بمجرد أن يمر طيفك بخيالي، أسمع سيمفونية جميلة تعزفها النايات في قلبي الوله بعشقك. فأهيم شوقًا إليك وأتمنى لو أنني أستطيع الوصول إلى حيث أنت لأقول لك بملء فمي: أحبك عشقًا يا راحة القلب ويا هناء الروح. ترك فراس مهرة في غرفته وخرج مسرعًا من داره، منطلقًا إلى بيت أبيها، وفكره مشغول بحبيبته التي تتوسد الآن فراشه. وقلبه الوله يتمنى أن تكون هذه الليلة هي بداية حياته معها. وقف بحصانه أمام دار أبيه وقال محدثًا نفسه:
"مكنش وقتك دلوك يا مهرة، وخيتي بعيدا عني ومعرفش ليها مطرح، لكن ربنا رايد يجمعنا بيكي جبل الجدر ما يكتب كلمته وأفارج الدنيا وأفارجك بعد. انتجامي لماي وبوي، سامحيني لو بظلمك بزواجي منكِ، لكني مجدرش أتحمل أكون عايش وأنت لغيري. أنت دنيتي الحلوة اللي اتحرمت منها بالغصب، ومعاكي بعيشها من جديد. آه يا مهرة لو تعرفي كي أنا عاشجك بكل ذرة بكياني، وعشجك هو اللي مصبرني على دنيتي الظالمة اللي سرقت أحلى أيامي وبدلتها بسواد وظلام، ومنها فراق خيتي الغالية."
أخذ نفسًا عميقًا وعدل من شاله ودفع الباب بقوة، فرأى أباه يجلس مهمومًا حزينًا واضعًا رأسه بين يديه بانكسار. رفع سمعان رأسه عند دخوله وقال بغضب وحسرة: "فين بتي يا فراس؟ لو كنت آذيتها أو مسيتها، الله في سماه لاجتلك حتى لو فيها موتي. فين بنتي يا واد الليل؟ تقدم فراس منه بهدوء خادع وجلس أمامه بثقة وقال: "اسمع يا حضرة الخوجة، بتك صارت ملكي. ولو رايد مصلحتها، حط يدك في يدي واكتبلي عليها. أنا رايدها في الحلال."
حدق به سمعان بحدة وانتفض ناهضًا وقال بحدة وغضب: "لاه يا واد الليل، عمري ما هحط يدي في يدك المتغرج بالدم وأسلم لك بيتي. ولو فضحتها وكشفت سترها، هدفنها وأخلص من عارها، ولا إنها تبجي مرتَك."
نهض فراس وما زال الهدوء يسيطر على ملامحه الحادة، لكن بداخله بركان نار مشتعل يوشك أن ينفجر بأي لحظة نتيجة إصرار سمعان على رفضه تزويجه ابنته وتحديه. يعلم أنه على حق، لكنها لن يتنازل عنها بعد أن قرب القدر بينهم هذا المرة وأصبحت سجينة في داره بسبب إقدام أبيه على تزويجها. وهذا ما يخشاه فراس أن يعيده إليه بأن يزوجها ويحرم منها. تعالت نظراته إليه بتحدٍ وقال بحسم:
"بكيفك يا سمعان، مريدش تحط يدك، غيرك هيرضي. شيخ الجامع هيبجي وكيل بتك، وهتبجي مرتي بالحلال. وأنت لو فكرت تجرب منها، هجطع خبرك. وزيادة عليك، مراحش تندرها بعد اليوم. أنا جيتك وعملت الواجب. ولأن بتك غالية عليا ومسمحش لحدا يجول فيها الشينة، أنا هتجوزها بحلال الله. أمام الكل، عن إذنك يا حمايا." لما هم فراس أن يخرج من الدار، ناداه سمعان بانكسار: "استني يا فراس، رايدني أحط يدي في يدك وأكتبلك على بتي؟
أنا موافج، بس ليا شرطين وأخدهم عليك بعهد الله. خابر إنك راجل ومبترجعش في حديتك مهما حصل." تغلّمت عيناه بريبة وشعر أن العهد الذي سيأخذه عليها ممكن أن يخسره مهرة، لكنها كانت فرصته الوحيدة لكي يتزوجها بموافقة أبيها إذا أوفى بوعده والشرطان. فقال: "اسمع منك، الأول لو عجبني الحديث، هعطيك وعدي. وأصل." وقف أمامه سمعان وقال بكل ثقة وتحدٍ وإصرار:
"أنت راجل صعيدي، دمك حر. واللي ما تقبله على خيتك، أكيد ما تقبله على بتي. لو رايد مهرة بالحلال كي ما بتجول، يكون برضاها. خد كلمة مني، لو وافجت بتي على جوازها منك، أنا هوافج وهكتب كتابها، وأظن ده شرع الله، واجب موافقة العروس. لكن لو بتي رفضتك، ترجعها لداري وتعرف الكل إنها شريفة وعفيفة وملمستهاش. ده شرط الأول. وتهملها لحالها وصاحب نصيبها." أسدل جفنيه بتفكير وردد:
"ده شرطك الأول، وأنا موافق. لو مهرة رفضتني، أنا مش هاخدها غصبانية. إلا لو وافجت أنت بما إنك وليها وتعرف صالحها. بس بلاش صاحب نصيبها، لأنه مش هيكون غيري. جول التاني." ابتسم سمعان بدهاء وأجاب بحنكة: "لو اتنفذ الشرط الأول، هنجول الشرط التاني كله بوقته." ضحك فراس بمكر، حاكيًا مكر الثعالب، وغلب به دهاء المدرسة سمعان ابن المدارس، وقال بثقة:
"تمام، هما جدامي لداري. نسمع من بتك موافقتها أو رفضها. بس جبلها همر آخد شيخ الجامع وماذون البلد، وشوف مين عندك هيكون شاهد، لأني أجسمت ليها هتكون مرتي الليلة. وأنا مرجعش بجسمي إلا لو رفضت. وجتها أوفي بوعدي ليك أنت." تنهد الأب سمعان براحة لثقته في أن ابنته لن توافق به زوجًا. وخرج معه إلى داره بهدوء، وهو على ثقة بأنه سيأخذ ابنته من عنده ويعود بها إلى داره. ...
بعد نصف ساعة، دلف فراس إلى داره ومن خلفه أبوها وماذون البلد وشيخ الجامع الذي أحضره فراس لكي يكون شاهدًا على زواجه منها. بداخل غرفته، هبت مهرة مفزوعة خوفًا من عودة فراس وفرض نفسه عليها كما أقسم لو رفض أبوها، لاغتيال شرفها. بالخارج، رحب فراس بضيوفه وطلب منهم انتظاره دقائق كي يأتي بمهرة وتقر أمامهم بالموافقة أو الرفض. تركهم ودخل إلى غرفته بهدوء حذر، فرآها متحفزة لمواجهته. ضحك فراس على تحفزها الواهي وقال لها:
"أهدى يا غالية يا جليبي، أنا مريدش أأذيكي أو أمسك بسوء. بوكي بره ومأذون البلد ومعهم شيخ الجامع شاهد عدل، كلهم بانتظار موافجتك على زواجنا. إيه جولك؟ هتبجي مرتي؟ هزت رأسها بالرفض وقالت بتصميم: "لاه مش هيحصل واصل. لا ممكن أكون ليك، خدني جثة يا فراس لكني مش هجبل أكون مراتك لو دبحتني." ضحك فراس بقوة وغامت عيناه بغموض ورد عليها:
"أنا دبحتك فعلاً ومش محتاج أسيح دمك. ما في حد بالبلد غير وهيجول فيكي الشينة. وده شئ أنا مرضهوش ليكي ولا لبويكي وسمعة خيتك اللي هتضيع معاكي. الحل الوحيد اللي ينقذك وينقذ سمعتك وسمعة بوكي جوازنا ودلوج." تقدم منها وعيونها تفترسها، كانت يداه هي التي تحوم على جسدها، فار تجف بشدة، لا تعرف لماذا رغم أنه يطالعها بحنان وشوق جارف ولم يمسها أو يلمسها. فابتسم له فراس بحنان لكي يطمئنها ويهدئ من توتره، فقال بصوت عذب شغوف:
"أنا رايدك يا مهرة ومش هخلي عنيكي. واسمعي مني زين، اللي ما هاخده بالرضي، اتوكدي إني هاخده بردك بالرضي. لأني رايدك شريكتي وحبيبتي ومرتي، مش سجينتي وأسيرتي. ارحمي نفسك وارحمي بوكي من الشجا، وقلة القيمة، ووافقي وارحمي جَلبي اللي ما عاد يتحمل غيابك عنيه واصل." تنهدت بألم حزين وأكمل حديثه الصادق معها:
"خابر إنك رفضاني ورايدة تنصفي بوكي. لكن برفضك الزواج مني، بتحكمي عليها بالكسرة والمهانة، لأن ما حد هيصدق إني خليت عنك ورديتك بالساهل لدار بوكي. فكري بس جبل ما تقرري. افتكري زين إني شاريكي، ولو حصل وكنتي لغيري، هجتلك واجتله. يعني أنت اللي هتقضي عليه، وعلى بوك، لأن ممكن أجتله لو تحداني أكثر من أكده. يلا، هما اخرج الرجالة وبلغيهم قرارك، هما في انتظارك. ولتكن الليلة ليلة عرسك لعذابك."
خرج وتركها تعدل من هيئتها وتكفكف دموعها الحبيسة بقهر. ثم أخذت نفسًا عميقًا وحسمت أمرها، وخرجت إليهم بهدوء. ما إن دلفت عليهم، نهض أبوها وضمها إلى صدره بقوة ولهفة: "الحمد لله إنك بخير يا بتي. خلاص يا مهرة، كله هين ينتهي دلوج. كل المطلوب منك تجولي جدام الكل إنك مريداش فراس ورفضاه يكون زوج ليكي، بيكفي إنه خطفكن." نظر إليها فراس بغضب مكتوم وقال لأبيها بتحذير: "اجعد يا حضرة الخوجة وهملها تجول رأيها بدون ضغط."
ابتسم سمعان بثقة وربت على ظهر ابنته وأجلسه بجواره وقال للماذون وشيخ البلد: "قبل أي حديث، أنا رايد تشهدو علي فراس، هو وعدني إن لو بتي رفضته، هيهملها لحالها من اليوم وطالع." نظر إليه شيخ الجامع وكذلك المأذون ليتأكدوا مما قال سمعان، فرد عليهم فراس ليبدد حيرتهم: "حوصل، وأنا عند وعدي، وكلتكم خابرين مش برجع في كلمتي." هز سمعان رأسه براحة وقال للماذون: "دلوك تقدر تسأل بنتي عن رأيها، خلينا نخلص من الليلة دي." فتح المأذون
دفتره وسأل مهرة بتردد: "ها يا بتي، موافجة على فراس يكون زوج ليكي ولا لاه؟ رمقت مهرة أباها بنظرة ألم، ثم تطلعت إلى عين فراس فرأت بهم غضبًا قادمًا بشرًا للكل. ارتجفت أوصالها، وشعرت بأن قلبها سيغادر صدرها من سرعة وتيرة دقاته. بعد أن طال صمتها وترددها، حثها أبوها لتتكلم وتصرح عن رأيها: "جولي يا بتي، فراس خلاص مش هيجدر يعملك حاجة. هو ارتبطت بكلمتها ومش هيخلفها واصل. انطقي متخافيش." تهكمت من ثقة أبيها
المطلقة وحدثت نفسها بحزن: "واه يا بوي، ثقتك في كلمته بياكد إنه مش هيهملني لحالي، أو إني أكون لغيره حتى لو مش هكون ليه. لكن وفاءً لكلمته معاك، هيهملني أروح صوح، لكني هفضل تحت عينه ومش هيسمح لحد يجرب مني، وهيوقف حالي." أخذت نفسًا عميقًا وردت ردًا بحسم وبلا تردد: "سامحني يا بوي، لكن بعد اللي حصل، أنا مبجتش أنفع حدا غير فراس. هو جدري وأنا راضية بيه. أنا موافجة على جوازي من فراس وبرضايا وبوي وكيلي."
قالت كل هذا وراء بعض حتى لا تترك مجالًا لأبيها بالاعتراض، ثم تركتهم وهرعت إلى غرفة فراس كي تهرب من غضبه عليها. بعد انصرافها، ظل أبوها صامتًا دهرًا، إلى أن جلس فراس أمامه وجذب يده ووضعها في يدها وقال للماذون بجدية: "افتح دفترك واكتب يا سيدنا، وانت يا عم الشيخ، خبط على دار الحاج رجب وجول له وهيب يجي يشهد على كتب كتابي."
ابتسم له شيخ الجامع وذهب كما قال له. لم تمر دقائق، لم يكذب وهيب خبر وأتى معه لكي يكون هو الشاهد الثاني، ردًا على عفو فراس عن أخيه الذي عادت إليه عافيته. بدأ المأذون إجراءات كتب الكتاب وطلب من وهيب وشيخ الجامع أن يأتوا له بالوكالة من مهرة، كما هو العرف، تأكيدًا على موافقتها. دخل لها يسألونها، فأعطت الوكالة لأبيها. بعد ذلك، بدأ الشيخ يقول وفراس يرد وراءه، إلى أن وصل لكلمة: "قول
ورايا يا أستاذ سمعان: زوجتك موكلتي مهرة سمعان حمدان النبراوي، البكر الرشيد، على مذهب الإمام أبي حنيفة النعمان، وعلى الصداق المسمى بيننا عاجله وآجله." رفع سمعان رأسه بحسرة وردد بصوت حزين مفهوم: "زوجتك موكلتي مهرة سمعان حمدان النبراوي، البكر الرشيد، على مذهب الإمام أبي حنيفة النعمان، وعلى الصداق المسمى بيننا عاجله وآجله." ما إن نطقها، لم ينتظر فراس وردد بحماس قائلًا:
"وأنا قبلت بها زوجة باذن الله. مبروك يا أستاذ سمعان." رمقه سمعان بضيق وقال بحزم: "أنت وفيت الشرط الأول، وبتي هي اللي كسرتني بيه. لكن دلوك جه وقت الشرط التاني، ويشهد عليك الحضرة." تنهد فراس بقوة وأردف: "أمر، لو رايد مهرها، الوف أنا سداد. دا مهرة حلمي اللي اتحققه." هز أبوها رأسه رافضًا بأباء: "لاه مريدش مالك الحرام. أنا شرط حجي وحج ربنا. بنتي لسه بت بنوت، والواجب تتزف من دار بوها. دي الأصول، ولا إيه؟
ابتسم فراس بسعادة واتسعت ابتسامته لتملاء وجهه وقال: "لاه حجك صوح يا أستاذ سمعان. بتك تتزف من دارك لداري، ويتعمل ليها ليلة تتحاكي بيها البلد سنين طوال. أنا هسلمها ليك، وبكرة عشيا هجي آخدها وقدام الرجالة. لو فكرت تأذيها، الله في سماه ما هيطلع عليك شمس، أنت وبتك الصغيرة." نكس سمعان رأسه أرضًا وأجاب بحزن وحسرة:
"أنا لو كنت أدجدر أأذيها، ما كانش ده بجي حالنا. المكتوب ما فيش منه هروب يا ولدي. وخلاص، مهرة بجت مرتك بشرع الله. ومن اليوم ليك عليها الطاعة، وليا عليها البر والمودة." تنهد فراس براحة وابتسم قائلًا: "أكدة زين. هدخل أجيبها لك. وانت يا وهيب، جول لمرتك تزغرط ليها وهي خارجة، لجل الكل يعرف إنها صارت مرتي."
أومأ له وهيب بالموافقة وخرج إلى داره ليبلغ زوجته بطلب فراس. أما فراس، فدلف إلى غرفته فراها تبكي بانهيار على فراشه. أمسكها من كتفها ورفع وجهه إليه، ثم كفكف دموعها وضمه إلى صدره بقوة وأخذ نفسًا عميقًا وقال:
"ياه، حضنك حلو جوي يا جليبي. خلاص مراحش تفارجيه تاني. كلتها بكرة وهتكون أحضاني جنتك يا جليبي. الود ودي ما أهملك تفارجي داري، لكن جسمي ما هوجعه على الأرض. بيكفيني الليلة إنك صارتي مرتي على سنة الله ورسوله. هملك دلوك تروحي مع بوكي، وبكرة عشيا باذن الله هتتزفي لي وهحبسك جوة عيوني وجلبي." هزت رأسه بعنف لكي يتركها ويبعد عنها وقالت بحدة:
"أنا صوح بجيت مرتك، لكن بالغصب والخوف. انسي يا فراس أو هبك نفسي، إلا لو جبرتيني يا سيد الرجال." نظر إليها بشوق وعشق، ثم نزل بنظره إلى شفتاها وفمها الذي تفوه للتو بحديث جعل دمه يفور. فجأة، وبدون مقدمات، جذبها إلى صدره بقوة وأمسكها من رأسها، وأسبل عيناه بعشق يقبل شفتاها برقة ورومانسية لم تتخيلها. ثم تركها وقال:
"أجسمت ماهجرب منيكي غير بالحلال، والحمد لله وفيت. أم حديتك، فاعلي راسي يا مهرة، وجولتلك سابج اللي مش هاخده منيكي بالرضا، هاخده بالرضا مش بالغصبانية. واللي خدته منيكي دلوك كان حلاوة إنك بجبتي مرتي، لكن أوعدك مش هتتكرر تاني إلا برضاكي." تركها وفتح دولابه، وظنت أنه سيخرج شيئًا لكي يعطيها لها، واستعدت أن ترفضه. إلا أنها تفاجأت به يأخذ ملابس حريرية ووضعها في جيب جلبابه ونظر إليها بشغف:
"همي جهزي حالك علشان تروحي مع بوكي يا ست البنات، وجليب فراس ودنيته الحلوة. ومن بكرة هتبقي رفيقة ليالي." سبقها إلى الخارج، ولحقته بعد أن لملمت شتات نفسها المبعثرة من رومانسيته وجبروتها وقوتها وحنانه. كل ذلك المتضادات في شخصيته التي أربكتها بشدة وصارت تجهل من هو. خرجت فرأت أباها ينظر إليها بحسرة وحزن، فكسرت رأسها أرضًا. إلا أنها تفاجأت بفراس يرفعها من الخلف ويهمس بحدة: "راسك لازم تفضل مرفوعة، أنت مرت فراس يا بت سمعان."
لم تستطع أن تنزلها مرة أخرى خوفًا من رد فعله الغاضب، لكنها تحاشت النظر إلى أبيها حتى لا ترى فيها الحزن والألم. خرجت من داره لتقابله الزغاريد من جيرانه، فحملها فراس على حصانه وأمسك لجامه ومشى أمامهم، حتى وصل إلى بيت أبيها فأنزلها من على الحصان، فدخلت مسرعًا إلى الداخل، هربًا منه. فنظر فراس إلى أبيها وقال بحزم:
"بتك الليلة ضيفتك بدارك، ومن بكرة هتزفها لداري وهتودعها، وبعديها هتكوني ملكي وحدي ومليك عليها غير المودة. وبحذرك تاني جبل ما أمشي يا حضرة الخوجة، مهرة أمانة عندك، صونها بعيونك وروحك لحد ما تردها لصاحبه." لم ينتظر فراس رده على كلامه وغادر إلى حال سبيله. أما سمعان، فقد دخل على ابنته غرفته وسألها بألم: "ليه كسرتيني يا بت عمري؟ ليه حكمتي على نفسك بالهلاك؟ دا واحد نهايته معروفة، وطريقه مفهوش أمان أكده يا مهرة؟
هان عليكي بوكي تكسريه بالساهل أكده؟ نهضت مهرة من جوار أختها وجثّت أمام أبيها باكية: "ما عاش ولا كان اللي يكسرك يا بوي. أنا فديتك بحياتي وروحي، أنت وخيتي. والسبب حديثك عن فراس وثقتك في كلمته اللي ما بيرجعش فيها لو على روحه." طالعها أبوها باستغراب وجذبها لكي تستقيم وتقف أمامه: "مفهمش قصدك. أنا خدت على فراس عهد وهو أقسم ينفذه. لو رفضتيه، هيهملك تعاودي معايا داري من غير أذية. إيه خلاكي تجبلي تتجوزبها؟
وأنا كنت هرحمك منه بكلمتها اللي قطعها على نفسه أمام الرجالة. وهو راجل حر بيوفي بكلمته كي ما الكل يعرف عنيه من يوم عاود للبلد." هزت مهرة رأسها بالموافقة وأكملت موضحًا: "هو ده يا بوي، كلمته اللي ما بيرجعش فيها. فراس جالهالي إنه ما هيجبل أكون لغيره وهو على وش الدنيا. ولو تحديته، هيكون فيها موتي وموتك. جولي يا بوي، مين هيرضي بيا بعد اللي حصل؟ ولو لجيت اللي يوافق، كيف هيجدر يقف في وجه فراس ويمنعني عنيه؟
فراس عنيد ومتمسك بيا لآخر نفس بحياته. أنا رحمتك منه ومن مطاردته ليك. وبنفس الوقت، جطعت كل لسان هيتحدت عني بالشينة، لأني خلاص بجيت مرته بحلال ربنا. وأنت كمان عززتيني، لما بكرة هخرجك من دارك عروسة واتزف ليه. ده هيوكد للكل إني ما زلت بعفتي وطاهرتي." جلس أبوها مهمومًا حزينًا ووضع يده على رأسه بحسرة: "خابر إنه عاشجك واعترف بعشجه ليكي بلا خشى ولا حيا، ومؤكد إنه مش هيهملك. بس أعمل إيه؟ كنت رايداني أهملك ليه أكده؟
وهو ميلاجش بيكي وطريقه كل خطر ونهايته شؤم. ولكنه نصيبك، وأنا رضيت بقضاء الله وقدره." أمسكت مهرة يد أبيها وقبلتها ببكاء وقالت: "هو فعلاً قضا، لكني مش راضية بيه. أنا رضيت بجوازي منه لجل يهملك أنت وخيتي، لكني عمري ما هكون ليه زوجة ولا متاع فرشته. ده وعدي ليك لحد ما يزهق مني ويطلقني." نهض أبوها من جلسته وجذبه ثم ضمه إلى صدره بحنان:
"مجدرش أقولك أعصي جوزك، حتى لو مرضيش عن جوازكم. أنت قبلتي تبقي مرتي بكيفك. لكن لو حصل وجدرتي تمنعيه عنيكي، أنا هساعدك تتطلقي منه وتعاودي لدراك وحياتك معانات." تنهدت مهرة بحيرة من أمره وقالت بتردد: "إن شاء الله يا بوي، هما شهرين مش أكثر، وفراس هيطلقني. بس المهم أنت تسامحني وتعذرني في اللي عملته." ابتسم أبوها برضى، داعيًا ربه برجاء:
"يارب احميها منه وصونها، واصلح حالها بعيد عنها." ليضم ابنته بحنان إلى صدره وظل بجانبها إلى أن غفت في حضنه، شعورها بالأمان والحنان في كنف أبيها الذي ستُحرم منه من الغد إلى ما شاء الله. ... بعد مغادرة فراس دار سمعان، انطلق إلى دوار العمدة ودخل إليه بدون استئذان وجلس على الدكة بتعالٍ وقال له: "نادم على مرتك وبناتك يا عواد، وتعالي، لأني رايدكم كلكم." ارتبك العمدة من أوامره إليه أمام الغفر، فرد عليه بتوتر:
"أنت كيف تيجي أهني بعد اللي عملته، في بت الخوجة سمعان؟ أنا واجب عليا أقبط عليك وأسلمك للمركز." نهض فراس ووقف أمامه بشموخ وتحدٍ وقال بغموض: "جد طيب، أنا أهوه جدامك، ريني كي هتقبض عليا يا واد عبد الرازق النذل. هما خلص في حالك وتعالي، مفضيش ليك أنا." فرت الدماء من عروق الغفر أمام نبرة صوته الحادة والغاضبة، وهربوا من أمامه قبل أن ينالهم غضبه. تنهد العمدة باستسلام ولحق فراس الذي عاد وجلس على الدكة وقال له:
"رايد إيه تاني يا واد فودة؟ معاود من مصر لجل تجلب حال البلد كلها. معقول أنت يا راجل حر تخطف بنت من دار بوها ليلة خطوبتها؟ وكمان تتهجم على داري، ودلوج تطالب بناتي ومرتي؟ أنت رايد إيه بالظبط يا شيطان الليل؟ ضحك فراس بتهكم: "لاه، ورايد خواتك البنات كمان؟ شيع ليهم حدا هما. جولتلك بدل ما تبجي ليلة سودة عليك وعليك وعلي أهل بيتك."
ارتعدت فرائسه خوفًا من حدة نبرته معه، وأخذ ينادي على زوجته حسبية، طالبًا منها أن تأتي ببناته. وأرسل أحد الغفر ليأتي بأخواته البنات من دورهم، دون أن يعرف السبب. خرج وعاد إليه ومعه زوجته، ولحقته بعد ذلك ابنته فوز وسعاد. طالعهم فراس بغرور وقال لزوجته: "اجعدي يا حسيبة، رايد أتحدت معاكي في موضوع أكده وأطلب منك خدمة هتعمليها لي مع طلعت الفجرية."
ابتلعت حسبية ريقها بخوف، متذكرة الليلة التي كشف فيها سترها ومزق عنها ثياب نومها من عليها وأخذ معه دليل زور على أنه كان معها. نفضت عقلها من كل تلك الذكريات المؤلمة وقالت بتردد: "هعملك كل اللي أنت رايده وزيادة، بس لو رد ليا خلجاتي اللي خدتها، ويكفي اللي عملته فيا ليلتها جدام سبع رجال." ضحك فراس بقوة وأشار إليه لكي تقترب منه وقال:
"خابرة جدا إنه سبع الرجال صوح، ولا بتتمالتي عليه. المهم مش ده موضوعنا اللي رايدك فيه، بس رايدك تتوكدي زين إني أجدر أخليكي تنفذي اللي هطلبه منكِ بالامر، من غير ما تساومني. لكن لجل خاطر الغالية اللي هتخدميني فيها، أنا هرده ليكي ودلوك." وأخرج من جيب جلبابه ثياب نومها الحريري وأخذ يتشممه. بكيّد كي يحرق دم زوجها العاجز والواقف أمامه بلا حيلة، ألقاه على وجهه ساخرًا من زوجها وقال:
"اجعدي بجيه واسمعيني زين، عشيا زفافي على مهرة، ورايدك أنت وبناتك وخوات جوزك تروحو ليه من الفجريه تجيبو ليها شوارها. رايد تشترو ليها كل غالي، وكمان تجهزوه زين لليلة عرسنا، وتحنوها وتفرحو ليها لحد ما أجى آخده. ده اللي عليكي، ولو خبرتني إنك قصرتي معاها، أنت خابرة زين هيحصلك إيه. لكن هالمرة هيكون جد وجدام الكله. ما جهزي حالك واعملي بحق أماي عليكي، مش كانت خيتك." ابتسمت حسيبة بعطف بعد تذكره بمعزة أمه لديها:
"لولا ذكرت أمايتك وغلاوتها عندى، أنا ما كنت هخرج من داري مهما حصل. لكن لجل خاطر حسنة، هروح وأشاورك عروستك وأحنّيها بنفسي وهفرح ليها كأنها بتي، لأنك كي ولدي يا فراس." بس مين هيدفع حساب كل اللي طلبته دا واللي طالبه غالي؟ أشار إلى زوجها العمدة بثقة: "وراح فين العمدة؟ خدي منه وبزيادة. وأوعي تنسي ده."
"باتها رايد الدهب في يدها كي اللي بيدك، لكن ثمنه خديه من بوكي. يكفي العمدة شاوراها والدبايح، وعلي بوكي توضيب الدار والدهبات وتزبن البلد كلها من أولها لآخرها بالكهارب والزينة، ودفع أجر المدحين اللي هيسهروا معانا طول الليل." نهض العمدة منتفضًا بفزع وذعر وقال بدهشة: "بتجول دبايح وشوار، وأنا مالي؟ هو أنا اللي هتجوز؟ في إيه يا فراس؟ أنت رايد تسرجني عيني عينك أكده؟
غامت عيناه بحقد ونظر إلى حسيبة وبناتها وأخوات زوجها الذي بدأوا في الوصول، وقال لها بحدة أزعجتها: "خدي بناتك وخوات جوزك ونفذي اللي طلبته منكِ، واخرج دلوك وهمليني مع جوزك، لأن بيناتنا حديث كبير جوي وواعراجوله فيه مين اللي هيتجوز وليه هيقوم هو بالليلة كلها." ثم نظر إليه بشر، فارتجفت أوصاله وخرجت مسرعًا مع أخوات زوجها لكي تبلغهم بما طلب فراس منهم جميعًا. أما فراس، فقد اقترب من عواد وأمسكه من تلاليبه وقال بسخط وغضب خانق:
"بجيه أنا اللي هسرجك يا واد الخسيس الندل والحرامي؟ خابر يا عواد، لولا إني أجسمت ما أسيل دم غير اللي أذاني وأذى أماي، أنا كنت فرفط روحك دلوك." حاول عواد أن يخلص نفسه من يد فراس المسيطرة عليه بقوة، لكنه لم يستطيع. فقال ردًا عليه: "لما تطلب مني أدبحلك وأشور مرتك اللي مخبرش اتجوزتها ميتي وليه خطفتها من الأساس؟ لما أنت ناوي تتجوزها؟ دفعها فراس بشدة فارضخه أرضًا وجعله راكعًا أمامه: "كيفي وحجي ومالي اللي مطلبتش بيه لدلوك؟
ولا بتحسبني مخبرش إن زمام أرضكم كلها ملك جدي سويلم، يعني كل الخير اللي أنت عايش فيه أنت وبوك سابج ملكي أنا وخيتي. لكني مريدهوش غير بعد ما أرجع خيتي وأكمل انتجامي لماي كي ما انتجمت من بوك وشيخ العفر. فاكر بوك قتلته كيف؟ ولا شيخ الغفر اللي كان بيحميه ويداري على أفعاله الشينة في حق أماي وأهلها؟
هعمل فيك زيه لو عصيتني ورفضت تنفذ حديتي. ولو على باقي مالي، مريدهوش دلوك، لأني مريدش نعيم المال ينسيني ثاري وانتجامي من الانذال أمثال بوك وحماك. ها جولي، رايد مصيرك يكون مصير بوك، ولا ترد جزء من حجي في شوار عروستي ودبايح ليلة عرسي يا واد الخسي؟ بسبب صدمة معرفته بأن فراس على علم بسرقة أبيه لجده المتمثل في مال الأرض الذي اشتراه له لكي يصبح عمدة، فيما كان منه إلا أن يستسلم له ويقول بخنوع وبلا تردد:
"حاضر يا فراس، اللي تأمر بيه كله هنفذه. أغلي شوار هجيبه لعروستك وهجيم ليك ليلة تحكي بيها البلد كلها. وهدبح ليك الدبايح اللي تريده وزيادة. بس ورحمة الغالية ما تفضحني بمرتي وبناتي، بيكفي اللي عملته سابجت." زند فراس بقوة وأطلق سراحه بضيق وملل، وقال:
"مش فراس ولد الحرة اللي ياخد حجه من مرة. لولا إنه حجي مكنتش طلبته منك. لكن خليك خابر زين، لو ربنا عطاني العمر بعد ما أخلص على الانذال وانهي انتجامي، مش ههمل مالي في يدك أو يد غيرك وهاخده كامل مكمل، يا واد الحقير."
ثم نظر إليه باستحقار وغادر داره قاصدًا دار بدران لكي يأخذ منه هو الآخر جزءًا من حقه لديه الذي سيكون أكثر بكثير من الذي لدى العمدة. انطلق مسرعًا بحصانه رماح حتى وصل دار بدران وطرق الباب وانتظر حتى يفتح الباب لبرهة، وبدل أن يفتح الباب، سمع صوت صراخ عالٍ أعقبه طلق ناري أصاب هدفه بدقة، ليسيل دم بريء...
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!