دنا فراس من مهرة علي حين غفلة، ولثم ثغرها بعذوبة. ليعيش معها إحساسًا لم يتذوق طعمه أو يشعر به يومًا، إحساس جعل قلبه الذي كان كجبل الجليد يهفو إلى الحياة من جديد بعد أن أذابته بعذوبة شفتاها. فاازدهرت أرضه القاحلة بالخضرة، وترعرعت بها أغصان الأشجار، ورفرفت عليها الفراشات بألوانها الزاهية. فأخذ ينتهل وينتهل من رحيق شفتاها الذي تدفق في الوديان، فروت حياته الجافة بالعشق والحنان.
لم يخرج من التعمق في بحر عشقها ونبع حنانها المتدفق، إلا استماعه إلى صوت إطلاق عدة أعيرة نارية. حملت له الهواء صوت اختراقها أحدهم السكون من حوله. ابتعد عن مهرة مرغمًا، فرأها تترنح ووقعت بين يديه ووجهه ملطخ بالدم. نظر إليها بلوعة وصاح بغضب وحرقة: "لاه مهرة لاه." حملها بين يديه ومال على صدرها، فسمع انتظام دقات قلبها. هدأ روعه قليلاً، وأخذ يفحص رأسها وجسدها حتى يتأكد من عدم إصابتها.
وعندما تأكد بأن الرصاصة لم تصبها، وأن ما حدث لها ما هو إلا هلع أو صدمة من تقبيله لها. قربها منه أكثر وأراح رأسها على صدره ونزل بها إلى الأسفل. فقابل أبها في وجهه الذي كان يصعد إلى الأعلى مفزوعًا، ليطمئن عليها بعد سماعه لصوت الرصاص. لكن بدلًا عن ذلك رأى فراس يحملها وينزل بها، فصاح فيه بهلع: "بتي مالها؟ جرالها إيه؟ عملت فيها إيه يا شيطان الليل؟ قامت عينا فراس بحدة وصاح فيه:
"بتك بخير وزينة، مجراش ليها حاجة، بس هي عادة بتنزف أكده من غير سبب." هز أبها رأسه بقوة ورد عليه بعصبية وقلق: "لأ مش عادة، لكن من يوم عاودت البلد وأنت اتسببت ليها في المرض ووجع الجلب من مراقبتك ليها ليل ونهار. ما تبعد عنينا يا واد الناس الطيبين، وهمل بتي لحالها. وجولي إيه طلعك السطح؟ هي دي الأصول اللي اتربيت عليها؟ إنك تتهجم على البيوت وتخلع الحريم." قامت عيناه وابتسم على مضض وبتكلف وقال:
"أنا متهجمتش على الحريم ولا خلعتهم، بتك لما سمعت صوت البندجة وجعت من طولها. خفت يكون صابها عيار طايش، نطيت على السطح أطمن عليها والحمد لله لقيتها بخير." ضغط الأب على عظام فكه بغيظ وقال له وهو يمد يده لكي يحملها عنه: "طيب شكراً لفيني بتي ويلا مع السلامة. وياريت تهملها في حالها من اليوم، كفاية اللي نضرته بسببك من يوم خروجك من السجن. ولا آخر مرة هقولهالك، بعد عن بتي يا واد حسنه."
ضم فراس جسد مهرة الغائب عن الوعي أكثر إليه بيد، واليد الثانية أمسك في تلاليب أبيها وثار عليه بغضب: "اسمي واد فودة، فاهم؟ فراس واد فودة. حسنه ستك وست البلد كلها، لكن مينفعش تنادي بيها لأني مش ولد حرام مش معروف لها أبو. الراجل بينتسب لأبوه وأنا ولد حلال والكل خابر من هو بوي. لو سمعتك بتنادي باسم غير بوي، لا هيشفع لك إنك أبو الغالية ولا سنك عندي، وهدفنك مطرحك، فاهم؟ ترك جلبابه ونظر إليه شزرًا، فابتلع
سمعان ريقه ورد عليه: "حجك عليا، بس أنا مقصدتش أعيب فيك ولا في أمك. يا بت الأصول اللي كانت كي النسمة الطيبة، مخبرش أنت طالع لمين شيطان، لا بوك ولا أمك كانو أكده." عاد فراس وعدل من حمله لمهرة كانه سعيد بحملها هكذا ولا يريد تركها بسهولة. ولم لا وقد أتته الفرصة بأن يقترب منها ويملاء عيونه العاشقة بالنظر إليها. تنهد بقوة ورد على أبيها: "ومين جالك إني مش كي أبويا وأمي؟
لكني أنا شيطان مع الشياطين، وملاك مع الملائكة كي بتك. فاحذرني يا سمعان، وبلاش تتحداني وتغضبني، لأن غضبي واعر عليك جوي، ولو بقيت شيطان معاك، جول على نفسك يا رحمن يا رحيم. وبنتك أنا مش هسيبها، لأني، أنا رايدها بالحلال. وجلتلك سابق وأنت رفضت. واللي مصبرني عليك وعليها إن نفسك تفرح بيها لما تخلص دراستها. وعن نفسي، شيء يفرحني إن مرتي تتعلم، لأجل تعلم ولادي منها. لكن الله في سماه، بعد ما تخلص، تفكر ترفضني أو توعدها لغيري، هتكون حكمت على نفسك بالموت وهي جنبك. لو فكرت تكون لراجل غيري، مهرة ملكي، فاهم؟
"ويلا بعد من جدامي ودلني على أوضتها، خليني أمددها." أبها رأسه بالرفض وصاح فيه: "لفيني بتي يا فراس واتجي الله فيها وفيا. وخدها كلمة أخيرة مني، لو أنت آخر راجل في الدنيا كلها، مش هجوزهالك. عندي تعنس جاري، ولا إنها تتجوز من ولد الليل. وبيكفي حديث بقى، ولفيني البت خليني أفوجها وأطمن عليها." دفعه فراس بغيظ بسبب رفضه الدائم له، وصمم بعناد: "فين أوضتها يا سمعان؟
أنا بنفسي اللي هفوجها. وخلص الحديث، ولو رايدني أهملكم، خلص نفسك ودلني على أوضتها." تنهد سمعان بقوة، ولم يرى مناص من أن يدله حتى يخلص منه. فأشار على أحد الغرف وقال باستسلام: "دي أوضتها، ادخل مددها. وفارجني بيكفي منك فضايح لحد دلوقتي، مخبرش آخرتها إيه معاك واصل." ضحك فراس بتهكم ودلف إلى غرفتها الصغيرة، ومددها بجوار أختها الصغيرة التي استيقظت مذعورة. ثم انتفضت بهلع من نظرات فراس إليها. فابتسم في وجهه وقال:
"قومي هاتي لي خلجة وشوية ميه لأجل أمسح وش خيتك من الدم. همي يا مهانه." نهضت مها وخرجت مسرعة من الغرفة لترتطم بأبيها الذي كان ينتظر خروج فراس لكي يغلق الباب خلفه. إلا أن تأخره في الخروج جعله يدخل إلى غرفة ابنته ليرى ما سبب عدم خروجه. دلف إليهم فرأه جالسًا أمامها يمسح نزيف دمها بشاله الأبيض. فأقترب منه أبيه وقال بحدة: "هي الليلة السودة دي مش هتخلص. ما تهملنا لحالنا يا ولدي وتخرج، بيكفي لحد أكده." أطلق
فراس ببرود وقال له بالأمر: "لفيني فحل بصل أفوجها بيه، وبعدها هسيبكم بس أطمئن عليها الأول. ولا مش من حقي أطمئن على مرتي يا عم الحج؟ ضرب أبيه الحائط بيده بعصبية وصاح مؤكدًا: "مش هيحصل يا فراس، لو حصلت هموتها بيدي، ولا أن أجوزها ليك. واتفضل مع السلامة وهملنا، الله لا يسيئك يا ابن الناس." قامت عيناه بحدة وثار عليه صائحًا:
"الله في سماه، ما تقدر تمسها بسوء، وبتك هتبقى مرتي بكيفك أو غصب عنك، وبيننا الأيام. وهم هات فحل بصل، خليني أمشي قبل ما أركب شيطاني وأخدها داري وأحرمك منها طول عمرك، وأبقى وريني هتعمل إيه." ضغط سمعان على قبضة يده واستسلم لأمر فراس وذهب لكي يأتي بما طلب، ليتنهد فراس ويهتف بحرقة: "فتحي عيونك يا مهرة، بدي أندرهم وأنا قريب منك أكده يا قمر ليلي وجلب فراس." كأنها سمعت رجاءه ولم تخيبه. فتحت عينيها بصعوبة ونظرت إلى فراس
الجالس بجوارها بفزع وقالت: "يا سواد عيشتي، أنت بتعمل إيه هنا في أوضتي؟ وفين بوي وخيتي؟ مكفيكش اللي عملت واتسببت بنزيف أنفي؟ مسح فراس على وجهها وقال: "أعمل إيه، جلبي عاشقك وبيتمناك، ومش هاين عليا أفارقك. بس مدام فوقتِ، أنا أكده ارتحت، ويكفي إني ندرت عيونك الحلوة وسطع قمر ليلي في سماه." ومال عليها وهمس في أذنها بعشق: "شفايفك كي الشهد، يارب صبرني على حرماني منها لحد ما تبقي حلالي."
احمرت وجنتاها بشدة وانتفضت من جراءة كلماته ودفعته بعيدًا عنها. ضحك فراس بشدة وقال وهو يتشمم طرحتها: "طرحتك وطعم شفايفك هيكونو دفي أحضاني وونس ليلي، لحد ما تملي مكانك في داري يا جليبي." وخرج منشرح الفؤاد بعد أن اطمئن على من عشقها قلبه وبها ينسى أحزانه التي سكنت ودمرته وجعلته كجلمود صخر لا يلين إلا لها هي فقط، مهرة جليبه كما يسميها. دلف أبيه إليها فرآها تتطلع إلى الباب بذهول بعد مغادرة شيطان الليل. فقال لها:
"وأخرت واد الليل، معاك إيه يا مهرة؟ لو أعرف سبب تعلقك بيكي أنت بالذات دون عن كل بنات البلد، هرتاح." أخذت مهرة نفس عميق وردت على أبيها بحيرة: "مخبرش يا بوي، لكن فراس عنيد ورفضك ليه بيزيده تمسك بيا، كأنه بيثبت لنفسه إن ما حدا يجدر يمنعه عن حاجة رايدها. على كل حال، الأيام كفيلة تبعده عني وتحميني من غضبه وتهديده، اللي لو نفذه، يبقى الموت أرحم." ربت أبيه على ظهرها وضمها إلى صدره بحنان:
"ربنا ييسر لك الحال يا بتي ويبعد عنيكي كل شر، وأولهم شيطان الليل ويعميه عنيكي. لا تنامي وادعي ربنا يكتب لك الخير، وإن شاء الله هو قادر يحميكي ويحفظك من كل شر." أغمضت عينيها ليسيطر على فكرها وخيالها اقتراب فراس منها واقتناصه أول قبلة لها في حياتها، لترجف لهذه الذكرى وهي لا تعلم هل كانت سعيدة بها أو غاضبة منه. ***
خرج فراس من دار سمعان وأطلق صفيرًا عاليًا. منغم، فآتى إليه حصانه ووقف أمامه. امتطاه وانطلق إلى وجهته، التي كانت دار جاره الحج رجب. وقف أمام الدار وهو لازال على حصانه. طرق الباب بحدة وانتظر أن يفتح أحدهم. لم يطل انتظاره طويلاً، فتح وهيب الباب ونظر إليه بقلق وقال بارتباك بسبب حضوره المتكرر إليهم: "خير يا فراس، رايد إيه تاني؟ ترجل فراس من على حصانه ووقف أمام وهيب بتعالٍ: "واه، هنتحدد على الباب أكده؟
مخبركش واثق من نفسك وهتجدر تصدني لو شجيت راسك أو كسرت عظامك قدام الخلق اللي رايح وجاي، وتبقى فضيحة ليك. ادخل، ادخل خلينا نتحدد لحالنا وتحفظ كرامتك قدام جيرانك." دفعه إلى داخل الدار ودلف وراءه وأغلق الباب خلفه. فسأله وهيب بحيرة ورهبة: "بتتهجم عليا يا فراس؟ أنا لا رايد أضيفك ولا برحب بيك في داري. جول اللي عندك واتوكل على الله."
رمقه بنظرة احتقار شملته من منبت شعره إلى أخمص قدميه وابتسم ببرود، ثم ألقى نظرة سريعة على زوجته التي كانت تحتضن ولدها وتنظر إليه بخوف وقال لها بالأمر: "همي يا مرة، ادخلي أوضتك وهملني مع جوزك لحالنا، يلا." سمعت كلامه وهرعت من أمامه إلى غرفتها ومعها ولده. ما إن غادرت زوجته سأله وهيب: "أنت مين أدلك الحج تحكم على داري؟ جول رايد مني إيه؟ وإيه سبب زيارتك الغريبة في وقت متأخر زي ده؟ خلصني." تنهد فراس بقوة
وجلس على الأريكة وقال: "لو على اللي رايد، فإنا رايد منك كتير جوي، أهمها تجولي سبب هروب خيتي من داركم بعد موت أبوك. وفين أخوك خلدون؟ طفش هو كمان وليه؟ ضرب وهيب كفيه في بعضهما البعض بقلة حيلة ورد عليه:
"كل يومين نفس السؤال، وبردك هيكون ردي هو نفس الرد. خيتك هربت من الدار لما عرفت بخروجك، خافت تاخدها دارك ويتفرض عليها تعيش مع واحد مجرم حرق أمها ودبح العمدة بيده وقتل شيخ الغفر بدم بارد. أما أخوي خلدون، فسافر بره مصر يشتغل ويسترزق. ها، خلاص ارتحت؟ يا رب تهملنا لحالنا وملجكش بكرة جاي تسألني نفس السؤال." نهض فراس بهدوء مريب ودنا منه وحدق به بقوة وقال:
"حديثك فارغ، ميدخلش دماغ عيل صغير. خيتي كانت أمانة في داركم، وبعد موت أبوك بيومين طفشت، وأخوك خلدون هرب بعد ما خرجت أنا من الإصلاحية، وأكيد في سبب." أمسكه من كتفه بعنف وأخذه يهزه بقوة وغضب: "انطق يا وهيب! أخوك عمل إيه مع خيتي؟ وليه لما طفشت مدورتش عليها وهملتها؟ وهي أمانة عندكم يا واد الحج رجب! ولعلمك، حسابك كي حساب أخوك، بس يجي تحت يدي، وأنا هندمه على عمره الباقي لو كان مس خيتي بسوء."
"لآخر مرة هسألك عن مكان أخوك، لأن لو يدي طالته بعد أكده، هتبقى أنت الجاني على روحك وهيتم ولدك." ابتلع وهيب ريقه بصعوبة ورد عليه بتردد: "مخبرش أخوي فين، من يوم ما هج من البلد منضرتهوش واصل. ولو على خيتك، أقسم برب العزة إنها طاهرة وخرجت من دارنا وهي بعفتها، لكنها اختفت من يومها ودعبست عليها كتير ومقدرتش أوصل ليها، لأنها كي ما جولت كانت أمانة، لكن هي اللي طفشت بكيفها. والله أعلم بيها أو فين أراضيها."
أخذ فراس نفس عميق وطويل وأغمض عينيه بغموض كامن بداخله يتنازعه بين تصديقه وبين أنه يعلم مكان أخيه، وبسبب خوفه عليها من بطشه به، يداري عنه مكانه. فتح عينيه ونظر إليه بحدة وقال: "مش هسيبك لحالك يا وهيب، غير لما أوصل لخيتي أو يجيلك خبر أخوك على يدي لو كان أذاها. سلام يا واد الحج رجب، وأنتظرني وخاف على ولدك ومراتك من بعدك، لأنك هتقضي على نفسك لو عرفت إنك دسيت عنه."
خرج وتركه يرتجف من الخوف على نفسه وعلى أخيه الذي قضى على حاله بما فعله مع أخته مهجة. انهار جالسًا على الأريكة الخشبية ووضع رأسه بين كفيه بحزن. اقتربت منه زوجته وقالت له بقلق: "كنت جولت له على مكان أخوك وريحتنا من الرعب اللي عايشين فيه بسببه، وهو يشيل شيلته عن أفعاله الشينة في حق خيته بدل ما يقتلك أنت كمان لو اتأكد إنك داسس عنه مكانه." انتفض وهيب وهب واقفاً وثار عليها: "اتجننتي يا هبة؟
ريداني أسلمه أخوي يقتله كي ما قتل العمدة؟ أنت مخبرش ده وهو صغير شق راسه لأجل كلمة قالها عن خيته. متخيلة هيعمل فيه إيه دلوك لو عرف بأفعاله معاه؟ بس أقول إيه، لو مكنتش طفشت كان ممكن نلم الموضوع ونكتب كتابها عليه. العيب على أخوي اللي سمح لجمالها يجننه ويعمل اللي عمله معاها وكان سبب طفشانها. وخوها فراس مش هيرحمك ولا يرحمنا لو عرف باللي جرى منه." ثم تنهد بقوة وقال محدثاً نفسه بصوت عالٍ:
"آه يا وجعتك الطين يا خلدون، بس لو فراس يسمع مني يمكن يهدى على خلدون، لكن كيف وأنا خابر خيته بالنسباله إيه. أدعيله يا هبة إن ربنا يعمي عينه عنه، أو ميعثرش في مهجة أبداً، ليكون نهاية أخوي على يده ويقتله." هزت هبة رأسها بحزن وألم وقالت: "ربنا يسترها على أخوك وعلينا من شيطان فراس ولد الليل." ***
خرج فراس من عند وهيب وجسده يشتعل بالنار. عدل من هندامه وأخرج شاله وطرحة مهرة من جيب جلبابه. فأخذ نفسًا عميقًا كأنه يتشمم ريحها الطيب. فذهب ضيقه وحلت ابتسامة هادئة على ثغره وقال: "ما يكمل الليلة إلا برؤية رئيسة تفك عني وجعي وتريحني." امتطى حصانه وانطلق إلى خيام الغجر. ما إن دخل وسطهم، جرى الكل من أمامه بخوف ورهبة. لتخرج فتاة ذات ملامح خمرية بريئة وتنظر إلى القادم وتبتسم بسعادة وتقول:
"سيد جلبي وسيد روحي، نورت ليلتي، يا فرحة جلبك يا رئيسة. سيد الرجال فراس جاكي ليكي وحدك ولحالك." هز فراس رأسه بغموض وترجل من حصانه ودخل إلى خيمتها وجذبها إليه داخل وقال بالأمر: "بلغي اللي معاكي إني مريدش حد منهم يزعجنا، لأقطع خبرك وخبرهم يا بت." أغلقت رئيسة باب خيمتها بإحكام بعد أن أخبرتهم بألا يزعجوهم أحد. ونظرت إليه بإغراء وقالت وهي تنزع عنها ثياب الرقص التي كانت ترتديها ومالت على صدره:
"بت ود وجلب بت ود تحت أمرك يا سيد الرجالة. أنا خدامة مداسك، بس أنت تأمرها وهتكون طوع ليك." أبعدها فراس عن صدره ونزع جلبابه وقال لها: "مريدش حديث كتير منك يا رئيسة، خلصيني، رايد أرتاح يا بت ود." تنهدت رئيسة بحرارة وزفرة بقوة وقالت: "همل حالك وأنا هريحك، بس أنت طاوعني. والله ما هتندم." لم يرد فراس عليها وتمدد على فراشها المكون من الخيش والخوص الجاف. دنت منه بضيق وقالت له وهي تتلمس خشونة فراشها
التي شفقت عليه منها وقالت: "ما تاخدني دارك لأجل ترتاح في فرشك بدل نومتك على الخيش اللي هيوجع جسمك." زفر فراس بضيق ونهض عن فراشها وثار عليها: "تاني يا رئيسة، موضوع داري؟ أنا جلتلك داري ما هيدخلها مرة غير مرتي الحلالي، غير أكده لاه. وخلصي في ليلتك بدل ما أخرج أدور على راحتي مع غيرك." عانقته بقوة وأراحت رأسها على صدره وقالت:
"حاضر يا سيد الرجالة، أنا وعدتك أكون طوع ليك، بس سؤال وياريت تجاوبني عليه. أنت صح رايد مهرة بت سعفان؟ أزاحها عن صدره بغشم وأمسك يدها بعنف وصاح فيها بغضب: "مفيش فايدة فيكي، مصره تعصبيني. لأول وآخر مرة يا رئيسة، تجيبي سيرة مهرة. دي ستك وهي دلوقتي في حكم مرتي، فاهمة؟ حذاري حذاري يا بت ود، تتحدتي عنها تاني مهما حصل. وأقولك حاجة، مريدش منك حاجة، وهسيبك وأمشي." أمسكت به بقوة وضمته إلى صدرها وقالت برجاء:
"خلاص يا سيدي حرمت، أوعدك مجيبش سيرتها تاني، وهي ستي وتاج راسي كمان، بس ارضي أنت عني." سرق ابتسامة حانية وعاد وأراح جسده على فراشها الخشن وترك لها نفسه كما اعتادت. وسبح هو في قبلته إلى مهرة التي أنعشت قلبه وتذكر أول يوم وقعت عيناه فيها على مهرة التي سرقت قلبه وهزت كيانه وجعلته أسيرها وعاشق هواها. كان يوم خروجه من الإصلاحية وعودته إلى البلد لكي يكمل انتقامه ممن غدروا بأمه وتسببوا في موتها حرقًا.
ما أن وصل للبلد تلقى رصاصة اخترقت كتفه الأيسر، بعيدة عن قلبه بسنتيمتر، فتأكد أن من يسعى للانتقام منهم دبروا لقتله. تحامل على نفسه وأكمل طريقه بكل قوة كأنه لم يصب. وقصد مكان القاتل وجذبه ببندقته وأمسكه من تلاليبه وسأله: "مين اللي مكرك عليا يا واد المحروق؟ انطق! حاول الرجل أن يهرب من بين براثن يده القابضة عليه بقوة. وعندما يأس وتأكد أنه هالك لا محالة، اعترف وقال:
"الحج بدران هو اللي مكرني عليك، أنا مليش عداوة معاك واصل، ارحمني وسامحني يا فراس، أنا عبد المأمور." قامت عيناه بسخرية وقال: "أرحمك كيف؟ ومحدش رحم أمي ولا أبويا ولا أنت رحمتني لما كنت رايد تقتلني غدر وطخيتني بالنار؟ ومفيش بينا عداوة." وجره من رقبته أمام البلد كلها حتى وصل إلى بيت بدران ونادى عليه بقوة حتى خرج وقال له بحقد وغضب:
"مش هتهرب من أجلك اللي كتبته ليك غير بموتي يا بدران. وأنا قدامك أهو، لو تجدر رد عليا رصاصتك اللي مكرتها عليا، افتح يجتلني، بس الأول أنقذه من يدي وأنا بفرفط روحه نفس نفس قدامك." وضغط بيده على رقبته بقوة حتى زهق روحه أمام بدران ورجاله الذي جرو من حوله خوفًا من انتقامه وبطشه به. ألقى فراس جثة فتوح أمام داره وقال:
"ابقى قول للحكومة مين قتله لو تجدر. أما أنت يا بدران، من اليوم وطالع لو لمحتك خارج دارك، هفرفط روحك كي ما عملت مع أجيرك اللي مكرته يقتلني." وأمسكه من جلبابه وشده إلى أمام وجهه بغل وقال: "لو رايد عذابك ينتهي وأرحمك بموتة سريعة غير موت العمدة أو شيخ الغفر، جولي فين الأعد المجرم منصور بيه." ارتجف بدران بين يديه مثل الفأر المذعور وقال:
"مخبرش ليه طريق العمدة عبد الرازق هو اللي كان بيتعامل معاه. أنا كنت مجرد ضيف بيناتهم وهو اللي رتب لأمي الفخ ليلة موتها. صدقني، ما كنت أعرف باللي هيعمله فيها." كان حديثه عن أمه سبب لثورة غضبه. فبكل قوته أخذ يضربه بقوة وعنف إلى أن تشوه وجهه وأصبح غير واضح الملامح من كثرة الدم الذي أغرقه وألقاه على جثة القاتل بغل غير عابئ بما سيحدث لاحقاً وتركه.
بعد أن تركه بدأ يشعر بألم الرصاصة الساكنة في كتفه وجسده. أصابته الحمى، فأخذ يجر جسده المنهك بصعوبة وفجأة خارت قواه وسط غيطان القصب. وعند الصباح فتح عينيه على عيون بريئة تنظر إليه وتقول لها بتلقائية: "أنت بخير يا....
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!