الفصل 21 | من 29 فصل

رواية فراشة المقبرة الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم مونت كارل

المشاهدات
20
كلمة
1,971
وقت القراءة
10 د
التقدم في الرواية 72%
حجم الخط: 18

جلس محمود خلف عجلة القيادة ينتظر الممرضة التي، على ما يبدو، كانت تفكر في أمر ما. قالت الممرضة: "تنحَّ جانبًا". رمقها بنظرة عذبة. قال: "ألا أبدو مذهلًا؟ قالت الممرضة: "تنحَّ". كانت نبرتها صارمة، وكان يعلم أنه لا فائدة من مجادلتها. رفع قدمه بيده وزحزح نفسه إلى المقعد المجاور للسائق. قال: "تفضلي". ثم أردف: "احرصي أن لا تقتلينا". تحركت السيارة ببطء.

قالت الممرضة: "بلا، تبدو مذهلًا، لكن في المرة القادمة لا تجبرني على إرغامك". كانت الطريق مزدحمة بالسيارات، والعربة تتحرك ببطء سلحفاة. أخرج محمود لفافة تبغ وضعها بفمه، ومد واحدة للممرضة. دفعتها الممرضة بعيدًا عنها. قالت: "تعلم أنني لا أدخن". قال محمود: "لن أخبر أحدًا، أعدك". أطلقت الممرضة ابتسامة. قالت: "شكرًا، لن أدخن". قال: "أعلم، لكن المرء قد يغير رأيه أحيانًا. الحياة مقرفة".

كانت قد اعتادت طريقته في نطق الجمل غير المكتملة كأحجية يرغب منها حلها. "هل يمكنني أن أطلب منك شيئًا؟ " قالت الممرضة وهي تحدق بالطريق أمامها. "أي شيء". قال: "أرغب برؤية مكان الحادثة حيث سقطت السيارة في النهر". قالت الممرضة: "ماذا تتوقع أن تكتشف هناك؟ إنها المرة الخامسة التي تطلب مني ذلك". قال: "أعلم، هذه المرة فقط".

قادت الممرضة السيارة وتوقفت في مكان الحادث. نزل من السيارة، اتكأ على السور الذي كان لا يزال مهشمًا. أخرج لفافة تبغ وأشعلها وهو يراقب مياه النهر. راقبته من مكانها دون أن تترك السيارة. تعلم أنه سيندفع الآن للمحلات المقابلة يسأل مرة أخرى عن هوية الشخص الذي دهسه بسيارته. عاد بعد دقائق وجلس في مقعده. لازمه الصمت. قادت الممرضة السيارة نحو المنزل. "لماذا تفعلين ذلك معي؟ أعني أنك لست مضطرة لمساعدتي".

قالت الممرضة: "هل تبدو لك فكرة البقاء في المنزل بينما تتسكع حضرتك بالخارج ممتعة؟ "لا".

لكنه كان يعلم أنه ممتن لها، كل أفعاله كانت تدل على ذلك. عندما حضرت للعمل كان صارمًا جدًا معها، دائم الصراخ والتبرم. تتحايل عليه من أجل أن يبتلع البرشام، أو أن تحقنه في العضل. كان يبرطم، يسب، يلعن في سره، يخبرها أنه لا يحتاج مساعدتها، يترك أي مكان يجمعهم بلا اهتمام. كان يرغب بالتخلص منها بأي شكل. لكنها من خبرتها كانت تتفهم ذلك. كل المرضى يصابون بنوبة عنيفة بعد الإصابات الطويلة الأمد.

رغم ذلك سرعان ما هدأ، تحول كل شيء بعد أسبوع من تبرمه. أرادت أكثر من مرة أن تسأله عن السبب، حتى أفصح لها مرة أنه كان يتوقع رحيلها بأي وقت. لكنها لم تفعل، لم تتخل عنه. لم تفهم تلك الكلمة، لم تطلب توضيحات، اكتفت بنظرة الامتنان بعد كل جلسة طبية تجمعهم معًا. ثم اكتشفت أنه شخص رائع، خلف ذلك القناع الذي يتمثله يوجد شخص طيب لا يرغب أن يخرج للحياة. بعد أن نزلا من السيارة حاولت مساعدته. رفض. قال: "سأحاول أنا تلك المرة".

سارت خلفه وهو يعرج على قدمه يستند على الجدار، يتصبب عرقًا. عندما انفتح باب المنزل أخبرته والدته أن هناك ضيوفًا ينتظرونه في الصالة. كانت لورا تجلس جوار ثروت تهمس له بعض الكلمات. سرعان ما لزمت الصمت فور رؤيته. رحب محمود بثروت، شكره لتكبد عناء زيارته. اعتذر عن تأخر زيارته. أقسم أنه لم يعلم بالحادثة إلا منذ يومين عن طريق لورا، وأن سبب تأخره عن زيارته يعود لتسنيم. كان يحاول إقناعها زيارة محمود معه، لكنها رفضت.

قال ثروت: "أنا آسف، لكنها تكرهك". قال محمود: "إنه يتفهم كل ذلك ولا داعي للاعتذار". سأله ثروت: "كيف حالك؟ قال محمود: "لازلت حيًا، لن أموت قبل أن أنتقم من ذلك الوغد الندل الذي صدمني بسيارته". أبدى ثروت أسفه. قال إنه يضع نفسه تحت خدمة محمود إن كان يرغب بمساعدته. طلب منه أن لا يضعه في خانة واحدة مع تسنيم، وأنه فعلًا يرغب بمساعدته. "قل لي فقط ما ترغب مني بفعله لفك ألغاز تلك القضية، لابد أن ينال المجرم عقابه".

قال محمود بعد أن شكره: "إنه ثائري وحدي، لن أورط أي شخص في ذلك". "وحدك؟ " قال ثروت بسخرية. "أنت بالكاد تستطيع المشي". محمود ربّت على كتفه. "أرجوك اسمح لي بمساعدتك؟ "شكرًا لك". قال محمود. "أنت فعلًا شخص رائع يا ثروت". "أكثر مما تتصور". نطقت لورا. "لقد أصر أن يحضر لزيارتك دون تأخير، كنت أنا من طلبت منه أن يتريث، كنت ملزمة ببعض الأعمال". قال محمود: "شكرًا لك لورا. ستتناولون الطعام معًا؟ اعتذر ثروت،

قال وهو يبتسم: "لا أستطيع، تسنيم لن تغفر لي ذلك، على المرء أن يخشى زوجته". "طبعًا". رحل ثروت. بينما تناولت لورا معهم الطعام. كانت الممرضة تجلس جوار محمود، كانت تفكر بصمت، شارده. لاحظ محمود ذلك. "ما بك؟ " سألها. قالت: "لا أعلم، إنه فقط، هذا، أقصد ثروت، لا يبدو لي شخصًا طيبًا". ضحكت لورا وتبعها محمود. قالت لورا: "ليس طيب؟ إنه لا يستطيع التبول قبل أن يطلب سماح تسنيم، شخص هش، مذبذب، تسنيم تذيقه الويل".

"لكنه يحبها. عندما يحب المرء يتحمل من أجل من يحبه". قال محمود: "فعلًا شخص طيب، مسالم". ثم همس للممرضة: "سناقش ذلك لاحقًا". قالت لورا: "تعلم أنني بجوارك دائمًا يا محمود، لا تعتقد أن المسافات تشكل فارقًا بيننا، بأي وقت تحتاجني فقط هاتِفْني". نهضت الممرضة وتركت الطاولة نحو غرفتها. قال محمود: "أنا حقًا ممتن لك لورا، من النادر أن تجود علينا الحياة بأصدقاء حقيقيين". "أصدقاء؟

" نهضت لورا وضربت الطاولة بقبضتها. "لازلت تقول أصدقاء؟ طار الحساء ولطخ مفرش الطاولة. "محمود، عليك أن تنساها. تسنيم لن تعود لك مرة أخرى، ماذا تنتظر؟ قل لي؟ لماذا تصر كل مرة أن تبعدني عنك؟ ما الذي يميزها عني؟ رمقها محمود بعيون تائهة. قال: "لا شيء". "ماذا إذًا؟ لقد مللت من انتظارك. قلت نزوة وتمر، لكنك غارق في الماضي، الماضي سيقتلك". قال محمود: "أنا لم أطلب منك أن تنتظريني! زعقت لورا: "لكني أحبك! هل يمكنك أن تفهم ذلك؟

أحبك! أشاح محمود وجهه للناحية الأخرى معلنًا نهاية المحادثة. خطت لورا بعصبية نحو باب الشقة، توقفت، التفتت نحوه، وقالت في سرها: "تستحق ما يحدث لكما". أصكت الباب بعنف واختفت. "انتهت وصلة العشق؟ " سألته الممرضة وهي تعود لمقعدها مرة أخرى. "يا أخي، تخلص منها، أنا لا أعلم لماذا تصدع نفسك". قال محمود بثقة: "إنه لمن الرائع أن تجد شخصًا يحبك وترفض حبه". قالت الممرضة: "أنت شخص نرجسي مخادع، ما الرائع في ذلك؟ لماذا تتلذذ بألمها؟

قال محمود بنبرة غاضبة: "عليك أن تفهمي أنني لم أطلب ذلك، قلت لها بوضوح أنني لا أرغب بها". "متى كان ذلك؟ " سألته الممرضة. قال وهو ينهض من مكانه نحو المطبخ: "صباح يوم الحادثة". "تشربين قهوة؟ قالت الممرضة: "متشكرة". زعق محمود مرة أخرى: "تشربين قهوة؟ قالت الممرضة: "أنت كل مرة تفسد القهوة ثم تطلب مني أنا أن أصنعها من أجلك". "أنا محتارة، أنت لا ترغب بالتعلم، أما أن قهوتي تعجبك وأنت تتعمد ذلك".

قال محمود: "أحاول أن أتعلم وقهوتك تعجبني". قالت الممرضة وهي تنهض نحو المطبخ: "هذه لا يمكن أن تكون إجابة، أنت ممل جدًا". قال محمود وهو يصعد درجات السلم نحو السطح دون أن يدير ظهره: "لا تتأخري، أنا أنتظرك". قالت الممرضة: "ليس لديك حل آخر. من الشهر القادم ستحدد لي راتبين، أنا لن أصنع القهوة بالمجان". "تقولين ذلك؟ " قال محمود بصوت بالكاد سمعته. "وأنت ترفضين بأي شكل أي علاوة فوق راتبك؟ قبل أن يردف: "غبية!

زعقت الممرضة ليسمعها: "غبية فعلًا! فعل قرص الموسيقى ورفع ساقيه على المنضدة. كانت شمس العصاري تنشر ضوءًا ضعيفًا دافئًا منعشًا. قرب حامل لوحة الرسم. طلب من الممرضة التي حضرت للتو حمل صينية القهوة. "قلت لك مائة مرة أنا لست رسامًا". "قربي اللوحة". أمرها محمود بنبرة صارمة. "لا تحمل اختيارك". استجابت، كانت تعجبها طريقته بشكل لافت. تناول فرشاته وراح يرسم. وهي ترتشف قهوتها تابعته بصمت قبل أن تسأله: "ألن تخبرني ماذا ترسم؟

قال محمود: "لوحة". قالت الممرضة: "لوحة؟ تصدق غريب؟ لم يضحك على مزحتها. كانت تعلم تلك النظرة في عينيه عندما يشرد، نظرة من يفتقد شخصًا ولا يطيق الحياة دونه. من يخاف أن يبتسم فيشعر بالخيانة. كان ثروت قد وصل للتو عندما دلف لغرفة تسنيم. شد كرسيًا وجلس جوارها. "قل لم يمت". انتظر أن تنطق تسنيم لكنها لم تفعل. كان تدرك أنه سيضربها على أي حال لكنها لا ترغب أن تمنحه الدافع.

"يعرج على قدمه مثل أبو قردان. يقول إنه يعيش على أمل أن ينتقم من الشخص الذي دهسه بسيارته. هل تصدقين ذلك؟ "لم يمت من سوء حظه. ما سأفعله به أصعب من الموت مرات كثيرة". "لا تؤذيه أرجوك". "نطقتي؟ كنت أظن أنك ابتلعت لسانك. تحبينه؟ قولي لن أضربك". "لا أحبه". "كاذبة! ". وركلها بقدمه. تكورت على نفسها وجسدها يرتعش. "سأفعل ما ترغب به لكن ارجوك لا تقتله! "من قال إنني سأقتله؟ لا توجد متعة في القتل. الخائن عليه أن يتعذب مثلك".

"افعل بي ما تشاء لكن ارجوك اتركه بحاله". "سأفعل بك ما أشياء وبه أيضًا يا بنت... حتى قبل أن يضربها صرخت تسنيم. حاولت أن تستجديه. قالت: "اليوم حضرت صديقتي من العمل، طرقت باب الشقة لم أرد. يمكنك أن تسألها. أقسم لك لم أصرخ". حنح في مكانه. ابتسم، ربّت على كرشه، أشعل لفافة تبغ. قال: "أنا أنتظر. أنتظر لورا أن تخبرني أنه يحبها حينها يمكنني أن أنسى تلك القصة، لكن اللعين يفكر بك. ما الذي يعجبه بك؟ انطقي يا عاهرة!

استسلمت. أغمضت عينيها والركلات تنهمر على معدتها. منذ أسبوع عينها متورمة، عظم صدرها مشتعل. أرادت أن تموت، أن تنعم بالسلام فقط.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...