الفصل 26 | من 30 فصل

رواية فراس ابن الليل الفصل السادس والعشرون 26 - بقلم سلمي سمير

المشاهدات
20
كلمة
5,383
وقت القراءة
27 د
التقدم في الرواية 87%
حجم الخط: 18

في دار عثمان الجبري، دفعت فاطمة زوجها برفق لكي توقظه وقالت: سلطان، جوم. كفياك نوم الضحى، هيفوتك. فتح عيناه بصعوبة ونظر إليها وابتسم ببشاشة وهو يجذب يدها لكي تمدد جواره: اطلعي جاري، انعسي هبابة. لساتي مشبعتش من حضنك. أبعدت نفسها عن يده وقالت بجدية: وبعدهالك يا سلطان. مكفاكش ضيعت علينا صلاة الفجر. جوم نصلي الضحى وبعدها هنعس جارك كي ما تريد. فتح عيناه بقوة وحامت عليها بتمعن وقال:

انت جميلة جوي كيف أكده. جوليلي يا فاطمة، هو أنا مسعود ولا ندرت ليلة القدر وأنا مخبرنشك؟ وست رأسه أرضاً خجلاً من مديحه لها، فرفع وجهها ونظر إلى عينيها بعشق وصاح صاخباً: واه يا بوووى، أنا هجوم أحسن تزعلي لو حبستك بين أحضاني. دلُوك وهيبجي لي حق بعد خدودك اللي بقو كي التفاح الأحمر وعايزين يتاكلوا. وكل همي يا ست البنتة نتوضو ونصلي وبعدها ناكل التفاح وناكلك.

ابتسمت بعفوية فضمها تحت جناحه وخرج بها من الغرفة قاصداً المرحاض. وأثناء سيرهم سألها باهتمام: جوليلي يا فاطمة، مرتاحة ويايا يا ست جلب؟ ردت عليه بنظرة عشق ألهبت عشقه لها فقالت:

مرتاحة وراضية وسعيدة، لأنك راجل زين. عصبي شويا، مندفع هبابة، لكن جلبك كي البفتة البيضا وده مفرح جلبي جوي. لأن أصلك الطيب طبعك بس بتداري، وكمان اتجيت الله فيا وعملتيني زين رغم الدم اللي كان بينتنا. كله ده خلاني واثقة إن ربنا راضاني بيك كي ما بتجول إنه رضاك بيا. والحمد لله بجيت حبيبي وجوزي وسيدي وبيك استكفيت من الدنيا كلها. وقفت سلطان عن المضي قدماً وأخذ بيدها لتقف أمامه ونظر إليها بعمق كأنها يخترق روحها النقية وقال:

الله في سماه يا فاطمة. أنا لو طلبت الجنة ما هتكون كي طيب لسانك وروحك. جوليلي، عملت إيه طيب لأجل تكوني نصيبي ويكتب لي ربنا نعيم الجنة في الأرض معاكي؟ لمست على خده وقالت بهدوء ودلال: رضيت بقضاء الله وكنت سبب لوقف نزيف دم رجالتنا، وكمان وده الأهم عندي إنك جبلت بيا نصيبك رغم إنك كنت مختار زينب. وجبل كل ده لازم تتأكد إن جوزانا من تدبير ربنا. يعني من يوم اتولدت أنا ليك وانت نصيبي، فهمت يا رجلي؟

طوق خصرها وحملها ولف بها وصاح بصوت عالٍ: يابوي، ولدك كسب الدنيا والآخرة. واصل يا بوي، بجوازي من فاطمة ربنا أعطاني خير متاع الدنيا، وبصلاح حياتي معاها بإذنه هنال الآخرة. أحمدك يارب. مالت فاطمة على كتفه وهمست بدلال: طيب نزلني وهم نصلي وبعدها تاخدني في حضنك لجل أسعدك وأكثر من حسناتك ورضاك عليا. ضحك بقوة وأنزلها وأخذ بيدها لكي يتوضأ وبعدها صلى بها. وأكمل حديثه بتعجب من نفسه وقال: أجولك على حاجة؟

أنا كنت بكره فراس وحاقد عليه، لكن دلوك رايد أحب على راسه وأشكره. لأن بسببه ربنا أكرمني بيكي. ابتسمت بهدوء يعكس هدوء نفسها وطيب روحها: فراس كان سبب لأتمام إرادة الله، وربنا يسره لخدمة الناس. لأنه راجل زين وبينه وبين ربنا عمار. لأجل أكده بيكرمه بأفعال الخير وياخذ حسنات من حب الناس ودعواتهم ليه، كي ما انت دلوك بتدعيله وبتتمنا له الخير. تنهد سلطان براحة وقال:

أنا دلوك واثق إن فراس ابن حلال. مش كي ما الكل بيقول عنيه شيطان. لأ ده ملاك في هيئة بشر. كي ملاكي فاطمة اللي ربنا أكرمني بيها وهكمل حياتي معاها. وأشكر الله لأنه اختارك من نصيبي، يا وش الخير عليا. *** في دار جابر الجعفري، استيقظ سليم قرب الفجر وخرج مع أبيها إلى الجامع لكي يصليه حاضر. ثم عاد إلى الدار فطلب أبوه من النسوة اللاتي يخدمن بالدار بتجهيز صينية لوالدته وصينية أخرى لدار ابنته. وشد على يد ولده وقال:

خد الوكل لأوضتك وكل مع مرتك لما تصحى. هملها ترتاح وتجوم براحتها. أول ليلة بتكون صعبة على البنت. ضحك سليم وقبل يد أبيه وقال: دي مجنونة يا بوي، لكنها خفيفة ودمها موافق دمي. أجولك أنا عشقتها من أول ليلة. أنا هشج ريقي بكبابي حليب وأدخل الخلوة أجود جزء من القرآن على ما تجوم براحتها. ربت أبيه على كتفه وخلع عنه عباءته وقال: خدني معاك أشكر ربنا على كرمه علينا. بستر خيتك مع ولد عمها وأنت بجوازك من بنت زينة ومليحة كي خديجة.

ودخل الخلوة وظلا يقرأ القرآن سوياً بالتجويد إلى أن جف ريقهم. فقال أبوه: أنا جوعت. بجولك إيه؟ جوم روح لمرتك. أنا هنزل الأرض. أندر المزارعين راو الأرض ولا لأه. ولما أعود هفطر. تنهد سليم براحة وقال: لأ، استنى يا بوي. هدخل أغير خلجاتي وألبس جلبابي وأجي معاك أندر الأرض ونمر على خيتي نبارك لها بالمرة.

سبقه جابر إلى الخارج ودلف سليم إلى غرفته فرأى خديجة ما زالت نائمة. ابتسم ودنا منها وملس على خدها بحنان وأبعد عن عينيها خصلة هائمة على وجهه، فتنهد بقوة وقال: مخبرش هزة جلبي كيف بشجاوتك يا خديجة، لكنك دخلتيه وجمعتي فيه يا بت الآية. فتحت عينيها بقوة وابتسمت له وقالت: لكن أنت مجامز في جلبي من سنين. جولي، هملتني وروحت فين؟ من بدري بستناك. حامت عيناها بتساؤل: يعني صحيتي من بدري؟

طيب ليه مجتيش صليتي وفوجتي بدل ما أنت نعسانة وخملانة على حالك أكده؟ سكتت. فتركها وخلع جلبابه الأبيض قبل أن يرتدي ثيابه لكي يخرج لأبيه. نهضت بسرعة من على الفراش واحتضنته من ظهره وقالت بعشق جارف: جومت وصليت، وجولت أكيد بتصلي الفجر وهتعاود. لكنك اتأخرت وخجلت أخرج بره وأجعد لحالي. جولي بجي، أنت هتلبس أكده وهتملني وتروح فين؟ أنت ناسي إن اليوم صباحيتي وأهلي هيجو يباركولنا. هجولهم إيه لما يسألوا عنيك ويعرفوا إنك مش موجود؟

هيحسبوني طفشتك. استدار لها ووضع يده حول خصرها بدون أن يحتضنها وقال: أيوه، جوليلهم طفشته بجنوني يا مجنونة. وضحك حين رأها قطبت ما بين حاجبيها بحزن فأكمل: لأ يا جلبي، أنا هدلي الأرض مع بوي اليوم. يوم الري بتاعنا مش عايزين يفوتني للزرعة تخرب. وبعدها هنمر على زينب نبارك لها وهعاود طولي. مش هتأخر عليك. فكت يدها من حول خصرها وجلست على الفراش وقالت: طيب، هما روح لبوك لجل ما تتأخر عليه.

تمددت على الفراش وجذبت الغطاء حتى وجهها. شعر سليم أنها زعلت. دنا منها وجذب الغطاء عن وجهها ابتسم وقال: طيب، الجميل زعلان ليه؟ لو كنت صحيتي قبل ما أجول لبوي أنا هروح معاه، كنت فضلت جارك. أجولك، جومي ناكل لقمة سوا. أنا مفطرتش ومستنيكي قبل ما أهملك وأخرج مع بوي. نظرت إليه بطرف عينيها وقالت فجأة بمرح: طيب، هما بينا نفطر مع بوك. عيب نفطر لحالنا مدام صاحية.

استغرب سليم حماسها المفاجئ وخرج وراءها من الغرفة فرأها تنادي أباه وطلبت منه أن يشاركهم الإفطار. لم يحرجها جابر وقبل دعوتها، وجلس معهم لكي يفطر. هذا وقد أضافت خديجة بشقاوتها نوعاً من المرح على جلستهم القصيرة، في أول مرة يجتمعوا كأسرة. بعد الانتهاء من تناول وجبة الإفطار نهض جابر وهم سليم لكي ينهض هو الآخر لكي يرافق أباه. فاستوقفه أبوه وقال:

لأه يا ولدي، خليك مع عروستك وعشها. بعد ما أهلها يجو ويباركوا لها، روح بارك لخيتك. سلام. أنا. خرج جابر وتركهم ينعمون بالحياة الزوجية. نظر سليم إلى زوجته التي كانت تبتسم بمكر وقال: طلعت واعر جوي يا خديجة، وأنا اللي بجول عليك طيبة لكن مجنونة. اتريكي ناصحة. أصريتي بوي يفطر معانا لجل ما ياخدني معاه ويهملني ليك لأنك عروسة كي خيتي. قال: اباه منكبس، أنت اللي جبته لنفسك. أما أوريتك وطلعتوه على عينك.

نظراته إليها أخافتها فهرعت إلى غرفتها وقبل أن تغلق الباب أمسكها من خصرها وحملها ودخل بها وأغلق الباب خلفها ثم ألقاها على الفراش وقال وهو ينزع ثيابه: اللي فات هزار. وجه وقت الجد يا عروستي. أنت ليلتك بيضا كي روحك يا واعر. بعشقك يا مجنونتي اللذيذة. ***

مر جابر على ابنته أخته فاطمة بارك لها واطمأن عليها. وبعد ذلك مر على فيصل وزينب الذي كان يومهم هزار وضحك واستعادة ذكريات الطفولة وأحلامهم التي وئدت بنصل الثأر الذي كان مسلطاً على رقبة فيصل. ليظهر فراس الذي جعل من المستحيل حقيقة يعيشونها ويسعدوا بها ويعوضوا ما فاتهم من حياتهم. أما فراس فكان ينعم بالعشق بين أحضان زوجته التي رضيت عنه ووهبته نفسها عن طيب خاطر فعاش السعادة التي حرم منها وعوض نفسها بحبها وأشبعها عشقاً معه. إلى أن وصلت الشمس إلى كبد السماء.

استيقظ فراس على طرق على باب داره واستغرب من سيأتي لزيارتهم الآن. ارتدى جلبابه على عجل وخرج لعله يكون جابر الجعفري، قد أتى له بشيء آخر بعد أن أصر في الصباح الباكر بإحضار الفطور له ولزوجته، كما فعل مع أبنائه معتبراً واحد منهم. فتح فراس الباب وانصدم برؤية سمعان ومعه شيخ الجامع. فابتسم لها ببشاشة وقابلهم بترحاب وحفاوة قائلاً: يامراحب يا مراحب، منور داري يا عمي أنت وعم الشيخ. أهلًا أهلًا بيكم اتفضلوا، الدار داركم.

دلف الاثنين ومن خلفهم فراس الذي طلب منهم الجلوس لكي يقوم معهم بواجب الضيافة وقال: الأول، تحبوا نشربوا إيه على ما نجهز الغداء؟ أنتو شرفتونا. طالعت سمعان بغضب وغيظ ووقف قائلاً: اسمع يا فراس، أنا لا جاي أضايق ولا رايد أجعد في دارك دقيقة. أنا جاي آخذ بتي وأمشي. قهقه فراس باستغراب وقال بحيرة من طلبه الغريب: يعني إيه تاخد بتك وتمشي؟ لو قصدك تزور، تطلب بالذوق. ولا ناسي إنها ومرتي وملهاش تخرج من الدار غير بإذني؟

وأنت شكلك جاي وخابر إنّي مش بالدار وده غلط في حقك. نظر إليه سمعان بتحدي وقال بغضب مكتوم: لأه، بتي مش مرتك ومش رايدها زيارة. أنا هاخدها داري على طول. ولعلمك، كنت خابر إنك في الدار، وجاي لأجل أجولك بيكفي لحد أكده وطلق بتي. أظن الجواز مش غصب. ابتسم فراس بتهكم: أطلق بتي؟ أطلقها ليه؟

وغصبانية كيف وهي وافقت على جوازنا برضاها مش كي ما بتقول. وأظن أنا مقصرتش معاها رغم أفعالك اللي رايد بيها تصغرني بأنك تصرف عليها في داري كأني مش راجل وأقدر أكفيها يا حضرة الخوجازاد. اخترع سمعان من وتيرة تحديه وقال بإصرار: لأه، بتي وافقت عليك بالغصب بعد تهديدك لها. ولا ناسي إنك خطفتها يوم خطوبتها؟ وخلاص عدى شهر وزيادة وتأكدت إنها لا رايدك ولا رايدة تكمل معاك. يباه، تطلقها بالذوق بدل الفضايح. وأنت خابر زين بتحدت عن إيه.

نهض الشيخ وجذب سمعان من يده ليجلس حين رأى الغضب يتجسد على ملامح فراس وقال بتراوي: مش أكده يكون الحديث يا سمعان. أنت جولت هتطلب مني يطلقها بالذوق وهو مريدش، وده حقه. إيه حجتك في إنك تفرج ببنتهم ولستهم متجوزين عن قريب؟ جولي، هي شكت مني في حاجة ليكه؟ هز سمعان رأسه بحدة نافياً شكواه وقال: لأه، محصلش. بس هي مريداش تكمل معاه، وهو خابر إنها مريدانيش. بيكفي لحد أكده ويهملها لحالها. اتسعت ابتسامة ساخرة على ثغر فراس وقال:

مدام مرتي مش اشتكت عليا، تعرف منين إنها مريدانيش. ومين جالي إن خابر إنها رايدة تطلق؟ جول أنت لو خابر. الشيخ منا وعلينا وكان شاهد على جوازنا. جول اللي عندك. تنهد سمعان وقال بتهديد: مابلاش يا ولد الناس وطلق بالذوق والحسنة وبلاها الفضايح. ضحك فراس بصخب وقال: اللي بيني وبين مرتي شي يخصنا لحالنا وبس، مش حدا تاني. لكني بجولك أها، جول أنا مبخافش لا من الفضايح ولا من كل كليلة. جول اللي جاي عشانه. زفر سمعان

بقوة وقال بعناد وتصميم: أنت خابر زين إنك مدخلتش على بنتي ولحد دلوك هي لسته بت بنوت لأنها مش ندراك رجلها. بيكفي يا فراس وطلقها. خبط فراس يداه في بعضهما البعض وقال بتهكم: وهو ده يعيبني ولا يعيب بتك لأنها عاصية؟ هي اتجوزتني برضاها وعاصية عليا ومش معنى إني بتقي الله فيها ده يجل من رجولتي. لكن أنت لما تطلقها بعد شهر من جوازها هتجول للخلق إيه؟ بتي عاصية على جوزها وطلقتها وهي لسته بت بنوت. متوقع حدا هيرضى يتجوزها بعد أكده؟

يباه، بتحلم. نكس سمعان رأسه أرضاً وقال بحزن: أنت السبب. خدتها غصبانية. ومعنى إنها عاصية عليك، يأكد لك إنها مش رايدك. واحد غيرك لو راجل يطلقها ويهملها لنصيبها. لأن عمرها ما هتكون ليك مهما حصل. طلقها وخلينا نخلص. أخذ فراس نفس عميق ونظر إليه باشمئزاز لإصرارها بعناد على التفريق بينهم. لا يعلم أن مسعاه لتطليقها ستبوء بالفشل بعد أن نكست ابنته قسمها معه ووهبته نفسها برضاها. قال:

حاضر، أنا موافق أطلقها لو هي رايدة والشيخ شاهد عليا. هدخل أصحيها واللي تجول عليه هيكون. عن إذنكم. تركهم ودلف إلى غرفته لكي يوقظ مهرة الغارقة في النوم بعدما أجهده لها. ملس على شعرها الناعم بحنان وقال بصوت هادئ: مهرة، مهرة، جومي يا جليبي. بوك بره ورايد مني أطلقك. استفاقت مهرة على صوته الهادئ ونظرت إليه بذعر. استغرب فراس ردة فعلها ونظراته المذعورة إليه فسألها: مالك اتخلعتي أكده ليه؟ مبين كنت خابرة إنه جاي؟

جوليلي يا مهرة، اتفقتي معاها ولا صدفة بعد اللي حصل بيننا؟ انطقي. أخذت تبلع ريقها وتبلل شفتيها التي جفت من الرهبة لمواجهة فراس الناظر إليها بغضب وقالت بتلعثم: أنا أصل أنا... امسكها من ذراعها وضغط عليه بعصبية: فهميني وأصل، أنت كنت خابرة إنه بوك جاي، وحج رايدة تطلقي. بس ليه بعد ما وهبتيني نفسك بكيفك؟ ولا الغيرة وكلت جلبك ورضيت لأجل تتأكدي لنفسك إن ليكي سلطان على جلب؟

انطقي أحسن لك. قصدك إيه بكل اللي حصل وبوك هنا ليه واليوم بالذات؟ نكست رأسها هاربة من نظراته الغاضبة التي تحرق وجدانها وتوقف الكلمات في حلقها وقالت بصوت خافت مهزوز: أيوه، كنت خابرة إنه جاي. وهو ده سبب رضاي ووهب نفسي ليك. أيوه يا فراس، متحملش أبوك يبعدني عنيك وفضلت أكون مرتك على إن أطلق، وأهمل دارك. أنزل يده عن ذراعها وملس عليها بحنان ليخفي من احمرارها وجلس بجواره ورفع وجهه بين كفيه وقال بهدوء:

طيب، ممكن تفهميني ليه مبلغتنيش إنه جاي؟ ومته اتفقتي على أكده؟ وافرضي متممتش جوزي بيكي كان هيكون إيه وضعك؟ ليه يا مهرة، مش صريحة معايا؟ لستك مش واثقة في؟ نظرت إليه بقوة ورأت حزنه الساكن عيناه، الذي إلى الآن لا تعرف آخر له. وهذا ما جعلها تشعر بالألم لأجله وتتمنى أن ترى الفرحة بهم يوماً. أسبلت عينيها بقوة وألقت نفسها على صدره وعانقته بقوة وتشبثت به كأنها تغرق وهو منقذها وقالت:

والله عشجاك كي ما عاشجني يا فراس. بس كنت خجلانه منك أجولها لك. انتظرتها تيجي منك لأول. لحد امبارح عشية في الفرحة، لما لقيت رئيسة بتتمايل عليك، كنت جيالك أعاتبك. لحجني بوي وجالي إن سمعتك الزينة هتخليك تطلقني لأجل ما تخسرها. وإنه هيجي بكرة مع شيخ الجامع ويطلب منك تطلقني. وجتها حسيت كأن حدا قبض روحي. وعاودت معاك وكلي أمل إنك تجول إنك بتتمناني. لكن لقيتك بتجول إنك هتروح لرئيسة. جولت مبدهاش، أنا أولى بيك وحصل اللي حصل.

ضحك فراس وضمها بقوة لصدره وتنهد براحة وقال: وأنا مش زعلان منك. دلوك اتأكدت مكانتي في جلبك يا عشجي روحي. أنت فضلتيني على أبوك وكسرتي وعدك معاها لأجل ما تفارقيني. ودي عندي كبيرة جوي يا جليبي. يرفع رأسها عن صدره وكفكف دموعها وابتسم لها بحنان: جومي البسي خلجاتك وأخرجي لبوك وجولي له إنك اخترتي حياتك معايا عن رجوعك ليه. وأنا هأهمل ليكم الدار، لأجل تاخدوا راحتكم في الحديت. أمسكته من ذراعه وطالعته بتعجب: على فين رايح؟

أنت رايد تضرني؟ اصبر للمسا على هلال العربي ما يهل. وكمان كيف يعني تهملني؟ أحدتت بوي لحالي؟ وحياتي يا فراس ما تهملني معاه. أنا خايفة وبيك بتجوي. ابتسم إليها بحنان وضمها إلى صدره وأخذ نفس عميق: مجدرش يا جليبي. أنا عاذر بوك في كل أفعاله ويايا. خدت بنته غصب عني ودلوك بنته كسرت وعدها معاه لأجل ترضيني. مينفعش أندار كسرت بنته ليه قدام عيني. بوك مجام عندي من غلاوتك. لو هان عليا أذيته هتهون عليا يا جليبي.

ربت على ظهرها برفق وأبعدها عن صدره ولف شاله وقال: مش بيدي واصل أكون معاكي. ده وعدك اللي أقسمتي عليه وأنت اللي بنفسك كسرتيه. واجب عليكي تحملي ذنب أفعالك وحدك. أنا هأهملك معاه ومتخافيش. بوك ميقدرش يأذيكي. هيزعل منك يومين ويروح، بإذن الله. ومتجلجيش، أنا مش هضرك، ولا هضر حالي. أكيد بخروجيه. خرج من الدار قدامهم وطلع على حصاني لفوق السطح وهفضل فوق لحد ما يمشوا. اتفجنا.

امتثلت مهرة لحديثه الذي يمثل عين العقل ويؤكد أنه رجل نزيه لا يجور أو يظلم إلا عن حق. فنظرت إليه بحيرة وهو يغادر غرفتها وتساءلت كيف لهذا الرجل الحكيم أن يعشقها لهذه الدرجة من الجنون، مما جعله يفقد سيطرته على نفسها ويخرج عن حكمته ونزهته ويختطفها حتى لا تكون لغيره. فتنهدت بقوة وأغمضت عينيها شاكرة ربها أنها وهبها عشقه كم عشقتها وأصبحت من نصيبه وامرأته. ابتسمت لنفسها بزهو، وتمنت أن يباركها أبوها لا أن يغضب عليها، لأن هذا أمر الله ولا رد لقضائه.

ارتدت ثيابها وخرجت لترى فراس يحدث أباه بصرامة: أنا هأمل الدار لأجل ما تجول بغصب عليها. بنتك هبابة وهتخرج ليكم. جول ليها: أنت رايدة، وقبل ما تجولي ارمي عليها اليمين لول. أنا هرد عليك وأطمنك. لو بنتك مشت معاك ورجعت ملجتهاش في الدار، هطلقها الليلة. أما لو رجعت ولجيتها يبقي الحديث بيناتنا اتجفل ومريدش أسمع منك كلمة تاني عن طلاقي ليها. وأعي لحديتي يا عمي. عن إذنكم، الدار دارك وعم الشيخ ضيفك. جوم معاه بالواجب.

وخرج من الدار كم وعد مهرة التي شعرت بحركته فوق السطح قبل أن تخرج لمواجهة أبيها الحاسمة: خرجت وهي ترسم ابتسامة صغيرة على وجهها المرتبك وقالت بتوتر ملحوظ: أهلا يا بوي، وقبلت يده وألقت السلام على الشيخ. رحب بها أبوها على ظهره بحنان وفرحة تترقص بقلبه وقال: خلاص يا مهرة، خدت وعد من فراس. لو خرجتي معايا دلوك هيطلقك ونخلص من الجوازة السودة دي. هما هات خلجاتك ويلا بينا. مطيقش أجعد في دار ولد الليل.

أخذت تفرك يديها في بعضهما البعض ونكست رأسها أرضاً وقالت بتردد وارتباك: بس أنا مجدرش أهمل دار جوزي يا بوي، إلا بإذنه. دنا منها أبوها ورفع رأسها ونظر إليها بحيرة: بجولك مش هيجى جوزك خلاص. لو خرجتي معايا دلوك هيطلقك. يلا خلصي حالك. مريدش حديث كتير ملهوش عازه. أنت مش هتباتي ليلة تاتي على ذمة ولد الليل ده. ابتلعت مهرة ريقها ثم عادت نكست رأسها بتوتر: بس أنا مريداش أطلق ولا أهمل دار جوزي إلا بإذنه. أمسكها أبوها

من كتفها وضغط عليه بغيظ: بتجولي إيه يا بت غالية؟ مريداش تطلقي ليه؟ مش واخدك غصبانية ولا لستك خايفة منه؟ ولا بجي جوزك بحج وكسرتي عهدك معايا؟ بس من مته وكيفك؟ ولا غصبك ولد حسنة؟ ارتجف جسدها بشدة ونظرت إليه بحزن وقالت: من يوم ما بطلت أجي حداكم. بس مجدرتش أجولك وفراس سكت على حديثك في حقه. وخوفت أجولك في الفرح تعملي فضيحة وأنا مريداش أكشف ستر حياتي مع رجلي. جلس أبوها منهاراً ووضع يده على رأسه وقال:

يا خيبتك التقيلة في بتك يا سمعان. أكده يا مهرة تكسريني وترضيه على حسابي؟ هان عليكي أبوكي وتربيتي فيكي؟ سلمتي نفسك لابن الليل الجاتل قاطع الطريقة. هزت مهرة رأسها بإنكار وجلست أمامه تترجاه وتطلب منه العفو والسماح والرضا: أبوس يدك يا بوي ما تغضب عليا، ومتجولش على فراس قاتل. ده راجل زين وسيد الرجالة. وأفعاله تتحدث عنه. جولي مين في البلد كلها ما يتمنى رجل لبتُه زيه؟

أنت فاهماه غلط. خابر إنه غصبك على جوزي منه لكنه عشجني وخلاني أعشجه ورضيت بيه رجلي. أبوس يدك سامحه واعتبره ولدك. هب ناهضاً وأزاح يديها من على يده وصاح فيها: ضحك عليكي كي الشيطان ما يضحك علينا ويغوينا. خلاكي عصيتي بوكي وربك لأجل خاطره. وجه اليوم اللي تأكلي الحرام معاه. كذبت مهرة أباها وقالت بثقة:

لأه يا بوي، فراس ولد حلال واللي جدر يوقف بحر الدم ويصلح من حال المطاريد استحالة يكون بياكل حرام. أنت بس اللي مش ناظر أفعاله زين، وغضبان عليه لأجل خدني منك غصب. فراس راجل صوح. من حجتك تتشرف بيه وتفتخر إن نسيبك مش تطلقني منه وتحرمني منه. ابتسم الشيخ وقال مؤيداً حديثها: حديثك صوح يا بتي. فراس راجل صوح يشرف اللي يناسبه. طالعته أبوها بغضب وضغط على فكه بغيظ وقال:

الف خسارة يا مهرة حبك عماكي وعشجتي ولد الليل. أنا مش مسامحك ولا هسامحه. ومن يوم وطالع أنت لا بتي ولا أعرفك. هعتبرك ميتة. عوضي على الله فيكي. عوضي على الله. دفعها من أمامه وخرج غاضباً من الدار. حاولت مهرة اللحاق به فاستوقفها شيخ الجامع وقال: همله. هياخد وجته ويروح. اللي عملته هو الصوح. فراس راجل ما يتعوضش وأنت رضيتي ربنا برضاكي لجوزك. مبارك يا بنتي وربنا يرزقكم الذرية الصالحة.

خرج وتركها تنظر إلى الباب الذي خرج منه أبوها مندفعاً غاضباً وناقماً عليها، فأجهشت بالبكاء بانهيار. فلم تشعر بفراس الذي نزل من فوق السطوح ودنا منها، ألمه بكاؤها وشعر بمعاناتها لفقدها رضاء أبيها فحاوط خصرها من الخلف وهمس في أذنها بحنان لكي يواسيها: حجك عليا. عشقي ليكي هو السبب، بس أوعدك هيجي يوم بوك يتشرف باني رجلك وهيسامحني على كل اللي حصل. لفت بين يداه التي تتوقها بحنان ونظرت إليه بحب، وألقت رأسها على صدره وتنهدت

بقوة وحدثت نفسها بحزن: ياريت مالك من حلال يا فراس. مكنتش حملتني ذنب الكذب على بوي. آه يا جليبي اللي عشجك ووجعني في الذنوب. لاحظ فراس تنهداتها فقال بمكر: وبعدهالك يا مهرة؟ أنا من يوم خرجت من الحبس متعودتش أتحبس. وأنت مش مهوني عليا حبستك معاكي وبتشوقيني ليكي. ومريدش أتقل عليكي بعشقي يا جليبي. أهدى أكده عليا وارحمني وارحمي حالك مني. حاكم شوقي ليكي غلبني ورايد أكلك وكله.

خرجت مهرة نفسها من جوف صدره ونظرت إلى عيناه العاشقة الممزوجة بحزن عميق وقالت: لو عشقي هيمحي الحزن من عيونك أنا أفداك بروحي يا جليبي. أخذ فراس نفس عميق أعقبه تنهيدة طويلة وقال بشرود: عشقك بيلهيني عن المي وأحزاني، لكن حزني محفور جواتيكي. نفسي ويوم أتحرر منه، مش هكون من أهل الدنيا. يعني حزني مرفقني طول حياتي، وأنت بس البسمة الحلوة اللي في دنيتي. لأجل أكده حافظت عليكي بروحي. ثم أمسك يدها فجأة وقبلها بتملك وقال:

وحياة أغلى ما في حياتك يا مهرة، ما تستكترش عليا فرحتي بيكي. يا عالم هيكون نصيبي منها جد إيه. كلماته الحزينة واليائسة جعلت قلبها يرجف من الخوف على فقده فضمت نفسها إليه وقالت بحرارة: لأه يا فراس، مراحش أحرمك من الفرحة وهعيشها معاك كي ما تريد. خدني لدنيتك واغرقني في بحور عشقك لو فيها سعادتك. ياريت بيدي أفرحك أكثر. والله ما هبخل عليك. وضع يده على بطنها فجأة وقال بجدية:

أهني هتكمن سعادتي الأبدية. ولد منك ومني يتربى في حشاك ويحمل سلسالي. هي دي سعادتي اللي هتبجي حتيلو. مت هيفضل ولدي يحملها بعدي. تجبلي يا مهرة؟ هزت رأسها بالإيجاب فتنهد فراس براحة واحتضنها بقوة وتجلت الفرحة على محياه مما أدخل السعادة إلى قلبها. فحملها وودخل غرفتهم لكي يغرقها عشقاً. ***

ومرت الأيام وحياة فراس ومهرة ملحمة من العشق لا تنتهي. لكن ظل ظنها في ماله الحرام يؤرقها كثيراً. أرادت البوح له بما يجول في عقلها وفكره عنه، لكنها كانت تخشى غضبه وسخطه من رفضها ماله إذا علم أنه لا تأكل غير من حلال، وهذا ما يدل أنها إلى الآن لم تمس ما يأتي به إليها.

ومع مرور الأيام بدأ جسدها يصيبه الهزال والسقم. احتار فراس في وضعها، لكنها كانت ترجع هذا إلى حزنها لمقاطعة أبيها لها. فكان يطلب من زوجة وهيب أن تقوم بتجهيز وجبة دسمة لها لكي تتغذى بعد أن أصابها الهزال. لكنها لم تأكل. وإن أكلت إرضاءً له، تجري بعدها إلى المرحاض وتفرغ ما أكلته. لهذا، بسبب عزوفها عن الأكل أصبحت تلازم الفراش بالأيام. وأيضاً لصيامها الدائم الذي يتخطى الأيام.

وبعد مرور أكثر من شهر على حالتها التي تسوء باستمرار، أصر فراس أن يأخذها إلى المركز للكشف عليها لكي يعرف ما أصابها وطلب منها أن تجهز نفسها لذلك. لكنها تأخرت عليها. وحين دخل عليها رآها مغشياً عليها وتنزف بغزارة. أصابه قلبه الهلع عليها. حملها ومددها على الفراش وطلب من زوجة وهيب ملازمتها إلى أن يأتي بالطبيب من المركز.

عاد بعد ساعة وكانت ما تزال غائبة عن الوعي. طلب منه الطبيب الخروج وانتظاره في الخارج. وظلت معه زوجة وهيب تساعده في الكشف عليها. أما فراس فكان في حالة لا يرثى لها من الخوف والهلع عليها. إلى أن خرج الطبيب وقال له: للأسف، زوجتك تعاني من أنيميا حادة وسوء تغذية وهزال عام. كل ده أدى لإجهاض جنينها. حدق إليه فراس بقوة وقال بانهيار: مهرة كانت حامل...

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...