الفصل 13 | من 30 فصل

رواية فراس ابن الليل الفصل الثالث عشر 13 - بقلم سلمي سمير

المشاهدات
22
كلمة
4,219
وقت القراءة
22 د
التقدم في الرواية 43%
حجم الخط: 18

بعد غياب فراس عن البلد شهران ويزيد. من داخل أحد بيوت البلد، كانت تجلس وصيفة تلوم ابنتها على حملها للمرة الثالثة، وطفلها لم يكمل الشهر الثالث. أثناء حديثهم، طرق الباب بقوة. انتفضت وصيفة ونظرت إلى بناتها بتساؤل. "يارب خير، مين بيخبط علينا دلوك؟ نعمات، هو مش جوزك خابر إنك هنا ولا جيتي من وراه؟ هزت نعمات رأسها بالنفي وأجابتها بتوتر: "لاه خابر يا أماي، أنا مبخرجش برات الدار غير بإذنه. يمكن خطيب سماح أو عابر سبيل."

تنهدت وصيفة بقلة حيلة وردت على ابنتها: "وفواز خطيب سماح إيه يجيبي دلوك؟ ده لو هو أنا هشندله. خليكي مع خواتك وأنا هجوم أفتح أنظر مين جي يزورنا في وجت متأخر أكده." فتحت الأم الباب وصرخت بقوة جعلت بناتها يهرعون إليها ليصرخن بفرحة عارمة، لدى رؤيتهن لأخيهن الوحيد سميح، الذي أصبح مهندس بترول بإحدى الشركات الأجنبية. احتضن سميح أمه بقوة ومد ذراعه إلى أخواته لينضموا إليه. ظل يقبل أخواته وأمه بلهفة ومودة.

جذبوه أخواته البنات وأجلسوه. ظلوا يسألون عن أحواله ولماذا غاب عنهم كل هذه السنين.

"غصب عني والله. انتو عارفين لما سافرت كنت مسافر للعمل، لكن لقيت إني أكمل تعليمي العالي فرصة لا تتعوض. وبقيت أدرس مع شغلي وبعد ما خلصت دراستي اتعينت بشهادتي. ولأن الأجانب بيعتمد شغلهم على التفاني والاجتهاد، بسبب اجتهادي قدرت آخد وضعي بينهم بسرعة. والسنين سرقتني عشان أثبت لهم إني أستاهل المركز اللي وصلت ليه. وحاليًا بقيت في مركز مرموق والكل بيحسدني عليه. وأخيرًا بقيت أقدر آخد إجازة وأنا مطمن إن مافيش حد هيقدر يعوض مكاني ويستبدلوني بيا في غيابي. عشان كده أول ما فكرت، أخدت إجازة ما فكرتش غير فيكم. جيت أزور أهلي اللي وحشوني وأشبع منهم شهر بطوله إجازة هقضيه معاهم."

ضمته أمه إلى قلبها ورددت بحزن: "بعد ٨ سنين تجي شهر واحد يا نضري. خلاص يا واد بطني الغربة سرجتك مننا. صوح بتبعت لينا جرشنات كتير اشترينا طين وبنينا الدار من جديد وجوزت خيتك، لكننا من غير راجل من بعد موت بوك واحنا ما لناش سند ولا ضهر." تنهد سميح وربت على ظهر أمه بحنان.

"والله يا ماما لو كان فيه شركة تقبل تخصصي أنا مش هتأخر. للأسف الإنجليز مسيطرين على الشغل في القناة مع الفرنسيين. يعني يرضيكي أرجع أقعد جمبكم من غير لا شغل ولا مشغلة، وكمان هنبقى في بلد واحدة وهبقى بردك بعيد عنكم. ليه بقي أسيب مكان أخدت فيه وضعي مع امتيازات ومكانة كبيرة وأرجع عشان أبدأ من الصفر وكلها غربة؟ تنهدت وصيفة بقلة حيلة وردت عليه:

"مجصديش يا ولدي تبعد عنا وتشتغل بالهندسة، لكن عندك أرضي اشتغل فيها وأشرف عليها. الأرض خيرها كتير وبتعطي اللي بيعطيها من عرقه وجهده. اومال انت شاريها ليه؟ ضحك سميح وضم أمه إلى صدره وقال: "شاريها ليكم عشان تتشرفوا وسط الناس. للأسف يا أمي الناس مش بتقدر غير اللي معاهم فلوس حتى لو ولاد أصول. المهم سيبك مني وطمنيني على أحوالكم." أخذت الأم تسرد على ولدها حياتهم منذ سافر إلى أن سألته فجأة:

"صوح يا ولدي انت بقيت صاحب مال ومهندس قد الدنيا، ليه متجوزتش لحد دلوقتي؟ ولا مستني العمر يجري بيك وتشيب؟ أخذ سميح نفسًا عميقًا وابتسم لأمه بدهاء:

"والله يا حجة انتي قولتي الخلاصة، إني لازم أتجاوز. أنا فكرت كتير بالجواز وبالذات إن سني تخطى الثلاثين بشهور. لكن للأسف ما فيش واحدة شفت معاها الاستقرار اللي بتمناه. أنا في الأول والآخر صعيدي ودمي حُر. وبناتهم ما يفهموش يعني إيه تقاليد وعادات اتربينا عليها. عشان كده أنا هسيب لكِ اختيار عروستي بس أهم حاجة تكون متعلمة يعني على الأقل واخدة إعدادية ولو ثانوية تبقي عز الطلب."

تهللت أسارير وصيفة وكذلك أخواته لتفكير أخيهم في الزواج من بنت شرقية، هذا الاختيار الذي لقي استحسانهم. "أحسن حاجة يا خوي إنك فكرت تتجوز من بت بلدك. انت أكده صح هي اللي تخاف عليك وتصونك وتصون شرفك." ضحك لها سميح وهو يضمها بمحبة: "طيب يا أخت العريس شوفي لي عروسة. عايز أتجوزها قبل ما يخلص الشهر وأخدها معايا. ها هتدوروا لي على عروسة تناسبني ولا هرجع إيطاليا من غير جواز؟

سكتت الأم وراحت تنظر إلى بناتها الذين وقعوا صرعى التفكير في زوجة تليق بأخيهم المهندس المرموق. لتضحك وصيفة بفرح وتقول بحماس: "لجيتها يا واد بطني اللي تليق بيك وتشرفك وكمان متعلمة. ولسه نتيجتها باينة من يومين وناجحة وبتفوق. بس انت خابر مافيش حد بالبلد بناتهم راحت الجامعة." اتسعت ابتسامة سميح وسأل أمه بلهفة: "يا دي عز الطلب. ولو عايزة تكمل تعليمها أنا موافق، ده شيء يشرفنا. بس هي مين دي اللي أبوها علمها لحد ثانوي؟

ابتسمت وصيفة بفخر وحماس: "بت الخوجا سمعان، مهرة بنت خالتك غالية. ماشاء الله كبرت وبجت عروسة مليحة تملي العين." حدقت بناتها الثلاثة بها وقال سميح بانبهار: "معقول جوز خالتي علم بنته لحد ثانوي؟ والله جدع. بس مهرة هتوافق تسافر وتسيب أبوها وأختها لوحدهم؟ ربتت أمه على ظهره وحضنته وهي تنظر إلى بناتها بوعيد وتحذير، لكي لا يتحدثون عما يزعجهم من اختيارها مهرة زوجة لأخيهم الوحيد وسندهم.

"أبوها هيوافق أنا واثقة لأنه رايد يجوز بتّه باللي يناسبها ولو لفّ البلد كلها ما هيلاقي زيك يناسب بتّه يا ولدي." ابتسم سميح بتواضع: "انت بتقولي كده عشان أنا ابنك بس. أكيد فيه حد من ولاد عمها اللي يناسبها. بس مدام انتي واثقة كده يبقى تمام أنا موافق ومن غير حق الرؤية الشرعية، لأنها كانت جميلة وهي صغيرة أكيد دلوقتي زي القمر مش كده يا أمي؟ تنهدت أمه براحة:

"جمر بس دي ست بيت وهادية ومتدينة ومتعلمة وده الأهم. يلا جوم ريح جتك وبكرة هزور جوز خالتك وأتفق معاه وبإذن الله قبل الشهر ما يمر هتبجي مرتك وتاخدها وتسافر." ضم سميح أمه بقوة وقبل رأسها بامتنان: "ربنا ما يحرمني منك يا ست الكل. أنا فعلاً محتاج أريح ساعتين وبكرة هفتح ليكم الشنط وأطلع ليكم الهدايات. صبحوا على خير جميعًا." وقبل رأس أخواته ودخل غرفته. "غ"لقت نعمات الباب عليه بأحكام ودنت من أمها وصاحت بهلع: "مهرة يا أمي!

ما لقيتيش غير مهرة؟ دا إحنا بنخاف نزورهم من مراقبة فراس ليها. دي كل البلد خابرة مهرة إيه لفراس دي بيعتبرها مرته وانت رايدة خوي يتجوزها. جولي لي يا أمي رايدة تجوزيه وتفرحي بيه ولا تقضي عليه؟ لم تشعر نعمات إلا وصفعة قوية تنزل على وجهها صدمتها وأسكتتها. وصاحت فيها بتوبيخ: "ينقطع لسانك من حلجك!

مهرة عمرها ما هتكون لفراس. والحمد لله ربنا بعت ليها خوكي لجل ينجدها منه. هو أولى بيها والوحيد اللي ما يقدر فراس يطوله لما ياخدها ويسافر. وفراس مش بالبلد من مدة الله لا يرجعه تاني. ادعوا انتوا بس إن الله يكملها على خير وياخدها جوزها ويسافر قبل ما يعود. دي مهما كان بت اختي ولي حق أخاف عليها من ظلمه ليها ولا إيه يا سماح انتي ومنه؟ هزت البنتان رأسهم بتردد وقالت سماح بارتباك: "مين قال إن فراس مش بيعود البلد؟

ممكن يكون موجود ولو خبر بجواز خوي منها هيقضي عليه وعليها وعلي كل بلد. لازم سميح يعرف المتخبي ليه معاها." ثارت وصيفة على بناتها وشعرت ببعض الخوف. لكنها رأت أن هذا حقها في أن تكون ابنة أختها لابنها الوحيد الذي يشرف أي بنت بالتقدم لها، وبنفس الوقت إنقاذها من مصيرها المجهول مع ابن الليل.

"اكتبي منك ليها. ما ريدش حد يجيب سيرة فراس جدام خوكم، وإن شاء الله ربنا هينصرنا عليه. وننقذ مهرة منه وتبجي مرت خوكم الغالي. بس جهزوا انتوا نفسكم بكرة مع طلعت الشمس هنزورها وهطلبها من بوها رسمي لو وافق بإذن الله." هزت البنات رأسهم بيأس وخوف على أخيهم ورددت أكبرهم: "بلاش مهرة يا أمي. فراس صعيب وخوي مش جدي. ده عفي وياكل بذراعه عشر رجالة هيروح خوي فيه فين؟ ربتت الأم على كتفها بحماس:

"إن شاء الله مش هيعود غير بعد ما ياخدها ويسافر واكتبي بجي خلينا نفرح بيه وبيه. " تنهدت البنات بقلة حيلة وردت عليها سماح بخوف حذر: "حاضر يا أمي اللي تشوفيه. بس لو حصل لخوي شر يبقى انتي اللي جبتيه وربنا يستر من اللي جاي." أخذت وصيفة نفسًا عميقًا وأردفت: "إن شاء الله ربنا هيكملها على خير بس قولوا انتوا يارب." .. .. .. .. .. .. .. .. .. .. .. .. .. .. . .. .. .. .. .. .. .. .. ☆

ذهبت وصيفة في الصباح إلى بيت أختها وحدثت سعفان في خطوبة ابنته إلى ولدها سميح مع عرض بأنه سيجعلها تكمل تعليمها الجامعي. كانت فرصة لا تعوض بالنسبة إلى سمعان لكي يهرب من سيطرة فراس على مصير ابنته. ورحب بإتمام الزفاف والسفر خلال الشهر وقبل عودة فراس. واتفق معها أن يأتي ابنها ويطلبها رسمي ويحدد معها ميعاد الخطوبة والزفاف.

أما مهرة، رغم فرحتها بأنها ستكمل تعليمها، إلا خوفها على أبيها من فراس بعد جوازها جعلها لا تشعر بالسعادة. حتى أنها تساءلت مع نفسها: هل هي حزينة فعلاً خوفًا على أبيها وأختها من بطش فراس بهم؟ أم هي حزنها لفراقها فراس الذي كان كملاكها الحارس؟ وهذا ما شعرت به أثناء غيابه عنها الفترة الماضية.

في المساء، أتى سميح وقرأ الفاتحة واتفق مع أبيها أن يتم الزفاف قبل السفر مباشرة لأنها لن يستطيع تأسيس بيت لها خلال الشهر فسيتزوجها ويسافر بنفس اليوم. إلا أن سمعان رفض عدم إتمام زواجه بابنته وقال: "لاه يا ولدي أنا رايد أمانتي اتشرف بيها قبل ما تسافر. ده شرطي لو رايد موافقتي على الزفاف."

تأفف سميح بضيق، لكن أمام رغبته في الزواج منها لأنها أكثر واحدة تناسبه وكمان لإعجابه الشديد بها بعد رؤيتها، وافق على أن يزف عليها قبل سفره بأيام. وطلب من أمه وأخواته أن ينتقوا شبكتها وشاورها بالغالي. .. .. .. .. .. .. .. .. .. .. .. .. .. .. . .. .. .. .. .. .. .. .. ☆

بعد أسبوع، تم الاتفاق على ميعاد الزفاف والخطوبة. وأصر الأب سمعان أن يقوم بعمل شادر كبير في الخطوبة، لكي يعلم القاصي والداني أن سمعان زوج ابنته لما يليق بها. وقبل يوم الخطوبة التي تسبق الزفاف بأسبوع، ذهب سمعان إلى دوار العمدة لكي يعزمه على خطوبة ابنته على ابن خالتها المهندس سميح، وأيضًا لغرض بنفسه. دلف سمعان إلى الدوار وألقى السلام على العمدة ومن معه وقال له بجدية:

"يا عمدة أنا جاي أعزمك على فرح بتي وكمان طالب الحماية." طالع العمدة ومن معه باستغراب: "حماية من مين يا حضرت الخوجة؟ رايدني أحميك من فراس؟ دا أنا ما بعرف أحمي نفسي منين رغم إني عمري ما أذيته ولا خالفته. جاي انت بكل بساطة أكده تطلب مني أحميك انت وبنتك من غضبه وحضرتك بتعاندو وتتحدها عيني عينك؟ قطب ما بين حاجبيه بغضب وسخرية: "ولما انت العمدة اللي بتمثل القانون مش قادر تحمينا من شره وتحمي بتي مين يحمينا؟

أنا خابر زين إن فراس بيهددكم وزرع الرعب في قلوبكم بعد قتل بوك هو صغير. لكن أنا ما أخافش منه ولو مش رايد تحمينا اطلب من المأمور بقوة من البندر تحمي فرح بتي. خلاص كلها أسبوع وياخدها جوزها ويسافر." شعر العمدة بحرج موقفه فرد عليها بحزم:

"طيب يا حضرت الخوجة أنا هطلب قوة من المركز لزفافها. هقول إنكم اتهددتوا بالقتل. روح تمم خطوبة بنتك ولما تيجي الليلة الكبيرة أنا هنزل بنفسي مع الغفر ورجالة الأمن. وادعي إنه ما يعودش البلد اللي بعد فرحها وسفرها مع جوزها. بس خلي بالك أنا ما أضمنش أحميك من شره بعد ما يعود ويعرف بأنك جوزت بتك من غير ما ترجع له." ثار سمعان على العمدة بحدة: "استئذان من مين يا عمدة؟

أستأذن من ولد الليل لأجل أجوز بتي. دي بتي وأنا ولي أمرها أجوزها للي يليق عليا." ارتبك العمدة من ثورة سمعان عليه وقال موضحًا: "طبعًا ده حقك. أنا اتحددت على إنك هتعمل ليها فرح من غير ما ترجع له. انت خابر لو اتعمل فرح بدون رضاه بيجيبه فوجئ تحتاني. هو ده قصدي واصل." تنهد سمعان براحة وتأكد بأنه يملك زمام الأمور، فغادر إلى داره بعد أن اطمئن إلى ترتيب الأمان لفرح ابنته. وقال لنفسه بغرور وزهو شاعر ببعض الانتصار:

"ابقى وريني يا واد فودة كيف هتاخد بتي غصب عني." عاد لداره وأبلغ ابنته بأن يهدأ باله فقد ضمن لها ولعريسها السلامة. رغم أن رفض العمدة حضور الخطوبة جعله يشعر ببعض الضيق، لكنه عاد وأكد عليه أنه سيحضر ليلة الزفاف، فهذا ما طمأنه أكثر بأن ليلة زواج ابنته ستمر بسلام. قام بعزومة أهل البلدة وكثير منهم خشي الحضور خوفًا من عودة فراس فجأة. وهذا ما لا يحسب سمعان حسابه جيدًا ظنًا بأن غربته ستطول إلى أن تسافر ابنته مع زوجها.

كانت ليلة الخطوبة ليلة جميلة، أقيم شادر كبير خارج داره. وصدحت الأهازيج والأغاني المصرية القديمة، ورقصت لها البنات وأخوات العريس الذي كانت فرحتهم منقوصة خوفًا من القادم. حتى أن تم الزفاف، فلن يستطيع أحد أن يرحمهم من غضب فراس عليهم بعد أن حرم من معشوقته.

كان الجميع يتجهز ليقوم العريس بتلبيسها شبكتها. ودخل سميح إلى دارهم وهي كانت كالبدر ليلة تمامه جالسة وسط البنات يغنين لها ويزغرذن بسعادة وفرحة. وأم العريس ترقص وتغني لابنها. في ذلك الوقت، عاد فراس من القاهرة مهمومًا حزينًا لعدم عثوره على أخته أو منصور بيه. وصل إلى داره وهو يكاد لا يرى أمامه. إلا أن حزنه يتأكله. وما أن مر طيف معشوقته بباله ابتسم وقرر أن يزورها لكي تطيب خاطره وتزيل بعض الحزن عن قلبه برؤيتها.

ارتدى جلبابه الأسود وربط الشال بإحكام على رأسه، فأصبح بهي الطلة بملامحه الجادة وهندامه الرائع. صفر لحصانه لكي يأتيه، لكنه أتى ومعه جعبل الذي اهتم به أثناء سفره كما أوصاه فراس. فنظر إليه بقلق وريبة: "حمدًا لله بالسلامة يا سيد الرجالة. كويس إنك عودت الليلة." رمقه فراس بنظرة تفحصية ولاحظ ارتباكه وشحوب ملامحه فسأله باستغراب وحيرة: "مالك يا جعبل؟ حصل إيه بغيابي؟ إيه ريسك الغول مات ولا الرجالة خلفوني وسرقوا حاجة؟

انطق يا واد." ابتلع جعبل ريقه ورد عليه بتردد: "لا ده ولا ده. انت كلمتك سيف على رقابنا. لكن بت الخوجة... قاطعه فراس بحدة وسأله: "مالها مهرة؟ جرالها حاجة؟ في حد مسها بسوء؟ فيها إيه؟ جوله." هز رأسه بالنفي ورد: "لاه مهرة بخير وزينة الحمد لله. ونجحت كمان وبتفوق كي ما بيقولوا من أسبوعين." تنهد فراس براحة، لكن بداخله يشعر بالسوء. فسأل:

"طيب زين جوي إنها نجحت فرصة أبارك ليها. اومال مالها مهرة بيها إيه وليه وشك أصفر كي الكركم أكده؟ ما تنطق يا بو." أخذ يبلع ريقه بصعوبة أكثر من مرة وبلل شفتيه وحلقه الذي جف بشدة وأردف: "الليلة خطوبة مهرة على واد خالتها وصيفة وبعد أسبوع دخلتها." لم يتركه يكمل حديثه. امتطى حصانه رماح وانطلق بها إلى دار سمعان. نظر إلى الجموع من أهل البلد الذين كانوا يجلسون في الشادر المنصوب أمام الدار.

ترجل من على حصانه، وأخذ يطالعهم بغضب. ثم دنا من سمعان ودفعه في صدره بغيظ قائلًا بصوت كالجحيم: "جيت طالب يدها بدل المرة ألف، وأنت رفضت وجولت حجك بتك الوحيدة ومقدرش على فراقك. لكني حذرتك يوم ما تجوزها لغيري هيكون فيها موتك. مهرة مقسومة لي أنا وبس، واللي ما يتخد بالرضي يكون بالغصب وأنا جدي يا واد حمدان." ورفع سلاحه أمام الجميع وسدده إلى رأسه وأكمل حديثه:

"لو في راجل بالبلد يقدر يخلصك مني ومن مصيرك الأسود معايا يوريني نفسه ويجول أنا." ضحك بتهكم ساخر وهو يرى الجميع يبتعدون عنه هاربين منه. فاكمل: "ريت يا واد حمدان محدش يقدر. بس أنا هرحمك لأجل الزينة بتك. اللي هتكون من اليوم ملكي برضاك أو غصب عنيك." دفعه من أمامه ودخل على النسوة بداره دون عناء. رآها تتوسط البنات جميلة كجمال البدر في ليلة تمامه، وتجلس بجوار خطيبها المهندس سميح الذي كان يتهيأ لكي يلبسها شبكتها.

جذبها من أمامه ونظر إليه شزرًا وصاح فيه بغضب كاد يريده قتيلًا دون سلاح: "خابر يا ولد عتمان لولا إنك عايش في بلاد بره وما تعرف إن مهرة مقسومة لي. الله في سماه كنت دفنتك حي دلوقتي. لكني مش هثقل أمك عليك وأنت وحيدها. هملنا واخرج من الدار وأوعاك تظهر وجهك جدام تاني هبندجك فاهم." وقف سميح أمامه غير عابئ بسلاحه المرفوع في وجهه وقال: "انت إنسان مجرم مالك دية، متخيل هسيب ليك عروستي وأخرج؟

تبقى مجنون. أنا أتحدى تمد إيدك عليها أو تمسها بسوء في وجودي." أمسك يدها وجذبها من جوارها إليه وصاح فيها متحديًا: "وريني هتعمل إيه. اديني مسيتها وهاخدها جدام عنيك وأخرج بيها." استشاط سميح غاضبًا وأمسك في تلاليبه. دفعه فراس بكل سهولة أرضًا. نهض سميح من عثرتها وصاح به: "على جثتي لو خدتها من هنا. لا أنا ولا انت يا ابن الليل يا مجرم."

غامضت عين فراس الذي يقف بكل جبروت وتحدي للجميع بلا خوف أو يطرف له جفن. لكنه ابتسم بسخرية حين رأى تحدي سميح له، ذلك الشاب المتعلم الذي عاش أغلب حياته بالخارج فقال له بغرور: "وماله يا واد عتمان. أخده على جثتك. ما أحب على قلبي أقتلك وأخلص منك لأنك فكرت تاخد ما هو ملكي. بس دمك ما يلطخش. ولا أقولك بلاها البندجة والبرود. أنا هقتلك بيدي. لأجل دمك ما يلطخش توب مرتي الزينة مهرة."

أطلق سراحها ودفعها برفق لكي تبتعد عن مكان معركته مع خطيبها سميح. فهرعت مهرة هاربة من بطشه واختبأت وسط أصدقائها وأخوات العريس وبعض بنات البلد الذي أتوا للاحتفال بخطوبته. أما إن تقدم من فراس، أخذ ذراعه ولفه حول ظهره وكسره، وقيد حركته وضغط على رقبته بقوة لكي يسكر عنقه. إلا أن نزول والدته تقبل أقدامه باستجداء ورجاء أن يرحمه:

"أرجوك يا ولدي همله. ده وحيدي وفرحة خواته مالهمش غيره بعد موت بوه. بيكفي كسرت دراعه همله الله لا يسئك وأنا محتاجة ليك. وهعمل كل اللي يرضيك." ضحك بتهكم ودفعه بحقد فوقع أرضًا وهو يصرخ من ألمه. وظهره الذي تلقى ركلات من أقدامه فأصابته بالكدمات الشديدة.

استدار بغيظ ونظر إلى البنات الذي كانوا يولولون على أخيهم واختبأت خلفهم مهرة. فمد يده اختطفها من بين أقرانها، وحملها مثل الطفل على كتفه، وخرج أمام الجميع، الذي جرو خائفين من أمامه مثل الخراف. لم يجرؤ أحد على الوقوف له أو منعه. ألقاها على حصانه وانطلق بها إلى بيته دون أن يسأله أحدًا أو يعترضه طريقه كأنه لم يخطف فتاة من بيت أبيه. دخل إلى بيته ومنه إلى غرفة نومه وألقاها على الفراش ونظر إليها بحقد وغضب محاولًا كبح

جماحه وقال بتهديد ووعيد: "جدرت انت وبوك تعمليها يا مهرة؟ بجى جلبك طاوعك تكوني لغيري؟ الله في سماه لو كان لمسك لكنت فلجت جسمه نصين حتى لو كان جوزك. انت ملكي أنا وبس فاهمة يا بت الخوجا اللي أيامك سواد في سواد." رفع رأسه عنها وهدأت حدة غضبه وقال:

"أنا مش هلمسك دلوقتي. بس الله في سماه لو ما وافق بوك على جوازنا الليلة، لاخدك بلا زواج وهتكوني من الليلة رفيجة فرشتي يا مهرة. أنا هسيبك دلوقتي ولما أعود لأكون زوجك بشرع الله. لأكون عشيقك. استعدي الليلة معاكي هتكون صباحي يا مهرتي الغالية." تركها وخرج لا تعلم إلى أين؟! ألقت رأسها على الوسادة وأخذت تبكي بحرقة قدرها الذي جعل هذا الشيطان يعشقها ولا يريد غيرها زوجة له؟!

.. .. .. .. .. .. .. .. .. .. .. .. .. .. . .. .. .. .. .. .. .. .. ☆

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...