الفصل 14 | من 29 فصل

رواية فراشة المقبرة الفصل الرابع عشر 14 - بقلم مونت كارل

المشاهدات
15
كلمة
1,490
وقت القراءة
8 د
التقدم في الرواية 48%
حجم الخط: 18

كانت الدنيا تلف بذهن تسنيم، إلا إنها رغم كل شيء لم تحاول مغادرة المكتب قبل حضور لورا. كما أنها تسعى كالعادة للعودة للمنزل بعد محمود. لكن لورا تأخرت، فاندفع الشك في صدر تسنيم. كان الهاتف بيدها، لكنها كانت تفكر في جدوى مهاتفتها الآن. ماذا ستعتقد؟ لطالما أعيت تسنيم عقلها بالتفكير. إذا كانت تعتقد أن لورا الآن حالاً رفقة محمود، فإن اتصالها ربما يوحي بأشياء لا تقصدها تسنيم.

لكن تلك الفكرة في حد ذاتها أغضبتها. محمود رفقة لورا؟ أين؟ تزوجته سبعة أشهر لم يفكر مرة في اصطحابي في نزهة أو دعوتي للعشاء خارج المنزل! إن هذه حماقة لا تغتفر، لن أسامحه عليها. نعم، أنا لا أعني له شيء، لكن رغم كل شيء أنا لا أتقبل ذلك! كانت الساعة تشير للخامسة عصراً. من المفترض أن محمود عاد للمنزل منذ أكثر من ساعة. قررت أن تعود للمنزل في حال وجدت محمود، فإن شكوكها لا محل لها. أما إذا؟

وفكرت أن لا تفكر في الطرح الآخر، لم تكن مستعدة. وأصرت أن لا تفكر باحتمالية أن يكون محمود ليس في المنزل، واعتبرت أن مجرد تفكيرها بتلك الطريقة يعني تسليمها بصحتها. لكن غرفة محمود كانت خالية. وعندما صعدت للسطح لم تجد محمود. جلست على المقعد بعد أن ألقت جسدها عليه بعصبية، ولم تسأل نفسها عن سبب عصبيتها، وأن ذلك شيء طبيعي أن تكون غاضبة.

ألحت بلوحة محمود. كان يمكنها أن ترقب الشارع الآن بوضوح. باب البناية تحت عينيها. إذا عاد محمود يمكنها رؤيته. لكن محمود رغم مضي ساعة أخرى لم يعد. أخرجت هاتفها وطلبت لورا. رن الهاتف مرة، مرتين، لم تتلق رد. اعتبرت تلك إهانة، وأنه ليس هناك ما يدعو لورا لعدم الرد عليها حتى لو كانت رفقة محمود.

أخيراً لمحت محمود يدلف من باب البناية. استعدت للنزول في اللحظة التي هاتفتها لورا. فكرت أن لا ترد عليها بعد انتفاء السبب، لكنها رغم ذلك تحدثت مع لورا التي بررت عدم ردها أنها كانت في المطبخ ولم تسمع رنة الهاتف، وأنه بكل حال لا يمكنها لومها على تلك السقطة التي حدثت رغماً عنها. كان يمكن للمهاتفة أن تنتهي هكذا، لكن لورا كانت تطلب السماح والغفران من تسنيم بصورة توحي أنها ارتكبت جرماً ما.

وإذا بتسنيم تقول: لا، لن أسامحك، ولا يمكنني أن أسامحك. وأغلقت الخط بعد تلك الكلمات المبهمة. هبطت درجات السلم مسرورة. كان محمود جالس بالصالة ينتظر والدته التي تعد الطعام. جلست بمقابلته دون أن تحيه. كان محمود شارداً يحملق بهاتفه، واعتبرت تلك إهانة أخرى من تلك الإهانات التي لن تنتهي ذلك اليوم.

لقد حضرت. تنحنحت وسعلت. كان عليه أن يرفع رأسه اللعينة على الأقل، لكنه لم يفعل. وضعت حماتها الأطباق على الطاولة بعد أن قامت بتحيتها. قالت تسنيم: انظري، إنه لا يعبأ بي ولم يكلف نفسه بالنظر نحوي؟ قال محمود: لكني لم ألاحظ حضورك، كنت مشغولاً بالهاتف. قالت تسنيم: كيف لك أن تنتبه لحضوري إذا كنت مشغولاً بالهاتف؟ حقاً، هذا مدهش. أن المرء يمتلك عقلاً واحداً وفقط عينين.

قال محمود بعد أن نحى الهاتف جانباً: إنك أنيقة اليوم يا تسنيم، ولا أرى أي سبب لغضبك!

عاينت تسنيم نفسها. إنها تبدو أنيقة كل يوم. وإذا كان عقله بمنتهى الغباء، فإن هذا ليس مشكلتها. وأنه ليس من حقه ولا من حق أي إنسان آخر، أن يمدح أناقتها وقتما يحب، وأنها لن تقبل ذلك ولا ترحب به. إنها لن تصبح أنيقة رغماً عنها. وأنها حقيقياً لا ترى نفسها أنيقة اليوم، بل إنها مستعدة أن تذهب لأبعد من ذلك. وأن أي شخص يخبرها أنها أنيقة اليوم، فإنها لن تتورع عن ركله بطريقة مهينة. قالت: شكراً لك!

تناول محمود هاتفه مرة أخرى وبدأ مشغولاً جداً، وأن هناك ما يشغله حقاً. ما من شخص يحملق بهاتفه بتركيز إلا إذا كان هناك ما يشغله فعلاً. ودون أن تشعر، نهضت من مكانها. وقفت أمام المرآة وسألت حماتها التي كانت بطريقها للمطبخ مرة أخرى: هل أبدو أنيقة حقاً؟ قالت حماتها بعد أن انتصبت في مكانها تعاين تسنيم التي حاوطت خصرها بيديها كفتاة جامعية، وبعد أن لازت بالصمت لبرهة حتى تكون ملاحظتها دقيقة: نعم، تبدين مذهلة يا تسنيم.

وكأنما أدت الدور المنوط بها، قصدت حماتها المطبخ مرة أخرى بعد أن مسحت وجهها بمئزرها، وتعثرت في حذاء ركلته بعيداً عنها بلا اهتمام. كانت تسنيم بغاية السعادة بعد أن تأكدت من أناقتها، وبدت مستعدة لمحادثة طويلة مع محمود بعد طول قطيعة. لكن هاتف محمود رن. تسنيم مزعورة كأن تلك المهاتفة تخصها هي ولا أحد آخر. قبل أن يجيب محمود على المهاتفة سألته: من؟ قال محمود: لورا. لورا؟ تساءلت تسنيم وهي تقترب من محمود. قبل أن تسمح له بالرد،

أردفت: هل يمكنك أن تخبرني متى تبادلتم أرقام الهاتف! قال محمود بلا اهتمام، كأن الأمر لا يعنيه: تقابلنا صدفة اليوم بالشارع وتبادلنا أرقام هواتفنا. قالت تسنيم: في الشارع؟ ألم تدعوها على الأقل على فنجان قهوة؟ إنها صديقتي ويهمني أن تعاملها باحترام. إن مجرد فكرة تبادلكم لأرقام الهواتف بالشارع تصيبني بالغثيان! قال محمود: إذاً، كان يرضيك أن تعلمي؟

وكان محمود يدافع عن نفسه بضراوة. أنا شديد التفهم لأمور اللياقة والإتيكيت، ولا يمكن لتلك الأمور الصغيرة أن تمر على. تسنيم: دعوتها لفنجان قهوة إذاً؟ محمود: أنا غير مهتم بالقهوة، لكن أجل، هذا ما حدث! زعقت تسنيم بغضب بعد أن انتابتها ثورة كبيرة: لن أتناول طعامي اليوم، أنا ذاهبة لغرفتي.

لكن حماتها التي كانت تتابع المحادثة لحقت بها وترجتها أن لا تغضب من تلك الأمور العادية، وأن لا تسمح لأي شخص كان. وأشارت نحو ابنها أن يعكر مزاجيتك! قال محمود بعد أن ألقى هاتفه على الأريكة، وكان قد اكتفى بموقف الدفاع حتى الآن: لماذا أنت غاضبة جداً لهذا الحد؟ وقبل أن تجيبه تسنيم، قالت: الآن فرغت من الأشياء الهامة التي كنت تفعلها على الهاتف؟ قال محمود: إذاً، كنتِ غاضبة جداً. اطلبي من صديقتك أن لا تلاحقني.

قالت تسنيم بانفعال: لماذا قد أغضب؟ وحضنت حماتها بأسى وهمست: أنظري كيف يعاملني!؟ قال محمود بتحدي: ماذا أفعل؟ قالت والدته: رغم أني والدتك، إلا أنك ارتكبت أخطاء شنيعة في الماضي. حتى أنا والدتك التي حملتك في معدتي تسعة أشهر وربتت بكفها على أمعائي، لم أتخيل أنك من الممكن أن تفعل هذه الحماقات. لكني والده، ولا يمكن لأم أن تكره ولدها. ثم حملقت بتسنيم: لكنه في الفترة الأخيرة انضبطت أموره وبدأ لي شخص مختلف، ألا توافقيني الرأي؟

قالت تسنيم، وكانت هي الأخرى تربت على معدة حماتها: أجل، أعتقد ذلك. قال محمود بعد أن وضع يديه في جيب معطفه: لكني لم أتغير، ولا يمكن لأحد أن يطلب مني أن أتغير ما لم أتغير من تلقاء نفسي. إذا كان على شخص أن يتغير، فأنه أنت وليس أنا. قالت تسنيم: لكنك تعلم أنني لن أتغير من أجلك، لكن يمكن للورا أن تحل مكاني؟ قال محمود: اللعنة على لورا. ثم تريث دقيقة يزن كلماته وأردف: أجل.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...