إن في الحياة ألمًا وهمًا كبيرًا جدًا، ولكن سرور الحياة أكبر من ألمها وينسي بالفعل هذا الألم، ولكن الحياة نفسها أكبر من كل ما فيها من الألم والسرور. الحياة ما هي إلا شعلة إما نحترق نحن بنارها وإما نطفئها نحن ونعيش في الظلام بدونها.
وصل فراس إلى الجبل وقد حل الإجهاد به، بعد هذا اليوم الطويل الذي قضاه بين السفر من مصر إلى الصعيد، ومفاجأته بخطوبة عشيقة روحه مهرة، التي خطفها وبعد ذلك عقد قرانها، وصولًا إلى زيارته للعمدة وبدران وإصابة حصانه ومدواته لدى رئيسة بعد إنقاذها من مغاوي الذي كاد يغتال شرفها. كل ذلك أصاب جسده بالإرهاق. ألقى التحية على الرجال الذين كانوا متأهبين كأنهم ينتظرون وصوله، فأستغرب ونظر إلى مكان الغول، فراها خالية وسأل: "فين الغول؟
معقول مات في غيابي ولا رحل؟ لم يجبه أحد من الرجال، بل رد عليه الغول نفسه قائلاً: "لاه يا واد عمي، أنا حي. كنت بانتظارك على أحَر من الجمر والحمد لله إنك عاودت اليوم قبل ما أعمل معاك الواجب وأضيع الخير اللي زرعته." رمق فراس بحيرة وسأله: "مش فاهم خير إيه اللي كنت هتضيعه وليه؟ وأنت كنت بانتظاري لأجل إيه؟ ابتسم له الغول برحابة صدر ومودة ورد عليه:
"الخير إنك رديتني إلى ربي، بعد ما حصل وكسرتني جدام الرجالة. تعبت وحطيت في نفسي لحد يوم سمعت أذان الفجر. جومت صليت ودعيت ربنا يخلصني من حياتي، وكان ربك سميع مجيب. خلصني من حياتي الحرام وردني لطاعته ومن يومها ما عملت معصية وعشت الحلال ونعيمه. وجتها فهمت يعني إيه الحلال بيرم الجتة ويقويه. وواحدة واحدة لقيت الرجالة بيعملو كي ما بعمل. كي ما أنت أخدت عليهم عهد ما يدلو من الجبل إلا لمساعدة المحتاج. والحمد لله رزقنا ربنا بالحلال. التاجر اللي حرسنا بضاعته من كام شهر طلب نحرس له كل بضايعه. وكمان كذا واحد ضاعت بهايمهم منهم في الجبل وطلب نرده له ولينا الحلوان. وكي ما جولت الحلال بيجيب الحلال ويشبع الأبدان. واليوم رايدين نرد لك معروفك معانا يا واد عمي."
ابتسم فراس لهم بسعادة ملأت قلبه العامر بالخير وقال: "زين، كنت واثق لما تدوق طعم الحلال عمرك ما هتجرب للحرام تاني. لكن ما جولتليش كي كنت هتضيعه وليه؟ هرب على كتفه بأخوة ومودة: "هجولك. من سبوع جعبل أدلى يعسعس عليك كي ما بيعمل كل سبوع لأجل يطمنا عليك ويندرك عاودت ولا له. لقيته معاود وجلبه مخلوع وبيجولي: فراس هيجلب البلد فوجاني تحتاني لما يعاود وهيصور فيها جتيل لازم ننجزه. سألته ليه كل ده؟
هو خيته مهجة رجعت ولا العمدة غدر بيه؟
رد عليا بنفس الخلعة وجالي: لاه، مهرة اللي بيعتبرها مرته هتتجوز واد خالتها. وبعد عشية الخطوبة والسبوع الجاي ليلة الدخلة. لو متصرفناش ووقفنا الجوازة جبل ما جوزها بخدها ويسافر. فراس مش هيهدى إلا وهو قاتل بوها ومولع بالبلد. وأنا وجتها وجفت حيران مخبرش أعمل إيه وجولت هنستنى لليلة عرسها ونخطفها لو معاودتش. لكن جعبل بلغني إن بوها طلب حماية من العمدة والمأمور ليلة زفافها، يعني حتى لو عاودت مش هتجدر تعمل حاجة. ونويت أنا
والرجالة ندلي ليلة الخطوبة ونخطفها وتفضل في ضيافتنا لحد ما تعاود. وجبل ما ندلي جلنا جعبل بالخبرية الزينة إنك خدتها من دار بوها جدام الكل، وإنك كتبت كتابك عليها وبكرة عشية ليلتك يا عريس. فطلبت من جعبل يدلي ليك ويطلب منك تطلع لينا، ريدين نفرح ليك. فبلغني إنك عند الغجر بتداوي حصانك وصعب تطلع. وجهزنا حالنا لأجل ندلي ليك، لجيناك طالع تشاركنا فرحتك. ودي كانت كبيرة عندنا جوي يا واد عمي. عرفت ليه كنا متجهزين وليه كنا هنضيع
الحلال، لأن ممكن حدا من رجالة البلد يتصدى لينا لو خطفناها ونجتلهم. غيرك انت خابرين إنك رايده وانت بتدافع عن حقك فيها."
ابتسم فراس إلى الغول وشكر الرجال على مساندتهم له ونظر إلى جعبل بحنان لأنه صان غيابه. وفجأة طلب الغول من الرجال إطلاق الأعيرة النارية تحية للعريس لكي يعلم القاصي والداني أن الليلة ليلة فرح وسرور. وانطلقت الأعيرة النارية تضيء سماء الجبل وتقلق سكانها بطلقاتها المتعددة. أتى الديب بأشد حصان لديهم وقال لفراس: "خد يا عريس، دي هدية زفافك منا لأجل تزف عليه عروسك ليلة عشية. واحنا كلتنا هنفرح ليك بإذن الله." هز فراس
رأسه بالرفض وقال بحسم: "لاه، عروستي ما هتتزف غير على رماح. هو الليلة هيرتاح وبكرة هيصبح زين بإذن الله. أنا جيتكم لأجل أعزمكم لأنكم أخواتي وكنتم خير سند وعون. لعلمكم العمدة والحج بدران هيقومو بكل تحضرات الليلة، حتى عفش العروسة هدية منهم. بس محتاج رجل أو اتنين يساعدوني لأجل ننجز جبل الزفاف." طالع الغول بتعجب وقال: "واه وعروستك هتدخل على دارك العفشة دي؟
لاه الرجالة كلتهم هيدلو معانا دلوج يدهنوا الدار ويزينوها لأجلك يا عريس. وانت مدام مريدش تركب حصان غير حصانك هنشيلك على أكتافنا لحد دارك ونجبم ليك ليلة بألف ليلة وليلة لفرحك. همو يا رجالة احملوه، دي الليلة ليلة ولدنا وخونا وحبيبنا. كلتنا فراس شيطان الليل." لم يكذب الرجال خبر وحملوا فراس على أعناقهم بفرحة وسعادة ونزلوا من الجبل قاصدين داره. غامت عين فراس براحة سعيد بمحبة إخوانه المطاريد التائبين عن الحرام.
نزل فراس إلى البلد وسط المطاريد الذين أشعلوا الليل صخبًا وتهلل فرحًا بالعريس، وذهبوا إلى داره. أكثر من ثلاثين رجل قاموا بتجهيز الدار لاستقبال العروس. جعلوا داره كالقصر بألوانهم الزاهية والزينات التي زينتها. لم ينم أحد ليلتها وخرج وهيب ومعه خلدون لكي يشاركوه فرحته ويباركوا له. دنا منه خلدون على استحياء وقال: "مبارك يا فراس، بس طمني وصلت لمهجة ولا لا؟ أسبل فراس جفناه بلمحة حزن تخللتهم وقال له:
"الله يبارك فيك يا خلدون، عجبالك أنت ومهجة عن قريب." حدق به خلدون بدهشة وعدم تصديق وسأله بلهفة: "حج يا فراس، هتجوزني مهجة لما تعاود؟ حج يا واد عمي." ربت فراس على كتفه بحنان ورفق لكي يطمئن قلبه الملهوف وضمه إلى صدره قائلاً: "واه وأنا من ميتي جولت كلمة ورجعت فيها. مهجة ليك أنت خطيبها ومجسومالك لو حدتك اللي جولته كان حج وهي صدقت عليه وانت خابر زين كي هيكون جزاءك لو كذبت علي."
هلت أسارير خلدون بالفرحة مما جعل فراس يتأكد بأنه لم يكذب، وازداد يعشق أخته ولهذا فعل ما فعل. حين رأى خلدون ابتسامة فراس تنير وجهه قال له برحاء: "يعني أنت مصدقني واصل والا ما كنت جولت إنها لي، لكنك بانتظاره تعاود وتأكد ليك إن حديتي صح." هز فراس رأسه مؤيدًا كلامه فرد عليه خلدون برجاء:
"مدام ندرني راجل وهتجوزني خيتك، ارحمني من حبسة الدار دي، وهملني أعاود لشغلي. مفيش راجل بيكون عاطل، أو هملني أدلي أرض بوي لكن متحكمش عليا بجعدت الولاية أكده بالدار. بالله عليك يا فراس بيكفي ٦ سنين بتخبي وبداري منك. فين الرجولة في راجل محبوس بداره كي النسوان، بذمتك كي هتعطيني خيتك لي وأنت ندرني جليل الحيلة وعويل."
أخذ فراس نفسًا عميقًا ونظر إلى وهيب الذي يساعد الرجال فيما يفعلون كنوع من التهنئة له. نادى عليه، فأتوا إليه مسرعًا ووقف أمامه سائلًا: "خير يا فراس، رايد شي يا واد عمي؟ أمسك خلدون من كتفه وقال له: "خوك من بكرة هيدلي معاك الأرض يزرع ويجلع، ولو غاب عن عينك هيكون حسابي معاك عسير. وشيء كمان خد." أخرج بعض النقود من جلبابه: "أعطي الجرشنات دول لمرتك خليها تجهز لينا عشا العروسة كل يوم طوال السبوع، ولو خلصوا هعطيك تاني."
ابتسم وهيب له بأخوة: "لا بيكفي كتير دول وزين يا واد عمي، ثم أنت خوي وجاري وهتبجي نسيب خوي ليك واجب في رقبتي لازم أقوم بيه. عشا ليلتك عليا، وباجي الليالي من جرشناتك. وده أجل واجب أعمله معاك بعد عفوك عن خوي وردته لينا." أومأ له بالموافقة فشكره خلدون لمعروفه معه تمهيدًا لعفوه عنه وقبوله به كزوج لأخته حين عودتها. ابتسم لهم فراس بمودة، وعاد ونظر إلى داره التي أصبحت جديدة وتليق بعروسه الجميلة حبيبة روحه وجليبه مهرة.
ليشعر بأن ما زرعه من خير حصده وأن القادم سيكون أكثر قسوة وأشد ضراوة فيما سيحصده من دموية الانتقام. في دار الخوجة سمعان. لم ينم طوال الليل حائرًا حزينًا شاعرًا بالقهرة والحسرة، لزواج ابنته الغالية من فراس ابن الليل، والذي أصبح له عليه الطاعة وله هو المودة والرحمة. ظل على فراشه يتقلب كأنها نائمة على جمر من النار، إلا أنه هب ناهضًا بعد أن سمع أصوات وطلقات نارية وحركة غريبة بالخارج.
وقبل أن يفتح الباب ليعرف ما يدور بالخارج سمع أذان الفجر. فتوضأ وصلى فرضه، وبعدها سمع طرقًا خفيفًا على الباب مصاحبًا لجلبه عالية وصوت كثير من النسوة. ذهب إلى غرفة ابنته وهزها برفق لكي يوقظها وقال لها: "مهرة، جومي يا بتي الظاهر خالتك وبناتها جاين يطمنوا عليك." "يا فتح ليهم وجابليهم مليش عين أجابلهم بيها بعد اللي حصل." تنهدت مهرة بقلة حيلة وربت على كتف أبيها بحب: "حاضر يا بوي، وهون عليك المكتوب مفيش منه هروب وأصلًا."
أما أبوها بحزن، نهضت هي وارتدت عباءتها وطرحتها وذهبت لكي تفتح الباب. وما إن فتحته انطلقت الزغاريد من النسوة. الذين لم يكن غير زوجة العمدة وأخواته وبعض نساء أهل البلد الأشراف، ومنهم زوجة سليمان بنت بدران وزوجة وهيب. نظرت إليهم مهرة باستغراب وحيرة وتساؤل عن سبب حضورهم إليه في هذا الوقت من الصباح، فردت عليها حسيبة:
"جاين نفرح لك يا عروستنا. همي ادخل ورانا حاجات كتير هنعملها جبل عرسك ما يجي ياخدك داره." وأشارت إلى بناتها وبنات أخوات زوجها العمدة بالدخول وهما يحملون الكثير من الملابس والطلبات الضرورية للعروس. وأخذوا يعرضوها على مهرة التي كانت في دهشة من أمرهم. هل خوفهم من فراس ما جعلهم يقدمون على ذلك، أم ماذا؟ كان الوضع غريبًا على سمعان فاستأذن منهم وترك لهم الدار.
لينصدم مما كان يحدث في البلد بالخارج، من تزيين الدور ونصب شوادر وذبح الكثير من الذبائح كأن من يتزوج هو ابن المأمور وليس قاطع طريق وابن ليل. أصابه الدهشة بسبب كل ما يحدث والكل يهنئه على هذه الزيجة المشؤومة ولم يكن باستطاعته الاعتراض. فذهب إلى المسجد لكي يهرب من كل أهل البلد الذين شعر فيهم بالنفاق خوفًا من بطش فراس بهم، أم لماذا يباركون زواجه على ابنته؟ جلس بالمسجد حزينًا مهمومًا واضعًا يده فوق رأسه بانكسار.
اقترب منه شيخ الجامع وجلس أمامه وقال: "مالك يا سعفان يا ولدي شايل الهم فوق راسك وزاعق ليه أكده، وليلة عرس بتك وفرحتها الكبير بإذن الله." أنزل يده من فوق رأسه ونظر إلى شيخ الجامع بحزن وقال: "ودي جوازة تفرح يا شيخنا، بتي فديتني بنفسها واتجوزت واد الليل اللي نهايته سودة كي سواد أيامه المطينة بطين." احتج شيخ الجامع على حديث سمعان وقال بحزم:
"بتك هتتجوز راجل والاعمار بيد الله. ما ممكن تتجوز سميح ويموت بعدسبوع أو شهر أو سنة. وانت بتجول نهاية فراس. إيه نهايته وهو من يوم ما خرج ما ندرنا منه غير كل خير. وراجل صوح وعمره ما جال كلمة أو وعد وعد وخلفه. يا سمعان بتك نصيبها وجدرها فراس. لو مش نصيبها كانت اتجوزت واد خالتها وسافرت جبل ما يعاود ويخطفها. لكن القدر رجعه لأجل ليه نصيب معاها. ارضي بقضاء الله هترتاح وهتعرف إنك مرمتش بتك بالعكس انت جوزتها للي يستاهلها ويجدرها ويتجي الله فيها."
ضرب سمعان يده كفًا بكف ورد عليها بدهشة: "انت يا شيخ الجامع اللي بتجول فراس ماذاش حدا، وخطفه لبتي مش أذي، والرعب اللي ملا جلوب أهل البلد مش أذي، وأفراح الخلج اللي بيهدها لو اتجامت بدون إذن مني مش أذي. وقهرة الحج بدران وحبسته في داره، والعمدة اللي خلاه ملوش لازمة وخلدون وغيره وغيره مش أذي. فراس ده شيطان وموته حلال ربنا ياخده جبل ما يمس بتي."
تأفف شيخ الجامع من دعاء سمعان على فراس، سائلًا لماذا سمعان لا يشعر به، من نقاء قلبه، ونظافة يده من قتله للعمدة وغيره لأنه واثق بأن ما أقدم عليه وهو طفل صغير شيء أكبر من تفكيره بالإجرام أو تفكيره بمستقبله المظلم بعد ذلك. ورد عليه برحابة:
"حرام عليك يا شيخ، ده لسه شاب صغير، بتتمنى له الموت لأجل بتك اللي رضيت بيه جوز ليه. الله يسامحك وأنا غلطان إني حددتك. وخدها مني كلمة، بكرة لما تعرف فراس بحق ربنا هتندم عن كل كلمة جولتها في حقه." نهض وتركه في حزنه الذي جعله يتمنى الموت لفراس المظلوم الذي لم يجد في حياته شيئًا يسعده غير عشقه لمهرة، ذلك العشق الذي أدخل السعادة إلى قلبه الحزين والفرح إلى روحه الميتة التي قتلت غدرًا يوم اغتيال شرف أمه أمامه.
قامت النسوة بتجهيز مهرة لعرسها، وبعد اختيارها لثيابها وما يناسبها منه قامت البنات بحمل الثياب في أوعية كبيرة فوق رؤوسهن ولف بها البلد في زفة كبيرة شارك بها الكبير والصغير. إلى دار فراس الذي كانت تتجهز هي الأخرى لاستقبالهم بعد أن أتى العفش وقام المطاريد بتركيب غرفة النوم وباقي الأثاث وتركوا الدار للنسوة لفرشها وتجهيزها لاستقبال العرسان. وفي الخارج قاموا بضرب
النار والتهليل له وغناء: "الليلة الليلة يا عريس، ليلتك زينة يا عريس." وعزمه وهيب عليه أن يدخل داره ويتجهز بها بعد أن قام بالحلاقة وربط له وهيب الشال على رأسه ليصبح كالبدر في ليلة تمامه. ذهب المطاريد إلى الجبل لكي يتجهزوا لزفة العريس، إلا جعبل الذي قام بمراقبة بيت سميح خوفًا من أن يأتي بعمل طائش ردًا على ما فعله به فراس. من داخل بيت سميح الممدد على فراشه بانكسار وحزن: كانت أخته نعمات تلوم والدتها بألم وحسرة:
"ارتاحتي يا أماي بدل ما كان فرح خوي، عجلتي بجواز فراس من مهرة. ظلمتي ولدك وبت خيتك، الله يسامحكن." نظر سميح إلى أخته وسألها بألم: "كنتم خابرين إن واد الليل رايده وطلبها سابق، ليه يا أمي؟
صحيح مهرة بت خالتك وأنا أولى بيها، بس انت واعية لفراس عني، لأن كل اللي فاكره عنه قتله للعمدة وشيخ الغفر وهو لسه صغير. كنت متخيلة واحد زي ده هيهمل بت عشقها لي وهو كبير. الله يسامحك يا أمي قليتي قيمتي وكسرتيني قدامه وقدام نفسي وطلعتني صغير أووي." ربتت أمه على كتفه ودموعها لا تنقطع: "جرحك عليا يا ولدي، بس كنت رايدا ليك عروسة زيك وما فيه كي مهرة بالبلد كلها. وكمان أنقذها منه. حجك عليا." أغمض عينيه بحزن وتذكر
ملامحها الجميلة وقال: "لو كنت عرفتيني موضوعه كنت كتبت عليها وخدتها وسافرت قبل ما يرجع ويعمل اللي عمله. لكن هقول إيه، النصيب غلاب. والواضح إن مهرة نصيبه وقسمته. ربنا يهديه ليها ويباركلها في حياتها معاه ويعوضها خير. مهما كانت بنت خالتي وفي في مقام أختي وأتمنى لها الخيرة." هزت أمه رأسها بحزن واحتضنته باكية: "ربنا يكملك بعقلك يا ولدي ويوعدك ببت الحلال اللي تستاهلك ويهدي حالك يا مهرة يا بت غالية."
تجهز فراس للذهاب إلى عروسه وأتى سليمان ابن بدران وسلمه الشبكة التي طلبها من أبيه وشكره للعفو عنه واعتذر منه لإصابة حصانه. تنهد فراس بضيق حين ذكر إصابة حصانه، فتركه وذهب إليه لكي يطمئن عليه. فصهل الحصان بسعادة كأنه يبارك صديقه فرحته، فربت على عنقه وأعطاه تفاحة وقطعة سكر وقال: "جاهز يا رماح لزفة عروستي ولا لسه تعبان يا صاحبي؟ كأن الحصان فهم حديثه، رفع أقدامه الأمامية إلى الأعلى وصهل بصوت عالٍ ليؤكد له أنه بخير.
ابتسم فراس وقال للرجال أن يسبقوه على العرس وهو سيأتيهم، ثم امتطى حصانه على عجل وانطلق بها إلى مكان لا يعلم أحد أين ذهب. في دار سمعان. جلست مهرة بفستان زفافها الأبيض ومن حولها البنات يرقصون ويهللون لها. دخلت عليهم رئيسة ومعها بنات الغجر وطلبت من الجميع أن يتركوا لهم المجال لكي يقومون بزف العروسة كم يجب.
على طبل وغناء الغجريات رقصت رئيسة بغيظ كم لم ترقص من قبل وأخذت تتمايل وتتلوي كثعبان، إلى أن حانت لحظة لدغتها. فأقتربت من مهرة وقالت لها بخبث: "صعبانة عليا يا حزينة، صغيرة أنت جوي على راجل كي فراس. ومش هترضيه واصل، يعني هيقضي معاكي الليلة." وقرصتها في رجلها فصرخت مهرة بألم، فقالت رئيسة بغل: "لأجل أنول اللي هتنوليه الليلة وكل ليلة. يا مرت سيد الرجال، سيدي وعشيقي ليلي يا عروسة."
وضحكت بحقد بعد أن بخت سمها في قلب مهرة التي كانت تغلي مثل البركان، لعشق فراس للغجرية. وتذكرت ليلة أتاها يحذرها من دخول الدلالة الغجرية عندهم حتى لا تصيبها بعمل أو سحر. فتأكدت، أن فراس من سيصبح زوجها. عشقت فراس، بنت الغجر في الحرام، لتتساءل مع نفسها بحيرة وتعجب وغيرة: كيف هذا وهو من يتغنى بعشقه لي؟ لكن كيف لابن الليل أن يكتفي بامرأة واحدة وأن يصبو إلى الحلال معها؟ فقالت
أخذت قرارها وزاد إصرارها: بلا تجعل فراس يلمسها ويكمل زواجه بها إلى أن يمل منها ويطلقها ويعيدها إلى بيت أبيها. كان كل من بالشادر ينتظرون وصول العريس لمباركته، إلا أنه تأخر وقلق المطاريد عليه خوفًا من أن يكون أصابه مكروه. وكذلك شيخ الجامع الذي خمن مكانه وذهب إليه ليأتوا به. ذهب شيخ الجامع برفقة جعبل الذي أصر على مرافقته إلى المقابر. ومن أمام قبر فودة وحسنه كان يقف فراس ويقول:
"جيت يا أماي والخزي فوق راسي أطنان. خابر إنك زعلانة مني، لكن يا أماي مجدرش أعيش من غيرها، ولا طايج تكون لراجل غيري. سامحيني يا أماي، أنا عشاجها وهي الحياة اللي ياما اتمنيت أعيشها. لكن عمري ما هنسى المكتوب عليا، عهد الله أتحاسب عليه يوم الدين. ما هرتاح ولا يهدي لي بال غير لما أعتر على خيتي وأنتجم ليكي من الخسيس والجبان." "ندمنا منه الشيخ وربت على كتفه: يا فراس أنت هنا يا ولدي والبلد كلها في انتظارك."
أخذ فراس نفسًا عميقًا وكفكف دمعة خائنة نزلت من مقلتيه: "كنت بطلب السماح من أماي وبعرفها سبب ظلمي لمهرة، بعد ما أقسمت لها إني عمري ما هظلم بريء ولا هستخدم قوتي في قهر مظلوم. وأنا ظلمت أغلى وأعز الناس على قلبي بدون ما أقصد. يا يا عم الشيخ صعيب علي أخده بالغصب." هز الشيخ رأسه متفهمًا الحرب الدائرة بداخله بين انتقامه وبين الخير العامر به قلبه وعهده الذي خالفه بعشقه لمهرة وقال لها كي يطمئن روحها الحزينة:
"هون عليكي يا ولدي، الأموات خابرين زين اللي بالنفوس والنوايا، وأمك مش زعلانة منك لأنهت خابرة زين نجاء قلبك وروحك، وإن اللي عملته غصب عنيك، وانت اتجوزت مهرة برضاها مش غصب. وأنا شاهد." أمسك فراس يده كانه يستنجد به: "لاه أنا ظلمت وغصبت مهرة، مش برضاها واصل، فدت بوها وخيتاها هي مش راداني، وأنا أخذت عهد على نفسي مش هلمسها ولا هيكون بينا شيء غير برضاها. بيكفيني دلوك إنها هتنور داري وحياتي بوجودها فيه."
تنهد الشيخ براحة لقناعته بعدم قدرته على ظلم بريء وقال: "انت كده هتعمل الصح. يلا بنا ندلي البلد، الكل بانتظارك. عيب تهملهم أكده وانت العريس والليلة ليلتك." ضحك فراس بعد شعوره بالراحة لحديث الشيخ معه وودع أبويه بالدعاء لهم وقراءة الفاتحة وذهب إلى دار سمعان وقال لجعبل يخبر النسوة بدخوله عليهم ليلبس عروسه الشبكة. سبقه جعبل وقف على باب دار سمعان الذي كان يجلس أمام الدار على المصطبة والحزن ساكن قلبه وكاسر نفس وقال:
"العريس وصل، العريس وصل." دخل فراس عليهم ليخطف قلوب العذارى فيهم ويحسدون مهرة عليها بهيئته المهيبة التي تأسر القلوب والعيون: دنا فراس من مهرة وعيناه لا تفارقان وجهه ولم ير غيرها، لم يصدق أنها أصبحت زوجته وحلاله وتخيل ما سيفعل معها حين يغلق عليهم بابه. نهضت حسيبة من جوارها لكي تفسح له مكان يجلس به. جلس فراس بجوارها وطلب يدها قائلاً: "يدك يا مرتي يا جليب جليبي من جوه."
أخذ يدها التي كانت تعتصرها وتفركها بيدها الأخرى وأخذ يلبس لها الغوايش إلى أن ملت وقالت: "بيكفي إيه كل ده، كتير جوي صح ليك حج مهو من الحرام." لم يرد عليها وتجسد الغضب على محياه فقالت حسيبة: "ليه أكده يا مهرة، دي هدية بوي لفراس، والفرح والدبايح هدية العمدة ليه. فراس راجل ويستحق منا نشاركه فرحته." نكست مهرة رأسها بخجل مما قالت، فترك يدها وأخذ يدها الأخرى وألبسها باقي الغوايش. وما إن انتهى زغرطت البنات.
فتركهم ونهض والغضب يتملكها وفي داخله تولد إحساس بالرد على إهانته حين تكون بدارها. أمسكته رئيسة من ذراعه بغيرة ولاحظت مهرة فعلتها هذه فزاد إصرارها على هجره ولم تسمعها حين قالت له: "على فين يا عريس، مش جولت إنك هتخليني أزفك لداري." خلص فراس ذراعه منها وقال لها بعصبية: "مش وقته يا رئيسة، هقعد هلبه مع الرجالة وبعدها هجي آخدها وتزفيني عليها كي ما أنت رايدة."
ترك النسوة تبارك لمهرة التي أغرقت عيناها بالدموع حزنًا على نفسها وحرقة في قلبها لا تعلم سببها بعد تودد فراس للرئيسة الغجرية كم خيل لها وغيرتها من أنها اتخذها عشيقًا له. في الخارج رجال البلد والمطاريد يباركون لفراس ويهللون له مع راقصة أخرى من الغجر التي تتمايل على فراس بدلال ودلع، فصدها بغضب. فضحك رجالة المطاريد وقال أحدهم: "ليك حق رئيسة برقبتهم كلهم مرة على حق." ضغط فراس على فكه بقوة وجذبه من تلابيبه وقال:
"رئيسة بت الغجر صح، لكن أشرفهم. ولو خوضت في سيرتها، تي أنا هقطع خبرك جبر يلمك." دفعه بعيدًا فارتد إليه واعتذر منه وأخذ يرضيه إلى أن هدأت ملامحه الغاضبة. وعاد الكل للتهليل والصخب. ومن داخل الشادر يراقب العمدة عواد تودد الكل إليه، ظن في أول الأمر خوفًا منه، لكن الغريب أنهم يحترمونه ويتوددون إليه بمحبة، وهذا ما جعله يحتار كيف استطاع اكتساب حبهم وثقتهم، وهو ابن ليل وقاطع طريق وقاتل أبيه وسجين سابق.
لكن هذا لم يستطع أحد الإجابة عليه غير الأيام وما هو آت. منتصف الليل وحث الرجال فراس على النهوض لكي يأخذ عروسه، فذهب وسط رجاله إلى دار سمعان وقال له: "رايد عروستي يا حضرة الخوجة، الليل اتأخر وبيكفي سهر." رمق سمعان بغضب ودلف إلى داره وعاد بابنته وسلمها له بقهرة. حملها فراس وأجلسها على ظهره حصانه وقال: "يلا يا رئيسة، زفي عروستي لداري كي ما طلبتي مني."
تقدمت رئيسة بقلب يدمي حزنًا وألمًا أمامه حصانه ورقصت وفراس أمسك اللجام ومشى به بجوارها. والرجال من حوله يهللون ويصفقون على رقصة رئيسة الذي أشعلت قلوبهم بالرغبة. "خد الحصان ووكله ورعايته. همله في رعايتك من اليوم." ودخل إلى داره وهو يحملها كالطفل الصغير ودلف إلى غرفة نومه التي زينتها النسوة على أحسن ما يكون. ألقاها على الفراش برفق وقال:
"سامحيني في اللي هعمله، لكن مش بيدي. بوك وكل أهل البلد مش هيمشوا جبل ما يندلوا منديلك." صرخت مهرة بخوف وهلع وهو يدنو منها ويخلع عنه جلبابه. وبعدها الصديري ويلقيهم أرضًا ويدنو منها لتصرخ بقوة!! بالخارج الرجال على صفقة واحدة وتهليل لتشجيع العريس وأبيه سمعان يقف بجوارهم حزينًا مقهورًا. ولم تمر دقائق ويخرج إليهم فراس ويلقي لهم منديلها ويقول لأبيها بفخر وعزة: "مبارك يا أبا سمعان، بتك رفعت راسك وشرفتك. مبارك علينا."
يختطف الرجال المنديل ويرقصون به ورئيسة تبكي بحرقة، والباب يغلق في وجهه بقوة، لكي يدلف فراس إلى غرفته وينظر إلى مهرة الممددة على الفراش بذهول مما فعل وقال: "سامحيني، ده شيء لابد منه وانت مرتي وحلالي ولي حق أعمل اللي رايده وما حد ليه عليكي أمر غيري من اليوم واصل." ودنا منها ثم تمدد بجوارها ساحبها إلى حضنه بقوة: "تعالي يا مهرتي، ده فرحة قلبي بيكي الليلة ملهاش مثيل غير إني آخدك في أحضاني وأكمل ليلتي معاكي."
تحاول أن تدفعه مهرة بعيدًا عنه بعد أن فاقت من صدمته، لكنه يسيطر عليها وأكمل معها الليلة كزوج لها.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!