لم يكن هناك أي أثر لمادة مخدرة. القتيل لم يقاوم قاتله، أو أنه لم يمنحه الفرصة. ماذا يعني ذلك؟ ربما كانت تربطه علاقة بالقاتل ولم يتوقع خيانته. أعني ألفة، صداقة. أخذ على حين غرة. لم يكن هناك شيء آخر أفعله. غادرت المشرحة نحو السجل المدني. هناك بحثت عن اسم ثروت عبد الواحد بعد أن انتحلت صفة ضابط شرطة.
كانت أسرته قد ماتت في حريق ولم ينجُ إلا ثروت وأخت له كانا خارج المنزل حينها. كان له ثلاثة إخوة وأخت. كان لثروت أخ توأم يحمل نفس تاريخ ميلاده. لم يكن هناك شك أنه هو الشخص الذي انتحل شخصيته. لم أشغل بالي بالأسباب التي دفعته لقتل أخيه إذا كان ما أفكر به صحيحاً، لأن هناك فكرة أخرى كانت تتشكل داخل ذهني، فكرة مجنونة جعلتني أعتقد أن تسنيم في خطر محدق.
قصدت العنوان الذي كان مسجل لثروت في منزله الذي احترق. هناك قابلت جيرانه وأكدوا لي أنهم شاهدوا الجثث المحترقة وليس هناك أدنى شك لديهم أن كل العائلة ماتت. تساءلت عن أخته وأكدوا لي أنها رحلت بعيداً ولم يراها أحد منذ يوم الحادث المشؤم. هاتفت الطبيب الشرعي مرة أخرى بعد أن كان منحني رقم هاتفه. قلت له: اطلب منك خدمة أخرى وأعدك أن لا ترى وجهي بعدها حتى في لوحات الرسم؟ وافق على مضض: أنت لا يأتي من خلفك سوى المشكلات.
سألته: إن قام بتشريح جثث عائلة وصلت إليه منذ خمس سنوات؟ قال: كيف لي أن أعلم، مضى وقت طويل. إن ما تطلبه مستحيل. لكن! السجلات محفوظة. يمكنك أن تطلع على الدفاتر. وأشار لأدراج كتب عليها: ضحايا الحرائق. بحثت في الدفاتر القديمة التي تعود لخمسة أعوام مضت. هناك، وجدت سجل العائلة وصورها. كل صورة مسجل عليها الاسم وسبب الوفاة. كان التقرير يشير أنهم ماتوا بإصابات بالغة من الدرجة الأولى. احترقوا تماماً.
سألت الطبيب الشرعي عن احتمالية الخطأ في تلك الإجراءات المتبعة في تلك الحالات. رمقني بغضب وطردني خارج المشرحة. ارتديت جينز أسود وقميصاً أبيض وسترة مريحة. انتعلت حذاءً أنيقاً وفكرت ملياً في أماكن اللقاء في وسط المدينة التي أشارت إحداهن إليها. أحتسيت فنجان قهوة بانتظار موعد توجهي للمدينة. لم أشأ الانطلاق باكرًا جدًا، فقد يلاحظني أحدهم متسكعًا في مقهى نصف فارغ وأردت تجنب ذلك.
إن الأمر الأكثر أهمية بالنسبة لي هو التواري عن الأنظار فلا يلاحظ أحد وجودي. يجب أن لا أكون ظاهرًا بشكل بارز. اعتدت مراقبة كل الأماكن التي من الممكن أن يقصدها أي شخص عادي، لكن لا ثروت لا لورا لا تسنيم. منذ آخر مرة لم يظهر ولا واحد منهم. كنت أعلم أن تسنيم في خطر كبير بعد أن اتضحت نوايا ثروت أو الشخص الذي انتحل صفة ثروت! لم أفلح في الوصول لعنوان أخت ثروت. كانت قد تبخرت ببساطة أو ابتلعتها الأرض. وسألت نفسي لماذا رحلت؟
وكيف لم يراها أحد منذ الحادثة؟ لم أجد مبررًا مقنعًا يدفعها لترك الحي برمته بسبب حريق. لماذا ألقت بكل شيء خلف ظهرها؟ ما الذكريات البشعة التي دفعتها للاختفاء وقطع كل صلاتها بالماضي؟ حتى اسمها تقي عبد الواحد أحمد لم يساعدني في شيء. العنوان المسجل بالبطاقة الشخصية هو عنوان المنزل المحترق. منذ ذلك الوقت لم تجدد بطاقتها الشخصية ولم تظهر. عاصمة لعينة وقذرة بأمكان أي شخص أن يختفي بسهولة إلا إذا كانت الشرطة تبحث عنه طبعاً.
الشرطة؟ تذكرت صديقي الضابط وإمكانية مساعدتي فهاتفنه فوراً. طلب مني بعض الوقت. قال: لا تضغط علي يا محمود. كنت نسيت كل شيء عندما هاتفني ضابط الشرطة وأرسل لي عنوان تقي عبد الواحد. أصرت الممرضة عندما هاتفها أن تذهب معي. قالت: توقف مكانك. كانت: لا يليق بك دور محقق الشرطة. أنت وسيم وأنيق نصف الضحايا سيقعون في عشقك. كنت متهور تفوتك بعض النقاط الهامة. وأنت شارلوك هولمز؟ زعقت مديحة الممرضة: اخرس وانتظرني سألحق بك حالاً.
رغم أنها تركت العمل عندي إلا أنها تعتبر نفسها مسؤولة عني بطريقة ما. كان علي أن أقود السيارة لمدة خمس ساعات للوصول لقبو يقبع في منزل قديم. كان يستخدم مخزن في الماضي. فتحت لنا فتاة ثلاثينية وجهها متغضن وجسدها انحل من السن. لم تبدو مسرورة برؤيتنا وطلبت منا الانصراف فوراً قبل أن تحدث ضجة. كانت على وشك صك الباب في وجهنا حتى قلت: أخوك لم يمت. ترددت دقيقة قبل أن تستدير ناحيتنا. ارتجف كل جسدها كأنها على وشك موت محدق.
قالت: ماذا تقصد؟ قلت: أنا لا أعني ثروت. أعني أخيه التوأم. أنت شخص مجنون ارحل من هنا. قلت: هناك أشخاص في خطر. أرجوكي ساعدينا. صكت الباب بقوة في وجهنا بلا مبالاة واضحة. قلت لمديحة: خلفها سر. علينا أن نجد طريقة لإقناعها على التحدث معنا. قالت: مستحيل. إذا أغلقت الأنثى بابها لا تفتحه أبداً. ليس معي. قلت وأنا أخرج رقم هاتفي وعنواني. اقتربت من الباب.
قلت بصوت واضح ومسموع: أشعر بحجم المعاناة التي لحقت بك وأنك لا ترغبين بتذكر الماضي. لكن هناك آخرين سيشربون من نفس الكأس وأنت تدركين ما أعني؟ لقد توصلت لعنوانك. عليك أن تفكري إلى متى سيظل ثروت مختفياً قبل أن يظهر هنا؟ لن يطرق الباب مثلنا، سيقتحمه ولن ينقذك أحد. دفعت الورقة تحت الباب وغادرنا. بطريق عودتنا سألتني مديحة: ماذا تقصد بكل تلك التلميحات؟ قلت: لا شيء. إن كان هناك شيء كنت أعتقد لن يتأخر في الظهور.
رحت أقود السيارة وأنا أدمدم بأغنية قديمة. قالت مديحة: هل يمكنك أن تخبرني لماذا تغني؟ كل تلك المصائب وتغني؟ رمقتها بغيظ. قلت: أنا لا أغني إلا عندما أكون أتقطع من داخلي. ودعت مديحة تحت بنايتها وعدت لمنزلي محبطاً. لو لم يكن لي يد في تلك المشكلة لتركتها خلفي. لكني غارق في الوحل. أنا رأس تلك المشكلة وجذعها. لم تهاتفني تقي عبد الواحد لمدة أسبوع. كنت خلاله قد ذهبت مرتين لمراقبتها. لا تترك غرفتها مطلقاً. لا أعلم كيف تعيش؟
النساء لا يرضخن بسهولة ولا يتحدثن عن الماضي. يمكنني تصور ما كانت تتعرض له تقي عبد الواحد. التمست لها العذر. كنت وحشاً بالماضي لا أبحث إلا عن شهوتي وأدرك ما يقدر على فعله شخص مثلي. في ملل دفعني أن ألاحق ذبابة على سطح المنزل. جلست أستمع للموسيقى، أفتش صفحات كتاب بلا اهتمام. فاقد الأمل والشغف. قدمي ممددة على الطاولة وأدخن لفافة تبغ. كانت الساعة تشير للعاشرة ليلاً. المطر ينهمر منذ ساعة بلا توقف.
رن هاتفي. ألقيت عليه نظرة وأهملته. اتصلت بي توحة عشرين مرة تسألني أن كانت تقي هاتفته. ياربي كيف تقتل فضول امرأة إلا إذا لم تقتلها هي نفسها؟ واصل الهاتف رنينه بسخافة. قلت: نعم توحة! قالت: إنه هاتف تقي؟ يقف على الناصية الأخرى المطر يغرقه يحدق بغرفتي. سألتها: من؟ قالت: ثروت. قلت: ثروت مات. قالت: هذا ما تعتقده. سألتها: أنت متأكدة؟ نعم، كيف لا أعرفه حتى بعد كل تلك السنين. راقبته من شرفة الصالة. من المطبخ. إنه هو.
قلت: لا تتحركي من مكانك سأحضر فوراً. وضعت طبنجة بلجيكي مرخصة في جيب سترتي وانطلقت نحوها. قطعت الطريق في أربع ساعات. كان الشارع خالياً. طرقت باب تقي. فتحت لي بسرعة. قالت: لقد رحل. سمحت لي بالدخول تلك المرة. بعد أن جلست دلفت للمطبخ تصنع فنجاني قهوة. تأملت الغرفة المتهالكة. مقعد فقد قدمه، سرير خشبي متعفن. بطانية قديمة. طاولة تعفن عليها الطعام. قلت في نفسي: تلك الفتاة ميتة.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!