ليس هناك واقع عميق، غامض، ومظلم أكثر من حياتي التي لا أفهمها كيف تسير ولا إلى أين تمضي، ملطخة بالهزائم وثوبي طويل أجره خلفي حتى انحنت أكتافي، ظهري يئن من الألم، أزحف على قدمين معطوبتين وساقي تترنح، أجر ماضي طويل كله انكسارات وخسائر في طريق مظلم يغطيه ضباب يتنزه في مواسم عمري، تتساقط روحي من خلفي أوراق جافة يكنسها الريح خيباتي لوحة تعنون كتاب كله مآسي، أتنفس، بصدر مختنق عشعشت الكآبة كلاب تنبح داخله، الطريق طويل ولا نقطة ضوء في أخره.
إن الأمور تسير عكس ما رغبت به تماماً، بهذا الغباء، الطيبة، تحتل موقعها بجداره كضحية، لا يمكنني تحمل ذلك، لا، لا، لست مستعد لتجربة أخرى تقتل ما تبقى من روحي، فسأقاتل بكل صرامة، ومثابرة أن أحفظ ما تبقى مني، لا أفهم لماذا كل ذلك الإصرار أن تحملني كل ذلك الألم؟ ألا تدرك أنني أتألم أصلاً؟
لا يمكنني أن أغفر لها تلك الأوجاع التي عادت لتنضح في ضميري، لطالما عملت على قتل كل تلك المشاعر الفضائلية ولن أسمح بعودتها مرة أخرى حتى لو اضطررت للقتل. إن تعاد الكرة، أن أعاني مرة أخرى لم أحسب لذلك ولست مستعد لإعادة خلق الماضي، فلتذهب للجحيم إذا كانت هي وحدها زوجتي من تفعل ذلك. تسنيم مخرج؟
هكذا دون أن يعتذر، دون أن يتحدث إلي، كنت راضية بكلمة واحدة لكن حتى هذه ضن بها علي، لن تنبئني الشفقة تجاهه مرة أخرى، لن أحاول خلق مبررات، أنا الملامة، أنا وحدي المسؤولة عن ما آلت له حكايتي، كم كنت غبية عندما ظننت أنه يملك قلب سيقدر ما أفعله من أجلي.
أنا التي دفعته لكل ذلك الغضب، كان قد حدد مكاني في حياتي، مهملة، خرقة، رضيت بذلك لكني أفعالي كانت تفضحني، لا يمكن لشخص غيري أن يتحمل أقداري، أن يعيش حياتي ويتألم عوضاً عني، فليفعل ما يرغب به، لن أبالي أبداً، أن أكون ودودة معه مرة أخرى أمر مستحيل.
لكنه يفعل ما يرغب به دون أي مهادنة، دون أدنى مراعاة لشعوري، لملمت بقايا الساعة، هديتي، التي كانت سبب في كل ما تلقيته من صفعات، تأملتها كانت جميلة، ملفوفة في قماشة حمراء، لكنها تحطمت بلا ذنب مثلي تماماً، لو كانت تلك الساعة تملك لساناً، ألن تصرخ في وجهه اتركني؟ وضعتها في صندوق خشبي قديم أحتفظ فيه بما تبقى من ذكريات والدتي. جلست على السرير متكورة حزينة، بقلة حيلة، أفكر لازال الوقت مبكراً، أسأل نفسي ماذا لو عاد معتذراً؟
عندما طرق الباب فتحت الباب بسرعة متجنبة أي ذريعة من قبله لاختلاق حديث، لن أبعث في نفسه الشفقة تجاهي، إذا كان سيفعل شيء عليه أن يكون نابعاً من داخله ولن أمنحه مبرراً! دلف لداخل الشقة وحيد، اهتز قلبي طرباً على الأقل مراعاة لشعوري لم يحضر معه أي فتاة! رمقني كلي بتركيز، كان واقفاً في مكانه يحملق بي، صككت الباب الذي لا ذنب له بعنف وجلست على الأريكة. محمود !!
بداخلي كومة من الكلمات تتصارع لتنبت على شفتي، أرمق تسنيم التي على غير عادتها صامتة، ساكنة بلا حراك، أنتظرها أن تزرع الشقة، أن تحطم فنجاناً أن تهشم طبقاً، أن تتفوه بأي كلمة حمقاء تزيح عن كاهلي حمل الكبرياء. أقلب قنوات التلفاز، أتعمد أن أفعل ذلك بسرعة، أعلم أنها تهوى الأغاني القديمة، أغيظها، أتركها لحظة ثم انتقل لقناة أخرى، لا تمتعض تسنيم، يا حمقاء امنحيني سبباً واحداً لأقتل تلك المشاعر المنجرفة تجاهك بقوة إعصار. تسنيم
اجلس يا وغدي الجميل بلا حراك، تصنع لا مبالاتك، لن أركض نحوك ككلبة أليفة. سأخدمك، أتحمل إهاناتك، لكنك لا تلمح بعيني نظرة الهزيمة التي ترضيك. لماذا يحملق بي هكذا؟ ألا يكفيه ما فعله بي منذ ساعة؟ بماذا يفكر ذلك الشرير؟ المس خدي، لازالت أصابعه مطبوعة على جلدي، يندفع شعور الغضب داخلي، أترك مكاني وأدلف للمطبخ. أعددت له الطعام، رصصته على الطاولة ثم غادرت لغرفتي. ناداني تسنيم؟ دون أن أرد مشيت ناحيته، قال تناولي طعامك معي؟
أفكر ما علي فعله؟ أول مرة يطلب مني أن أرافقه على الطعام. أرمق نظرته المتجبرة. أقول لا لن آكل. أعود لغرفتي، أرهف سمعي عله يصرخ مثلما يضربني بصوت مرتفع. تناولي طعامك معي؟ لم يفعل. بعد أن انتهى من طعامه وأنا أنظف الطاولة حكيت له ما حدث مع والدته التي تطالبني بطفل، طلبت منه أن يجد حلاً، أن يجد مبرراً يرضيه ويزيح عن كاهلي عبء الرد.
ابتسم، قال خدعة حبوب منع الحمل رائعة، سأكرر ذلك لوالدتي، أنه ليس الوقت المناسب لإنجاب طفل، والدتي طيبة ستصدقني. ثم أردف، أنتِ حقاً لعينة ماكرة. أنت تراني هكذا فعلاً؟ هذا ما أمثله لك؟ ماكرة، لعينة؟ ماكرة بطريقة تعجبني. قلت على الأقل هناك شيء يعجبك بي. اقترب مني حتى شعرت بأنفاثه، قال أجلك. كان على وشك أن يفتح فمه، كنت قريبة جداً من أن أنال اعترافه، أشاح وجهه للناحية الأخرى وبصق.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!