روحي تختنق، أشعر بها ضامرة، كئيبة، تلك الشرنقة التي قدت نفسي نحوها، أنا أكرهها! ليس هناك شعور مؤذٍ أكثر من البقاء بين سيدتين لا تستطيع التحدث إليهم براحة، أن تخضع كل كلمة للمراقبة. إنها ليست حياة، بل سجن. حول زوجي سطح المنزل لباحة، هناك وضع أريكة بإطلالة مميزة على الشارع، طاولة من خشب الزان لبنية اللون، مقعد جلدي مريح. على الطاولة رصت مجموعة من الكتب، وجهاز يبث الموسيقى ليلاً.
لا يهبط إلا للنوم أو لتناول طعامه. لازلت أدعوه زوجي رغم انفصالي عنه، رغم أني لا أطيقه ولا أدرك الدافع الذي عجل بي الصعود للسطح لأرى كيف يقضي وقته. أنه لا يلاحظني أو هكذا يبدو، وأن كنت أوقن أنني لا أتأنق من أجله، لكن لا مبالاته بدت لي غير مرحب بها، غير مهمة أيضاً.
لكني أحتقره لتصدير تلك المشاعر العدائية تجاهي، والتي يصر رغم انعدام الدافع من إظهارها. لم نعد زوجين، نحن الآن مجرد شخصين ناضجين وعليه أن يعاملني بطريقة مختلفة. أبدل ملابسي بالعادة قبل خروجه، وأحرص كل مرة أن أخرج وهو يتناول طعام إفطاره. لا يمكنه أن يسألني عن السبب حتى من باب الفضول، لكن من ناحية أخرى عليه ذلك. نحن نقطن نفس المنزل.
لو تجرأ وسألني لقلت له ببساطة أنني أبحث عن عمل حتى يمكنني أن أعيل نفسي والبحث عن سكن خاص بي. أن أصفعه بتلك الحقيقة التي توضح له أنني لست مسرورة لعنايته بي وغير مرحب به. لكن حتى تلك المتعة حرمني إياها، أن يراني أنثى قادرة ومسؤولة تبحث عن حياتها الخاصة، مصرة على تحقيق ذاتها التي قتلها من قبل بقصد وتخطيط. شعور أنه لازال يراني فتاة منكسرة، خاضعة، ذليلة، مثلما الماضي عندما اجترني من منزل والدتي يقتلني.
كنت أبحث عن عمل بكل جدية ومثابرة، مستعدة لتقبل أي عمل يجعلني أشعر بكيونتي. أتسلق النهار بطوله على محلات الملابس، المطاعم، الشركات، ولا أعود للمنزل إلا بعد رجوعه. قبله، حتى لو تغيرت رغباتي، طرقي، الشوارع التي أمشي بها والأشخاص الذين أتحدث معهم، كانت غايتي كل مرة أن أعود متأخرة، متأخرة جداً حتى يشعر بالاستياء، لكنه ليس مبالياً ولا يراقب حركاتي. أضحت رغبتي بالانتقام منه مرهقة لكن ضرورية.
نجحت في الحصول على عمل في وكالة لبيع المنازل. كنت أعمل تحت أمرة فتاة نفس عمري خفيفة الظل ومرحة. لم تبخل علي بالنصح، وأشربتني أسرار العمل بكل تفانٍ وأمانة. جعلت تصطحبني لمقابلة العملاء، كيفية التحدث إليهم وإبرام العقود.
أتذكر اليوم الذي أبرمت خلاله أول صفقة، وكنت حتى هذه اللحظة لم أصرح لحماتي عن طبيعة عملي. لكن ذلك اليوم كنت سعيدة جداً، تلقيت عمولة جيدة جداً مكنتني من ابتياع هدايا لحماتي، ملابس وطعام، الكثير من الأشياء الجميلة والرائعة. كان محمود حاضراً عند عودتي، هو نفسه الذي تقدم نحوي بمساعدتي بحمل الهدايا والتي رحت أفرغها أمام حماتي بكل فخر.
الآن فقط لاقيت نفسي، كنت قد أحضرت هدية من أجله، ويلا الغرابة كانت نفس الهدية التي مزقه من قبل بكل برودة أعصاب. تلقى هديتي بكل فرحة، وتمنى لي عمل ناجح. قلت: ألن تفتحها؟ لم تفتني تلك المأساة أبداً، كيف كنت أقاوِمه وأنا أتلقى صفعاته في محاولة مستميتة لعدم إتلاف العلبة. كنت مصرة على تذكيره بقدر الحماقة والظلم الذي تعرضت إليه بسببه. فتح العلبة، أخرج الساعة وهو يبتسم، وضعها في يده. رمقني بطرف عينه بنظرة جعلتني أذوب خجلاً.
قال: شكراً لك. تلك الطريقة النظامية التي يتبعها دومًا جزء من تفاصيله التي حفظتها عن ظهر قلب. نهض من مكانه، ورغم إدراكي قدرته على ابتياع ساعة أثمن منها، إلا أنه حرص على الوقوف أمام المرآة وهو يبتسم. كان ممتناً فعلاً، لم يفتني ذلك. كان العمل يشغل كل وقتي، كنت حريصة أن أثبت نفسي، أن أرتقي وتكون لي وكالتي الخاصة. كنت أفعل ذلك بسعادة، ولم يكن ينغص علي إلا أنني أفعل كل ذلك من أجله هو حتى لو كان من أجل الانتقام.
جعلته محور حياتي في أوقات نجاحاتي وانكساراتي، تلك المشاعر اللعينة التي كانت تحطمني، وأسألني كثيراً: ما الجدوى من كل ذلك؟ ينام محمود في الغرفة المجاورة لي بعد أن توقف عن نزواته، وإن كنت أجهل بصورة قاطعة السبب! وحتى ولو كنت أنكر، كنت أتمنى أن يكون فعل كل ذلك من أجلي أنا وحدي وليس لشيء آخر. يفصل بيننا جدار، لكني كنت أشعر بنفسي عارية أمامه. عندما كنت أرقد في الظلام كان ذلك الجدار ينمحي وأراه يتقلب على سريره.
نفس الجانب المواجه لي، حتى أنني كنت أسحب الغطاء على جسدي، أسمع سعاله، أحفظ حركاته. الآن سينام، بعد دقائق سيشعر بالأرق. الآن يجلس على طرف سريره يدخن لفافة تبغ وهو يحلق بجسدي الغاطس تحت بطانية قشتالية، كانت تلك اللحظة تصيبني بالارتباك. آه، كان الوغد يقتل أفكاري، حتى أنني كنت أحياناً أحاول إغراءه وهو يدخن، أبدل رقدتي، أزيح الفراش، ليراني أنثى جميلة.
استقرت أحوالي في العمل، لكن صداقاتي كانت منعدمة، فأنا لا أملك إلا صحبة رفيقتي لورا. أتنزه معها، أهاتفها، أدعوها للعشاء ونسهر معاً. لورا أيضاً كانت وحيدة مثلي، كانت لها علاقة فاشلة انتهت بأن خلعت زوجها وتخلت له عن كل حقوقها. في كل علاقة فاشلة كل ما يهم الرجل النقود، بينما تكون المرأة مستعدة للتخلي عن كل شيء للفكاك من تلك العلاقة المؤذية.
عندما أخبرت لورا أن طليقي وضع الشقة تحت تصرفي وأنني أعيش معه في نفس المنزل وأن والدته منحتنا نفس الحقوق، لم تصدقني. قالت لورا بمزاح: كيف لوغد حقير مثله أن يكون بمثل تلك الرجولة؟ تلك الرجولة، لم أفكر أبداً أن محمود رجل، أو أن ما فعله يجعله رجلاً في عيني، لكن لورا كان لها رأي آخر. "وغد، حقير، لكنه رجل." تلك التعقيدات الوصفية التي حيرتني. قالت لورا بعدما توطدت علاقتنا: "سأقابل ذلك الوغد الحقير، بشع المظهر."
لطالما كانت لورا مقتنعة أن لزوجي مظهر بشع، كانت تقول: "لديه شارب كث، أصلع بعض الشيء، وإن كان له شعر فأنه غير مهذب وكرشه فوق سرته، عيونه غائرة وتخينة." بالنسبة لها كانت تلك الصفات ترافق الأشخاص الشريرين، مسقطة مظهر زوجها على كل رجل خسيس، ولم أفلح أبداً بإثنائها عن رأيها. كانت تصر على تلك المقابلة والتي كنت أؤجلها مراراً وتكراراً. رغم كل مساوئه التي أعرفها وتعرفها لورا، كنت خائفة أن أفقد تلك الحليفة.
لم أكن أفهم بعد لماذا كل ذلك الحرص على قتل أي فرصة لذلك اللقاء، فأنا لم أعد راغبة به، لكني وإن كنت أنكر، فأنا غير مستعدة لفقدان وجوده في حياتي بتلك الصورة المهملة، مقعد أنيق، لوحة جدارية، غير مهمة لكنك لا تستطيع التخلي عنها. أصبحت حججي ومبرراتي غير مقبولة بالنسبة للورا وبالنسبة لنفسي. بالنهاية تم تحديد اللقاء. أخبرت حماتي أنني دعوت صديقتي لتناول العشاء معي، كنت أعلم أن محمود سيكون حاضراً لكني لم أوجه له الدعوة.
فتحت حماتي دفترها، كانت حريصة أن أبدو في أحسن صورة أمام صديقتي. كتبت أنواع الأطعمة التي أحبها وتحبها لورا. هذه المرأة التي اعتبرها والدتي لم تترك لي اختياراً إلا أن أحبها. طلبت من محمود الذي كان قد حضر للتو، أن يحضر معه باقة ورد. قال: حاضر، دون أن يسأل عن السبب.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!