باغتني سؤالها، شلني. أدركت أن كل مبرراتي لن تقنعها ما دامت لا تقنعني. قلت: "كل شيء قسمة ونصيب، سيحدث إن شاء الله." "ذهبتِ لطبيب؟ رأسي يدور، ماذا أقول؟ أجبت: "لا، محمود لا يرغب بذلك، يقول إن الوقت لا يزال باكرًا لإنجاب طفل." "تأخذين حبوب منع حمل؟ قلت: "نعم."
قالت: "يا عبيطة، قد لا يرغب الرجل بإنجاب طفل، لكن بالنسبة للمرأة فأنا حياتها لا تكتمل دون أطفال. اسمعي كلامي، لا تأخذي تلك الحبوب مرة أخرى، لا تخشي ابني، إذا فتح فمه أقسم لك أنني سأوبخه." بعد ذلك، طوال تلك الجلسة ظللت صامتة. كلما تخيلت بطني منتفخة بطفل، ابتسمت. ألن يكن ذلك رائعًا؟ ودعت حماتي، حملت زيارتها وقصدت شقتنا في الطريق. أوقفت السائق دقيقة أمام واجهة محل فخم، بعدها انطلقت نحو منزلنا.
يارا تبهرني في كل مرة، ليس لأناقتها شديدة العناية بها، بل من تلك الحركات غير المتوقعة التي تأتي بها كل مرة! لطالما أخبرتني أنها لا تحبني، لكنها تتقبلني كشيء غامض وجميل في حياتها. رغم أن تنورتها التي قبضت على جسدها النحيف بدت مغرية، إلا أن لهفتي عليها، اشتياقي لها رحل ما أن احتضنتها. انتفت كل رغبة للبقاء بجوارها. تملصت منها، قلت: "إن كأسًا قادر على تبديل مزاجي." صببت كأسًا ليارا، وآخر لي. قربت كأسها من كأسي، "في صحتك!
حتى تلك الكلمة لم أشعر بصدىها المعتاد. نحيت كأسي جانبًا، لم ألمس كأسها. بدت لي خيانة، جريمة عظيمة أن يقبل كأسها كأسي. رقدت يارا على الأريكة بغنج. كان رأسي يؤلمني، غير قادر على التفكير فيما أرغب به. فما سعيت نحوه رحل مع زوجتي، ما فائدة أن أضاجع غيرها طالما رحلت؟ اقتربت، طالبتني يارا. رأيت ذلك عدائيًا جدًا. كنت مرغمًا على مداهنتها حتى لا تغضب. قلت: "أنا مرهق جدًا يا يارا!
لم تتفتح زهرتها بعد، تراني غير جدير بها الآن. حدثتها عن العمل، عن الحياة، عن مخاوفي. ملت يارا أخيرًا، رحلت! جلست في كون صامت، لم أسمع أي شيء إلا صوت عقلي الباهت. صور التلفاز تتغير، أشعر بملل قاتل، سئيم. أحدق بالساعة كل دقيقة. لماذا تأخرت؟ حان موعد وصولها. من أين أتت تلك اللهفة الفاضحة؟ كيف تطلب من شخص لا يطيقك، مقتنع أنك سعيت لنفيه من حياتك؟ طالبته بالرحيل، أن لا يتأخر، أن يظل جوارك، وإذا تأخر تلومه؟
شخص لم يرى منك سوى الجفاء أن يحبك رغم كل مساوئك. لكنها تأخرت فعلاً، فرحة بقضاء وقتها بعيدًا عنك، أنت الخائن الذي يضاجع غيرها على فراشها تحت أعينها! وصلت تسنيم أخيرًا، بعد أن فقدت كل أمل بحضورها، بعد أن رحلت لهفتي وتوقي لرؤيتها. كانت محملة بالأكياس، تحتضن مغلفًا أحمر مربوطًا بقماشه. قالت: "مرحبًا، أصرت والدتك أن تحملني بكل تلك الأشياء من أجلك." لم أرد. تركتها تفرغ محتويات الأكياس قبل أن أناديها، أسألها لماذا تأخرت؟
قالت بنبرة صادقة: "لم يمضِ سوى ساعتين، ثم كنت خائفة أن أعود في وقت غير ملائم." "لما امتعض وجهي؟ أردفت تسنيم زوجتي معتذرة: "آسفة، لم تحددي لي وقتًا للرجوع؟ اقتربت منها، بدت في عيوني جميلة جدًا. زعقت: "اللعنة على الوقت! عليك أن تكوني موجودة هنا عندما أرغب بذلك! قالت: "كيف أدرك ذلك؟ "أنت غبية جدًا ومقيته يا فتاة! راحت تنتحب ونزلت دموعها تجري. صرخت: "لا تبكي! " وصفعتها على وجهها!
لم تتقِ صفعتي بيدها، حتى عندما صفعتها مرة أخرى لم تحمِ نفسها. كانت تخفي شيئًا خلف ظهرها، العلبة المغلفة بالقماش الأحمر. واصلت صفعها، لم ترفع يدها. كانت تدافع عن تلك العلبة كأنها أثمن مقتنياتها. التهمني الغضب، العداء. لكمتها في معدتها، ركلتها بقدمي. ترنحت، سقطت أرضًا، صامتة لا تتكلم. وازنت جسدها حتى سقطت على ظهرها. لم تتقِ السقطة بيدها، بكامل ثقلها وقعت على ظهرها ويديها تحتها. صرخت من الوجع وسمعت طقطقة عظامها.
اصطدمت رأسها بالبلاط. كل ذلك ولم تترك اللفافة. لم أفلح في إيجاد مبرر لمحاولتها إخفاء تلك اللفافة خلف ظهرها. واصلت انتحابها وهي على الأرض. نهضت وهي تترنح وسارت تجاه غرفتها، صكت على نفسها الباب. بدأت ثورتي تخور. انتظرتها تخرج مثل كل مرة، لكنها لم تفعل. كان مضى نصف ساعة وأنا جالس أحدق بالعلبة. أشعلت لفافة تبغ والفضول يلتهمني، مرتع ب جدًا من فكرة تناول تلك العلبة وفتحها، بدت لي لغم سينفجر في وجهي ويحول جسدي لأشلاء.
إن أكبر مخاوفي قابعة داخل تلك العلبة اللعينة على مقربة مني. أدرك أن قلبي وضميري سيتقطعان عندما أنظر داخلها. تناولت اللفافة، فتحتها. كانت بداخلها ساعة أنيقة ماركة سواتش مهشمة تمامًا، مربوطة بشريط مرسوم عليه وردة لونها. كل النقود التي منحتها لتسنيم زوجتي ابتاعت بها ساعة، لم تدخر منها شيئًا لنفسها. لم أطق سماع بكائها الذي كان يرعبني. بدلت ملابسي وغادرت المنزل.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!