الفصل 18 | من 30 فصل

رواية فراس ابن الليل الفصل الثامن عشر 18 - بقلم سلمي سمير

المشاهدات
19
كلمة
4,937
وقت القراءة
25 د
التقدم في الرواية 60%
حجم الخط: 18

امتطي حصانه وذهب إلى دار العمدة. ترجل عن رماح ودلف إلى الداخل. "القي السلام على أهل بيته وشكر زوجته على كرمها مع مهرة وزيارتهم له." فقالت حسيبة: "واه، في عريس يهمل عروسته ودار صباحيته؟ ولا العروسة زمجانه منك ودفشتك بره الدار؟ ضحك فراس بمودة ورد عليها: "لأ، لا زمجانه ولا تعبانة، اطمني يا خالة. بس أنا اللي بكرّه قعدة الدار، وكمان أريد العمدة في حاجة مهمة." ثم رمق العمدة بقوة وحدة:

"أنا هستناك في الدوار، خلص وكملك وحصلني." وتركهم حتى يكملوا إفطارهم، وخرج هو إلى الدوار. نظر إلى الغفر بضيق وقال لجمعهم الذين ينتظرون أوامر العمدة: "اخرجوا كلكم بره الدوار، ما أريد أحد يكون موجود وأنا بكلم العمدة. يلا، مشوا من قدامي." انصرف الغفر من أمامه مسرعين. أثناء دخول العمدة إلى الدوار، دنا منه عواد وجلس على الدكة المقابلة له، وطالعه بضيق قائلاً: "وبعدين معاك يا فراس؟

كل يوم والتاني تيجي داري وتدخلها بلا استئذان وتفرض نفسك على دواري كأنك مالكه. أنت أكده بتقلل من هيبتي ومقامي جدام الغفر والبلد كلها. بكفي لحد أكده، أنا ما أريد أندرك في داري تاني." ابتسم فراس بتهكم ورد عليه: "جد يا عمدة؟ أنت لك هيبة ومقام؟ ما دريتها أنا دي فينها؟ غمغم العمدة بغضب وثار عليه بحدة:

"أيوه يا فراس، لي مقام وهيبة وأنت بأفعالك بتقلل منها. أنا بمثل القانون وأقدر أقبض عليك، أو أقتلك ويكون حقي، لأن لي تار معاك. ولا ناسي إنك قتلت بوك؟ ينهض فراس ودنا من العمدة وفتح صدره وقال بتحدي: "وماله حقك؟ وأنا ما أنكرش إني قتلت بوك. صدري قدامك أهو وبندقيتك جارك، طوخني وخذ تارك، بس قبليه... رد عليه العمدة بغضب: "قبليها إيه؟ هتفضح مرتي كي ما هددتني؟ ضحك بتهكم وقال:

"لأ، ما أقدرش. خالة حسيبة حملتني جميل كبير جوي فوق راسي. ما أقدرش أرفع عيني فيها بعد اليوم، بعد إكرامها لمرتي ومباركتها ليها ومشاركتها فرحتي واعتباري ولدها. أنا مش ناكر للجميل كي بوك يا ولد عبد الرازق. لكني قصدت بـ 'قبليه'... قرب رأسه من رأس العمدة حتى أصبحت أنفاس العمدة يستنشقها من أنفاس فراس الحارة الغاضبة، وأكمل: "لو أغسل بوك من عاره، لأغدره بحسن، أما فاكرها اللي أنت كنت تريد تكشف سترها وتسرق شرفها كي هو ما عمل؟

كلكم أنجاس وتستاهلون الحرج. اسمع يا عمدة، لو حد له تار عند التاتي فهو أنا اللي لي تار عندك، لأن تاري من بوك ما خلص. بعد ما همل أمي تخدم عندكم وهي صاحبة حق وسارق مال جدها، وما كفاهوش كل ده كمان سرق عزتها بنفسها ودنس ثوبها الخسيس." بعد عنه ونظر إليه باشمئزاز وأكمل تهديده ووعيده:

"أوعاك تتكلم تاني معايا عن المقام والهيبة، لأنها للأشراف وأنت دمك نجس كي بوك. واللي زيك مالهوش غير الداس، مش الاحترام والهيبة. يا ولد النذل الخسيس." نكس عواد رأسه أرضاً وتحدث بخوف وانكسار: "بكفي يا فراس، أنت كرهتني في نفسي. ارحمني. بوي غلط وأنت انتقمت منه، خلص. هو خد جزاءه، وأنا غلطت بس كنت شاب. والحمد لله بوك نجدها مني وصان شرفها. اعتقني لله، وارحمني الله يرحمك ويرحم أمواتك." أخذ فراس نفس عميق وعاد وجلس مكانه وقال:

"لو هاخد تاري منك هيكون كي ما خدته من بوك، ولأنه ما يكفيني في شرف أمي اللي دنسه بوك، ذريته كلها. المهم دلوقت أنا مش جاي أتكلم معاك في تاري منك يا أبو مقام. ادنّي من حشاش الأرض ودوده." رفع عواد رأسه ونظر إليه بألم وحسرة على نفسه وما اقترفت يداه وفعله أبوه، فأصبح عاراً ملتصقاً به حتى الممات، وقال:

"جول يا فراس، تريد إيه وأنا أعملهولك. لكن لي طلب عندك، الله لا يسئلك، إلا ما تقتلني وتريحني. لا ترحمني، أنا خلاص تبت لله ونفسي أعيش مرتاح بباقي أيامي مع مرتي وولادي." رفع فراس حاجبيه بتعالي ورد عليه: "اسمعني دلوقت في طلبي وبلاها كلام فاضي. أنا أريدك تبني محلج، ومطاريد الجبل هيبنوه معاك. اليد البطالة نجسة، وأنا أريد لهم الخير كي ما أريده للبلد، للبعد عن أذاهم. ولعلمك، هما اللي هيشتغلوا فيه، خليهم يكسبوا من الحلال."

حدق إليه العمدة باستغراب وتملكته الحيرة، فقال: "أنت تريد المطاريد يتوبوا ويدلوا يعيشوا معانا؟ يا فراس، أعجل. ده الحرام وأكل أبدانهم وأصل، وما لهم في الحلال." نهض فراس ونظر إليه شزراً وهتف بحدة:

"أنا قلت لك حاجة. تجول حاضر. الأرض أرضي والمال مالي وأنا حر فيه. أحرقُه، أرميه للكلاب، أنا حر. أنت عليك التنفيذ، وبس. وحاجة كمان، حيازة الأرض اللي كان جدي اشتريها، تفصلها عن أرضك اللي ملكتها من ريعها، بس أنا ما بأخذ العوض. ريع أرض جدي كله تأسس به المحلج، وبعديها تصرف منها أجور العمال. أنا ما بأخذ منك حاجة. بالعكس، ريع المحلج هيكون كله ليك. لكن يوم ما أطلب حقي، الأرض بالمحلج اللي عليه، هتتنازل عنهم لي ولأختي، وبكيفك، ومن غير ما أطلب حقي في كل اللي هتكسب. أظن أكده أنا بوكل لك مالي بس بكيفي."

ضرب العمدة يده كفاً بكف وقال: "أنا ما عدت فاهمك والله. أنت شيطان ولا بتزرع الخير؟ أنت قاتل ولا منتقم لشرفك؟ أنت راجل زين ولا مخادع؟ أنا احتترت في أمرك. لكن أنا هريح ضميري وهغسل مالي من مالك. ويحرم عليا من اليوم، أمسي ما يلم من ريع أرض جدك ولا حتى ربح المحلج. وسواء طلبته أو لأ، مش هيدخل في مالي، ووكل ولاده منه لأنه كله مال حرام استحله بوي، وده اللي خلاك كاسر عيني وهيبتي قدام نفسي والخلج." تنهد بقوة وأكمل:

"حاضر يا فراس، هبني المحلج وكل اللي تريده بمال جدك هعمل. بس لا آخر مرة هطلبها منك، بكفي ذل وكسرة نفس. أنا غلطت واعترفت بغلطتي، ومستعد أكفر عنها بالطريقة اللي ترضيك وتخليك ترحمني. جتتي ما عدت تتحمل حرقة الدم كل يوم والتاني من حديثك السم اللي بتشربهولنا." نهض فراس وعدل من هندامه استعداداً للرحيل وقال:

"اللي يرضيني أقطعك كي ما قطعت بوك وأرمي جتك الرمة للكلاب تاكلها. لكني هفكر أعفو عنك لو حقاً رجعت لربك واتقيت الله في أفعالك مع الخلق. أنا هسيبك دلوقت، وقدامك أسبوع تكون خلصت فيها تصاريح البناء. ما أريد أطول عليهم في قعدتهم أكده بلا شغل ولا مشغلة. سلام يا عمدتنا يا أبو مقام وهيبة." ضحك بتهكم وانطلق بحصانه إلى الجبل ليبلغ المطاريد بما سيفعل لهم حتى لا يعودوا إلى طريق الحرام مرة أخرى. ***

وصل فراس إلى الجبل، رآه الديب، نهض مسرعاً مرحباً به. فسمع الغول صوت فراس وخرج على أثره واستغرب حضوره إليهم يوم صباحية زواجه، وسأله بتعجب: "واه يا أبو خالو، معقول العريس منورنا؟ توحشتني ولا إيه؟ يا ولد عمي، دا ما فات عليك سواد الليل." ضحك فراس وجلس، فجلس أمامه الغول وقال لأحد رجاله: "الاكل يا أبو منك ليه، ولا همو؟ اذبحوا له دبيح لعريسنا." أشار له فراس بيده ألا يفعل وقال:

"واجبك وصل يا ريس غول. اجعد، أريد أتحدث معاك أنت والرجال في أمر يهمني." أشار الغول إلى أحد رجاله بأن يأتي ونظر إلى فراس بحزن: "لسه محرم وكلنا. طيب، لو فهمت ليه بترفض، لأنك كنت خابر إنه من مال حرام. طيب دلوقت رافض ليه وأنت خابر زين إنه من حلال أصل يا ولد عمي؟ يهز فراس رأسه وابتسم بمودة:

"لك حق في حديثك، لكن بينك ناسي إني اتجوزت وبقي لي حرمة في داري، بأكل من يدها. كي ما أريدكم أنتم كمان تأكلوا من يد حريمكم، ويكفي عليكم عيش الجبل لحد أكده." طالعه الرجال باستغراب ورد عليه الغول سائلاً: " قصدك إيه يا فراس؟ تريدنا نهمل الجبل ونروح فين؟ إحنا كل سنين عمرنا قضيناها هني بين الوحوش والحجارة اللي جست قلوبنا وخليتنا وحوش. لا نهاب الموت. تريدنا نفضل لدرونا ونتسول لقمة؟

مين هيشغل في أرضه قاتل ولا قاطع طريق ولا مطارد من الحكومة ولا عليه تار؟ كنت بأقول عقلك كبير وفكر واعر، فاتت منك دي." يأخذ فراس نفس عميق وأجابه بهدوء وحكمة: "خلصت حديثك؟ طيب أنا هسألك سؤال أنت ورجالتك، وبعديه هرد على حديثك. أنتم رضيتوا بالحلال يكون طريقكم؟ حد منكم هيعاود للحرام تاني؟ ولا خلاص توبتم لله؟ عليه الرجال في نفس واحد: "لأ، كلياتنا نريد الحلال." أخذ فراس نفس طويل ورد قائلاً:

"زين، مدام تريدون الحلال، أنا هساعدكم. لا تعودوا للحرام تاني، وربنا يقدرني على فعل الخير." سأله الغول بحيرة وقال: "كيف هتساعدنا وأنت زيك زينا؟ على فيض الكريم؟ ضحك فراس وأسبل عينيه بغموض وقال:

"ما قلت لك ربنا يقدرنا على فعل الخير، والحمد لله ربنا قدرني. من بكرة العمدة هيبدأ في إخراج التصاريح لبناء محلج كبير. أنتم اللي هتبنوه وهتشتغلوا فيه. لا حد هيعيبكم ولا يتكلم معاكم. هيكون عملكم ورزقكم ورزق العمدة على الله. بعديها تقدروا تهملوا الجبل وتعيشوا في دوركم وتراعوا أهاليكم. واللي لسه ما اتجوزش، نساعده ونجوزه. قلت إيه؟

نظر الرجال بعضهم إلى بعض، منهم من شعر أنها مشقة، ومنهم من ارتاح قلبه حتى لا يستطيع أن يعول أهله بالحلال. ومنهم من رفض، ليس العمل ولكن المغادرة. وكان أولهم الغول: "زين يا ولد عمي، إننا نشتغل ونكسب بالحلال. لكن أهمل الجبل كيف؟

وأنا لا خابر لا أهل ولا ناس. أنا بعد اللي حصل منك، كنت أتمنى الموت لأني ماليش حدا يبكي عليا. اللي يريد يفضل، أنا هكون معاه وأشتغل يدي بيدهم، لكن الجبل هيفضل مسكني وداري. واللي يريد يقعد معايا يا مرحبا بيه، لكن يكسب قوته بالحلال. ده جولي، وعندك الرجال، كل يقول رأيه بكيفه، وأنا معاهم في اللي يختار."

وكان حديث كبيرهم قاطعاً لمن فكر بالرفض أو المماطلة، فوافق أكثرهم على أن يعودوا إلى ديارهم ويعملوا بالمحلج، إلا قليل منهم كانوا مطلوبين من الحكومة، أو عليهم ثأر. فسألهم فراس بحيرة عن سبب رفضهم، فأجابه ثلاثة منهم بأن عليهم أحكام ولا يستطيعون العمل بالمحلج أو العودة لديارهم. ربت فراس على أكتافهم وشد عليها:

"خابر إنه صعب عليكم ومش هقدر أقول لكم سلموا نفسكم للحكومة وتضيعوا سنين من عمركم في السجون. لكن لو فعلاً توبتم وتوعدوني ما تأذوا حدا، أنا هضمن لكم إن الحكومة ما تعرف عنكم حاجة، والعمدة بنفسه هيحرص على سلامتكم. بس تكونوا في حالكم، من داركم للمحلج." وستهلت أساريرهم ووافقوا مرحبين بأن يعودوا إلى حياتهم التي حرموا منها سنين. وكذلك أكثر من واحد مطلوب للثأر، إلا واحد. قال بألم وحزن يكسر فؤاده:

"أنا ما أقدر أطلع البلد وأعيش بيناتكم، الموت مستنيني." طالعه الغول وضمه إليه بحنان. كان شاباً صغيراً لم يتجاوز عمره العشرين إلا بقليل، وقال له: "ولا يهمك يا فيصل. خليك معانا هني. أنا وجبل والديب، كلنا مقطوعين، لا لينا أهل ولا ناس. ولو رايد تتجوز، أنا هجوزك وتعيش بينا بدل ما عمرك يضيع هدر." شكره فيصل مسلمًا أمره إلى الله. فسأله فراس بحيرة: "خايف من إيه يا فيصل؟

لو عليك تار، أنا هحميك. جولي أنت ولد مين والتار ليكم عند مين؟ ومن بلدنا ولا كي خواتك من بلد تانية جارنة؟ رد عليه الديب: "أت ما تعرف فيصل ولد مين. ده ولد الجعافرة، وتارهم مع عيلة الجبري، وأنت خابر زين العائلتين أشد من بعض." طالعه فراس وشفق على حاله وقال: "واه، أنت ولد صفوان الجعافري؟ يعني الدور عليك أنت المقتول، مش القاتل. فهمت." نظر إليهم فراس بحزن وطاطأ رأسه وقال:

"أيوه، التار وقع من نصيبي قبل جوازي من بت عمي بأسبوع. آه يا جهرة قلبي عليها. اتغصبت أهملها بدل ما تبقي أرملة قبل ما أدخل عليها." طالعه فراس بحنان وأخذه تحت جناحه وهتف قائلاً: "عاشجها وهي عشجاك؟ ولا العشق ليك لحالك؟ هز رأسه بألم ورد عليه بعيون تفيض عشقاً: "موهوبة لي من صغرها، والعشق اتولد جوانا من صغرنا، وكبر معانا يوم بيوم لحد ما آن الأوان نتجوز، وقع القضا واتفرجن." ربت على كتفه وشد عليه بقوة وقال بحسم:

"خذها مني كلمة، بت عمك مش هتكون غير ليك، وهتتجوزها وتتهني. وحكاية التار هملها عليا. بس هملنا يومين وهرد لك بالخير كله. بس قول يا رب واتوكل على الله." رفع يده إلى السماء ودعا ربه بأن يرده إلى أهله وحبيبتها، ونظر إلى فراس وقال: "لو حصل ورجعت لأهلي واتجوزت زينب، الله في سماه لو طلبت رجبتي، ما بأخرها عليك، وهكون تابعك ليوم الدين." ضحك فراس وضمه إليه بأخوة:

"قول يا رب، وإن شاء الله مقضية. ارمي بس أنت حمولك على اللي خلقك، وإن شاء الله يدبرها من عندها." أومأ له شاكراً، وكذلك الرجال الذين شعروا بأنه كبيرهم، ليس بالأمر أو بالقوة، ولكن بقلبه الكبير الذي يحتويهم، فكن له المحبة والاحترام، وأصبح قدوتهم التي يقتدون بها. *** ترك فراس الجبل بعد أن طمأن المطاريد وأراح بالهم، بأن ساق لهم عملاً شريفاً يكسبون منه بالحلال.

نزل إلى البلد ومر في طريقه على شيخ الجامع، وسأله عن أصل التار القائم منذ سنوات بين عائلة الجبري والجعافرة، وتأكد أن كثيراً تدخلوا للصلح بينهم، لكن لم يستطع أحد وقف نهر الدم بينهم الذي أخذ أغلى وأحسن شبابهم. وحثه الشيخ على إجراء محاولة للصلح، لعل وعسى يكون سبباً في وقف نزيف دم الشباب الذي لا ينتهي منذ عقود.

شكره فراس وانصرف. وفكر أن يعود إلى داره لكي ينعم بصحبة زوجته، الذي ابتسم له القدر ومنحه إياها، فأصبح باستطاعته أن يراها وقتما يشاء وينعم بأحضانها كل ليلة. لكن ما حمل على عاتقه من وعد قطعه جعله ملزماً أمام نفسه، لكي ينظر إلى مسؤوليته ويهمل رغباته. فحسم أمره وذهب إلى دروب عائلة الجبري. ودخل على كبيرهم عثمان الجبري بعد أن طلب الإذن بمقابلته. طلب منه كبيرهم الجلوس وقال له باستغراب:

"شوجة غريبة يا ولد فودة وحفيد السوالمة. خير يا ولدي؟ طالعه فراس بتعالي وغرور لم يكن من شيمه، وقال بحدة: "جيت أبلغك إن من اليوم وطالع فيصل ولد الجعافرة في أمانتي، واللي يفكر يمسه بسوء، هيكون قضاه على يدي وملوش عندي دية." هب ابنه الصغير سلطان وقال بتهور واندفاع: "وماله يا فراس يا ولد الليل؟ وأنا لك. ومدام أنت وقفت بينا وبينه، أنا هتخطاك، وأجلك هيكون على يدي."

سحب سلاحه ورفعه على فراس، الذي غامت عيناه بشر. وقبل أن يسدد طلقته إلى صدره، جذب فراس منه بندقيته وكسرها، وتقدم منه غاضباً يريد أن يفتك به. إلا أن أبيه عثمان الجبري وقف ينهم وقال مهدئاً:

"حقك عليا يا ولدي. سلطان غضبه غلب حلمه، ده دم أخوه اللي يريد يفرط فيه. امسحها فيا عصبيته عليك. لكن لي حق عليك، مش أنا اللي أفرط في دم ولدي بالساهل أكده. لو جيش جرار هيحموا فيصل، حتى لو كان أنت. اخرج نفسك من دمنا وتارنا. سيبني نخلص في بعض، وبلاش يا ولدي تفتح باب من الشر بيناتنا، مش هيتجفل غير بقضائك." أشار فراس برأسه ورمقه بثقة قائلاً:

"أنا قدامك أهو وفي داركم ودربكم. وريني كيف هتقضي على هما. صدري مفتوح لرصاصكم. بندقني لو تقدر أنت، أو حد من عيلتك كلها. ولعلمك، أنا مش همشي من هني، غير لما آخذ كلمتك إن فيصل ما حد هيمسه. ليكون غضبي وابل عليكم وعلى كل عيلتك كلها، وأنت خابر ما لي اللي هياخذ مني التار. ده لو بقي منكم راجل بعد ما أخلص على صغيركم وكبيركم، طفلكم وشيبكم."

جعلت حدة كلمات فراس وتحديه السافر لهم كبيرهم يهادن معه ويسحب ولده من أمامه لكي يجلس بجواره حتى لا يطاله بطش فراس، وقال: "إيه يرضيك يا فراس؟ غير أني أفرط في دم ولدي. لو قصدك الفدية، عمر الجعافرة ما هيجيبوا إن ولده يحمل كفنه على يده ويقدمه لينا ويفدي روحه بكبش. وأنا ما أريد دية. المال كثير والولد كثير، والحمد لله." جلس فراس وعيناه تنضح بالشر والغضب وهو يطالع سلطان الجاثم بجوار أبيه باستسلام وقال:

"لو على الفدية، أنا قادر أقنع الجعافرة بيها، هملوا الموضوع ده علي، بس قبل ما أعرض الأمر عليهم وأجيب موافقتهم، أريد أسمع من مجلس عيلتكم، إنكم هتجيبوا الفدية والصلح يقام بينكم وينتهي التار بينكم للأبد." طالع سلطان أبيه برفض وقال غاضباً: "فدية إيه يا بوي اللي هنجيبها في أخويا الغالي؟

لا وبعدها فيصل يعيش حياته وأخويا يتحرق بقبره. لا ها أسمع. يا فراس، لو تريد الصلح، أنا موافق. لكن بشرط، أتزوج بت جابر ولد الجعافرة. لو وافقوا، أنا قابل الصلح." طالعه فراس بريبة وأردف قائلاً بحذر ممزوج بالشك: "زين، زين النسب. ويكون الجواز بالبدل. أنت تتجوز منهم، وهم يختاروا بت لولدهم فيصل. وكل ده هتسمعه عشية في مجلس رجالة العيلة. زين أكده؟ رمق عثمان الجبري ولده بحيرة وعنفه بضيق: "إيه قولك ده يا سلطان؟

جواز إيه اللي بتحدد عينيه يا مخبل أنت؟ بجولك إيه؟ تعالي بره، أريد أتحدثك لحالنا." خرج ودفع ولده أمامه ليخرج معه، ودخل به أحد الغرف وقال له بغضب يتقاذفه: "جواز إيه اللي بتحدد عينيه يا مخبل أنت؟ بجولك إيه؟ تعالي بره، أريد أتحدثك لحالنا." ضحك سلطان بشر وقال بخبث:

"لأ يا بوي، دم أخوي مش رخيص عليا، لكن غالي جوي. وأنا بدل الواحد هاخد اتنين، ويمكن تلاتة. فيصل وزينب، ويمكن أبوها جابر كمان من القهرة عليهم. وأنت خابر كي هي غالية عندي." نظر إليه أبيه بتمعن وظل يفكر فيما قال ورد عليه: "قصدك إننا نوافق على الصلح وتتجوز أنت زينب، وفيصل يموت من القهرة عليها، وأبوها يحصله لما بنته تموت بحسرتها على جوزها منك، وفراجها لفيصل حبيب القلب. واه تفكيرك كي الأبالسة! من فين جتك الفكرة الشيطانية دي؟

غامت عيناه بشر وهو ينظر إلى الغرفة المنتظر بها فراس:

"ولد الليل السبب. حمايته لفيصل خلتنا اتجننا، وكنت هقتله. ولو نفع منيها، ما كان هيرحم حدا فينا. وبيكفي اللي عمله في العمدة سابج، حتى لو مات المطاريد، مش هيهملونا لحالنا، وهيصيروا كي الكلاب السعرانة، وهيدلوا من الجبل ينهشوا لحمهم. ما كانش قدامي غير إني أجيب بالفدية، وده حل ما يرضيني، لأن فيصل هيعيش متهني وفي سلام مع مرته ويخلف، وأخويا في قبره انجطع نسله. لكن بجوازي من بت عمه، أكده هحرمه من حب عمره وعشجه زينب بت جابر الموهوبة ليه واللي فرحان عليها. اتجلب ميتم بعد موت أخويا على يد عمه اللي غرق وهو بيهرب. وبكده صار دمه حلالي. ومدام مش قادر أطوله، يبجي أحرق دمه وأموتُه بحسرته على عشق عمره زينب."

هز أبيه رأسه دهشة بدهاء ابنه الذي استطاع أن يتغلب به على تحدي فراس لهم، وسيأخذ ثأر أخيه بالمكر، وقال: "رغم إني مش راضي على الصلح، لكن الحل ده زين ويجنبنا الصدام مع فراس المقطوع اللي ما في حد كاسره ولا قادر عليه، ورامي جثته علينا بعافية واقتدار. همله أنت روح لعمامك وبلغهم إن في مجلس للعيلة عشية، خلينا نخلص من الوجعة الطين دي اللي طلعنا فيها ولد الليل."

بعد انصراف ابنه سلطان إلى أعمامه، عاد عثمان الجبري إلى فراس وطمأنه قائلاً بسخرية مبطنة: "أنا وافقت لجل مجيتك لداري. واحد غيري كان رفض تحديك لينا وللعيلة كلها. لكني خابر إنك ولد أصول وما بترجع في كلمتك، وأكيد فيصل طلب حمايتك، لجل كده اتحديتنا. أنا موافق على الصلح والنسب يكون هو العربون. بس بت جابر لولدي، وهم يختاروا بت لولدهم فيصل، وكل ده هتسمعه عشية في مجلسة رجالة العيلة. زين أكده؟

نهض فراس من جلسته، عدل هندامه بكبرياء وتعالي، ونظر إليه شزراً بريبة وابتسم بمكر وغموض وقال: "تكرم يا ابن الأصول. وزين إنك حكمت عقلك واتغلب حلمك على غضبك. أنا هسيبك دلوقت، وأجي عشية آخذ كلمة مجلسكم، وهيكون معايا العمدة وشيخ الجامع شهود عليكم قبل عقد الصلح اللي هيحضره المأمور، وهتكون ليلة عريسنا وعريسكم." ثم سلم عليه ومال على أذنه هاتفاً همساً بغرور:

"خابر إنك ما تقدر تتحداني، بس أنا همشيها بمزاجي إنك وافقت لجل خاطري مش خوفي مني. بس حذاري مني يا كبير الجبرية تتحداني أو تلعب معايا، لأني مش هبقى على حد لو كسرت كلمتي يا أبو سلطان." وخرج وتركه يضغط على فكه بغيظ، شاكراً ربه أن الحديث بينهم لن يعلمه به أحد غيرهم. *** خرج فراس من دروب عائلة الجبري وهو سعيد بما أنجزه، وانطلق بحصانه يشق الريح إلى دروب عائلة الجعافرة.

فدنا من دار جابر الجعفري وطرق الباب بتراوي. فتح جابر الباب وحين رأى فراس ابتسم له ببشاشة وقال: "يا مراحب بولد الغالين! أنت اللي جاي تزورنا بدل ما إحنا نجي نبارك ونهني عريسنا الزين." ترجل فراس من على حصانه واحتضن جابر بود وقال له: "أهلاً يا خال. أنا لي طلب عندك. أنا قاصدك بخير إن شاء الله." طلب منه جابر أن يدخل، إلا أنه أبى فسأله بحيرة: "خير يا فراس؟ طلب إيه ده يا ولدي؟ وليه ما تريد تدخل ونتحدث براحتنا؟ رفع

يده بالرفض والسماح وقال: "سامحني يا أبو خالو، ما عندي وقت للحديث كتير. اللي طالبه لازم يتم دلوقت وقبل ما حد ياخذ بيه خبر. ويا ريت ما تردنيش خائب. أنا عشمي فيك كبير جوي." رمقه جابر باستغراب وسأله بحيرة من أمره: "طيب جول يا ولدي، ولو في مقدرتي أنا ما بأتأخر عليك بيها." أخذ فراس نفس عميق وحدبه بنظرة ثاقبة وقال: "نسب لمين يا ولدي؟ أنت مش اتجوزت عشية بت الخوجة سمعان؟ معقول تريد تتجوز عليها؟ ابتسم فراس بمكر وأكمل:

"واه، أنا راجل والشرع حلل لي أربعة. المهم يا خال، أنا جاي دارك طالب يد بتك زينب، ورايد أكتب كتابها دلوقت. وحياة الغالين، ما تجول لأ وتكسر خاطري." طالعه جابر بحيرة واستغراب ونظر إلى الداخل فرأى ابنته تلطم خداها بعويل ونحيب خافت، خوفاً مما سمعت لطلب فراس لها، وعلمها أن أباه رغم ما يقال عنه يعزه معزة خاصة. غير أنه إذا رفض، ممكن أن يخطفها كما فعل مع مهرة ويتزوجها بالغصب.

لكن جابر فكر بطريقة أخرى. لقد أتى فراس من الباب طالباً النسب، كما كان جده نسيباً لهم حين تزوج عمته وماتت أثناء الطوفان، وظل سويلم يودهم ويعزهم لأجل خاطرها. فقال لها وهو يشعر بالحزن يقتل قلبه على ابنته الوحيدة الموهوبة لابن عمها الذي يحوم الموت فوق رأسه: "مدام حلفتني بالغالين يا فراس، أنا ما أردش بتي عليك. هما يا زينب، البسي خلجاتك وحصليني. هنكتب كتابك دلوقت."

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...