم حمرتين هكذا، وقال بصوت متضارب بين أحاسيسه الجياشة وسيطرته على نفسه الذي كاد أن يفقدها بلا رجعة: "ما بين إنك محمومة يا مهرة. انعسي يا جليبي، وأنا ههملك ترتاحي، لأنك مريداني تفهمي كيف أنا تعبان وأصلًا. وبعد ما نظرتك دلوقتي بحالتك دي، تعبت أكتر. سلام." نهضت وأمسكت يده برجاء، وقالت على استحياء:
"لأ، ما تملنيش يا فراس. مريداني لك الحرام بعد الليلة. الحلال راح يغنيك، ولا غيرت حديثك، تصدق أذناك ما يسمعه. هل توهبه مهرة نفسها لتعصمه من الحرام الذي تظن أنه يسير فيه؟ أم هي الغيرة عليه من رئيسة؟ لم يستسلم لظنه ووقف أمامها يتأمل جمالها بعشق وقال:
"أنتِ جميلة قوي يا مهرة. كل ما فيكي جميل. روحك وعيونك وقلبك ووفاؤك. ما أحب على قلبي أملك كل الجمال ده وأعشقه ويكون خالص لي وللأبد. بس أنا راجل عاشق، وأخذت عهدًا على نفسي ما المسك إلا برضاكِ، ورايد أسمعها صريحة منك دلوقتي. خابرة الحلال اللي رايده منكِ إيه؟ يعني هيكون بيناتنا كيف؟
جلست على الفراش بتهالك ونكست رأسها أرضًا بخجل. دنا منها ووقف أمامها ورفع وجهها إليه، وبظهر يده ملس على وجنتيها برقة وبلا هوادة، استمر بحركة دائبة لا تتوقف، وهو يقول بصوت خامل حنون مشبع بالاشتياق: "ريداني يا مهرة، ريداني أبقى رجلك وشريك حياتك. جولي يا جليبي، رايد الحلال بيناتنا. انطقي يا بت." لم ترحمها يدها التي تملس على وجنتيها برقة وتملك، فجعلت عينيها تغيم وتتحشرج الكلمات في حلقها فلم تنطق.
أغمضت عينيها وأراحتها على يده الحانية التي تملس خدها. ثم انتفضت على صوت لا ينقطع من الطلقات ابتهاجًا وفرحًا. ابتسم فراس وقال لها بغموض ومكر: "الليلة اتزفت أربع عرايس، وليلتهم بين أزين ما حصل. سامعة ضرب النار؟ خابرة معناه إيه؟ هو ده الحلال اللي هيكون بيناتنا. جولي يا مهرة، ريداني والليلة تكون ليلتنا زيهم. ردي وريحي."
عادت ونكست رأسها، لكن فراس لم يرحمها وأصر على أن تبوح بموافقتها حتى لا يشعر بأنه استغل غيرتها وفرض نفسه عليها. فأكمل ما يفعله وزاد عليه بحضن وجهه بين كفيه وقال: "بلاش ريداني، مدام خجلانة من جوزك، راضية عن جوازنا؟ هزت رأسها بالإيجاب، فضحك وراح يزيد من مرح يداه على وجهها وشعرها وقال بإلحاح: "لأ يا جليبي، رايد أسمعها بودني منكِ. دي ليلة العمر كلها، ومريداني فيها ندم ولا حسرة. جولي، راضية عن جوازنا؟
ابتلعت مهرة ريقها بصعوبة، وهي تحرك رأسها مع لمساته الناعمة على وجنتيها برومانسية حالمة، فدغدغ مشاعرها الفتية وأجبرها رويدًا رويدًا على الاستسلام لهذا العشق، وقالت بصوت خافت خجول: تنهد بقوة وأخذ نفسًا عميقًا وقال بهدوء أدهشها:
"أشهد أن لا إله إلا الله. أكده نجول إن ليلتنا بيضا، واللي عملته خير عاد لي. وكي ما جمعت العشاق، جمعنا الله بيكِ. همليني دقيقة، أربط الحصان وأحط له الأكل، وأجيبك أسرقك لدنياي وأهرب بيكي يا جليبي للعشق اللي ما بعده عشق."
خرج مسرعًا إلى الخارج، وظلت مهرة على الفراش تنتفض من لحظة الحقيقة التي حانت ولن يتراجع فراس عن نيلها بعد أن منحته رضاها. فكرت كثيرًا بأن تتراجع، لكن كيف وأبوها سيأتي في الصباح لكي يأخذها إلى داره ويطلب من فراس أن يطلقها، لتحسم أمرها. هي عاشقة لزوجها ولن تستطيع تركه، وقررت أن تبعده عن الحرام بأفعالها وليس بالبعد عنه. لقد اختارت حياتها مع فراس، رغم رزقه الحرام، على وفائها بعهدها لأبيها والبعد عن زوجها.
عاد فراس وأغلق باب الغرفة بإحكام، ونزع جلبابه ودنا منها وملس على ثياب نومها الحريرية وتنهد شوقًا وقال: "اجعليها، رايد أتمتع بجمالك يا جليبي." ارتبكت مهرة وتمسكت بثيابها بقوة وقالت: "لأ، أكده هبرد وكمان أنا مستحية منك. مخبراش إنك جريء أوي أكده. اتحشم كده واهدى عليا." غامت عيناه بغموض وقال برغبة: "واه، راجل مشتاق لمرته والليلة ليلة عرسه. ريداني إيه؟
بطة بلدي، مكفكيش شهر بطول ناعسة في حضني كي خيتي. ثم عيب جوي في حجي لما تقولي هتبردي، وحضني اهو يدفيكي، أصلك مخبراش النار اللي الي في قلبي دلوقتي." أخذ بعض أنفاسه وزفرها على صفحة وجهه الحمراء وقال: "واه يا مهرة، لو تدري اللي مخبي لكِ جويا، هترمحي رمح من قدامي وتجولي ياريتني ما وافقتك. رايدك بجنون يا جليبي." وقبل أن تستوعب ما يقول، قرن حديثه بالفعل ونزع عنها ما ترتديه ليضمها إلى صدره الدافئ بتملك ويحكم سيطرته عليها.
ليشق سكون الليل صياح يهز جدران الدار…..؟!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!