الفصل 27 | من 30 فصل

رواية فراس ابن الليل الفصل السابع والعشرون 27 - بقلم سلمي سمير

المشاهدات
20
كلمة
4,759
وقت القراءة
24 د
التقدم في الرواية 90%
حجم الخط: 18

خسرت كل شيء، ولم أعد أحلم بأي شيء بعد ما ضاع حلم وتحطم علي صخرة الحقيقة، الهدوء هو كل ما أطمح إليه بعد ما احتفظت بمبادئ روحي، خذلنا القدر وضياع كل شيء. لم يستوعب فراس حديث الطبيب إليه وسأله بذهول: "بتجول إيه؟ كيف يعني مرتي سقطت؟ هي كانت حامل؟ شعر الطبيب بصدمة فراس وحزنه العميق، فربت على ظهره وشد على يده برفق وقال:

"أيوه كانت حامل بس واضح إنها ما كانتش تعرف، الحمل كان لسه في مرحلة التكوين وضعفها العام أتسبب في الإجهاض. باين إنكم لسه متجوزين جديد وده كان أول حمل، بس متقلقش هي بعد عملية التنظيف هتقدر تحمل تاني بإذن الله، بعد أسبوع تعالي بيها مستشفى المركز نعملها التنظيف وهتبقى كويسة جداً، بس لو بتفكروا بحمل تاني لازم تسترد صحتها الأول والأنيميا تختفي. دي نصيحتي ليك." أخذ يكتب على ورقة العلاج ثم مد يده بها إليه وقال:

"كتبت ليها على مجموعة فيتامينات لازم تواظب عليها وخلال أسبوع أو اتنين بالكتير هتتحسن لو التزمت بالعلاج والتغذية." تناول منه فراس ورقة العلاج والحزن يقتله ومزق قلبه فقال: "متجلقش يا دكتور، أنا هوعي ليها من اليوم وطالع، اتفضل معايا أعاود بيك لمستشفى المركز." أوقفه الطبيب بإشارة من يده وقال برفض تام:

"لأ، أنا هرجع لوحدى، معنديش استعداد أركب الحصان تاني. أنا رضيت أركبه وجيت معاك لما حسيت بخوفك على زوجتك، لكني هدبر حالي. خليك أنت معاها." خرج الطبيب وانهار فراس على الدكة وقال لنفسه بحزن: "واه يا زمن، مش كفاية وجع وألم وحرجت جلب ميتي ترحمني وتجدر لي الخير وتسعد جَلبي حتى لو لوجت جصير. عليا العوض ومنك يا الله العوض." ثم تنهد بقوة وكفكف دموعه التي خانته وهربت من مقلاتاه:

"استغفر الله العظيم وأتوب إليه، راضي يارب وحامدك وشاكرك، رضي بقضاك وطالب رضاك، صوح الولد أملي اللي بترجاه منك، لكن مهرة عندي بالدنيا، الحمد لله إنك سلمتها لي من كل شر وأذى." نهض فجأة وعاد لعنفوانه نافضاً عنه الانكسار والحزن والألم ونادى على انعام زوجة وهيب وقال لها: "بجولك يا خيتي رايدك تراعي مهرة لحد ما تجوم من شدتها، ومريدش تخبريها إنها سقطت دلوك لحد ما تشد حيلها." نظرت إليه انعام بحزن وقالت مواسية:

"لستكم صغار والعمر جدامكم وإن شاء الله تتعوض، بس المهم كي ما جولت تجوم ليك بالسلامة. أنا هروح الدار أدبح ليها فروجة مرباي، تتجوت بيها وتشَد حيلها، والحمد لله إنها كانت لستها في أوله." ومأله فراس بالموافقة وقال: "طيب خليكي معاها هبابة على ما أجيب ليها العلاج وأجي طوالي، مش هغيب عليكي، عن إذنك."

خرج فراس من الدار لكي يأتي لها بالعلاج وأيضاً ليطلق ما في نفسه الحزينة بعيداً عنها حتى لا تشعر بألمه لفقد حلمه في طفل يحمل اسمه ويكون منها هي توأم روحه وعشيقة قلبه. بعد مغادرة فراس، استفاقت مهرة ونظرت فيما حولها تبحث عنه، فرأت انعام زوجة وهيب برفقتها تبتسم لها وتقول: "خلعتي قلوبنا عليكي يا مهرة، مالك أكده يا أختي عدمانة ومسلولة؟ هو فراس مش بيوكلك ولا إيه؟ تلمعت عيناها بقلق من أن تكتشف سرها وقالت بتوتر ملحوظ:

"لأ يا أختي، فراس مش مخلي في نفسي حاجة واصل، بس أنا اللي معدتي فازعة ومفيش لقمة بتفضل في جوفي. حتى هو كان رايد ياخدني وندلو للمركز نكشف هنكي وحصل اللي حصل، بس هو فين فراس؟ قبل أن ترد عليها انعام، دخل فراس بابتسامة رضا تزين ثغره. ودنّت منها أثناء خروج انعام وتركهم سوياً، فقال بلهفة: "جارك يا جليبي، هروح فين أنا؟ هفضل جارك لحد ما تجومي بالسلامة وتعاوي لصحتك وتصيري زينة كي ما كنتي."

نظرت إليه وألمها حزنه العميق الساكن عيناه وجعلها حمراء ككاسات الدم، حزن عليها وعلى حالها الذي كان هو سبب فيه دون أن يدري لاستحلاله الحرام. همت أن تصرح له لعله يراجع نفسه ويرحم نفسه ويرحمها من عذاب النار، إلا أنه سبقها وأمسك يدها وقال:

"آه يا مهرة، خلعتي قلبي عليكي يا جليبي، كنت خايف أخسرك يا أغلى هدية من الله. خابرة انت بس تجومي لي بالسلامة، والله في سماه لأخدك وأسافر لمصر أزور الأوليا كي ما أمي كنت بتعمل، وباذن الله ببركة دعانا إلى الله في بيوت آل البيت هتعاودي زينة وأكثر." طالعتْه بحيرة وزاد شكها من أن ماله حرام ولهذا يريد زيارة أولياء الله الصالحين لكي يتوب في بيوت من بيوت الله التي يقصدها الكثير والكثير، فقالت له بتأكيد:

"ياريت يافراس، بس رايدة منك بعديها تقولي كل أسرارك من اليوم ورايح، لوقت خروجك من الإصلاحية، وليه قتلت العمدة وشيخ الغفر ومين منصور ده، كل حاجة عنيك." تلمعت عيناه بشكل خطر ونهض من جوارها ونظر إليها بريبة وارتباك، ثم تنفس بعمق وقال وهو يضع يده على بطنها:

"جولتها سابج وهجولهالك تاني، فراس هيكون كتاب مفتوح ليكي يوم ما ولده يكون في حشاكي. شدي حيلك وفرحي قلبي بذرتي جواتك وأنا هوفي بوعدي وأحكيلك كل أسراري لأنها هتكون همك كي ما هي همك." ثم أخذ نفساً عميقاً وكتم حزنه بداخله وابتسم لها بحنان: "المطلوب منك دلوج تتجوتي زين وتاخدي علاجك لجل تجومي لي بالسلامة وتحققي حلمي بولد لي منك."

اسبلت عيناها في حزن، تساءلت مع نفسها، هل أستطيع انتظار الحمل كي تصرح له أم تواجهه بما يقل راحته معه وظنها به، قبل أن تموت من عزوفها عن الطعام وصيامها الدائم. استغرب فراس صمتها وعيناها الزائغة بذبول واعياء جلي، فجذب رأسها إلى جوف صدره وقال: "آه لو تجولي إيه صابك وخليكي بجيت كي الميتة، معقول حزنك على زعل بوكي مني يعمل فيكي كل ده؟ جولك يومان يا جليبي أتأكد إنك بخير وأروح أحب على راسه لجل يسامحك ويعاود يزورك."

هزت رأسها برفض وقالت: "لأ يا فراس، مش وقته. مريداش تروح ليه لأنه هيكسفك، أنا خابرة بوي زين وخابرة قد إيه كارهك وكارهني دلوك، بلاشه." غمغم فراس بريبة وشعر بأن ما تعاني منه زوجته ليس حزن على زعل والدها بل شيء آخر تداريه عنه، فهم أن يسألها لتدخل عليهم انعام وهي تحمل صينية الطعام وقالت: "جُوم يا فراس من جارها، خليني أوكلها جبل ما تاخد علاجها."

نظرت مهرة إلى الطعام الذي أتت به انعام، وقرصت عليها معدتها من الجوع واشتهت نفسها إليه، إلا أنها أبت أن تأكل منه ظناً بأنه من مال فراس، فبررت رفضها لشعورها بالإعياء. قطعت انعام قطعة من الدجاج ومدت يدها إلى فمها وقالت: "اسمعي يا بت الخوجة، أنا مش هجوم من مطرحي واصل إلا لما تاكلي الفروجة، كُلِّتِها. دا أنا دبحتلك أكبر فروجة في داريتنا." تنهدت مهرة بارتياح وقضمت ما بين يداها بشراهة وقالت:

"وأنا مجدرش أزعلك، حاضر هاكل بس على قد نفسي." ابتسم فراس بسعادة حين رآها تأكل ولاحظ شراهتها ولهفتها على الطعام فقال بمزاح: "واه بين الفروج بتاعك يا انعام فتح نفسها على الوكل." مد يده في جلبابه وأخرج حافظة نقوده وأخرج منها مبلغاً من المال وناوله إلى انعام وقال: "بجولك إيه، خدي الجرشنات دول وهاتي كل يوم لها فروج واعمليه بيدك كي ده لجل تاكل وتتجوت." رفضت انعام أخذهم وأرجعت يده الممدودة بالنقود وقالت:

"والله ما يحصل، مدام نفسها اتفتحت هدبح ليها كل يوم فروجة وأكله ليها بيدي، إن شاء الله أدبحهم كلهم. انت خابر مهرة كي خيتي وانت نسيبنا وده حقكم عليا، ولا ناسي إن خيتي هتكون سلفتي ومرت واد عمي خلدون." ضحك فراس وعاد ومد يده بالنقود بإصرار: "طيب خدي هاتي ليها فروج وربيهم معاكي مدام ما فزعتش منيهم كي الفروج والوكل اللي بتعملهم بيدها، مع إن وكلك شهي ولذيذ وحلو جوي وأصلن." نظرت إليه بارتباك ودفعت المال إليه وقالت:

"غصب عنيها يا واد عمي، معدتها كانت تعبانة وفازعة، بينها كانت بردانه والحمد لله راجت." فهمه فراس رأسه مؤكداً فهمه على أن حملها كان سبب تقيؤها باستمرار وليس الأكل، فتنهد وقال: "طيب أنا هسيبكم وكليها زين وبعدها تاخد العلاج وهسيبها ترتاح، وأنا هروح لشيخ الجامع لجل يشوف حل مع بوها." استوقفته مهرة قبل أن يغادر وقالت له بحنان: "طيب تعالي كل ويايا انت كمان محتاج تتجوت، خد دي من يدي وحياتي عنديك ما تردها."

ابتسم لها فراس بقلب حزين وأخذ منها ما أعطته إياه وقال: "حاضر هاكلها بس صدقيني أنا شبعت لما لجبتك بتاكلي، أنا اللي رايد أحلفك بحياتي لو غالية عليكي طيبي بسرعة لجل خاطري، أنا محتاجلك جوي يا مهرة." تأملت ملامحه وعيناه التي ترقرق فيها الدموع فتنهدت بقوة وهي تحسد نفسها على عشقه لها ولهفته عليها التي جعلته يشعر بكل هذا الحزن واللوعة لمرضها فقالت:

"حاضر يافراس، هطيب بسرعة لجل تاخدني وتزورني أولياء الله كي ما وعدتني، بس على شرط انعام توكلني من يدها لجل أتجوت وأقوملك بسرعة أصل وكله حلو جوي." عانقتها انعام بحب وقالت: "وأنت جيتي في جمل، كل يوم هدبحلك فروجة واتنين كمان، المهم تقومي لينا بالسلامة وصحتك تبجي زين."

مر أسبوع وبدأت مهرة تتحسن وعادت بعض الدموية إلى وجهه الشاحب وذهب عنها الهزال والضعف العام، بعد عناية فراس بها الذي لم يتركها وكرس كل وقته لها مع اهتمام انعام التي كانت تطعمها بنفسها لكي تأكل بعد أن لاحظ فراس أنها تستلذ ما تأتي به إليها، وصارت صحتها في تحسن.

بعد أسبوعين عادت مهرة إلى وضعها الطبيعي واستطاعت أن تنهض من مرضها قوية كما كانت قبل إتمام زواجها بفراس، لهذا طلبت منه زيارة مصر كما وعدها لكي ينال التوبة، إلا أن فراس طلب منها أن تهيئ نفسها للذهاب معها إلى مستشفى المركز لكي يطمئن عليها بعد النزيف الذي أصابها، وهي إلى الأن لا تعلم سببه وأنه أجهضت طفلها. وافقت على مضض بالذات بعد أن توقف النزيف وعادت إليها صحتها ورونقها وخافت أن يعاودها المرض إن لم يتوب لله عن الحرام.

تركها تتجهز وذهب هو إلى بيت وهيب جاره وكان جعبل بانتظاره يحمل قفصاً من الفراخ الصغار. فتح وهيب الباب وطلب منه الدخول: "اتفضل يا واد عمي ادخل وطمني كيف حال مرتك اليوم." رفض فراس لأنه على عجل من أمره وقال له: "اسمع يا خوي، أنا قبلت تعب مرتك وجلت خوات ونسايب، ولجل تريحني رايد منك تقبل مني الهدية دي وأحلفك بالله وحياة كل غالي عليك ما تردها."

وطلب من جعبل أن يدخل قفص الفراخ الصغار إلى الداخل. استغرب وهيب هدية فراس لكنه لم يستطع رفضها، لكن حين علم من زوجته سبب هديته استغرب منه ومن أفعاله، لأنه لا يريد أن يحمل أحد جميل عليه لهذا ردها. قبلها مرغماً ليس خوفاً منه لكنها قدمها في شكل هدية وليس سداد أو ثمن لوقوفهم بجواره في مرض زوجته، لهذا لم يستطع رفضها، سيراً على قدوة نبينا كم كان يقال في الأثر "النبي قبل الهدية".

تركهم فراس بعد أن شكر انعام على وقفتها معهم وعاد إلى داره طالباً من مهرة السرعة قائلاً: "همي يا مهرة، الركوبة جاهزة ومريدش نتأخر." خرجت إليه مهرة وابتسامة هادئة تزين ثغرها وقالت: "وحياة الغالي عندك، بعد ما تطمن عليا رايدة منك ندلو مصر نزور الأوليا، حاسس إني هرتاح بعديه." ركب على ظهرها وأخذ بيدها إلى السيارة التي استأجرها لكي يأخذها إلى المركز وطلب من جعبل الاهتمام برماح إلى حين عودته، لكن جعبل مال عليه وقال:

"حاضر هاخد بالي منه بس لما تعاود رايدك في خدمة ضرورية." ومأله فراس بالموافقة وغادر هو وزوجته إلى مستشفى المركز لكي يطمئن عليها ويرى إذا كانت تحتاج إلى جراحة تنظيف أم لا، بعد أن أقنعته انعام بأنها ليست ضرورية، وهذا ما جعلها ينتظر تحسن حالتها حتى يذهب بها لتقوم بإجرائها. وصل إلى المستشفى وطلب مقابلة الطبيب وكان نفس الطبيب الذي أوصى بعملية تنظيف، فحين ذكره فراس بحالته طلب منه الدخول بها لفحصها وتحديد حالتها.

أدخلت مهرة إلى غرفته برفقة فراس وقام الطبيب بالكشف عليها وطمأنهم قائلاً بارتياح: "الحمد لله، الإجهاض ما سببش أي مشاكل، بس هنعمل تنظيف تحسباً لوجود بقايا تعوق الحمل مستقبلاً." نظرت مهرة إلى الطبيب وفراس وسألت بهلع: "هو أنا كنت حامل وسقطت؟ جولي يا فراس إن ولدي منك ماتش وإني بغبائي اتسببت في موته، جولي إني بحلم." احتضن فراس كتفها لكي يهدأ من روعها وقال:

"لأ يا مهرة، مش حلم واقع، واقع حزين ومؤلم وجعني وخفت عليكي من وجعه، لكنه مش بإيدي. رايد أطمن عليكي وأتأكد إنك بخير، مقدرش على خسارتك انت كمان يا جليبي."

لم تتحمل مهرة صدمتها أو حديث فراس الذي هز وجدانها ونظرت إليه بملامة وكادت أن تصرخ في وجهه وتقول إنه السبب في خسارتها لحملها، إلا أن دموعه التي ترقرق فيها أسكتتها وجعلتها تبتلع ثورة غضبها عليها واستسلمت إلى قدرها لموافقتها على الزواج منه رغم معرفتها بحياته الإجرامية التي لا تخفى على أحد، وكان سبب رفض أبيها. بعد ساعة كانت مهرة انتهت من إجراء عملية التنظيف واستعدت للمغادرة إلى دارها برفقة زوجها.

وصل أخيراً إلى الدار فدفع فراس إلى السائق مبلغاً كبيراً من المال وشكره على توصيله لهم والانتظار معهم. حملها ودلف داخل الدار ثم إلى غرفة نومهم، مدّدها على الفراش وربت على شعرها بحنان بعدما نزع حجابها وقال: "ارتاحي هبابة وأنا هروح لانعام أخليها تجي تجعد معاكي." أمسكت يده وبكت بحرقة ووضعت يدها على بطنها وقالت: "ولدي منك مات يا فراس وأنا السبب، بس انت كمان السبب. أنا مجدرش أعفيك لأن ولدي مات بسبب أفعالك."

طالعها فراس باستغراب وشك أن يكون ظنها بأنه السبب في إجهاضها، بثقله عليها بقربه منها وهذا ما جعلها تحمله الذنب، كان يريد أن يصدمها ويصرح لها بأنه بريء، وأنها هي تسببت بإجهاضها، لكنه أشفق عليها من ذنب لم تقصده، فربت على كتفها بحنان وكفكف دموعها وضم رأسها إلى صدره وقال: "حقك عليا خلاص يا مهرة، اتعلمت واتأدبت وخسارة ولدي وجعتني كفاية، أوعدك اللي فات مش هيتكرر تاني."

لم تصدق اعترافه على نفسها بأن ماله حرام ودخلت في نوبة بكاء عاصفة لضميره الذي استيقظ بعد فوات الأوان وقالت: "الله يسامحك يا فراس، انت اللي عملت فينا أكده، والحمد لله إننا خلصنا من ولد الحرام ورحمناها ورحمنا نفسنا من ذنبه." هزت كلماتها الثقيلة جسده ورفع رأسها عن صدره وحدق فيها بذهول غير مصدق ما تقول وسألها بحدة: "ولد الحرام كي يعني؟ بينك اتجننتي يا مهرة؟

ولدي منك ولد حلال، انت مرتي بشرع الله وبرضاكي، أوعى يكون زعل بوكي مني خلاكي ظنيتي إن اللي بيننا حرام؟ انت مرتي يا مهرة بحلال ربنا." هزت رأسها باعتراض وقالت وهي تبكي بحرقة:

"أيوه مراتك وبحلال ربنا، لكن جوفك وكله الحرام لأن رزقك من الحرام، وبذرتك من وكل الحرام كانت في حشايا كي النار والحمد لله ربنا خلصني منها لجل تتوب عن الحرام بجيوترزق من الحلال، واه يافراس هو ولدي وجلبي موجوع عليه زيك، لكن من نبت من حرام فالنار أولى به. أكده أحسن بيكفي بجي وتوب لله، الله لا يسئلك." تبدلت ملامح فراس عدة مرات بين الذهول والجنون، الغضب والسخرية، التعجب والفزع، وأخذ يحدق إليها باستغراب كأنها يراها

لأول مرة في حياته وقال: "حرام؟ أنا مالي حرام وجسمي وكله الحرام، وبذرتي حرام، واه دي جواتك يا مهرة وبتجولي بتحبيني وعاشقاني؟ أمسكها من كتفها وهزها بغضب عارم: "جوليلي يا مهرة كي بتحبيني ورضيتي بجوازنا، وجواتك شك في رزقي؟ خابرة المرة اللي ترضى تعيش مع جوزها وهي خابرة إن ماله حرام تبجي إيه؟ عاصية لربنا، لأن واجب على الزوجة الصالحة تقوّم جوزها مش تاكل معاه الحرام."

وسكت فجأة وتذكر كل ما كان يحدث منها من يوم زواجه بها وحدق إليها شزراً وضغط على فكه كي يمنع نفسه عن أذيتها وقال بصوت جمد الدم في عروقها: "واه انت كنتي محرمة وكلي، وعلشان كده مرضتي، وما أكلتيش من فروج انعام غير لما اتوكلتي إنه مش من مالي؟ يمكن زعل بوكي سبب مرضك كان صومك عن مالي الحرام؟ ضرب يده برأسه وراح يلف في الغرفة مثل المجنون ويصرخ بألم ووجع يمزق روحها الأبية وصرخ فيها:

"موتي ولدي بظنك السوء فيا، حسبي الله ونعم الوكيل فيكي. مش مسامحك يا مهرة ولا رابدك ولا طايق أبص في وشك بعد اليوم لأنك كذابة وأنانية ومنافقة. عمرك ما حبيبتيني ولا عشقي سكن جلبك، انت سلمتي أمرك ورضيتي بجوازنا عند في كل البنت اللي حسدوك عليا وغيروا من رئيسة اللي سابج ظنيتي فيها السوء معايا، لكن لو حبيبتيني كانت بصيرتك غلبت بصرك. لو أنا ولد حرام كنت جبرتك عليا من أول ليلة وأنا واخدك عصبانية، لو جوفي حرام كنت رضيت بصرف بوكي عليكي في داري."

"عميتي بيكفك يا مهرة وبعماكي جتلتي ولدي. سمعتي لبوجي ومسمعتيش لجلبك ده لو موجود أصلاً. حبي فيه. كنت رايدة مني إيه؟ أثبت ليكي كيف إني ولد حلال؟ جولتلك ولدي يسكن حشاكي وهجولك كل همي لأنه مش همك غير بدم يربط بيننا. لكني استكترتيه عليا وجتلتيه بغبائك وهان عليك وجعي وألمي بشكك فيا وخيانتك ليا. عمري ما هسامحك فيها يا بت سمعان."

ارتجفت مهرة من كلماته وشعرت كيف كان تأثير كلام أبيه عليها منتهى الغباء، كيف لم تر أفعاله معها وخوفه عليها مثالاً عن نقاء روحه ونظافة جوفه من الحرام. دنت منه ووضعت يدها على ذراعه فانتفض من لمستها ونظر إليها بحقد وغضب وابتعد عنها فسألته بارتباك: "فراس، اعذرني بس انت عايش وسط المطاريد ومحدش يعرف ليك شغلانة، إزاي كنت هأتوكد إن مالك حلال؟ حدق إليه بحزن وألم وانكسار لم يعيشه يوماً وقال:

"تتوكدي من سماحة نفسي معاكي، من أفعالي. ما سمعتي عن سعيي للتوبة للمطاريد والصلح بين الجعافرة والجبرية؟ كله ده مشفعش لي عندك؟ كان يشفع تعبي كل يوم وأنا راجع لداري، مجدرش أصلب طول وكل أملي حضنك يهون عليا تعبي وشقايا. لكن لأ، دماغك من دماغ بوكي وبسببه ولدي مات اللي كان هيربط بيننا راح لأنك غدارة وكذابة." جهشت بالبكاء وقالت مبررة:

"كل ده حصل وكان بيشككني، لكن رزقك كان من فين ده محدش خابر من فين، وليه العمدة والكل بيهابك ويعطيكمن مالهم؟ هو ده مش مال حرام لأنك واخدة غصب؟ ضغط على فكه بقوة وأمسك ذراعها وضغط عليه بشدة: "لأنك غبية، مال العمدة مال جدي ومالي لكني رفضت أخده أو أعيش في نعيمه لجل ما أحب عيشتي وحياة الترف وأنسى انتجامي، ولو على رزقي مش محتاج أحلف إنه حلال."

مزق ثيابه وأولها ظهره لترى خطوطاً حمراء مسلوخة بطول ظهره جديدة وقديمة وتذكرت أنها سألته عنها وقت كانت تتطهر جرحه لكنه لم يجب. دنت منه ووضعت يدها عليه. فارتجف جسده من لمستها واقشعر بدنه وابتعد عنها بغضب وارتدى ثياباً أخرى وقال لها بحدة:

"هو ده رزقي يا مهرة يا بت الخوجة سمعان، بشتغل فواعلي بشيل وأحمل على ظهري عمل سبع رجاله وباخد أجرهم لجل ما أحرمك ولا أوكلك حرام. كنت بزيد الشغل عليا وأتحمل لأجلك، مكنتش رايد أحرمك من حاجة ولا آخد مالي من العمدة لجل ما يكون عندي ذرة شك إنه داخله حرام. أمي حرجت القرشات قدام عيني لجل ما يدخل جوفنا الحرام وجوعنا بالليالي وماتت لجل توكلنا الحلال. تريديني أنا أوكلك الحرام وبالأخير تقولي أحسن إنه مات وإنه مالي حرام؟

لأ يا مهرة."

"أجولك حاجة، انت لو كنتي جتلبتيني كان أهون عليا ولا إنك تظلميني بالباطل وتظني بيا السوء. على الأجل ما كنت اتوجعت منيكي كي دلوك لأني عايش معاكي على نفاق. أنا هذبت روحي وذليت نفسي وكسرتها في العمل لجل ما أكون ظالم أو مفتري بقوتي على خلق الله، لكن انت ظالمة وافتريتي عليا وجتلتيني قبل ما تجتلي ولدي. أيوه يا مهرة انت جتلته، وكي ما هان عليكي ولدك تجتليه بكرة هيهون عليكي فراس وتموتيه ده لو ما كنت مت بعملتك. حسبي الله ونعم الوكيل فيكي يا بت سمعان، مش مسامحك ولا هسامحك على كسرة جَلبي وروحي."

ثم دفعها بعنف وغضب وخرج مسرعاً من الدار ودموعه تكوي قلبه الحزين قبل وجنتيه. نظرت مهرة إلى باب الدار الذي خرج منه مندفعاً وانهارت أرضاً وأخذت تلطم على خدها وتمسك بطنها وتصرخ: "يامرك يا مهرة جتلتي ولدك ودبحتى جوزك وخسرتيه، يا مرك ومرار أيامك الجاية يا مهرة هتروحي من ربك فينبعد اللي عملتيه. لو ما سامحك فراس كي يسامحك ربك على جتل روح خلقها جواتك وبسبب إهمالك راحت. يا رب رحمتك."

رفعت يدها إلى السماء وتتضرع إلى الله بحرقة ودموعها لا تهدأ عن الانهمار على وجنتيها: "سامحني يا رب والله ما كنت أقصد، يا رب عوضني ورد جوزي حبيبي ليا وخليه يسامحني، أنا مليش غيرك ألجأ ليه يارب." خرج فراس يجري بلا هوية فاخذت قدماه إلى المقابر، هرع إلى قبر أمه وأبيه وانهار باكياً أمامهم وأخذ يردد بحرقة وألم:

"آه يا أمي، تعبت تعبت وجلبي خلاص مجدرش يتحمل أكثر من أكده، حاسس إن خنجر أدب في جلبي لا جادر أخرجها. هاه يا أمي لي ليا حبيب ولا عزيز ولا غالي بعديكم، حتى خيتي مجدرش أعطر فيها، وحبيبة جَلبي جتلني وكسرة جلبي وجتلت ولدي وهو لسه في حشاها. آه يا أمي، وجعي اليوم كي وجع فراجك، كأن النار ولعة في جتتي بتحرقني، حسيت دلوك بالمك، لأن روحي ماتت كي روحك ما ماتت قبلي ما تتحرقيليه يا أمي مخدتناش معاكي وريحتينا من الظلم والظلومه وغدر الأحباب من أقرب الناس للجليب الموجوع. آه يا وجع جلبي اللي مجدرش أت نفس منه، آه واه واه واه."

وأخذ يصرخ بألم لكي يخرج أنفاسه المكتومة في جوف صدره إلى أن انهار برأسه على القبر ذارفاً دموعه بغزارة. لم يعد يشعر بمن حوله إلا ويد توضع على كتفه وشدت عليه بقوة وقالت بصوت حزين حنون ميزه فراس جيداً: "مع كل محنة يولد الأمل والخير وأيام شقاك انتهت يافراس." رفع رأسه ونظر إليها بذهول غير مصدق أنها أمامه..؟

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...