عاد فراس إلى الدار بعد أن فاض لربه بما يحزن قلبه المكلوم. دلف إلى الداخل فتلاقت عيناه بعين مهرة الباكية، فسألها: "باكية ليه يا بت غالية؟ في حاجة مضايقاكي ولا اتوحشتي بوكي؟ أجابت مهرة ونظرت إلى عينيه الحزينة وقالت: "صعبان عليا منك يا فراس. عملتلك الوكل بيدي وهملته." ضحك فراس ونظر إلى الطعام الذي ما زال على حاله، وقال: "ريداني أضايف في بيتي؟
لاه يا مهرة، وكل بوكي ليكي، لكن وكلي هيكون من مالي. غير أكده لاه. لستك مخبرتنيش زين أنا نفسي عزيزة جوي جوي عليا يا جليب." نزع الجلباب وشرع في دخول غرفته، وقال: "أنا هدخل أريح جتتي هبابة، واعملي حسابك من بكرة هتروحي دار بوكي تجعدي فيها لحد ما أعاود آخدك. ماريدش أهملك في الدار لحالك طول النهار لاجل ما تتجنني." دلف إلى غرفته، فلحقته وأمسكت بذراعه، وقالت بأمل: "طيب قولي إيه يرضيك وأنا هعمله. مريداش أهملك حزين."
استدار ونظر إلى عينيها الساحرة، وحملها بين يداه وأكمل إلى الفراش وألقاها عليها، وتمدد بجوارها، وقال: "يرضيني حضنك، ونظرت عيونك اللي بتنور ظلام جلبي يا جليب فراس وروح روحه وعشقه المجنون." ضمها إلى صدره، اعترضت مهرة باحتجاج، وقالت بإصرار: "وحياة خيتك موهجة، جولي إيه يرضيك، وأنا ورحمة أماي لاعمله، مدام فيها رضاك." غامت عيناه وجال بعينيه على صفحة وجهها، وشدها إليه بقوة، وقال بغموض مريب:
"اللي يرضيني واعر عليكي، وانت مريدهوش. إرضاء لبوكي، فيكفيني حضنك وطبّي ساكتة. همليني أنعس بأحضانك." تململت بين ذراعيه بضراوة، فتركها ونظر إليه بضيق: "وبعد هالشيء مش مريحاني ليه يا مهرة؟ جومي فزي من جاري وهمليني لحالي. مريجش لدلعك." ظلت كما هي بلا حراك، وراحت تنظر إليه بقوة، فضمها إلى صدره وأغمض عينيه بدون كلام، فهتفت بحنان: "يا فراس أنا مجصداش برضاك إني أرضى عن جوازي منك. جصدت إن أرضيك لجل تعاود تاكل في الدار."
فتح عينيه وابتسم بعذوبة أذابتها، وتمنت أن تذوب هكذا بين يداه الحانية، فقال حين لاحظ شرودها: "مجدرش أنكر إنك رايدك حلالي، وشوقي ليكي مولّع في جلبي نار. رايد أكون راجلك برضاكي لجل تجفلي الطريق على بوكي اللي يريد يفرجنا. لكني هريحك يا مهرة، لو رايداني آكل من يدك وبداري، يبجي الوكل يكون من مالي، غير أكده لا. هايه جولك يا جليبي وروح فراس."
ابتلعت لسانها في حلقها، وصممت حتى لا تقول ما يجعله غاضبًا عليها، وتصرح له بأن ماله من الحرام ومن المستحيل أن تطعم جوفها من الحرام. أسبل فراس عينيه بريبة وابتسم: "أنعسي يا مهرة، أو همليني أنعس. مدام مجدرش ترضييني، لا بالحلال ولا إنك ترضيني على حساب رغبة بوكي في إني أكون مسؤول عنيكي وأصرف عليكي من مالي." أنهى كلامه، وبطيب نفس ضمها إليه بقوة وأغمض عينيه.
ظلت مهرة تنظر إليه بعشق يتغلغل داخل قلبها، رفعت عينيها إلى وجهه، تتأمل ملامحه الحادة الوسيمة، فرفعت إحدى أصابعها وملست على قسمات وجهه دون أن تلامسه. فتح فراس عينيه فجأة كأنه شعر بها، فارجعت يدها على صدره، فشدها إليه وقال: "مالك مخلوعة أكده ليه؟ عشجاني صوح؟ عيونك بتجول اللي دساه في جلبك. لميتي يا مهرة؟ هتعصيه وتعاندي حالك؟
عضت على شفتيها، فتنفس فراس بقوة، فنكست رأسها ودفنت وجهها في جوف صدره، ثم تنفست بحرارة، فضحك سخرية وشوقًا يجرفه إلى الهاوية، وقال: "لا فالحة! وأكده ريحتيني. جومي يا مهرة رايد أنعس. جولت." ضحكت على أفعالها المربكة، وقالت بحيرة: "مخبراش كي بتعشجني وصابر عليا. خابرة إن بتعبك بأفعالي الخايبة، لكني واثجة فيك إنك مش هتخلف وعدك معايا. بس اللي رايده أفهمه كي أنت متحملني ونار حبك حامية؟
رفع رأسها عن صدره وأخذ نفسًا عميقًا كأنه يشاركها أنفاسها المترددة والمرتبكة، قال بلهفة أشعلت شوقها إليه: "العشق يا مهرة، العاشق ميجدرش ياذي ولا يخون عشيجته. جولتي واثجة فيا، كي أخون ثقتك وأكسرها وأديلك من نظرك؟ صوح مرتي وخابرة زين إنك عشجاني كي عشجي ليكي، لكني صابر وهصبر وهتحمل، لجل ما تكوني حلالي برضاكي، وأسمعها منكِ. وجتها هعيش معاكي نعيم الجنة على الأرض بين أحضانك وعلى ضي عيونك. فهمتي كي متحمل وصابر عليكي؟
همليني بجي أنعس بيك. بكفي بنكوي بنار شوقي وعشقي ليكي." أغمض عينيه وهدأت أنفاسه، ففكرت أن تشكره وتواصل معه أطراف الحديث، وقبل أن تنبث ببنت شفتيها، فتح عينيه وجذبها إليه وقبل ثغرها بقوة فأسكتها، وقال: "همليني أنعس يا جليبي. مريدش تزيدي من شوقي ليكي أكثر من أكده. جوزك بيكفي اللي فيه واصل." صمتت مهرة بصدمة، أسبلت عينيها، شاعرة بالخجل بعد مبَاغَتِها بتقبيلها بقوة.
فتلمست شفتاها وابتسمت بزهو لأنها هي فقط من تملك مفاتيح هذا العاشق النزيه، فتنهدت بقوة واستنشقت أنفاسه وغفت بين ذراعيه. ...
مرت بينهم الأيام على وتيرة واحدة لا تتغير، في الصباح الباكر يأخذها إلى بيت أبيها، وبعد انتصاف النهار يعود ليأخذها. وما أن يدلف إلى الدار، يدخل غرفته ينام ساعتين، وحين يستيقظ يخرج من الدار ويتركها وحدها بالساعات لكي يقوم بجولته في الليل، لتعرف لماذا أطلق عليه لقب ابن الليل. وعندما يعود لا يحادثها كثيرًا، لكنها ظل حريصًا على أن يغفو وهي بين ذراعيه كأنها الحياة.
تملك الضيق مهرة بسبب معاملة فراس الفاترة لها، فأصرت أن تعرف سبب إقدامه على أخذها إلى بيت أبيها كل يوم، إلى أن أتى اليوم المنشود يوم الصلح، والذي تزينت فيه البلد فرحًا بنهاية خصومة ثأرية كادت أن تنهي على نسل شباب العائلتين. حين إيقاظها لكي يأخذها ويذهب بها إلى دار أبيها كالعادة، أمسكت يده قبل أن يخرج ويتركها ترتدي ثيابها، وسألته: "ليه يافراس؟ ليه بويه؟ وأنت خابر زين إنه رايد يفرج بيناتنا."
أنزل يدها عن ساعده بهدوء ونظر إليها بحيرة، وأردف: "لاجل ما أحس العيبة في حجي، لما بوكي يوكلِك وأنت في داري. لاجل أكده بهملك اليوم عنديه يصرف عليكي ويقوم بوجبة معاكي في داره، مش داري. لكن مجدرش أستغنى عن أحضانك كل ليلة، اللي ما صدقت بجت حجي. لولا أكده كنت هملتك في دار بوكي، لحد ما تعجلي وتجدري راجلك وتعرفي حقه عليكي." غمغمت بضيق ونكست رأسها أرضًا، وقالت:
"فهمت يا فراس، بس أنا مريدش أروح كل يوم. زهجت، وبجت أحس إني بخرب دارك اللي من حقي أعمرها. هما أنت لحالك وأنا هفضل بالدار اليوم، وهعاود أروح بكرة. رايد أكنس الدار وأرتبها كي كل مرة في دارها." أمسكها من يدها وجذبها إليه لتتلاقى عيناها بعينيه الحانقة بغضب لا تعلم لماذا، وقال: "وهو أنت مرتي ولا دي دارك يا مهرة؟
ولجل خاطر عيونك مش هزعلك. لو ريداني أهملك بالدار، على الأجل جهزي الوكل لينا بس من مالي. لكن لو هتجهزيه من حوايج بوكي ميلزمنيش. أنا خارج دلوك وهعاود بدري لجل الحق أنعس ساعتين قبل جلسة الصلح. سلام يا جليبي."
تركها تفكر بقلق في مستقبلها معه، كيف ستتقبل حياتها معه وهو يعيش من الحرام، فلو قبلت ماله ستحرق جوفها مثله. فهل تساعده وتقومه بأن تطلب منه المال لكن بشرط أن يكون حلالًا ومن تعبه وشقاه حتى تأكل منه، أم تكذب عليه وتجهز الأكل له من الأشياء التي أتى بها أبوها وتقول له إنه من ماله؟ هزت رأسها بعنف ورفضت أن تحمل وزر الكذب لكي ترضيه، وقررت أن تقبل ماله شرط أن يكون حلالًا.
خرج فراس من الدار قاصدًا الجبل لكي يهيئ فيصل لحضور الجلسة، وقال له كيف يرد على سلطان حين يطلب منه أن يتزوج زينب وأن يكون النسب مقابل الصلح. وطلب من الغول والديب تأمينه من بعيد تحسبًا لغدر منهم. انتصف النهار وعاد فراس إلى الدار، فرأى معشوقته بانتظاره، وقد قامت بتعديل الدار فبثت بها الحياة لوجودها فيها. ابتسم لها وألقى عليها السلام، ودلف إلى غرفته، ونادته مهرة قائلة بتوتر: "فراس لو طلبت منك حاجة ممكن تنفذها لي؟
لينظر إليه باستغراب ودنا منها. نظر إليه بغموض وأردف: "جولي وباذن الله مقضية لو على روحي يا جليبي." أمسكت يده وجذبته لكي يجلس على الأرض، وقالت: "اجعد أهني هبابة وهعاود." تركته وعادت وهي تحمل صينية للأكل ووضعتها أمامه، وبعدها أتت بالطبلية وأنزلت عليها الطعام من الصينية، وقالت: "خابرة إنك جولت ميلزمكش وكل من مال بوي، لكن لو جولتلك اعتبره عشيا كعروسة، كي ما كلت من وكل العمدة ووهيب وكل اللي باركونا."
غامت عيناه ونظر إلى ما وضع أمامه واشتهى طعامها، فأسدل عينيه وصمت برهة مفكرًا، ورد عليها بترو: "ماشي يا مهرة، رغم إن غرض بوكي مش المباركة، لكن هجبلها هالمرة لجل خاطرك ومش هتعاود تاني. أول وآخر مرة." تهللت أساريرها بفرحة وأخذت تقطع الدجاج وتعطيه له، لكنه لم يأخذه منها، بل دنا منها بوجهه وأخذه منها وتلذذ بطعمه، وقال باستمتاع: "طعم وكلك زين جوي يا بت غالية، ولذيذ."
أصابها الخجل واحمرت وجنتاها بشدة، فضحك ومد يده ليأكلها، كم فعلت ولم ترفض، بل فعلت كم فعل وتلذذت بطعم الأكل من يداه. كانت جلستهم سويًا كهدنة من الخصام، فظل يتحدثان إلى أن لاحظت مهرة أن عينيه تغفو بين الحين والآخر، فأشفقت عليه شاعرة بإرهاقه وطلبت منه أن يقوم ليستريح. تنهد فراس بقوة، وقال بحب ومودة: "مفيش راحة طول ما أنا محروم منكِ. أجولك هملي كل حاجة وتعالي أخْدِكِ بأحضاني، وجتها هرتاح."
لم ترفض طلبه وذهبت معه وتمددت إلى جواره لياخذها بين ذراعيه ويغفو ما أن أغمض عينيه. فنظرت مهرة إليه باستغراب وتساءلت إلى أين يذهب في الصباح كل يوم؟ ولماذا يعود منهكًا هكذا وينشد الراحة؟ لتدب الغيرة في قلبها حين تساءلت مع نفسها: معقول يكون متجوز علشان كده بيتعب ومش بياكل من أكلي لأنها مكفياه؟ تزمجر على أسنانها بغيظ وتقول: "والله لو متجوز يا فراس لأسود عيشك وأخليها مرار عليك."
وتتفرس ملامحه الهادئة الساكنة، فتنهدت بقوة وتضم نفسها إليه وتغمض عينيها لكي تنعم ببعض الوقت في أحضانه الدافئة. استيقظ فراس وقد دب النشاط في أوصاله بشكل مفرط، فنهض وارتدى ثيابه على عجل، وملس على شعر مهرة النائمة بحنان، وقال: "هتوحشك يا جليبي. آه يا مهرة لو كنت مرتي صوح ما كنت فرجت فرشتك لسنة جدام. ادعيلي ربنا يوفجنا لجل يتم الصلح على خير والعاشق يكون نصيبه معشوقته."
استقام وعدل من مظهره العام وهندامه، وخرج ليمتطي حصانه وينطلق إلى مجلس الصلح الذي كان يحضره لفيف من رجال الداخلية والمأمور وأكابر البلد ورجال الدين والعمدة. دخل عليهم فراس بهيئته المهيبة، فخطف أنظار الجميع بحضوره الطاغي، وقام جابر رحب به بحفاوة، وقال: "فينك يا ولدي؟ الكل حضر وكنا بننتظرك أنت وفيصل. فينه؟ ابتسم فراس وترجل عن حصانه، وترك لجعبل الذي كان بانتظاره، وقال له:
"هم يا جعبل هات فيصل وتعالي بسرعة متعوجش يلا هما." امتطى جعبل حصانه وانطلق به إلى الجبل كما هو متفق معه، أما فراس فصافح جابر وشد على يده، وقال: "قلتها عشر دجايج وفيصل هيكون أهني. المهم المأمور أجي والشيوخ وولاد عيلة الجبري ولا لاه؟ جذب جابر يده وأشار إلى المجلس، وقال: "كلتهم جوه بس كانوا في انتظار فيصل. أنت خابر هو وسلطان اللي هيجعل عليهم النسب بالبدل. والحمد لله إنك سبقت وجيت، مريدش أبدأ من غيرك."
ربت فراس على كتف جابر ودخل إليهم وألقى السلام. الكل رد عليه بلا استثناء وبسرعة، مما جعل المأمور يسأل العمدة عن هويته: "مين ده يا عمدة؟ شايف الكل بيهابه أو بحترمه. هو من أكابر البلد ولا واحد من ولادهم لأنه لسه صغير؟ طالع العمدة عواد فراس بنظرات متعددة بين الإعجاب به وبعنفوانه وشدة بأسه، وبين الخوف منه لقوته وجبروته، وبين احترام الجميع له رغم أنه قاتل وابن ليل. تنهد بقوة، ثم نظر إلى المأمور وقال:
"ده حفيد عيلة السوالمة، وهو اللي سعى للصلح ووفق بين العيلتين، علشان أكده الكل بيحترمه." تفهم المأمور سر مكانته، ونهض من مقعده ودنا من فراس، وقال له وهو يمد يده ليصافحه:
"أنت يسعدني أتعرف على البطل اللي كان سبب في إنهاء أكبر خصومة ثأرية بين عائلتين من أعرق عائلات الصعيد. رغم صغر سنك، لكنك عملت اللي مقدرش يعمله كتير من أكابر وشيوخ ورجال قانون، لكن واضح إنه مورث فيك، لأن من معرفتي بتاريخ البلد أن جدك الكبير سويلم كان هو كبير المجلس العرفي وكل الخصومات كانت بتتحل بوجوده." طالع فراس بهدوء مريب وابتسم بفخر، وقال:
"الشرف لينا يا حضرة المأمور، وفعلاً جدي سويلم كان كبير المجلس والآمر الناهي، وأنا كي ما بيقولوا العرق يمد لسابع جد، وبإذن الله هكون كبير المجلس وكبير البلد عن قريب." ونظر إلى العمدة بغموض، وقال: "ولا إيه جوالك يا عمدة؟ نهض العمدة ودنا منهم، وقال بتحدٍ غريب: "كله جايز بس هتفضل أحلام." وأكمل حديثه مع المأمور بثقة:
"يا حضرت المأمور، أنا بكمل في إجراءات بناء محلج للقطن وبايَد عمالة كتير. بستأذن حضرتك قايمة بالمطلوبين واللي عليهم أحكام وهربانين في الجبل، لأني هستعين بيهم في شغل المحلج ومريدش أخالف الحكومة." حدق المأمور إلى العمدة بدهشة وذهول: "أنت بتقول إيه؟ معقول مطاريد الجبل هيشتغلوا عندك بالمحلج؟
طيب لو فعلًا قدرت، أنا هجيب ليهم عفو للأحكام البسيطة زي سرقة بالإكراه أو قتل خطأ، أو سرقة مواشي وتهديد الأمان، مدام هيسلكوا سلوك قويم. وهدعم طلبك ده بمراقبين لمدى توبتهم وإصلاح حالهم. بس الفكرة دي جتلك منين؟ ربت العمدة على كتف فراس، وقال: "من ولدنا فراس. هو ليه كلمته عليهم وطلب من ابني ليهم المحلج لجل أساعد في إصلاح حالهم." حدبه المأمور فراس بدهشة وشد على يده بقوة، وقال:
"لا أنت حكايتك حكاية. يعني تخلصني من خصومة بقالها سنين، وكمان مطاريد الجبل، ويسود الأمن البلد. أنا عايز أقولك بسببك هكون أحسن مأمور خدم في مديريات قبلي كلها، وهكون قدوة لكل اللي هيجوا بعدي. أنا ليا معاك قعدة طويلة، ياريت تشرفني بمكتبي لأني هحتاج لك كتير. وخدها مني كلمة يا عمدة وعن ثقة، إن فراس ده هيكون ذو شأن عظيم لأن اللي ليه عقلية زيه لازم يكون له مكانة كبيرة." أومأ له فراس بهدوء وثقة، وقال:
"أكيد هجيلك مكتبك وهعرفك على نفسي زين. بس دلوقتي اتفضلوا، العريس وصل." سأله المأمور باستغراب: "عريس مين؟ هو إحنا في فرح؟ دي مجلس صلح." أشار فراس نحو فيصل الذي أتى بصحبة جعبل، وقال: "فيصل ولد الجعافرة عريس الليلة بعد الصلح بإذن الله، بعد ما ربنا حل دمه من الثأر، ولا إيه جولكم؟ ربت عليه المأمور وذهب إلى مقعده، وكذلك العمدة الذي جذبه فراس من يده وسأله بحيرة:
"غريب أمرك يا عواد، كل اللي طلبته منك بحمي وجودهم، لكنك طلعت ناصح وخليتها رسمي وأمنتهم بالقانون. من مِتى يا واد عبد الرازق بتعمل خير؟ خلّص ذراعه من يده ونظر إليه بانكسار: "بحاول أكفر عن ذنبي وذنب أبويا، ومش هرتاح غير بعد ما أرد ليك أرض جدك، وبفكر أنقل للدوار القديم، وأهملك الدوار اللي على أرض دار جدك اللي اتحرقت. بس لو خلص مالي من مالك لجل أرد حق ربنا لأصحابه." غامت عيناه وضحك بسخرية، وقال:
"مالك كله حجي لأنه من ريع الأرض اللي استوليتوا عليها من ٢٧ سنة وزيادة، وأنا جولتهالك سابج مريدش أرض ولا مال إلا بعد ما أعثر في خيتي وأخلص انتجام." أشار العمدة بيده بالرفض، وقال موضحًا: "لاه يا فراس مش كل مالي من ريع أرضك، فيه مال مرتي وورث أمايا ومالي الخاص، كله ده بعيد عن حقك. أخلصه من مالك وأسلمه ليك، لجل تكون توبتي إلى الله خالصة."
تنهد فراس وزفر أنفاسه براحة أثلجت صدره بأنه لم يلوث يده بدم عواد، وحمل ذنبه بعدما أظهر الخير الذي بداخله وكان سببًا في توبته وكسب عنه ثوابًا، فابتسم له وقال: "مدام توبت وأنبَت إلى الله، أنا هعينك وهجف جارك لحد ما تخلص نفسك من ذنبك، لعل الله يغفر لك ويتوب عليك. أما نجعد الجلسة بدأت والنار هتولع وهتبجي للجو دلوقتي." استغرب العمدة حديثه، ونظر إلى أكبر مشايخ البلد الذي جلس بين كبار العائلتين، وقال:
"بسم الله الرحمن الرحيم. قال الله
تعالى في كتابه الكريم: ﴿ فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّه﴾. العفو شيمة الأقوياء، وخُلق الكرماء، وديدَن العظماء. إن الله لا يحبُّ الباغين، ولا يحبُّ المعتدين، ولا يحب الظالمين، ولا يحبُّ الخانعين؛ وإنما يحبُّ الباحثين عن حقوقهم، المؤدين لواجبهم، العافين عمن أساء إليهم مع قدرتهم على الرد. اليوم نلتقي بإذن الله لترسيخ الصلح بين عائلتين بالنسب. يا حج عثمان هتتنازل عن حقك في دم ولدك بالنسب مع عائلة الجعافرة، وعفا الله عما سلف."
نظر عثمان إلى ولده بضيق، وقال: "أيوة يا شيخنا، راضي وكبيرنا وخواتي وولاد عموتتي كلهم شاهدين عليا، بأني قبلت النسب حقنًا للدماء وإعفاء أولادهم وأولادنا من بحر الدم، ويكفي اللي راح." رد الشيخ عليه وقال: "بارك الله فيك. وأنت يا جابر، قبلت النسب بين بينتكم لجل تنقذ ولدكم وسلسال من الثأر." أجابه جابر برضا وهو ينظر إلى فراس الباسم بغموض: "جابل وراضي وموافق وكبيرنا وصغيرنا حاضر وسامع وشاهد."
طلب الشيخ للصغيرين سلطان وفيصل، وقال لهم ما قال، فكان ردهم مثلهم. فقبل أن يقر الصلح ويوقع عليه العائلتين، قال الشيخ بتأكيد: "رددوا ورائي، لقد استخرنا الله وقبلنا النسب بين العائلتين، وقفًا للدماء وهلاك الشباب، وأن من يخالف هذا يسقط حقه ويقام عليه حق عرب للآخر، ويشهد عليكم الله والموجودين جميعًا." ردد كل الموجودين ما قال الشيخ، ووقعوا وثيقة الصلح، فقرأوا الفاتحة، وطلب منهم الشيخ المصافحة. وطلب النسب.
تقدم سلطان لمصافحة جابر، وقال له: "أنا بطلب بتك زينب للزواج تأكيدًا على الصلح بالنسب." نظر جابر إلى فراس، وفيصل الذي أومأ له بالموافقة، وقال له: "وافج يا عمي، متغلاش مرة على راجل لجل يفديه، وزينب هتفدي شباب العيلة كلها." تنهد جابر، وقال على الملأ: "موافق يا واد الحاج عثمان الجبري. مبارك يا ولدي." ابتسم سلطان بشر، وظن أنها نال انتقامه وثأره، وقال: "نقرأ الفاتحة ونحدد الزفاف." أوقفه فيصل، وقال بجدية وحدة:
"مش لما أختار اللي أخطبها زيك ونقرأ الفاتحة على الاثنين." هز فيصل رأسه بالموافقة، فتقدم فيصل ومن خلفه فراس كظله. مد يده إلى عثمان الجبري، وقال: "لجل إتمام الصلح بالنسب بطلب بتك وردة زوجة لي." يحدق به عثمان، وصاح سلطان بغضب: "اتجننت يا فيصل؟ خيتي وردة مكتوب كتابها على منصور، ولد عمها. دخلتها الشهر الجاي. أنت أكده بتخالف شروط الصلح." ابتسم فيصل بتهكم، وقال بحدة:
"لاه يا واد الحاج عثمان، أنا مخالفتش شروط الصلح وهعمل بيها. لكن كي ما اختارت مرتي وهطلقها لجل أفدي نفسي وخواتي. من حقي أختار عروستي منيكم، وإحنا الأشراف الكرام، انتسابكم لينا شرف ليكم. أنا بطلب بتكم وتطلق، كيما هطلق مرتي، مش ده العدل؟ أما تطبقوا سنة رسول الله كم قال في حديثه الشريف (عن أبي هريرة، عن النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: «لا يخطُبُ أحدُكم على خِطبةِ أخيه، حتى ينكِحَ أو يترُكَ») نظر عثمان إلى ولده،
وصاح منصور بحدة: "لاه أنا مش هطلق مرتي، والصلح ميلزمنيش، ولا حد ليه حق يدخلها في البدل وهي على ذمتي." ثار سلطان على فيصل، وقام العمدة والمأمور للفصل بينهم، فقال سلطان بغضب: "كي مرتك قصدك؟ لأنك طلبتها ده ميديكش الحق بأنها تكون مرتك. لكن خيتي مكتوب كتابها والكل خابرنه." نهض شيخ الجامع، وقال: "لاه يا ولدي، زينب مرت فيصل ومكتوب كتابها من سنتين. وأنا وفراس كنا شاهدين على العقد. عندك مأذون البلد اسأله."
غامت عين سلطان بشر، وأمسك المأذون من تلابيبه، وقال: "انطق يا شيخ عبد الرحمن، صح فيصل اتجوز زينب من سنتين؟ حصل كيف ومتى وليه؟ محدش خبر بده." وقف المأذون، ونظر إلى فراس بخوف، وقال:
"حصل اليوم اللي اتفقتوا معايا فيه على كتب الكتاب. جاهم خبر عمه فؤاد، وجتها طلب فيصل نكتب الكتاب وناخر الزفاف لحد الأربعين، وطلبوا مني مجولش لجل ما تكون عيبة في حق عمه جابر بأنه جوز بنته يوم موت أخوه. وهادي الجسيمة أنا لحد دلوقتي مسلمتهاش ليهم. وطلب مني فراس أجيبها لجل لما يطلقها فيصل، كي أتفاجأكم أطلعها." اختطف سلطان القسيمة وقرأ تاريخ كتب الكتاب، والذي كان يتوافق بيوم مقتل أخيه، فصاح بغضب:
"لاه أنتو أكده ضحكتوا علينا والصلح ميلزمناش." نهض كبير الشيوخ، وقال له بحدة: "ده كلام صغار. مش هحاسبك عليه. أنت وافقت وبوك وأهلك، وأشهدتوا الله عليكم. أسقط حقكم في دمكم عند الجعافرة. رضيتم بالنسب، كمل الاتفاق. رفضتو، هيتجام عليكم الحد لمخالفتكم عهد الله، وهيكون عليكم حق عرب. جولت إيه؟ وضع عثمان رأسه بين يديه، وقال بحزن وانكسار:
"خلصنا يا سلطان. خيتك مش هنطلقها، وبنتهم لجوزها حلال عليها. اطلب بت غيرها. ده حق دمنا في خوك ومش هنفرط فيها. قوم لجابر اطلب منه بت من بناتهم." دنا منه فراس، والابتسامة تعلو محياه: "ده شرف ليكم إن بنت من الأشراف تحمل بذرتكم العفشة. أنتو اللي رابحين وزين إنكم رضيتم وارتضيتم." ضغط سلطان على فكه بقوة وغيظ، وقال لجابر: "أنا طالب منكم النسب في بت من بناتكم. إيه جوالك؟ رد جابر برضا وهدوء:
"موافق. وأنت يا فيصل، اطلب بت غير وردة. مش حقنا ناخد واحدة من جوزها. اتقدم ليك كبيرهم واطلب النسب." اعترض سلطان وأبوه عثمان بشدة، وقال: "لاه ما ينفع. واصل إحنا ما نقبل بنتنا تتأخذ على ضرة. كي ما بنتكم هتكون مرته لحالها، وأول بختها وهيراعي ربنا فيها. حق بنتنا يكون رجالها ليها لحالها من غير ضرة." تكهرب الموقف، وقال جابر ردًا عليهم: "طيب مدام مصرين، فيصل يطلق مرته لجل بتكم؟ ما تطلقوا بنتكم لجل ولادكم كلها."
وأخذت الهمسة تسري بينهم، إلى أن قال فراس: "يا خال، مقضية. مدام زينب خرجت من البدل، يدخل أخوها، ويخرج فيصل، وتحل خيته مكانه، وأكده يتوازن العدل." ربت الشيخ الكبير على كتف فراس، وقال: "جولك زين. طلبتوا زينب وحل محلها أخوها، ويخرج فيصل ويحل محله خيته فاطمة، ويبقى النسب كي ما اخترتوه. أما يا سليم، اتجدم لكبيرهم واطلب بت من بناتهم."
كان حل فراس يرضي الجميع ويوازن الكفة، فلم يستطع أحد منهم الرفض بعد خضوعهم لقانون الصلح. فتقدم سليم إلى كبير عائلة الجبري، وقال:
"يا عم، أنا ريد بت من بناتكم أشرفها بنسبي، ويكون ولادها مني أشراف كرام من نسل الرسول الكريم. وأنا موافق على اللي هتجولو عليها. بيكفي إنها هتكون السبيل لوقف الدم بيناتنا. وأنا موافق وهنقرا فاتحة بتنا خديجة على ولدكم سليم، وولدنا سلطان على بتكم فاطمة، وبإذن الله الزفاف قبل هلال شهر ربيع العربي بيوم، يعني أول الشهر. مبارك عليكم." وتم الصلح وارتضى الجميع، وعالت الزغاريد ابتهاجًا بذلك. إلا سلطان الذي أخذ يرمق فراس بحقد،
وقال: "عملتها يا واد الليل وضحكت علينا كلنا، وأنقذت فيصل وجوزته لحبيبتها. كنت خابر إنها مرته، وطوعتني لجل تدبسنا في الصلح وتحرم علينا دمه اللي من حقي." يضحك فراس، ودنا منه وهمس في أذنه بسخرية:
"أوعك كنت فاكر إنك تقدر تمس شعرة من فيصل وهو في حمايتي. أنا أنقذتك وكمان شرفتك وعليت مقامك بنسب الأشراف. أنت تحمد ربك إنهم جابوا بيك، وبتهم هتحمل بذرتكم وتنضف نسلكم. أنت كسبت جوهرة. وهجولك كمان لجل أغيظك وأحرق قلبك بخبثك. اسمعوا." ذهب إلى كبير المشايخ، وطلب منه ما قال: "اسمعوا يا أهل الخير، مدام هيكون زفاف سلطان وسليم، هنتتم معاهم زفاف فيصل لأنه زيهم موافق."
ضربت الدماء الحارة في رأس سلطان وجعلته يشتعل كجمرة نار من الغيظ بعد أن لعب بهم فراس كيفما يشاء، وأصبح الرابح الوحيد فيصل. فجذب خنجره من شرابه حذائه، ونحر رأسه بغل لكي تسيل الدماء.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!