كان الليل يمضي ثقيل عليها مع أنها لا ترى الشمس. مضت أكثر من ثلاثة أيام وهي مقيدة بقائم السرير. ثروت يقدم لها الطعام والشراب بطريقة مقرفة. امتنعت في البداية، لكن ثروت كان غير مبالٍ بها. كان قد تحول لكائن آخر، كل غايته الانتقام.
أقنعته لورا أن تسنيم تخونه منذ يوم زواجه. أن محمود هو من طلب منها ذلك. قالت إنها تعرف محمود أكثر منه، هو الذي دفعها للزواج منه. لكن في الباطن كان يلتقيها حتى في شقته نفسها. قالت إنها أشفت عليه أن يظل مغيباً، مضحوكاً عليه، بينما زوجته تخونه. كان قد أقسم أن يقتلهم. دهس محمود بسيارته، لكنه غير رأيه في آخر لحظة. سيحتفظ بتسنيم، سيذيقها الويل قبل أن يقتلها. في حادثة محمود، الشرطة لم تعثر على دليل يؤكد ذلك. الشخص الوحيد
الذي أدلى بشهادته قال: "دهسه شخص مقنع، كان يبتسم والسيارة تغرق في النيل، ثم ولى هارباً". وجدت السيارة التي ارتكبت الحادثة في منطقة نائية، وكان قد أبلغ شخص عن فقدها قبل الحادثة بساعات. في اليوم الثالث، اضطرت أن تلتهم فتات الطعام الذي قدمه لها. كانت أمعاؤها تتقطع وأدركت أنها ستموت. كانت حريصة على حياتها من أجل شيء واحد: الانتقام.
أطاعت كل أوامر ثروت لنيل ثقته. كان حذراً في البداية، لكنه بعد ذلك كان يسمح لها بالتجول في الشقة قبل أن يقيدها مرة أخرى. بعد أسبوع، وكانت مقيدة في القائم، طرق باب الشقة شخص. ثروت لم يكن حاضراً حينها. صرخت تسنيم تطلب النجدة. سمعها الشخص الذي طرق باب الشقة. سمع بوضوح حاجتها للمساعدة. قال: "دقيقة واحدة، سأحضر حارس البناية ونحطم الباب". تنهدت أخيراً، ستنال حريتها.
عدت اللحظات والدقائق، لكن الوقت مر ولم يحضر أحد. بعدها سمعت باب الشقة ينفتح، لم يهشم كما توقعت، ودلف منه ثروت. ألقى ملابسه على الأريكة، نظف نفسه وأكل شطيرة لحم. دخن لفافة تبغ ودلف غرفتها. قال: "لديك لسان تصرخين به؟ " كان مرتاحاً جداً، أدركت ذلك. قالت: "لم أفعل". قال: "الحارس يكذب إذا؟ لقد أبلغني أن شخصاً طلب مساعدته لهشيم الباب. لكن ما لا تعرفينه أن الحارس يدين بولائه لي. صرف ذلك الشخص وهاتفني. سوف تنكرين كل ذلك؟
أين لسانك الآن؟ انكمشت على نفسها مرتعشة، توقعت أن تنهمر عليها الركلات، لكنه ابتعد دون أن يضربها. "جربي أن تفعليها مرة أخرى، أقسم أنني سأقطع لسانك، هل تفهمين؟ لسانك الجميل. اصرخي، اصرخي يا لعينة. ها قد حذرتك يا تسنيم، تجربي أن تطلبي المساعدة مرة أخرى."
كانت تسنيم قد تغيبت عن العمل لأكثر من أسبوع، هاتفها مغلق. أحد العاملات في الوكالة قلقت عليها. ذهبت لشقتها لتسأل عليها. طرقت باب الشقة مرات عدة. سمعت تسنيم الطرقات على الباب، لكنها تذكرت تحذير ثروت بالأمس. لم تفتح فمها. قالت: "ربما ثروت يختبرني". استمر الطرق على الباب. عرفت صوت زميلتها في العمل التي تنادي باسمها. لكنها كانت تدرك أن العواقب وخيمة.
قالت: "سأصرخ"، لكن لسانها لم يطاوعها. ابتعدت خطوات صديقتها وانكمشت على نفسها مرة أخرى. كانت السيارة مفعمة عندما أخرجوا محمود منها. اخترقت إحدى ساقيه صفيحة معدنية. كان فاقداً للوعي وظنوه مات. في غرفة العناية الفائقة ظل أياماً كثيرة. تعرض جسده لعدة عمليات جراحية. لم يستعد وعيه إلا بعد شهر وكان غير قادر على السير.
كانت مزاجيته معكرة جداً بعد أن استعاد وعيه. لم تبارح لورا ولا والدته غرفته. كان يحاول بكل الطرق العودة لمنزله، لم يشعر بالراحة في المستشفى، لكن الأطباء حذروه من مغبة ذلك وأنه إذا قام بنزع الأجهزة الطبية فإن صحته ستتدهور.
لكن محمود رغم ذلك انتهز إحدى الفرص. كانت غرفة العناية الفائقة خالية. نزع الأجهزة الطبية ورحل من المستشفى. عندما أدركوا الكارثة كان في منزله. حيث استطاع بطريقة ما الصعود للسطح. أشعل لفافة تبغ وراح يستمع للموسيقى.
عندما حاولت والدته إقناعه بالعودة للمستشفى، رفض رفضاً قاطعاً. قال إنه يفضل التعفن هنا في منزله على المكوث في المستشفى. لم يفلح أحد بإقناعه بالعودة للمستشفى، لذلك أحضروا ممرضة للعناية به في منزله. من حسن الحظ أنها كانت متساهلة معه وكانت تسمح له بالتدخين وتحب الموسيقى، القهوة والسهر. سرعان ما توطدت علاقتها معه ونالت ثقته، حتى أنه كان يحكي لها عن الماضي أحياناً.
لكن كان هناك شيء ناقص، شيء يشعر به محمود ولا يستطيع التعبير عنه. كان لقاءه بتسنيم قد رحل عن ذاكرته ولم يغفر لها أبداً عدم سؤالها عنه. خاصة بعد أن أكدت له لورا أنها أخبرت تسنيم بحالته وأنه يصارع الموت. اعتبر قصته مع تسنيم انتهت ولم يعد شيء يربطه بها. كان يعتقد أنها تحبه، مهتمة به، وكان قد تغير من أجلها.
لكنها كانت لعبة كما أخبرته لورا. تسنيم تنتوي الانتقام منه، إذلاله، استغلال تغيره من أجلها لكسر كبريائه. لم يصدقها. انتظر أن تزوره تسنيم، أن تهاتفه بعد الحادثة، لكنها لم تفعل. كانت قد تخلت عنه بطريقة خسيسة مخزية، وكان ذلك يؤلمه جداً.
بعد مدة، نجح بالسير دون مساعدة بالاعتماد على حامل والتسكع على سطح المنزل وداخلها. استطاع أن يخدم نفسه. كان سعيداً بذلك، خاصة أنه يسهر لفترة متأخرة وكان يزعج الممرضة التي كانت تقطن الغرفة المجاورة لهم. مع أنها كانت تخدمه بطيب خاطر، والتي كانت لا تمانع أن تحضر له فناجين القهوة وتستمع لحماقاته طوال الليل، وكان ترغم نفسها على سماع موسيقى لأناس لا تعرفهم من أجل إرضائه فقط.
كانت حاضرة معه يوم خرج من منزله أول مرة بعد الحادثة ليمارس رياضة المشي. أصرت عليه أن يرتدي بذلة أنيقة. كانت لحيته طويلة وشعره الناعم يغطي أذنيه. نحيف لدرجة مفزعة، لكنها بدت أنيقة جداً. بعد أن انتهى من ارتداء ملابسه، حملق محمود بالمرآة، كان لا يزال وسيماً وأنيقاً. حدق بالممرضة. قال: "أنا متخلي عن مساعدتك، لن أخرج بتلك الملابس. سأبدو فيها وغد أنيق ولن تتمكني من الدفاع عني". ضحكت الممرضة، كان أنيقاً حقاً.
رغم ذلك، بدل ملابسه بأخرى رياضية كان فيها أكثر وسامة. تكاء على الممرضة والتي تخلت عن زيها الرسمي وارتدت تنورة ضيقة وقميصاً أحمر. كان مظهرهما ملفتاً وجميلاً. لم يكن يكبرها بكثير، من كان ينظر إليهما كان يندهش. كان يرمق الطريق أمامه بصرامة حتى تذمرت الممرضة. قالت: "لماذا لا تبتسم؟ لا أرغب أن يظن الناس أنني أرغمك على ذلك". حاول أن يبتسم ليرضيها، ابتسامة باهتة مخنوقة جعلتها ترضى.
منتصف درب الركض قال لها: "انتظري هنا، سأعود فوراً". وقالت: "لن أتركك". قال بصرامة: "ستنتظري هنا ولا تراقبيني، أنا أحذرك". رضخت لطلبه. تابعته وهو يعرج حتى اختفى خلف شجرة. عاد بعد مدة يتصبب عرقاً، يخفي يده خلف ظهره. قلقت عليه. ركضت لتسنده. خرج من خلف ظهره وردة حمراء مدها لها. قال: "أشكرك لكل ما فعلتيه من أجلي". صمتت، ألجمت، ثم تنهدت. "أنت شخص رائع"، قالت. اعترض، رفع كتفيه بتذمر،
قال: "أنت لا تعرفي حقيقتي". تركها واجمة ساكنة وسار يعرج تجاه السيارة. تبعته بعد أن أفاقت من صدمتها، كانت سعيدة جداً وممتنة لتلك اللفتة الرائعة.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!