بعد أن صنعت فنجاني قهوة، عادت تقي عبد الواحد. جلست على طرف السرير بعد أن أسندت الصينية على الأرض، كانت متوترة جداً، وبدا أنها على وشك اتخاذ قرار مهم. لاحظت أن يديها مرتعشة، سبابة يدها يتحرك بمفرده، تقبضه وتبسطه. قسمات وجهها متغيرة، كأنها تعرضت لصدمة موت. كنت أنتظر حتى تنطق بفارغ الصبر. بدأت تتكلم: "اشرب قهوتك." رفعت فنجان القهوة، ارتشفْت منه جرعة، نحيته جانباً، وبدأت تقي تسرد قصتها.
"إنه هو، أنا متأكدة. كان يقف هناك تحت عمود الإنارة يراقبني، لا أعلم من أي قبر قذر انبعث مرة أخرى. أنا خائفة جداً." راحت تنتحب. تركتها حتى تهدأ. "كان شيطان وليس إنسان، كان يعاملنا بقسوة، حتى والديه لم يسلموا من بطشه." بكت مرة أخرى. "كانت تحفر قبراً في الماضي وتخرج ما بداخله." على الطاولة أمامنا جثة عفنة تفوح منها ذكريات بائسة.
"كنت نائمة عندما راح يتحسس جسدي، حينها صرخت. كنت أعتقد أنني في حلم حتى رأيته واقفاً أمامي نصف عارٍ." "صفعني على وجهي، كسرني ضرب، كنت أنزف دماً، لكن ذلك لم يوقفه عن فعلته." "كان سكراناً وغير دارٍ بنفسه." بكت تقي مرة أخرى حتى أشْفِقَت عليها. قلت: "يمكنك أن تتوقفي هنا." صرخت: "لا، أحتفظ بهذا الحمل منذ سنين على كتفي، حان الوقت أن يحمله شخص آخر معك."
"كرر فعلته مرات ومرات، كان يعاملني مثل كلبة، لم أستطع فتح فمي، أقسم أنه سيقتلني ويقتل كل العائلة." "كان يقيدني عندما أدافع عن نفسي، حتى انتفخت بطني، حينها لم أدرك ما علي فعله." "أخبرته بالمصيبة التي فعلها، اقتادني يومها لشقة نائية وحبسني فيها سبعة أشهر حتى وضعت طفلي بمفردي." "تدرك مقدار الألم الذي تحملته. رحت أصرخ حتى نزل الطفل."
"كنت طلبت منه أن أجهضه، أسقطه، ترجيته ألف مرة لكنه رفض. لم أعلم إلا متأخراً لماذا كان يصر على ذلك." "كان ابن حرام من علاقة حرام بين أخ وأخته. كنت أقضي ليالي بطولها أبكي أنتظر حضوره ليمارس جنونه." "عندما وضعت الطفل شعرت بالشفقة نحوه، كنت أعلم أنه لا ذنب له في ما حدث، رغم ذلك قررت قتله." "لكنه منعني، خطفه من بين يدي ولم أره مرة أخرى." "أعادني للمنزل، كان قد أقنعهم أنني كنت أعمل خادمة عند أناس يعرفهم."
كان هاتفي يرن باستمرار، كانت مديحة الممرضة. لم أرد عليها، لكنها واصلت مهاتفتي. نحيت الهاتف جانباً، كنت أشعر بصداع في رأسي ولم أرغب في الرد عليها. أردفت تقي: "بعدها ظهرت عليه آثار النعمة، ارتدى ملابس جديدة وابتاع أثاثاً جديداً للمنزل." "عندما سألته أخبرني أنه باع الطفل وجنى من خلفه نقوداً كثيرة." "نقود تكفي أن يعيش الحياة التي كان يتمناها." "قال علينا أن نعيد الكرة مرة أخرى، قال: أيتها النعجة امنحيني طفل آخر."
"أتدرين هكذا قالها، نعجة." "حينها قررت قتله، اضطررت أن أصبر شهرين آخرين، وكنت حينها حاملاً بالطفل الثاني. انتهزت فرصة وجوده بمفرده نائماً في المنزل وأشعلت النار في البيت." "لم أعلم أن والديّ دخلا لداخل المنزل دون أن أشعر حتى رأيت جثثهم محترقة." "رأيته ميتاً، حضرت دفنه، كيف خرج من قبره مرة أخرى؟ كنت على وشك أن أسألها، ماذا فعلت بالطفل الثاني؟ لكن وصلتني رسالة من مديحة الممرضة. "هاتفني فوراً." انتظرت دقيقة بعدها.
اعتذرت لتقي أن تسمح لي أن أرد على الهاتف. دلفت لمطبخ تقي حتى لا تسمعني وهاتفت مديحة. جاءني صوتها الصارخ المرتعب: "إنه هنا، أنقذني يا محمود، حطم باب الشقة." سألتها: "من؟ واصلت مديحة صراخها ثم قالت: "ثروت." وانقطعت المهاتفة على صوت صراخه. دارت بي الدنيا وحلت غشاوة على عيني. من خلفي سمعت صوت تقي. لم ألحظ حضورها، كانت تقف خلفي. قالت: "أنا آسفة يا محمود، آسفة، لن أتحمل أن يكرر ما فعله معي مرة أخرى."
راحت رأسي تلف، ترنحت، اتكأت على الجدار. صرخت: "ماذا وضعتِ في القهوة؟ حملقت بالطاولة وجدت علبة صغيرة بها حبوب منومة. "أنتِ متواطئة معه؟ كنت قد توقعت أن يحدث ذلك، لم أحتسِ من فنجان القهوة سوى رشفة واحدة. نزعت تقي عبد الرحمن ملابسها، قالت: "انظر هنا حتى تفهم، أكافح لأبصر جراح، لسعات نار، قطع لحم منزوعة لم تكد تشفى." "أثر سياط بطول ظهرها." أطبقت جفوني على بعضها وسقطت على الأرض.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!