الفصل 7 | من 18 فصل

رواية فراشة المقابر الفصل السابع 7 - بقلم اسماعيل موسي

المشاهدات
19
كلمة
1,517
وقت القراءة
8 د
التقدم في الرواية 39%
حجم الخط: 18

تحولت كل المبادرات لصمت وفقدت رونقها. لم أعد أرغب برؤية تسنيم تزرع الشقة جيئة وذهاباً، ولا حتى أسمع تحطيم الفناجين والأواني لتخلق حديثاً. انمحت الرغبة التي كانت تجرفني منذ لحظة لأحتضانها، لعصرها بين ذراعي، لتقبيلها. انتابني شعور بالنفور، التقزز من كل تلك العواطف الحميمية التي هبت فجأة داخلي، تلك الجماليات التي ترحل ما إن نستخوز عليها. لطالما حرصت طوال حياتي على الاستمتاع بروعة البدايات التي تقتلها قبلة.

في الجامعة حيث كنت أدرس، كان لدينا زميل لا تربطني به صداقة، كان اسمه محمد من الجيزة. كان أبيض الوجه، أنيق الملبس، ذلك النوع الذي يصادف إعجاب الفتيات دوماً. سرعان ما استطاع بسهولة أن يشكل صداقات مع الفتيات اللاتي كان بعضهن يعجبني. لطالما شعرت بالمقت على ذلك الوغد الذي كان يمتلك الجمال والجرأة التي تنقصني. لكني سرعان ما استطعت في العام الدراسي التالي أن ألتصق ببعض الفتيات. لم أكن حبيباً بالطبع، لكن كانت لدي خططي الماكرة الكافية للاندساس وسط تلك العصبة. حينها أدركت أن الجمال لا يعني كل شيء، أن بعض الفتيات تستهويهم صفات أخرى.

إحدى الفتيات أخبرتني بكل فخر أنه تقدم لخطبتها أكثر من عشرين شاباً. كدت أفطس من الضحك. على وشك أن أقول إنني مضطر لمرافقتها من أجل صديقتها، لكن جدياً، لا يمكنك أن تخبر أي فتاة بالحقيقة مهما كانت دوافعك، ولا أن تقتل الفرع الحالم في حياتها. إنها ذات العيون الخضر، وهذا كافٍ جداً.

حتى أجمل الجميلات الأكثر غروراً، أتتني الفرصة لأتعرف عليهن. لكني أنا نفسي الذي كنت شديد اللهفة، لم أركض خلف تلك العلاقات. كان الماضي دوماً يراقبني، وأنا شديد الوفاء للماضي. من أعرض عني مرة بقصد أو دون قصد، سأرد له الصفعة.

كانت جرأتي بدأت تتشكل، وإن كنت لازلت أحتفظ ببعض الخجل. فأنا لم أخض محادثة جدية مع فتاة إلا بعد سنوات، وكانت من خلال الهاتف. كنت حبيس أفكاري، يغزوني شعور بالفقر، وإنني لست ندّاً. محبوس بين فصاحتي وتلك الأفكار الغريبة التي أخلقها. شعور بالفشل كان يتملكني كلما حاولت الخروج من القفص، من تلك الزنزانة.

أن أقول لفتاة: "أنا معجب بك" أو "أحبك". لم أتجرأ على ذلك أبداً، وإن كنت أدعي بين أصدقائي أنني أمتلك عشرات الحبيبات. أقول ذلك بكل فخر دون أن أتحدث عن طبيعة علاقتنا، أن ولا واحدة منهن تراني حبيباً، وأن أحاديثنا مائعة لا معنى لها، وأنها لو استمرت لعشرات السنين لن تخلق حالة شعورية غير التي أتخيلها. كأنني بتلك الحيل التي فتحت لي طريق التعارف، حكمت على نفسي أن أظل في تلك المكانة، المهرج الصحفي الذي يمتلك كارنيه صحفي لجريدة

صفراء لا يعرف عنها شيء. تلك الحالة التي لم أستطع الفكاك منها، والتي وافقت رغبتي، لقناعتي أن ذلك مكاني، وأنني إذا خرجت منه سأختنق مثل سمكة على اليابسة، مكتفياً بتلك المكاسب الظاهرية التي جملت صورتي في عيون أصدقائي ونفسي أيضاً بمرور الوقت.

إن المحاكاة التي صغتها، بين شاب وفتاة، لم تتعد حدود الآنية المتمثلة في تقبل حديث الآخر والنعيم برفقته. لم أفهم معنى أن أقول لفتاة إنها تعجبني، ولا ما التالي لتلك الكلمة. كيف أصيغ تلك التعابير التي أشاهدها في التلفاز وأسمعها في الراديو؟

لم تكن تنقصني الكلمات، فمنذ الثانوية العامة وأنا أمتلك دفتراً دونت خلاله كل عبارات الحب وقصائدها وقصصها، آلاف الكلمات التي ظلت حبيسة رغم توالي السنين. وإن كنت أشعر بتلك الكلمات وأتأثر وتكاد عيني تدمع، إلا أن الطريقة التي أعبر بها كانت تعوزني. كنت أملك التعابير التي تمكني من مدح فتاة، مغازلتها، إبهارها، لكن الجرأة كانت تنقصني، الثقة أيضاً. هذه الطريقة التي رسمت بها حياتي، لم أفلح في التنصل منها خلال الجامعة.

بدل ملابسه وخرج مرة أخرى. أعلم أنه بطريق رجوعه سيحضر فتاة جديدة. أعلم أنه يرغب بصفعي، معاقبتي بلا كلام. سيحضرها وتقول عيناه: "أنت السبب. كان بإمكانك أن تتنازلي مثلما تفعلين دوماً". حينها ربما كان الحال سيتبدل. سيقبلها ويقول: "انظري يا حمقاء، كيف ضيعتِ الفرصة".

لا يدرك أنني تغيرت، وأنني لا أعد أفضلاته فرصة. أنني لا أؤمن إلا بالحب الذي يعترف بالندية، الذي يتساوى فيه الحبيبان في المشاعر والقيمة. غير ذلك لن يعد حباً، ستكون رغبة ما إن تنتهي تفرغ قيمتها. يمكنه أن يأخذني بالقوة، لكنه لن يحصل على قلبي. لكن حتى هذه، لا يسعى خلفها. إنه يعمل بكل جدية على إذلالي. أنه يفعل ذلك، يستمتع به. لكني أيضاً أستمتع بمقاومتي.

لم يستغرق بقاؤه بالخارج سوى نصف ساعة. خاب توقعي تلك المرة. حضر بمفرده، يحمل لفافة وباقة ورد جميلة أكاد أشم رائحتها. كنت أجلس على الأريكة يقتلني الفضول والفكر. جلس على المقعد ولم ينطق بكلمة. كان مشتتاً وشارد. يدور اللفافة بين يديه بتيه، يرمقني كل لحظة. أشيح وجهي بعيداً عنه. ترك اللفافة جواره، قال: "لماذا تجلسين بكل ذلك البعد؟ قلت: "أنا مرتاحة! قال: "من فضلك اقتربي، اجلسي جواري!

لم يغريني ذلك التبدل في الحالة. كان ما عانيته في الشهور الماضية قتل كل النوايا الحسنة تجاهه. قلت: "إن مرتاحة هنا! قال: "من فضلك؟ " ولوح العلبة بين يديه. قال بنبرة متبرمة: "لقد تناولت طعامي منذ ساعة". ثم رمقني بنظرة عتاب واردف: "كوب شاي سيكون كافياً جداً". كنت أركض نحو المطبخ لا أسير، مبهوراً بتلك النبرة العطوفة، ذلك البرق الطارئ الذي حمل رسالته. "من فضلك؟ تذكرت الكلمة، تذوقتها، مضغتها، ابتلعتها روحي.

قلت: "مزيد من العناد يا فتاة، التصميم سيبدل حاله. لا تنجرفي الآن خلف ألعابه. لقد نالك منه الكثير. عليه أن يتعلم أنك لست سهلة. وأنك إذا كنتِ تحملتِ ضرباته، نزواته وخياناته، فذلك ليس لرغبتك به، وإنما لأنك لا تملكين مكاناً آخر تذهبين إليه." أعددت كوب الشاي. فور عودتي، لاحظت أنه يمسك باقة الورد بين يديه. فعلت كل شيء بسرعة دون أن أنظر إليه. وضعت الصينية على الطاولة وتراجعت للخلف نحو أريكتي. قلت: "تحتاج شيئاً آخر؟

قال: "لأدخل لغرفتي". تغمرني السعادة. أن أرد له الصاع صاعين. عليه أن يشرب من نفس الكأس. فلتتعفن وروده، كل أشيائه الجميلة. الآن يفكر. تندلع الحرائق في صدره. لم يتوقع أبداً أن تلك الضعيفة المنهزمة التي لا تملك إلا قول "حاضر"، تستطيع المقاومة والصمود. سيصرخ الآن، يزعق، يدافع عن كبريائه. سأتحمل كل صفعاته دون دمعة واحدة. طال الوقت ولم يطلبني كالعادة ليعنفني. قلت: "سأرى ماذا يفعل". قصدت الحمام ورمقته بطرف عيني.

كان نائماً على الأريكة يحتضن باقة الورد. العلبة على صدره وعيناه مغمضتان. عدت لغرفتي مرة أخرى. ما إن رقدت على السرير حتى سمعت باب الشقة يصك.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...