قبل أن يدلف محمود لغرفته، سألته: لماذا تفعل ذلك؟ افعل ماذا؟ سألني بنبره هادئه حتى كدت أصدقه. تحاول أن توهم الجميع أنك وحيد وأن الحياة قست عليك؟ تبرم وجهه، دفع يديه في جيب بنطاله. أحقاً ما تقولين؟ قلت: أجل. قال: لا يمكنني أن أفهمك. منذ لحظة فقط كدت تزرفين الدموع من أجل حالتي، حتى أنا نفسي شعرت أنك تعنين ذلك، أنك صادقة. لكن... ليست المرة الأولى التي يخيب ظني في أحدهم.
أنا حقًا، وأنا أعني ذلك. طيب، غبي، مغفل. أندفع خلف مشاعري الرقيقة، أحسب أن كل الناس مثلي. يا لي الأسف. مني الإنسان بالهزائم على قدر طيبته. أشعر أنني غريب عن تلك الحياة. لن يستطيع أي شخص أن يفهمني. آه كم أتألم. تقتلني تلك المشاعر. أنظر للمستقبل ولا أرى غيري. إحساس لا يمكنك تفهمه. أنت بالذات تخطئين دومًا في حقي، ولا غيرك. سألته: ولا حتى لورا؟ تقولين ذلك؟ كان يتساءل بنبرة غاضبة.
أنا بعيد جدًا، أقبع على حافة العالم، مشوه. كل من ينظر نحوي يبتعد، يبتعد جدًا، جدًا. محمود، أرجوك. أنا أحاول أن أفهمك. لا تنسى أنني أنا التي عاشرتك شهور وليس لورا. أنا من عانيت من عقدك. انظر هنا؟ هذا الوجه لطالما تلقى صفعات من يديك. ماذا أفعل ها؟ اعتذاري لن يشفع لي. لا تعتقدي أنني سأزحف مثل حشرة كافكا لأنال غفرانك. أنا لم أطلب منك أن تكون حشرة حتى تنال غفراني. يكفي أن تكون إنسان. هل تفهم؟
لكنك لا تعتقد أنني إنسان أحمل مشاعر وأتألم. في هذه الحالة لا يمكنني أن أثبت غير ذلك. لكن لورا ستفهمك، أليس كذلك؟ لورا؟ أنت تقحمين تلك المتطفلة في كل أحاديثك. أنا لم أدع لورا لمنزلي. يعني لن تقابلها مرة أخرى؟ هذا كل ما يهمك؟ ظننتك تغيرتِ تسنيم. أن قصتنا انتهت ولم يعد لي مكان في حياتك؟ هذه قصة منتهية. رغم ذلك أنا أحاول أن أفهمك. لا يربطنا أي شيء.
وأنا أقول أي شيء لأكون واضحة حتى لا تعتقد أنني تراجعت عن موقفي بالانفصال عنك. وأنا أعتقد أن قصتنا لم تبدأ بعد يا تسنيم. دلف لغرفته وصك الباب خلفه. في العمل، حكت لي لورا ألف قصة عن محمود. رسام، موسيقي، حساس، أنيق، جذاب.
قلت: أنتِ لا تعرفين محمود. أنه قاسي القلب، يمكنه أن يضربك بلا سبب، يعذبك، يتلذذ بألمك. لكنه يفعل ذلك بطريقة محببة. أسلوب يدفعك للتمتع بالألم. إنها فكرة رائعة حقًا أن تكون في قبضة إنسان أنيق، متحكم، جذاب. أنت مجنونة لورا. كان زوجك يضربك، يسبك، لذلك انفصلتِ عنه. الآن يعجبك محمود؟ كيف ذلك؟ أكاد أجُن.
أنتِ لورا تقولين أنك يمكنك تحمل العذاب والإهانة من شخص يعجبك. لكن لو كان شخصًا آخر فإنك ترفضين كل تلك الأشياء وتأخذين لديك أوصاف أخرى. الحياة مملة جدًا تسنيم. نفتح أعيننا للذهاب للعمل، نعمل، نرجع لبيتنا، نأكل، ننام. أنا لا أجد متعة في تلك الحياة. تعني أنك ستجدين المتعة مع شخص يعذبك مثل محمود؟ ليس بالضبط. أنا لا أسعى للألم. لا يمكن لشخص عاقل أن يسعى نحو عذابه. لكن محمود شخص مختلف.
أنا أوقن ذلك. أنه متجدد، متنوع، قادر على استمالتك نحو عذاباتك. لا يمكنك أن تفهمي ذلك الوغد. صدقيني أو أن ترضي نزواتها. أقول لك شيء؟ محمود سيحرص على مقابلتك بعيدًا عني، وليس ببعيد أن يهاتفك خلال الأيام القادمة ليبهرك بحماقاته ويستميلك ناحيته. لقد منحته رقم هاتفي بالفعل. اعتقدت مثلك أنه سيهاتفني لكنه لم يفعل. لورا، هل تدركين قولك؟ لم تمضِ سوى ساعات منذ لقائكم. أنا أتحدث عن المستقبل. قولي لي؟ وصمت لورا.
ألا يزال لمحمود مكان في قلبك؟ أعني... وأرجو أن لا تسيء فهمي، أتحدث عن احتمالية العودة بينك وبين محمود. أنا لا أفكر بالعودة إليه يا لورا. اطمئني. يعني لن تلوميني لو حاولت التقرب منه؟ لن أفعل. لن ألومك. لكني لن أسمح بذلك. أنتِ صديقتي، سأدافع بكل قوة عن مصالحك. أن تكرري تجربتي التي حكيتها لك عندما بكيت من أجلي. فكرت دقيقة، صحت! لا، لن أعود إليه. وحتى تكون القضية مغلقة. لن أفعل ذلك إلا إذا سعي هو للتقرب إلي.
تمتمت لورا في سرها وهي ترمقني بحيرة. تسنيم... أفهم من ذلك أنك مستعدة لإعادة التجربة إذا حاول محمود إستمالتك؟ إذا حاول، ربما أفكر. أعني، لست متأكدة، لكن الآن، أتحدث عن تلك اللحظة أنا غير مرحبة ولا تنتابني أي نية للقرب منه. تسنيم. أشعر أنني تنبلت. أنت تمقتين محمود، تكرهينه، إلا أنك تقولين شيئًا آخر. لأكون واضحة، قد تعيدين الكرة إذا تعطف محمود، اعتذرك وطلب وصالك؟ لا، لن أفعل!
حتى أستعيد كرامتي المهدرة. أقول لكِ شيء لورا؟ أنا غير مهتمة بمحمود ولا يعنيني كيف يفكر، لكني أقول لكِ محمود سيسعى للتقرب منك. قطع حديثنا أحد العملاء الذي قدمه لنا الساعي بعد أن طرق الباب. تركت لورا تبرم معه الصفقة. كنت مغتاظة جدًا من نفسي وغير قادرة على فهمها. ابتعدت. اقتربت من الشرفة. لماذا أجعلُه محور تفكيري حتى بعد أن انتهت علاقتنا؟
تذكرت آخر نهار جمعنا في مكان واحد بمفردنا. عندما أحضر باقة الورد والهدية. سألت نفسي، ألم تكن محاولة صامتة من قبله للاعتذار لي؟ لماذا لم أفكر أن هذه طريقته في التأسف وأمنحه فرصة؟ لكن كيف أفسر عدم اهتمامه بي؟ كنت زوجته رغم ذلك لم يحاول ولا مرة تقبيلي أو احتضاني. سبعة شهور ولا كلمة رقيقة. تذكرت تلك الأيام ورحت أضحك. حتى أنا لم أسع لذلك. كنت متحجرة مثله بلا مشاعر. تذكرت نومته على الأريكة يحتضن باقة الورد. تسنيم؟
التفت لنداء لورا. طلبت مني أن أصطحب السيد لرؤية أحد عقاراتنا الجاهزة للبيع. قالت: افعلي ذلك من أجلي يا تسنيم. لدي مشوار مهم لا يمكن أن يتأخر. صاحبت السيد نحو العقار. أفكر، لورا لم تخبرني عن مقابلة هامة أو دعوة تلقتها. فجأة هكذا حدث كل شيء.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!